“لن تمرّ إسرائيل :بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل “

لن تمرّ إسرائيل
لن تمر سفن إسرائيل من قناة السويس
رأى صريح فى خطاب مساعد وزير الخارجية الأمريكية
ورأى صريح أيضاً فى محاولة الضغط علينا بقرض البنك الدولي لتوسيع القناة
هذا الحديث لابد له من مقدمة، صريحة، مختصرة، قاطعة.
إن الموضوع الأساسي فيه، أن يكون تعليقاً على الخطاب الذي أرسله المستر ويليام ماكومبر – مساعد وزير الخارجية الأمريكية – إلى “سيمور هالبرن” رئيس جماعة الشيوخ الأمريكيين الثلاثة عشر (!) الذين وجهتهم إسرائيل للضغط على البنك الدولي حتى يسحب عرضه للجمهورية العربية المتحدة بقرض يستخدم فى توسيع قناة السويس – إلا بشرط السماح للبواخر الإسرائيلية أن تمر فى هذه القناة وتستعملها بلا قيد ولا شرط.
والفقرات التى ينصب عليها التعليق – موضوع هذا الحديث الأساسي – هى تلك الفقرات من خطاب “ماكومبر” التى يربط فيها بين حرية الملاحة فى قناة السويس وبين منع سفن إسرائيل من استعمالها، كذلك ينصب التعليق على المناسبة والظروف التى ألزمت “ماكومبر” بكتابة هذا الخطاب تحت تأثير الضغط الصهيوني وتحت تأثير نفوذ إسرائيل.
هذا هو الموضوع الأساسي لهذا الحديث.
ولكن المقدمة، الصريحة، المختصرة، القاطعة، قبله. لابد منها.
هذه المقدمة قبل الحديث هى:
“إذا كان هناك من يتصور أن الجمهورية العربية المتحدة على استعداد لأن تسمح بالحديث – مجرد الحديث – عن منع سفن إسرائيل من استعمال قناة السويس، فى معرض مناقشة مسألة قرض البنك الدولي لتوسيع القناة فهو يعيش فى وهم كبير.
وفى الدقيقة التى تشعر فيها الجمهورية العربية المتحدة، أن ثمة محاولة للربط بين الموضوعين، ولو حتى فى الحديث، مجرد الحديث، فإن الجمهورية العربية المتحدة لن تنتظر البنك الدولي يسحب عرضه بقرض التمويل، وإنما، ومن غير ما غضب ومن غير ما أسف – سوف تكون الجمهورية العربية المتحدة هى التى تعتذر عن القرض وهى التى تسحب طلبها له”.
وإذا كانت الجمهورية العربية المتحدة فكرت فى قرض لتوسيع قناة السويس، فلغيرها فائدة هذا القرض أكثر مما هى لها.
لقد طلبت القرض، لكي تقوم قناة السويس بدورها فى خدمة التجارة فى العالم بكفاية أكثر.
وإذا كانت الجمهورية العربية المتحدة، سوف تستفيد من زيادة رسوم المرور نتيجة لزيادة حجم المرور فى قناة السويس بعد توسيعها، فإن الفوائد التى تجنيها التجارة العالمية تزيد بكثير عن الزيادة التى تحصل عليها الجمهورية العربية المتحدة من زيادة الدخل من الرسوم.
ولكنه، لا رغبة الجمهورية العربية المتحدة فى خدمة التجارة العالمية.
ولا رغبتها فى زيادة الدخل من رسوم قناة السويس، يمكن أن تجعلها تقبل شرطاً من الشروط، فضلا عن أن تكون لهذا الشرط صلة بإسرائيل، وإسرائيل بالذات.
هذه مقدمة صريحة، مختصرة، قاطعة.
ليس فيها حماسة خطب، ولا بلاغة أشعار، وإنما فيها الحقيقة مجردة من كل طلاء، من كل زخرف، حتى زخارف القول، وحتى فنون اختيار الألفاظ.
ثم يأتي بعد ذلك موضوع الحديث الأساسي وهو:
“خطاب المستر ماكومبر مساعد وزير الخارجية الأمريكية، إلى الشيوخ الأمريكيين الثلاثة عشر، يربط فيه بين منع سفن إسرائيل من المرور فى قناة السويس وبين مبدأ حرية الملاحة فى القناة”.
وثمة أمران واضحان من هذا الخطاب:
الأمر الأول – أن السياسة الأمريكية – التى يمثلها ماكومبر – لم تستطع أن تستخلص لنفسها عبرة أو عظة من تجربتها فى الشرق العربي خلال أحد عشر عاما مضت، منذ 1948 حتى 1959.
الأمر الثاني – أن السياسة الأمريكية – التى يمثلها ماكومبر – لم تستطع أن تنفذ فى صميم الدوافع التى تحدو بالجمهورية العربية المتحدة إلى أن تمنع سفن إسرائيل من استعمال قناة السويس.
فى الأمر الأول لم تتعظ أمريكا.
وفى الأمر الثاني لم تفهم أمريكا.
