عمار بوقس

في أمريكا ذلك البلد البعيد الذي لا يعرف ألوان أو جنسيات ولد عمّار هيثم بوقس حاملا مفردات العجز وعدم القدرة لا يملك من مقومات العيش سوى لسان يتمتم بالحروف وعيون ترقب العالم بدهشة أما الأطراف فقد أصابها الشلل التام حتى أن الأطباء تنبئوالهذا المولود بالموت بعد عامين .. ولكن الحياة تبسمت لهذا الطفــل وفتحت له بوابتهاعلى المصراعين ليتحرك على بساطها بلا قدم وساق.. عاش بوقس في وطن الاغتراب حتى التاسعة من عمره ووقتما عاد إلى المملكة حاول استكمال دراسته لكنه اصطدم بنظرة المجتمع السلبية لحالته الصحية وواجه أصوات الرفض العالية بأن يكون له مكان علىمقاعد الدراسة. فاضطر الصغير إلى الانتساب وبالإصرار وحده حقق بوقس المركز الخامس في الابتدائية والمتوسطة والثانوية وتخرج بدرجات أذهلت القائمين على التعليم حيث حصد قلادة الامتياز بنسبة 97%. بعدها حاول بوقس دخول جامعة الملك عبدا لعزيز لكنه وجد رفضا شديدا وممانعة قوية حركتها تارة شفقة المقربين وتارة أخرى سخرية الضعاف ومع إصراره دخل الجامعة وتخيّر من الأقسام قسم الإعلام ليكون هو بوابة النبوغ .. نعم لقد تحدّى عمار بوقس نفسه والبشر ممن علت أصواتهم معللين رفضهم بأن الإعلام قسميحتاج لمواصفات خاصة وأكد بصوت الثقة طموح الرجال لا يعترف 

 

أصطدم عمار بوقس في جامعة الملك عبد العزيز بنظرة بعض أعضـاء هيئة التدريس – الذين يفترض فيهم حسبما قال- بأنهم مثقفون حيث حاربوه بقوة وأمطروه بالعبارات المعرقلة لطموحه ولكنه لم يأبه بها وجاهد ليثبت لهم أن النجاح هو الوليد الشرعي الطموح والابن البار للإصرار والأقدام . ومع الإعاقة حصل بوقس على الدرجات العليا وحقق معدلا تراكميا هائلا بلغ 84ر4 من خمسة . 
أجمل ما في بوقس هازم العجز والمنتصر على دنيا الأصحاء انه لم يفقد يوما الثقة في رعاية الرحمن وكيف يفقدها؟ وهو حافظ القرآن والمردد لآياته في صباحات كل يوم .. هذه الإيمان المطلق جعل بوقس ينظر إلى الإعاقة وكأنها هدية من الرحمن من حقه أن يزهوبها ويتباهى

 

ولأن الأعصاب مشلولة شللا تاما جعل بوقس من ( الحمّالة ) قدما بديلة يتحرك بها في أروقة كلية الآداب تارة يدفعها أخ شقيق وكثيرا ما يحركها أصدقاء محبون.. تحد صارخ وطموح غلاب وحكاية نصر على الذات والزمن يرويها هذا الشاب الذي لا يتحرك من أطرافه سوى اللسان والعينين .. ومع فقرالجسد والذى ترجمته ندرة الأعضاء يبقى الغنى في هذه الابتسامة التي ما غابت أبدا عن الشفاه. فبوقس باسم على الدوام وكأن بسمته الجميلة هي الرد الساخر لسخرية الحياة أدهش بوقس أعضاء هيئة التدريس بطموحه وتحديه ونجاحه الذي كسر الأرقام وقفز فوق المعدلات

 

المدينة ) طرقت منــزل عمار ورافقته حتى مقاعدالجامعة واستمعت إلى مفرداته الجميلة وحديثه العذب الذي يقطر ثقة ونجاحا فاسمعوا معنا لصوته الآن ( يقول عمار ولدت بحالتي هذه وعرضت على أحد الأطباء في الولايات المتحدة الأمريكية حيث أكد لوالدي بأنني لن أعيش أكثر من عامين فقط وسبحان الله عشت عمري هذا بإرادة الله وفي سن الثامنة عرضت على نفس الطبيب وتفاجأ من وجودي على قيد الحياة وعبر عن ذهوله بقوله ( هذا شغل جبار وإرادة الله ) . في الولايات المتحدة كنت ادرس في المرحلة الابتدائية وكانوا متعاونين جدا معي حتى أنهم وضعوا معي كاتباً يكتب ملاحظاتي وساعدوني ولما عدت إلى السعودية تفاجأت بنظرة المجتمع السلبية والحقيقة أحبطت ولم يسمحوا لي بالانتظام في الدراسة لنظرة المجتمع الدونية لذوي الاحتياجات الخاصة في ذلك الوقت وكانوا يفضلون أن يبقى المعاق حبيس منزل أهلهولا يخرج أبدا ولا يكمل تعليمه معتبرين هذا قدر الله وهم لا يفكرون حتى بالأخذ بالأسباب.

ويضيف بوقس ( أنا أتميز بميزة إذا تملكني الإصرار على شئ وصممت عليه أصل إليه بفضل الله سبحانه وتعالى لذا كنت مصمما على إنهاء تعليمي وان يكون ليكلمة في المجتمع وان أكون عضوا ناجحا لا مهملا فيه وبالفعل حققت ما أريد وهانااليوم حديث الناس لنجاحي.

 

ويضيف عمار: أضع المذاكرة على رأس أولوياتي وارتب لدروسي ساعتين في اليوم فقط كما احدد من وقتي جزءا للمجالس الرياضية التي تعتبر هوايتي الأولى وأتابع الحوارات الرياضية أيضا لدي مواهب في الكتابة الصحفية في المجال الرياضي وكنت أتمنى أن انشرمقالاتي الرياضية في الصحف لكن وجدت عدم قبول لكوني معاقا وقد حاولت مع أكثر من جريدة ولكن للأسف لم أجد أي تجاوب كما أن المسؤولين في الصحف لا يكلفون أنفسهم عناء القراءة ولو لجزء من المقالة والحمد لله لغتي العربية ممتازة واصبغ مقالاتي بشكل جيد لكنهم يقولون لي وضعك صعب ولا نستطيع أن ننشر مقالاتك بالرغم من إن كثيراً من الكتاب يرسلون مقالاتهم عبر ولا يحضرون إلى مقار الصحف وأنا استطيع أن افعل الشيء نفسه ولكن للأسف الشديد هي النظرة السلبية للمعاق. وهنا أحب أن أشكر جريدة ( المدينة ) التي رحبت بى وتنشر لي مقالات على صفحاتها الرياضية اليوم.