كلمة الرئيس جمال عبد الناصر فى حفل افتتاح مؤتمر المحامين العرب ١٣/٢/١٩٦١

أيها الإخوة:

يسعدنى أن التقى بكم هنا فى المؤتمر، وهذا المؤتمر يمثل معانى كبرى للمحامين، وللأمة العربية المكافحة كلها؛ فأنتم صفوة الثقافة العربية، وأنتم فى عملكم وبحكم مهنتكم تعملون من أجل الحصول على الحق، وهذا معنى تسير فيه الأمة العربية فى كفاحها من أجل الحصول على الحق.

فقد مرت بالأمة العربية.. مرت بها أحداث كثيرة متعددة، كانت الآمال على مدى السنين وعلى مدى الأيام تجيش فى صدورها سعياً وراء الحق وطلباً للحق. كانت الآمال تجيش فى صدور الأمة العربية، وكانت الأمة العربية تكافح من أجل تحقيق الآمال؛ بعض هذه الآمال تحقق، وبعض هذه الآمال لم يتحقق، وصارت الأمة العربية حتى اليوم تسعى طلباً للحق. ولكن قابلنا قضايا عديدة، قابلنا مشاكل عديدة مع هذه الأحداث ومع هذه الآمال؛ قابلنا انتفاضات شعبية قوية كاسحة، وقابلنا أيضاً مؤامرات معتدية تهدف إلى كبت هذه المشاعر وإلى كبت هذه الآمال، ولكن كل هذا لم يثن الأمة العربية عن هدفها رغم العثرات التى قابلتنا، ورغم العثرات التى قابلت الآمال التى جاشت فى صدر الأمة العربية، لم تنس الأمة العربية هدفها وهو السعى وراء الحق.

ونحن حينما نجتمع اليوم فى هذا المكان لابد لنا أن نستعرض الأمور التى تواجه أمتنا، ثم نرد هذه الأمور إلى أصولها؛ لأن المشاكل التى تفرعت كثرت وتعددت، ولم يكن لأعدائنا من هدف إلا أن تتعدد هذه المشاكل فنضل الطريق، ونتوه فى سراديب التيه. كان هذا هدف أعدائنا حتى ننحرف عن تحقيق هدفنا الأصلى.

إن الجندى فى الميدان يسعى إلى النصر، والأمة العربية فى كفاحها تسعى إلى النصر وإلى الحق، كما يسعى أى فرد منكم فى عمله إلى الوصول إلى الحق.

واليوم ونحن نلتقى لابد لنا من أن نعرف ما هو الهدف، وما هى الوسائل.. قد نتحد فى الهدف ولكن قد تختلف الوسائل، ولكن المهم أن نسعى إلى تحقيق الهدف، فالمهم أن نحافظ على هذا الهدف. وفى رأيى أن الهدف الذى نسعى إليه – هنا فى الجمهورية العربية المتحدة – هو تحرير كل فرد عربى وكل وطن عربى سياسياً واجتماعياً.

ذلك هو الهدف الذى يجب أن نتذكره دائماً ولا ننساه، كما قلت قد تختلف الوسائل وقد تختلف السبل، ولكن الهدف لا يختلف؛ ذلك أن الاستعمار يحاول دائماً أن يلهينا بالأمور الفرعية والمشاكل المتشعبة عن الهدف الذى تسعى الأمة العربية للوصول إليه.

فقد جربنا هذا فى ثوراتنا الوطنية فى كل جزء من أنحاء الأمة العربية، وقد لمسنا هذا فى كفاحنا من أجل تحرير الوطن العربى. قد حاول الاستعمار أن يلهينا بالمشاكل الصغرى؛ حتى لا تستطيع الدفعة القوية أن تصل إلى تحقيق الهدف. وكم من ثورة قامت وبذلت فيها الدماء، واستشهد فيها الأبرار، ولكن الاستعمار نجح فى أن يكبت هذه الثورة، ويمنعها عن تحقيق هدفها الأصيل؛ بخلق الظروف التى تجعلها تتعثر فى المشاكل، وبخلق الظروف التى تجعلها تنسى الهدف الأصيل. حصل هذا فى الماضى؛ فى سنة ١٩ هنا فى مصر كان هدفنا وهدف الثورة أن تتحرر الأمة العربية، ولكن الاستعمار عمل على بث بذور الفتنة، وعمل على أن تكون المشاكل هى الأمور التى تهتم بها جموع الشعب، وعلى هذا فاستمر الاحتلال بعد سنة ١٩١٩ فى بلدنا. حدث هذا فى كل جزء من أنحاء الأمة العربية.. ونحن نسعى إلى تحقيق هدفنا هناك من يسعى إلى أن يهزم هذا الهدف، وإلى أن تتعثر الأمة العربية فى كفاحها.

