” بصراحه بقلم محمد حسنين هيكل : عن المملكة والملك. وليس ضدهما‍‍‍‍‍ “

عن المملكة والملك. وليس ضدهما‍‍‍‍‍
ما تقدر، وما لا تقدر عليه مؤتمرات القمة العربية حتى لا نخطو في الضباب وفي الظلام
كان موعد رحيله من مصر قد حان، بعد سنتين قضاهما في القاهرة، يحاول أن يراقب الحوادث ويتابعها، ثم يحاول أن يفهم لنفسه ولحكومته.
وعبر مكتبي في زيارة وداع، كان مفروضاً ألا تطول!
لكن الزيارة طالت، وكلمة الوداع فيها ضاعت، وغطي عليها حديث طويل!
وقال لي، بعد حديث سريع، ذكر فيه موعد سفره، والمنصب الكبير الذي سوف يشغله في عاصمة بلاده، وآماله في مستقبل علاقاتها مع الجمهورية العربية المتحدة:
– هل أستطيع أن أسألك في شيء قبل أن أمشى؟
قلت: تفضل، كلي آذان تسمعك!
قال: لم أفهم مقالاتك الأخيرة، ضد سياسة المملكة العربية السعودية وضد ملكها فيصل؟
قلت: إذا سمحت لي بتصحيح بسيط فإن ما كتبته لم يكن: ضد، وإنما كان: عن.
لم يكن ضد سياسة المملكة وضد الملك، وإنما كان عن سياسة المملكة والملك.
وفارق كبير بين الحرفين، بين ضد، وبين عن.
قال: مهما اختلفت الحروف، ففي النهاية كان ما كتبته هجوماً عليهما معاً!
قلت: كنت أقبل وجهة نظرك لو أنني فيما كتبت عن سياسة المملكة وعن الملك استعملت أوصافاً ونعوتاً، لكني في كل ما قلت، لم أستعمل غير الوقائع والحوادث.
وإذا كان الانطباع النهائي الذي تركته الوقائع والحوادث، علي النحو الذي ذكرته أنت، فلست أنا المسئول عن ذلك، وإنما المسئول صناع الوقائع والحوادث.
إن الوقائع والحوادث التي استعملتها في كل ما كتبت عن سياسة المملكة والملك، لم تكن من صنعي.
لقد أخذتها من صميم التطورات الجارية ومن قلبها، وربما كان دوري فيها هو محاولة الربط، والإبراز بتركيز الضوء.
أكثر من ذلك لم أحاوله، ولست بالتالي مسئولاً عنه!
يصدق ذلك علي سياسة الدول والملوك، كما يصدق في الحياة العادية بالنسبة لتصرفات الأفراد، أعني أنك إذا ذكرت وقائع وحوادث ثابتة ومؤكدة عن سياسة دولة أو عن ملك أو عن أي فرد عادى، ثم كان الانطباع الذي تعطيه هذه الوقائع والحوادث في النهاية سيئاً، فليس ذلك فعلك، ولا هو قصدك.
إن ما تفعله بسرد الوقائع والحوادث الثابتة والمؤكدة، هو بمثابة وضع مرآة أمام الحقيقة، وما يظهر علي المرآة هو انعكاسها الأمين والصادق مهما كان شكله!
لقد كان ذلك – لا أكثر ولا أقل – ما حاولته في الحديث عن سياسة المملكة العربية السعودية وعن ملكها فيصل.
قال، بعد أن أصغي لهذا الشرح الطويل تمثيلاً وتشبيهاً:
– “ليكن، وإنما ألا تعتبر أن ذلك يؤثر علي روح مؤتمرات القمة العربية، باعتبار أنه في النهاية، ومهما كانت الأمثلة والتشبيهات – يشكل هجوماً علي المملكة وعلي الملك ويسيء إليهما”.
قلت ضاحكاً: “هذه أول مرة أسمع فيها أن وضع مرآة أمام أحد، تعكس بأمانة وصدق تقاطيعه وملامحه، يعتبر عملاً مضاداً له بالهجوم وبالإساءة”.
كما قلت لك، لقد ألزمت نفسي في كل حديث بالوقائع والحوادث، وساسة المملكة والملك معاً، لم يتصد منهم واحد بتكذيب لما قلت.
قال: أنت لم تفهمني بعد، أنا لا أناقش ما ذكرته في أحاديثك من وقائع وحوادث، ما أناقشه هو تأثير ذلك كله علي روح مؤتمر القمة.
قلت: إن روح مؤتمر القمة، هي أولاً وأخيراً وحدة عمل.
والعمل نفسه إذن هو مقياسها وحكمها الوحيد.
وحدود العمل – لا شيء غيرها – هي موضع اللقاء ومكانه.
