نص خطاب مبارك بقمة الكويت 2009

الإخوة والأخوات:
نعم لقد جاءت مأساة “غزة” كاشفة للوضع العربى الراهن، وعلينا أن نعترف بالحاجة لوقفة صدق ومصالحة مع النفس تتمعن فى أحوال عالمنا العربى، وتجتهد للالتقاء على كلمة سواء.
 
إن العلاقات العربية – العربية ليست فى أحسن أحوالها، والعلاقات بين الإخوة الأشقاء لابد أن تقوم على الوضوح والمصارحة، وتطابق الأقوال والأفعال .. لا مجال فى هذه العلاقات للالتواء والتطاول ولا مجال للتخوين وسوء القول والفعل والتصرف، وكأننا نعود بعالمنا العربى إلى الوراء بدلاً من أن ندفع به معا إلى الأمام. لقد كان الموقف المصرى قويا وواضحا منذ اليوم الأول للعدوان على غزة، برغم مغالطات البعض وتجاهلهم لحقائق معروفة وأخرى غائبة.
 
تعلمون جميعا الجهود التى بذلتها مصر لتمديد التهدئة وتحذيرها من أن رفض الفصائل لتمديدها هو دعوة مفتوحة لإسرائيل للعدوان، بل والإدعاء بأن عدوانها حرب دفاعية لحماية مواطنيها من صواريخ المقاومة.
 
كما تعلمون جميعا، ما بذلته مصر لتحقيق الوفاق الوطنى الفلسطينى .. وتدخل البعض بضغوط – نعلمها – لإجهاض جهودنا .. تكريساً للانقسام الراهن .. وسعياً للنيل من شرعية السلطة الفلسطينية، ومنحها للفصائل.
 
لقد استمر اللغط حول فتح معبر رفح بالتجاهل لحقيقة أننى أمرت بفتحه منذ اليوم الأول للعدوان .. ولا يزال مفتوحاً أمام المساعدات والأطقم الطبية والجرحى حتى هذه اللحظة .. وتواصل هذا اللغط بالتغافل عن حقيقة أن المعبر لم يكن ضمن خطة شارون للانسحاب من غزة، وإننى كنت من تمسك بإقامة معبر رفح ليكون منفذاً للقطاع من مصر وإليها، إلى جانب المعابر الستة الأخرى بين غزة وإسرائيل.
 
وعلى عكس ما غاب عن البعض .. فقد كان حاضراً فى وعى مصر وتحركها .. ما تروج له إسرائيل من أن غزة أرض محررة .. تنصلاً من مسئوليتها القانونية والسياسية عن القطاع باعتباره أرضاً محتلى .. وهو ما يجب أن يستدعيه لأذهاننا ترويج إسرائيل لمقولة “غزة أولا” ولمفهوم “الخيار الأردنى” .. وكلاهما بالنسبة لمصر – ولنا جميعاً – أراضٍ محتلة .. تقوم عليها الدولة الفلسطينية المستقلة .. طال الوقت أو قصر.
 
لقد حاول البعض أن يضع مصر فى مواجهة مع المقاومة .. وأقول لهؤلاء إن منظمة التحرير الفلسطينية انطلقت من القاهرة .. ودعمت مصر رموزها وفصائلها عبر سنوات طويلة .. إننا ندعم حق الشعوب فى مقاومة الاحتلال .. ونحترم إرادة المقاومة الفلسطينية وصمودها .. لكننا نؤمن أن المقاومة، كقرار الحرب، لابد أن تخضع لحساب الأرباح والخسائر، ولابد أن تكون مسئولة أمام شعوبها .. تحكم لها أو عليها .. بقدر ما تحققه من مكاسب لقضاياها .. أو تتسبب فيه من ضحايا وآلام ومعاناة.
 
هناك من فصائل المقاومة .. من يعترف بأن ميزان القوى الدولى الراهن ينحاز انحيازاً واضحاً لإسرائيل، ويدعون للانتظار لحين بزوغ نظام دولى أكثر عدالة .. حتى لو استغرق ذلك عقوداً طويلة، فهل يستقيم هذا المنطق؟ هل تحتمل معاناة الشعب الفلسطينى هذا الانتظار؟ وهل يستمر فى الانتظار والاستيطان يقتطع الأراضى المحتلة يوماً بعد يوما؟ وإلى متى نسمح بأن تظل القضية الفلسطينية قضية الفرص الضائعة؟.
 
لقد رأينا منذ اليوم الأول للعدوان أن غزة لا تحتاج لبيانات الشجب والإدانة قدر احتياجها لتحرك عملى عاجل .. يوقف الاعتداءات الإسرائيلية ويحقن الدماء .. طرحت مصر المبادرة الوحيدة للخروج من الأزمة، فى غياب أية مبادرات أخرى، وفى مواجهة مماطلة مجلس الأمن الدولى، تحركت مصر لاحتواء التداعيات الإنسانية للأهل فى غزة، ودفعت بأكثر من 3000 طن من مساعدات الغذاء والدواء من معبرى رفح والعوجة منذ بدء العدوان وحتى الآن.
 