تلك هى الظروف التى مرت بنا، وتلك هى الظروف التى نمر بها الآن؛ لأننا حينما نسعى إلى تحقيق هذا الهدف إنما نواجه قوى كبرى؛ نواجه قوى استغلتنا فى الماضى، وسيطرت علينا، ونواجه قوى تحاول أن تبقينا فى داخل مناطق النفوذ، أو تضعنا فى داخل مناطق النفوذ، نواجه قوى وضعت بيننا إسرائيل، وتعمل على حماية إسرائيل، وتعمل على تسليح إسرائيل، نواجه قوى تنكرت لنا، وتربصت لنا فى الماضى، ولا زالت تتربص لنا اليوم؛ وعلى هذا فإنى أضع لكم هذه الأسس حتى تكون موضع مناقشة بينكم، وأضع هذه المناقشة للأمة العربية كلها، الأهداف والوسائل.. الهدف أن نحرر كل وطن عربى وكل فرد عربى سياسياً واجتماعياً، أما الوسائل التى تمكننا من تحقيق الهدف فقد نختلف عليها، ولكن يجب ألا يكون هذا الاختلاف بأى حال من الأحوال دافعاً لنا لأن ننسى الهدف ونتوه فى المشاكل المتعددة التى تقابلنا؛ فأنتم بحكم مهنتكم قادة أو طليعة الفئة المثقفة فى الأمة العربية، وأنتم بحكم مهنتكم دائماً طلاب حق فى عملكم، ومهنتكم تجعل من كل فرد منكم المكافح فى سبيل الحق؛ لأن القانون إنما هو تعبير عن الحقوق والواجبات، وهذا تعبير أيضاً – كما قلت لكم – عن كفاح الأمة العربية التى تطالب بحقها.

أيها الإخوة:

فى هذه الأيام، وفى هذه المرحلة، نمر بمرحلة دقيقة من حياة الأمة العربية، ولابد لنا أن نكون على بينة من هدفنا؛ حتى لا يتمكن الأعداء من أن يشتتوا الشعب العربى، ويوقعوا بينه الفتنة. فى هذه الأيام نمر بمرحلة انتقال فى جميع أنحاء الأمة العربية؛ بين الاستعمار السياسى والاستعمار الاقتصادى، والحرية السياسية والحرية الاقتصادية. وإن الأسس التى نضعها اليوم فى مجتمعنا وفى جميع أنحاء أمتنا لن تؤثر فقط على جيلنا، ولكنها ستؤثر على مستقبل الأمة العربية، وعلى الأجيال القادمة. لقد بدأنا نحصد ثمرات الكفاح الطويل فى جميع أرجاء الأمة العربية؛ الكفاح الذى استمر عشرات السنين، بل مئات السنين من أجل الحرية ومن أجل الاستقلال، من أجل تحقيق الهدف وهو الحصول على الحق. لقد بدأنا نجنى ثمرات هذا الكفاح الذى قام به الآباء والأجداد، ولم يجدوا الفرصة حتى يجنوا ثمرة النصر.

إن النصر الذى نجنيه اليوم ليس بأى حال من الأحوال ثمرة كفاحنا فقط، ولكنه ثمرة كفاح أجيال متعددة قامت على مر الزمن لتبذل الدماء والأرواح؛ من أجل تحقيق الهدف الكبير وهو الحق.. حق كل أمة عربية وحق كل بلد عربى فى الحياة السياسية الحرة، والحياة الاجتماعية العادلة.