إن وحدة العمل ليست كما قلت مرة من قبل مؤامرة صمت، نصون فيها المظهر ونضحي بالجوهر.
وهي – كذلك – ليست ثلاجة للتبريد العميق، نضع فيها مستقبل التطور العربي كله – الذي هو أمل الغد وضمانه – ثم نتركه فيها، يتجمد داخل قالب من الثلج الأبيض!
قلت له:
– أريد أن أشرح لك تصوري، أعبر فيه عن نفسي وصدقني إذا قلت لك إنني لا أستطيع أن أقطع إلي أي حد يتفق مع سياسة الدولة في الجمهورية العربية المتحدة وإلي أي حد يختلف معها.
لا تحمّل ما أقوله لك بأكثر مما يحتمل خذه منى، ولا تحاول أن تستشف من ورائه موقف غيري:
– قبل الدعوة إلي مؤتمر القمة الأول كانت صورة الموقف تتمثل في مجموعة من الخطوط الرئيسية، ومجموعة من بقع الظل حولها.
أقصد أن أقول، إنه كانت هناك في الموقف عوامل رئيسية، أستطيع أن أعدها ثلاثة، واعتبارات طارئة، أستطيع أن أعدها ثلاثة أيضاً.
الخطوط أو العوامل الرئيسية الثلاثة في الموقف كانت كما يلي:
1- وجود صدام علي الأرض العربية بين شعوبها وبين الاستعمار القديم والجديد، أي استعمار الاحتلال، واستعمار الاستغلال.
2- وجود صراع بين الجماهير العربية وبين قوي الإقطاع والرجعية المحلية، أي بين طلاب الحرية الاجتماعية وبين أعدائها الذين لا يترددون في أن يبيعوا الاستقلال السياسي لأوطانهم ضماناً لامتيازاتهم الطبقية.
3- وجود حرب بين الأمة العربية وبين العنصرية الصهيونية في إسرائيل التي تحاول تثبيت أقدامها في فلسطين، اعتماداً علي إرهاب الاستعمار واتكالاً علي موقف المساومة الذي لا يملك الإقطاع
والرجعية المحلية غيره، بفعل تناقضهما مع الشعوب.
بقع الظل أو الاعتبارات الطارئة الثلاثة في الموقف كانت كما يلي:
1- ازدياد الخطر علي الأرض المحتلة في فلسطين بسبب تنفيذ مشروعات إسرائيل لسرقة مياه نهر الأردن العربية بقصد تدعيم مشروعات التوسع والاستيطان.
2- تأخر أي رد فعل عربي، ولو جزئي، تجاه هذا الخطر المتزايد، رد فعل يمنع السرقة الصغيرة الجديدة علي الأقل، إلي حين يتمكن من استرداد السرقة الكبيرة القديمة.
3- فقدان اللغة العربية لكل جلالها في استعمالها لعرض الموقف ومضاعفاته،
و نزولها عن أسلوب الشرح والتحليل إلي أسلوب السب والشتم، الأمر الذي كاد أن يطمس الوجه الشريف والنبيل للصراع السياسي والاجتماعي، الذي يجري علي الأرض العربية ويحوله إلي منافسة بين الأشخاص بالحساسية وبالغيرة!
إن مؤتمر القمة الأول – إذا صدق تصوري – وكل مؤتمرات قمة بعده كانت تقدر علي أن تواجه بقع الظل أو الاعتبارات الطارئة.
كانت تقدر علي مواجهة الخطر المتزايد.
كانت تقدر علي تجميع إرادة عمل عربي، جزئية، تمنع سرقة المياه العربية وتصونها بمشروعات جديدة لخدمة الرخاء العربي، وتحمي هذه المشروعات.
وكانت تقدر علي أن تعيد للغة العربية جلالها وتصونها بأسلوب الشرح والتحليل في عرض أي خلاف سياسي أو اجتماعي.
أكثر من ذلك لا تستطيع، أعني أنها لا تقدر – ولا يجوز لأحد أن يتصور لها القدرة – علي تصفية الاستعمار القديم والجديد تصفية نهائية علي الأرض العربية.
ولا تقدر – ولا يجوز لأحد أن يتصور لها القدرة – علي تصفية الإقطاع والرجعية تصفية نهائية علي الأرض العربية.
ولا تقدر – ولا يجوز لأحد أن يتصور لها القدرة – علي تصفية العنصرية الصهيونية واحتلالها العسكري لفلسطين، اعتماداً علي الاستعمار واتكالاً علي موقف المساومة المحكوم به علي الإقطاع والرجعية العربية.
التصفية النهائية لذلك كله، دور الثورة العربية الشاملة وحدها، ولا يقدر عليه غيرها.