إن علينا أن نحاذر من اختزال القضية الفلسطينية فى غزة واختزال غزة فى المعابر .. واختزال المعابر السبعة فى معبر رفح .. إن القضية الفلسطينية أكبر من ذلك بكثير .. إنها قضية شعب يعانى منذ عام 1948.. يتطلع لانتهاء محنته والتخلص من الاحتلال وقيام دولته المستقلة .. وسيحكم التاريخ على قادته – وعلينا جميعاً – بقدر ما نقربه أو نبعده عن هذا التطلع المشروع.
 
سنبذل فى ذلك كل جهد ممكن، فإن تحققت المصالحة فذلك هو الخير لشعب فلسطين وقضيته، وإن لم تتجاوب الفصائل مع جهودنا فسنقول لهم إن الله يساعد الذين يساعدون أنفسهم .. وإن مصر ستبقى مفتوحة الذارعين لكم باباً وملاذاً وجهوداً صادقة وفاعلة.
 
الإخوة والقادة العرب:
إننى أحيى صمود الشعب الفلسطينى فى غزة، وأحتسب عند الله أرواح شهدائه .. وأقول للأهل فى القطاع إن مصر ستظل بجانبكم فى محنتكم، لن نهدأ حتى تنسحب قوات إسرائيل ويعاد فتح المعابر ويرفع الحصار .. سنواصل فتح معبر رفح أمام جرحاكم وأمام مساعدات الإغاثة .. وسندعو لمؤتمر دولى لإعادة إعمار ما دمره العدوان.
 
أقول لإسرائيل، إن غطرسة القوة لن تقهر المقاومة .. ولن تفرض الخضوع على شعب فلسطين، أقول لقادتها إن أمن شعبكم يتحقق بالسلام وليس بالطائرات والدبابات .. وأقول لهم إن القضية الفلسطينية سوف تنتصر فى النهاية .. وإن الاحتلال مصيره إلى زوال.
 
وأقول للمجتمع الدولى والقوى الكبرى على وجه الخصوص، إن عملية السلام ظلت تراوح مكانها سنوات طويلة .. وإن عليهم تحمل مسئوليتهم فى إنهاء الاحتلال على نحو جادٍ دون إبطاء .. أقول لهم إن العرب طلاب سلام عادل وشامل يقيم الدولة الفلسطينية المستقلة، ويحرر كافة الأراضى العربية المحتلة .. أقول إن سلام الشرق الأوسط ضرورة عاجلة لا تحتمل الانتظار، وإن تأخر السلام يزيد مشاعر كراهية شعوبنا تجاه إسرائيل ومشاعر الغضب تجاه من يتحدثون عن السلام ولا يقرنون الأقوال بالأفعال .. وأقول لهم إننا قد طرحنا مبادرة عربية للسلام منذ قرابة السبع سنوات .. وحان الوقت لأن يتم التجاوب والتعامل معها .. وأن تؤخذ من جانب إسرائيل والقوى الدولية الكبرى على محمل الجد.
 
أصحاب الجلالة والسمو والفخامة:
لقد احتضنت مصر قضايا أمتها ـ ولا تزال – بصدق وتجرد ودعمت العمل العربى المشترك على كافة أصعدته ومحاوره .. وسوف تظل. إننى آتٍ إلى هذه القمة موقناً بأن الوضع العربى الراهن بانقسامه وخلافاته ومحاوره .. لابد أن يتغير .. واثقاً أن الخلافات العربية – أياً كانت – لا تستعصى على الحل بالجهود المخلصة والعزيمة الصادقة، فهى فى النهاية خلافات بين أشقاء.
 
وكعهد مصر مع أشقائها عبر عقود طويلة، فإنها ستبذل أقصى طاقتها لرأب الصدع العربى الراهن، ولتضع نهاية للخلافات العربية القائمة كى نلتقى جميعا حول ما يجمعنا ولا يفرق شملنا.
 
وإننى على يقين من أننا سوف ننحاز فى نهاية المطاف لهويتنا العربية وأهدافنا الواحدة ومصالحنا المشتركة، ويظل اقتناعى أكيداً بأنه لا يصح إلا الصحيح، وبأن مستقبل عالمنا العربى وتضامنه سيكون بعون الله وتوفيقه أفضل مما هو عليه الآن. أتوجه مجدداً بالتحية والتقدير لأخى سمو أمير دولة الكويت، وأتمنى أن تكون هذه القمة فاتحة خير، تضع عملنا العربى المشترك على مسار جديد وتخطو به خطوات إلى الأمام.
المصدر
http://alhakemegypt.blogspot.com/2013/04/2009.html