وحينما تحررنا هنا فى القاهرة لم تستبد بنا الأنانية ونغمض أعيننا عما يجرى من حولنا، ولكنا قلنا: إننا نعتبر جمهوريتنا طليعة للكفاح العربى، وقاعدة له. حينما أعلنا هذا وحينما قررناه كنا نعرف حق المعرفة، ونعلم حق العلم، أن هذا إنما يمثل العرق والدم والتضحية والفداء؛ لأن السياسة المستكينة المنعزلة التى لا تهتم بما يجرى فى غير أرضها إنما هى سياسية أنانية. ولكنا كنا نشعر وقد تحررنا أن للأمة العربية حقاً علينا فى أن نساندها، وفى أن نتعاون معها فى سبيل الحرية، وفى سبيل تحقيق هدفها. قلنا هذا وأعلناه، وكنا نعلم أننا بهذا نضع جمهوريتنا فى موضع صعب، ونضع أنفسنا فى موقف صعب؛ ذلك أن الاستعمار الذى حكم هذه المنطقة، والذى سيطر على الأمة العربية، لن يقبل بأى حال من الأحوال أن تهزم سياسته، أو أن ينحسر نفوذه، أو أن تتحرر هذه الأمة سياسياً واقتصادياً وتكون سيدة نفسها.

كنا نعلم هذا ولكن الاستعمار انبرى لنا ليحارب هذه الفكرة التى أعلناها، ويحارب الدعوة للتحرير فى جميع أنحاء الأمة العربية، حاربنا بكل وسيلة من الوسائل؛ فحينما أعلنا أننا نتبنى فكرة القومية العربية، ونبذل فى سبيلها كل شىء، أراد الاستعمار أن يحرف هذه الدفعة حتى لا تصل إلى هدفها؛ فحول الأمور إلى أشخاص وزعامات. وقلنا إن الأشخاص زائلون ولكن المبادئ والفكرة من أجل الحق هى الباقية، وسرنا فى هذا ونحن على ثقة من وعى الأمة العربية، وصار الاستعمار فى طريقه وكان يعتقد أنه قد انتصر، وكان يعتقد أن الأمة العربية قد تفتت وتفككت فكانت حرب السويس؛ كان العدوان الثلاثى الذى أثبت أن كل فرد عربى فى كل أمة عربية اعتبر هذا العدوان عدوانا عليه، وعلى بلده، وعلى شرفه وعلى مبادئه؛ فهبت الأمة العربية كلها لتصد هذا العدوان.

إذا كان ينقصنا السلاح فلا تنقصنا العزيمة، وإذا كانت تنقصنا القوى المادية فلا تنقصنا القوى المعنوية، واستطعنا أن ننتصر بالعزيمة وبالقوى المعنوية على الدول الكبرى، وأثبتت الأمة العربية فى هذه المرحلة من التاريخ أنها تعرف هدفها الأصيل، وأن أعداءها لن يتمكنوا بأى حال من الأحوال أن يحرفوها عن الوصول إلى هدفها أو أن يضلوها فى سراديب التيه؛ لتتوه وتنسى الهدف الذى هبت تكافح من أجله.

إننا حينما نرد الأمور إلى أصولها، وحينما نقول إننا نهدف إلى تحرير كل فرد عربى، وكل وطن عربى، سياسياً واقتصادياً؛ إنما نمس بهذا كل قضية من القضايا العربية، حينما نتكلم عن فلسطين نقول: إننا نريد أن نحرر شعب فلسطين، ونرد له حقوقه السياسية والاجتماعية. لقد اغتصبت حقوق شعب فلسطين السياسية والاجتماعية، وطرد شعب فلسطين من بلده ومن أرضه. وكنا نئن من السيطرة الأجنبية، وكان الاستعمار يستطيع أن يخطط، ويستطيع أن يرتب، ويستطيع أن يسيطر.. ولكن دخلنا التجربة والآمال التى جاشت فى صدورنا لم تتحقق، وخرجنا من هذه المحنة.. فهل ضعنا فى سراديب التيه كما أراد الاستعمار لنا؟

لقد استطاع الاستعمار أن يغتصب فلسطين ويعطيها للصهيونية، ولكنا لم نضع أبداً فى سراديب التيه، بل خرجنا من هذه المحنه ونحن أشد عزماً وإيماناً على أن نعمل على تحقيق هدفنا؛ وهو أن نحقق الحق، وأن نضع الحق فى نصابه؛ ذلك هو درس فلسطين، ذلك هو درس محنة ١٩٤٨، ذلك هو نتاج التجربة التى دخلنا فيها.