إن تحقيق الانتصار الكامل للحرية والاشتراكية والوحدة، هو وحده الذي يصفي الاستعمار القديم والجديد، ويصفي الإقطاع والرجعية المحلية ويصفي العنصرية الصهيونية واحتلالها العسكري لفلسطين.
أي إن مؤتمرات القمة العربية تكفي لبقع الظل أو للاعتبارات الثلاثة الطارئة علي الموقف العربي.
لكن هذه المؤتمرات مهما فعلت لا تكفي لمواجهة الخطوط أو العوامل الرئيسية في الموقف العربي.
هذا بالطبع، مع استعدادي للتسليم بأن نجاح مؤتمرات القمة في مواجهة بقع الظل والاعتبارات الطارئة، يستطيع أن يسهل أو يخفف من آلام التحول العميق الذي يمكن للثورة العربية الشاملة من أداء دورها في مواجهة الخطوط أو العوامل الرئيسية في الموقف العربي.
فيما كانت مؤتمرات القمة تقدر عليه وتكفي له فإن الأمور تسير.
لا أقول إنها تندفع وإنما أتمسك باللفظ الذي اخترته:
تسير.
– المشروع الإسرائيلي لسرقة مياه الأردن نفذ فعلاً، لكن خطره ليس مطلقاً.
– هناك الآن مشروع عربي لمواجهته مع أكبر قدر يمكن توفيره من ضمانات الحماية.
– جلال اللغة العربية يعود إليها، إن لم يكن كله، فبعضه علي الأقل يعتمد الشرح والتحليل أسلوباً لعرض أي خلاف سياسي أو اجتماعي.
لكن هناك نقطة هامة لا ينبغي – وليس ينبغي – لها أن تغيب عن البال في الأهداف الكبيرة للثورة العربية.
إذا كنا نقول بأن مؤتمرات القمة، في مواجهتها الناجحة لبقع الظل أو للاعتبارات الطارئة في الموقف العربي، تستطيع أن تسهل أو تخفف من آلام التحول العميق الذي يمكِّن للثورة العربية من أداء دورها في مواجهة الخطوط أو العوامل الرئيسية في الموقف العربي. فلابد أن نذكر أن هذا المنطق يزكي نفسه بطريقة عكسية أمام أعداء الثورة العربية.
أي إن أعداء الثورة العربية قد يحاولون استعمال نجاح مؤتمرات القمة، في تصعيب أو تعطيل الأهداف الكبيرة للثورة العربية عن مهمتها الضخمة، التي ينبغي أن تصل إلي النجاح الحاسم الأكبر.
وإذا حدث هذا فإن الثورة العربية تكون قد تركت نفسها تخطو في الضباب وفي الظلام!:
– إن قيام العرب بتحويل روافد الأردن ليس بديلاً عن استعداد العرب لاستعادة فلسطين.
– إن تجميع إرادة عربية جزئية وراء مشروع التحويل ليس بديلاً عن حشد إرادة عربية كلية لهزيمة الاستعمار القديم والجديد.
– إن إنقاذ جلال اللغة العربية ليس بديلاً عن إسقاط التحالف الإقطاعي الرجعي في العالم العربي.
إن السماح بهذه الصفقات تنازل وتفريط لابد من تجنبهما، وإلا فقد تُهنا، في مرحلة من مراحل العمل، عن الهدف النهائي لهذا العمل.
قلت له:
إذا كنت قد أطلت قي هذا التصوير النظري فامنحني صبرك حتى أصل بك إلي التطبيق العملي له.
ثم قلت له:
بكل ما قدمت حتى الآن، فلقد خرجنا بعد مؤتمرات القمة بثلاث علامات علي الطريق، واعذرني إذا بدا لك اليوم أنني علي موعد مع رقم الثلاثة!:
– العلامة الأولى: نسير مع مؤتمرات القمة إلي كل نجاح تستطيع أن تحققه في مواجهة بقع الظل أو الاعتبارات الطارئة في العالم العربي.
– العلامة الثانية: نحاول بأي نجاح يتحقق تسهيل وتخفيف آلام التحول العميق الذي يمكن للثورة العربية الشاملة من أداء دورها في مواجهة الخطوط أو العوامل الرئيسية في الموقف العربي.
– العلامة الثالثة: لا نسمح بأي حال للقوي المعادية للثورة أن تستغل هي نجاح مؤتمرات القمة في تصعيب دور الثورة العربية أو تعطيلها!
قلت له:
– استرشاداً بهذه العلامات الثلاث، دعنا نطل علي ما جرى!
عن السعودية كلامي، عن سياسة المملكة وعن الملك.
قبل الوقائع والحوادث، وحكاياتها التي تطول، سوف أقف بسرعة أمام مشهد واحد داخل السعودية نفسها.
