بيان الرئيس أنور السادات فى ذكرى الأربعين للزعيم الخالد جمال عبد الناصر فى ٦ نوفمبر ١٩٧٠

بيان الرئيس أنور السادات فى ذكرى الأربعين للزعيم الخالد جمال عبد الناصر فى ٦ نوفمبر ١٩٧٠ 

أيها الإخوة المواطنين
ليس هناك أكثر من هذا الجمع دلالة على أهمية الدور الذى قام به جمال عبد الناصر وتقوم به مبادئه وأهدافه المستمرة بعده

ان جمال عد الناصر أيها الإخوة ومن خلال هذا الجمع الذي نلتقى فيه أثبت لنا وللدنيا بينما هو بعيد عنا وفى رحاب ربه . أنه أيقظ أمة بأسرها ودفعها الى مجرى التاريخ العالمى وحركها بالثورة الى معان وقيم وإلى أهداف وآمال لم تكن هنا من قبله

ان أهمية هذا الجمع فيما تعنيه أهمية دور جمال عبد الناصر لا تكمن فى الكلمات التي سوف يقولها أى منا هنا : فإن اتفاقنا جميعا كامل على أنه ليست هناك كلمات تفيه حقه أو تحيط بفضله

انما مجرد اجتماعنا هنا .. كلنا .. بما نمثله ، وحتى بما يمكن ان يكون بين بعضنا من اختلافات اوتناقضات فكرية أو سياسية هو الشهادة العظمى لعبد الناصر ، بأنه كان باعث أمة وصانع تاريخ

ان صيحته بالثورة صباح يوم ٢٣ يوليو ١٩٥٢ كانت نفيرا أيقظ ونبه وشجع وقوى ، وفتح أمام أمتنا آفاقا غير محدودة من الوعى العميق بوجودها ، ومن الايمان الصلب بحقوقها ، ومن الفهم الواسع لقضايا العصر الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والانسانية عموما

لقد تنبهنا بصيحته فوجدنا أنفسنا .. و سرنا مع فكره فاكتشفنا دورنا .. و مضينا وراءه فحققنا ما لم تحققه أمة غيرنا بمثل السرعة التى حققنا نحن بها بصرف النظر عما نواجه الآن من عقبات أو تحديات ومهما استوقفتنا هذه اللحظات وشدت اهتمامنا كله أزمة عابرة فى تاريخنا الطويل ، سوف تذهب عنا كما ذهب غيرها ، وسوف ننتصر فيها بإذن الله كما انتصرنا فى غيرها

و يكفى أيها الإخوة أن نلقى نظرة على خريطة أرض الأمة العربية قبل جمال عبد الناصر والآن بعد أن ذهب عنا جمال عبد الناصر وان ظل باقيا بفكره وبالمثل العليا لنضاله واعماله الباهرة

مصر والسودان وليبيا تحت الاحتلال البريطانى . شمال أفريقيا كله حتى شاطئ الاطلنطى تحت الاحتلال الفرنسى بل ان بعض بلادها لم تكن مجرد بلاد محتلة وانما كانت كما كان الحال فى الجزائر جزءا لا يتجزأ من أرض الدولة المستعمرة

و كانت سوريا ولبنان تحت ظلال علم يبدو مستقلا ولكن النفوذ الاجنبى كان ضاربا فى الصميم

و كان العراق والكويت تحت الاحتلال البريطانى

و كان اليمن الشمالى تحت حكم ما هو أسوأ من الاستعمار وكان اليمن الجنوبى من ممتلكات التاج البريطانى

و كانت الأردن محمية

و كان الخليج فى عزلة

وكانت المملكة العربية السعودية حقل بترول ناشئ ينمو بسرعة لمصلحة المستغلين

و كان الشعب الفلسطينى لاجئا فى الخيام

و كانت اسرائيل خنجرا فى قلبنا . كما هى الآن خنجرا فى قلبنا لكننا قبل جمال عبد الناصر لم نكن نقاوم .. بل لم نكن حتى نتألم و كانت الأمة العربية بأسرها معزولة عن العصر ومعزولة عن التطور .. ولم تكن كلمة التصنيع أو التخطيط أو الكهرباء الكاملة قد ترددت فى أرضها ولا كانت الحقوق الاجتماعية لجماهير الشعب معنى له قيمة حقيقية .. ولا كان للعمال والفلاحين دورهم وهم الأغلبية

و إنما كانت السلطة كلها فى يد الأقلية من الأجانب مع مجموعات من الحكام والباشاوات والشيوخ .. تعتصر الجماهير بالاستغلال بواستطهم ويحصلون على جزء من الغنيمة والباقى كله يتسرب الى الخارج نزيفا مستمرا للجهد القومى .. وللثورة القومية .. وذلك ما كان

و ذلك لم يعد موجود الآن و تلك هى شهادة التاريخ لجمال عبد الناصر

انه لم يصنع بيده كل تحول ،، ولا فجر بجهده كل ثورة ولكنه وهذا هو دوره التاريخى العظيم نبه جماهير أمتنا الى حقيقة ومعنى وجودها القومى .. و ربط جماهير أمتنا بحقائق ومعانى العصر الحديث الذى نعيش فيه … هكذا تحركت الجماهير وزحفت إلى النضال المستمر .. وانتصرت فى معارك وما زال عليها ان تنتصر فى معارك