واليوم حينما نعلن وحينما نقول فى كل بلد، وفى كل مدينة، وفى كل قرية من جميع أنحاء الوطن العربى: إننا نساند شعب فلسطين، وإننا لم ننس الهدف الأصيل، وإننا سنعمل على وضع هذا الهدف موضع التنفيذ، لا يمكن أن ترهبنا محاولات الاستعمار، ومساعدات الاستعمار لإسرائيل. اليوم مثلاً أعلن أن بريطانيا أمدت إسرائيل بالدبابات الحديثة، هل هذا يفزعنا؟ إننا حينما نتكلم عن إسرائيل نعلم أننا نتكلم عن إسرائيل ومن هم خلف إسرائيل.. إن إسرائيل لا تمثل الصهيونية وحدها، ولكنها تمثل الصهيونية والاستعمار، وإن إسرائيل التى أقاموها بين ربوع الأمة العربية ليست إلا رأس جسر للاستعمار؛ يتربص بنا ليجد الفرصة حتى ينقض علينا ويقضى على القومية العربية. وقد حدث هذا فى عام ١٩٥٦، ولكن لم يستطع الاستعمار الذى تحالف مع الصهيونية ضد الأمة العربية والقومية العربية أن يحقق أهدافه، ولكن الأمة العربية حققت أهدافها.

كان هذا درس عام ٥٦ الذى يجب علينا ألا ننساه ونذكره دائماً.. الاستعمار يحاول أن يجرفنا عن تحقيق الهدف الذى نتمناه، وأعوان الاستعمار والرجعية أيضاً يحاولون أن يجرفونا عن تحقيق الهدف الذى نسعى إليه؛ لأننا حينما نقول إننا نهدف إلى تحرير كل فرد عربى، وكل وطن عربى سياسياً واجتماعياً؛ إنما نحدد فى نفس الوقت الأصدقاء، ونحدد فى نفس الوقت الأعداء.. الأصدقاء هم الذين عملوا على تحقيق هذا الهدف دائماً، وقاتلوا من أجله وفى سبيله.. الشعب العربى الطيب، الشعب العربى المكافح، المواطن العربى العامل فى كل بلد عربى. أما الأعداء فهم الاستعمار، وأعوان الاستعمار والرجعية؛ فهم لا يرغبون للأمة العربية أن تتحرر؛ سواء اقتصادياً أو اجتماعياً، كل يجد المصالح والمصالح تجمع بينهم جميعاً؛ فتكون النتيجة تحالف الاستعمار وأعوان الاستعمار والرجعية ضد الأمة العربية، وضد أهداف الأمة العربية.

حينما نتكلم عن هذا نذكر أيضاً الجزائر.. إننا حينما نساند الجزائر، وحينما يساند كل مواطن عربى الجزائر فى كفاحها، إنما يعمل على تحقيق هدفه من أجل تحرير الأمة العربية وكل فرد عربى سياسياً واجتماعياً. الجزائر.. يحارب شعب الجزائر من أجل التحرر السياسى، ومن أجل التحرر الاجتماعى؛ من أجل التحرر السياسى لإنهاء استعمار فرنسا، ومن أجل التحرر الاجتماعى لإنهاء السيطرة الاقتصادية والتحكم الاجتماعى الذى ساد الجزائر طوال فترة الاحتلال وفترة الاستعمار؛ لهذا نجد أن الهدف يلتقى فى فلسطين ويلتقى فى الجزائر، ويلتقى فى كل جزء من أنحاء الأمة العربية؛ ولهذا فأنا أؤكد مرة أخرى أن علينا جميعاً أن نفرق بين الوسائل والهدف، قد تختلف الوسائل وقد نختلف على الوسائل، ولكن الهدف يجب أن يبقى دائماً نصب أعيننا.. يجب أن نسير نحو الهدف كما يسير الجندى نحو النصر.. يجب أن نسير نحو الهدف لأننا بهذا نؤمن لأمتنا العربية الحاضر السليم والمستقبل السليم.

إننا قد نختلف على الوسائل، ولكن يجب أن نذكر دائماً أن أعداء الأمة العربية يحاولون دفعنا إلى أن ننسى الأهداف العربية، وأن ننغمس فى الوسائل ومشاكلها، وأن يدب بيننا اليأس وتدب بيننا الفرقة.

أيها الإخوة:

هذه كلمة وجدت من واجبى أن أتحدث بها إليكم، وألا أقصر خطابى أو كلمتى على كلمة رسمية فى الترحيب بكم وفى مؤتمركم؛ لأنى أعلم – كما قلت لكم – أنكم صفوة الثقافة العربية، وطليعة الكفاح فيها. والله يوفقكم.

السلام عليكم ورحمة الله.

http://nasser.bibalex.org/Speeches/browser.aspx?SID=960&lang=ar