هو مشهد الصراع علي المُلك وعلاقته بمؤتمرات القمة، وبالتالي بكل ما حولها وما بعدها.
لم تنس – فيما أرجو – أنه حين وجهت الدعوة إلي مؤتمر القمة الأول في شهر ديسمبر سنة 1963 فإن الدعوة التي وصلت إلي الرياض التقت بالوضع التالي:
– سعود، ملكاً علي العرش، ولكن بغير سلطات.
– فيصل، رئيساً للوزراء، ولكن معه كل السلطات.
وحتى اللحظة الأخيرة، فلقد كان العالم العربي، لا يعرف كيف تنوي السعودية أن ترد علي الدعوة:
هل يمثلها العرش في المؤتمر. أو هل تمثلها السلطة الفعلية؟
في نهاية الانتظار جاء الملك سعود إلي القاهرة.
نظارته السوداء علي عينيه، وعصاه في يده يتوكأ عليها، وابتسامته علي شفتيه يقدمها لكل من يلقاه حتى للرئيس عبدالله السلال!
وكان علي استعداد للحديث في أي موضوع، وللتحمس لكل مشروع ما دامت التضحية في النهاية بمليونين من الجنيهات، أو ثلاثة، أو أربعة!
أكاد أقطع الآن بأن الملك سعود لم يكن ينظر أمامه علي مائدة المؤتمر وإنما كان ينظر خلفه إلي سلطة العرش المسلوبة في السعودية.
ما كاد يرجع الرياض حتى جرب أن يضع كل ما حصل عليه من اشتراكه في المؤتمر لخدمة سلطة العرش يحاول استردادها، ذلك كل ما كان يعنيه.
ضاعت منه الفرصة – علي أي حال – وأرغم علي التراجع خطوة ليستقر داخل قصر الناصرية وترك لفيصل مع السلطة الفعلية لقب نائب الملك.
وجاء موعد المؤتمر الثاني:
الملك في السعودية حبيس القصر.
– نائب الملك في السعودية معه كل شيء، إلا لقب الملك.
هذه المرة لم يكن هناك انتظار بالسؤال عمن يجيء من السعودية، ومن يتخلف.
جاء نائب الملك. معه كل شيء في السعودية إلا لقب الملك، نزل من الطائرة وعلي ملامحه امتعاضها التقليدى، وعلي شفتيه عبارات المجاملة المحفوظة.
كان الكرسي الذي ينتظره في الإسكندرية عالياً: كرسي رئاسة مؤتمر القمة الثانى، الذي يصدر عنه إلي هيئة استغلال مياه الأردن قرار البدء بتنفيذ المشروعات العربية، ويصدر عنه إلي القيادة المشتركة أمر الاستعداد لحمايتها بالقوة العسكرية إذا اقتضي الحال.
لكن كرسياً آخر كان ملء الخيال.
وما كاد المؤتمر ينتهي حتى أسرع فيصل إلي الرياض، يجرب أن يضع كل ما حصل عليه من رئاسته لمؤتمر القمة الثاني في الحصول علي الكرسي الخالي في الرياض. في يده سلطته لا ينقصها غير مقعده.
العرش بعد سلطة العرش.
وهكذا كان!
قد يقال لى: ما هو شأنك بذلك؟
صحيح، لا شأن لي به.
وقد يقال لي: هذه مسألة داخلية في السعودية؟
صحيح أيضاً، هي مسألة داخلية.
لكن الذي يعنيني فيها هو الدلالة.
يعنيني فيها أن أسأل:
– هل كان محض صدفة أن يعود سعود من المؤتمر الأول ليحاول طرد رئيس الوزراء ويسترد للعرش سلطته؟
وهل كان محض صدفة أن يعود فيصل من المؤتمر الثاني ليطرد الملك ويجلس علي العرش الذي كانت في يده سلطته؟
هل تلك فائدة مؤتمرات القمة العربية، ولا شيء غيرها؟
قوة من أجل صراعات السلطة والمصالح، وألقاب الملك والعروش؟!
مع ذلك فلقد كان هناك كثيرون علي استعداد لتخطئة الظنون، لو أن الأمر في سياسة المملكة والملك، اختلف في الخارج عما جري في الداخل ودلالته!
ظواهر الأحوال حتى الآن تقول بأن الصورة تكررت.
القوة الجديدة مؤتمرات القمة وآثارها انكفأت لكي تخدم الأغراض والمصالح القديمة!
كيف؟
ملاحظة:
أجدني مضطراً إلي الوقوف الآن عن استكمال الحديث هذا الأسبوع، فلقد انتهي الحيز المخصص لى.
وإني لأعرف أني توقفت في مكان غير ملائم.
أعرف ذلك وأعتذر عنه، مهما يكن فإن الأسبوع القادم قريب!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=764