وإنها لمأساة من أكبر المآسي فى عصرنا أن بلداً فى مثل أوضاع أمريكا وفى مثل ظروفها من صدارة العالم يجرى له مثل الذي جرى لأمريكا فى كل ما يتصل بإسرائيل.
الدرس واضح ولكن أمريكا لا تتعظ، لأنها لا تقدر.
والحق واضح ولكن أمريكا لا تتقبله، لأنها لا تقدر.
لا تقدر على أن تتعظ لنفسها، ولا تقدر على أن تنتصر للحق، أو على الأقل لا تتصدى له، لا تقدر!.
ولا تقدر لأن الضغط الصهيوني على حكومتها لا يترك مجالا لعظة ولا لفهم.
وهذه هى مأساة عصرنا الكبرى، فى هذه المنطقة من العالم.
ومنذ سنة 1948 سلكت أمريكا المسلك الوعر فى الشرق العربي، من أجل إسرائيل.
وأرغم الشعب الأمريكي على أن يظهر أمام الشعوب العربية، بمظهر الذي خان المبادئ، حتى مبادئه هو، وبمظهر الذى خان ميثاق الأمم المتحدة، بل بمظهر الذي خان جميع المبادئ الإنسانية، من أجل إسرائيل.
أرغم الشعب الأمريكي على هذا كله بغير علم منه.
فإن الشعب الأمريكي حتى هذه اللحظات، لم يسمح له بأن يرى الحقيقة ولا أن يلمح ظلالها.
لم يعرف الشعب الأمريكي أن هاري ترومان رئيس جمهوريته السابق باع شعب فلسطين العربي من أجل أصوات يهود نيويورك فى انتخابات رياسة الجمهورية، وأنه حين اجتمع بممثلي أمريكا الدبلوماسيين فى واشنطن أثناء مناقشة قضية فلسطين فى الأمم المتحدة، وشرحوا له رد فعل سياسته فى تأييد قيام إسرائيل على الشعوب العربية قال لهم:
– أيها السادة، أسألكم سؤالاً، كم صوتاً يملكها العرب فى انتخابات الرياسة؟
وسكت السفراء، وحدثت خيانة بيع الشعب العربي فى فلسطين، ولم يكتف ترومان بأن يخون وحده، وإنما استغل نفوذه على كل بلد لبلده فيه نفوذ حتى تكون الخيانة عامة، وشاملة!.
ولم يعرف الشعب الأمريكي أن شعباً بأكمله، هو شعب فلسطين العربي طرد من دياره، واغتصبت أراضيه وبيوته، ونهبت أمواله وممتلكاته، وإنما زيفت الصورة عليه وإذا هو يتصور أن اليهود المساكين – الذين اضطهدهم هتلر وأقام لهم معسكرات الاعتقال والتعذيب فى أوروبا – قد وجدوا لهم أخيراً وبعد تيه القرون ملجأً يهرعون إليه فى فلسطين.
ولم يعرف الشعب الأمريكي أن إسرائيل لم تحارب فى سنة 1948 بعد أن انسحبت بريطانيا وأسلمت المراكز الحساسة فى كل فلسطين إلى قوات الهاجاناه، وإنما حارب الغير من أجلها، حارب متطوعون من أمريكا ومن بريطانيا وفرنسا، وحاربت طائرات من جنوب أفريقيا بطياريها وحاربت مدافع ودبابات جاءت عبر الأطلنطي وعبر البحر الأبيض.
وكانت هناك جيوش عربية، ولم تكن كذلك إلا بالاسم فقط، لأن قياداتها كانت بريطانية، وكذلك كانت خططها.
وكان الجيش المصري تحت حكم حفنة من السماسرة. وحفنة من المحامين فى القاهرة، وكان السماسرة يأتون بالأسلحة الفاسدة، أما المحامون فكانوا ينظرون إلى الصراع الدامي وكأنه قضية، وكانت الأمم المتحدة فى تصورهم – أو فى وهمهم – محكمة وحين كانت إسرائيل تخرق قرار وقف القتال وتتقدم، ولم تكن تتقدم إلا فى أيام وقف القتال – فإن تصرفهم حيالها كان أن يشدوا جيشهم عن الحركة تحت ظن أن الأمم المتحدة، سوف تعيد إليهم ما حصلت عليه إسرائيل تحديا لقرارها بوقف القتال.
وراحت الدعاية الصاخبة تصور الأمر للشعب الأمريكي، على أن جموع العرب البرابرة أحاطوا بإسرائيل، الحمامة الوديعة وسطهم، وحاولوا الفتك بها، ولكن الحمامة فى معجزة من معجزات البسالة تحولت إلى صقر جارح انقض على جموع العرب البرابرة فمزق صفهم وشتت جمعهم وألحق الهزيمة والذل بهم!
ولم يعرف الشعب الأمريكي أن أسرار الجيوش العربية التى حصلت عليها أمريكا بمختلف الوسائل سنة 1950 و1951 قد تسربت كلها لإسرائيل.
ولم يعرف الشعب الأمريكي أن احتكار السلاح ومنعه عن مصر حين طلبت شراءه من أمريكا لم يكن إلا حماية لإسرائيل.
ولم يعرف الشعب الأمريكي أن سياسة التورط فى حلف بغداد، لم تكن إلا نتيجة للرغبة فى تمزيق ميثاق الضمان الجماعي العربي، حتى لا تجتمع جيوش العرب تحت قيادة واحدة. خوفاً على إسرائيل.
ولم يعرف الشعب الأمريكي أن العداء للقومية العربية، ذلك العداء الذي اندفعت فيه واشنطن إلى شوط بعيد، لم يكن يخدم المصالح الأمريكية فى شيء، وإنما كان وحيه الأول والأخير. إسرائيل.
ولم يعرف الشعب الأمريكي أن بين قوى الضغط التى أثرت على دالاس لكي يقدم على حماقته المشهورة بسحب عرض المساهمة فى تمويل السد العالي. كانت قوة ضغط إسرائيل.
ولم يعرف الشعب الأمريكي أن العدوان على مصر ذلك العدوان الذي كان يدفع العالم كله إلى هاوية سحيقة، كان من تفكير وتدبير إسرائيل.
ولم يعرف الشعب الأمريكي سياسة أمريكا فى عزل مصر فى ذلك الوقت، وتجويعها، وفرض الحصار الاقتصادي من حولها، كان من أول أهدافه أن يفتح الأفق فسيحاً لإسرائيل، وأن يزيل العوائق والموانع والسدود، عن طريق تقدمها إلى حلمها الكبير من النيل إلى الفرات.
ثم تجيء خاتمة المطاف هذا الخطاب من مساعد وزير الخارجية الأمريكية إلى الشيوخ الثلاثة عشر يثبت أن لا عظة ولا عبرة من كل ما حدث فى الماضى.
ثم يثبت أيضا – وهذا هو الأمر الثاني، أن لا فهم لأسباب منع السفن الإسرائيلية من استعمال قناة السويس، ولا تقدير للدوافع الحقيقية فى سياسة الجمهورية العربية المتحدة.
وأولى الحقائق فى هذا الأمر أن منع سفن إسرائيل من استعمال قناة السويس لا يتعلق بحرية الملاحة فى القناة وإنما يتعلق بقضية فلسطين.
وكانت مصر – قبل قيام الجمهورية العربية المتحدة – تمارس هذا الحق رغم ما كان سائداً من ظروف.
مارست مصر هذا الحق ومنعت سفن إسرائيل من القناة، وجيش الاحتلال البريطاني ما زال رابضاً فى قواعده على ضفافها.
ومارست مصر هذا الحق ومنعت سفن إسرائيل من القناة، وشركة قناة السويس القديمة هى التى تتولى أمر الملاحة بل وهى التى تملك كل شيء فى القناة.
ليس هو إذن بالموقف الطارئ ولا الحدث الجديد.
وكانت مصر – وما زالت الجمهورية العربية المتحدة بعدها – تفعل ذلك تطبيقاً لأحكام معاهدة سنة 1888 وليس خلافاً لهذه الأحكام.
ومعاهدة سنة 1888 تعطى مصر فى حالة الحرب أن تتخذ من الإجراءات فى القناة ما يحمى سلامة القناة وما يحمى سلامة الإقليم الذي تمر فيه، وما يحمى الأمن والنظام على ضفافها.
واستعملت بريطانيا هذا الحق خلال حربين عالميتين فمنعت سفن ألمانيا وحلفائها من استعمال القناة، خوفاً على القناة من الألمان وخوفاً على مصر من الألمان، وخوفاً من غضبة الشعب المصري إذا رأى سفن الألمان وما يمكن أن يستتبعه ذلك من إخلال بالأمن والنظام فى الإقليم!.
ولسوف يثير السخرية حتى أن يقال، فى معرض القياس، أن الخوف على القناة من إسرائيل أشد، والخوف على الإقليم من إسرائيل أكبر، والخوف من غضبة الرأي العام العربي على ضفاف القناة لمرأى سفن إسرائيل أخطر!.
وحالة الحرب بين العرب وإسرائيل قائمة.
ولم تكن غارات إسرائيل على الصابحة وعلى الكونتيلا وعلى غزة، وعلى طبرية، ثم لم يكن اشتراكها بالدور الرئيسى فى العدوان على مصر تلويحات بأغصان الزيتون ووسيلة من وسائل الدعوة إلى السلام والتبشير بالمحبة والإخاء!.
وبعد: فإن إسرائيل لن تمر.
سواء اتعظ “ماكومبر” من تجربة الماضى أو لم يتعظ.
سواء فهم موقف الجمهورية العربية المتحدة أو لو يفهمه.
لن تمر.
مهما ثار الثلاثة عشر من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي ومهما غضبوا.
مهما أرعدت الصحف التى تسيطر عليها الصهيونية ومهما أبرقت.
لن تمر.
وملايين الأرض كلها وودائع الخزائن لن تفتح لها الطريق.
والوعود والأماني والمغريات لن تقوم بدور المرشدين لنفسها فى القناة يوماً.
لأنها:
– لن تمر!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=818