أيها الإخوة
..
هنا بمجرد اجتماعنا فى هذا المكان وبكل ما يجمع بيننا من أهداف وبكل ما يدور بيننا من مناقشات ، وبكل ما لنا من دور فى هذا العالم وفى هذا العصر .. الشهادة العظمى لدور جمال عبد الناصر إذا كانت هناك أفكار جديدة على أرضنا فقد كان هو الذى وضع البذرة إذا كانت هناك ثورات تفجرت وانتصرت فقد كان هو الذى ألهم وحمى

إذا كان هناك جيل جديد من القادة تقدم فلقد كان هو بالنسبة له النموذج الحى ووالمثال .. وكان اكثر من ذلك ، كان فاتح الطريق ، وكان الدرع وكان السيف فى الوقت نفسه

و ليس يهم أيها الأخوة أن تكون بين بعضنا والبعض الآخر اختلافات فى الاجتهادات أو فى الأساليب .. وانما المهم ان حركة التغيير الكبرى قد بدأت

لقد انتهى الركود فى حياة أمتنا لقد ذاب السكون

لقد سقطت الاغلال لقد انهارت الحواجز بدأت الحركة الايجابية بما فيها من امكانية الصواب والخطأ .. بما تحمله من قدرة العقل أو حدة العاطفة .. بما يدفعها من رؤى المستقبل أو بما يشدها من رواسب الماضى

ذلك هو صراع الحياة الذى لا نستطيع – مهما تمنينا – أن ننسى اعتباراته وأحكامه وضروراته مهما كان بعضها ثقيلا علينا ونحن نعيش فيه ونعانى تفاصيله بينما هى تجرى أمامنا . لكن ذلك ليس هو المهم

المهم أن صراع الحياة ، ومن أجل الحياة قد بدأ على أرضنا وكان لجمال عبد الناصر دور الرائد العظيم فى فتح الطريق أمام مجراه وفى رفع العوائق حتى لا نصد تياره

أيها الإخوة
اننى لا أريد أن اتكلم عن أخى وصديقى وأستاذى ومعلمى جمال عبد الناصر خريطة الشرق الأوسط وما تغير فيها تتحدث عنه ، صلاتنا بالدنيا وبالعصر ، تتحدث عنه أهداف نضالنا وشعارات كفاحنا والأعلام التى نرفعها فوق المسيرة العربية فى كل قطر تتحدث عنه

بل أقول أكثر من ذلك .. ان مواجهتنا للظروف التى دهمتنا برحيله عنا فجأة .. تتحدث عنه

لقد كان من أعظم منجازاته أنه لم يفتح الطريق فحسب ، وإنما رسم مساره نحو الهدف

و لما اختاره الله الى رحابه فإن الأمر بعد لم يكن ضياعا وانما كان زيادة تصميم .. ولم يكن خوفا وانما كان شحنة مضاعفة من ارادة .. ولم يكن ترددا وانما كان عزما لا يلين قادرا على مواصلة السير وعلى مواصلة الاقتحام

و هذه شهادة أخرى لجمال عبد الناصر لقد كان وجوده الهاما لأمته .. و هو بعد رحيله الهاما لامته ذلك شأن قادة مراحل التطور الحاسم عبر مسار التاريخ . . لا تضيع مبادئهم بذهابهم ولكن تزداد قوة و لا تسقط أعلامهم برحيلهم ولكن تزداد علوا و لا ينفض الناس بعدهم وانما يزدادون تضامنا واقترابا لأن احساسهم بالأهمية يزداد بعد ابتعاد القائد الذى كان وجوده فى حد ذاته تجسيدا لهذا المبدأ

أيها الإخوة
ليس لى فضل أدعيه عليكم بتوجيه الشكر اليكم لحضوركم معنا هذه الليلة وفى هذه المناسبة ان لكم فى جمال عبد الناصر مثل ما لنا و نصيبكم فيه يعادل نصيبنا و نحن لا ندعيه لأنفسنا فقط وإلا كنا بالأنانية نسئ إلى ذكراه الغالية ان جمال عبد الناصر لم يعترف فى صلته بأمته بخطوط الحدود التى رسمها الاستعمار وهو يقوم بجريمة تقسيمها

و لقد جاوبته شعوب الامة العربية بنفس الطريقة لم تعتبره قائدا مصريا تتطلع اليه عبر الاسلاك الشائكة للحدود ولكن هذه الجماهير اجتاحت بحبها له وإيمانها بمبادئه ووقوفها الى جانبه كل الحواجز والأسوار لقد ذهب الى جماهير الأمة العربية حيث تعيش وتبعته جماهير الأمة العربية حيث يقاتل

و لقد رحل جمال عبد الناصر و لكن مبادئه خالدة .. وأعلامه متقدمة .. ومعاركه دائرة .. وأمته مصممة .. وانتصارها وانتصاره باذن الله وبعونه محقق وأكيد

والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته