” بصراحه بقلم محمد حسنين هيكل : عائد من الجزائر “

عائد من الجزائر
ركبت البحر أربعة أيام لكى أصل إلى الجزائر، ثم لم أقضِ فى الجزائر نفسها غير يومين اثنين، وضعت بعدهما قدمى فى أول طائرة عائدة إلى القاهرة، فلقد وجدتنى على أرض الأبطال والشهداء فى الجزائر مشغولاً بما يقوم به الساسة والحزبيون فى دمشق!.
وكنت أظن أن الشىء الوحيد الذى سوف يبقى يشد اهتمامى إلى المشرق، هو عصبية إسرائيل بعد إعلان الوحدة، وخططها العدوانية ضد ضفة الأردن الغربية، إذا ما سقط عرش الرجعية الواهى على ضفته الشرقية فى عمان.
وكنت قد غادرت مصر وكلها على أهبة الاستعداد لأى مفاجأة.
عيونها وأسماعها على إسرائيل، وجيشها تحت حالة الطوارئ، وقواها الرادعة معبأة فى انتظار الإشارة الموقوتة بلحظة الخطر لكى تنطلق ويكون بعدها ما يكون.
وكنت أظن بقية العواصم العربية – خصوصاً دمشق – حالها حال القاهرة.
اهتمامها نفس الاهتمام، وجيوشها هى الأخرى على موقف الاستعداد، وقواها أشد ما تكون تنبهاً، خصوصاً وأن قائد المعركة اضطرته الظروف أن يبتعد قليلاً عن أرضها.
لكن المفاجأة لم تجئ من ناحية العدو. وإنما من الصديق جاءت المفاجأة.
مأساة أخرى عربية، بنفس الطريقة التقليدية، ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة فى تاريخ أمة باسلة تعرف – بأمانة – وهى تواجه قوى أعدائها، أنها لم تتمكن بعد – ولا كان فى مقدورها إنسانياً – أن تتمكن – من تغطية كل مواطن الضعف فى صفوفها، لكنها بالإيمان لا تنتظر، وإنما تواجه تجمّع أعدائها، وفى نفس الوقت تواجه كل انحراف وانسياق مع الهوى ومع الغرض يبتعد بأحد صفوفها عن مجال المعركة الحقيقى.
ومع أنى أدرك ذلك تماماً، أعزى نفسى به أحياناً، فإنى أعترف أن ما حدث فى دمشق خلال الأسبوع الذى انقضى كان مفاجأة لى.
لقد فوجئت بأن ثمانية من السوريين الذين وضعوا توقيعاتهم على إعلان الوحدة – الذى سبّب عصبية إسرائيل – قد خرجوا أو أخرجوا من مناصبهم.
كذلك فوجئت بأن مائتى ضابط – على حسب ما تقدر الأنباء – قد سرحوا من الجيش السورى الذى كان مفروضاً فيه أن يكون معبأً لمواجهة مفاجآت العدو.
وفوجئت بأن ذلك كله حدث، بينما قائد المعركة، بعيداً عن أرض المعركة يضيف احتمالات جديدة إلى إمكانيات النصر، بل لقد تبين أن ما حدث أريد له أن يحدث بينما القائد بعيد!
على أنه لابد لى أن أضيف، أنه إذا كانت المفاجأة قد وقعت لى، فإنهالم تقع لغيرى.
لقد اكتشفت فيما بعد – ولحسن الحظ- أن الرئيس جمال عبدالناصر لم يفاجأ بشىء مما جـرى، وإنما كانت لديه مسبقاً كل المعلومات المؤيدة بالمستندات ترسم صورة كاملة ومفصلة لما كان مكتوماً ومدبراً.
ويوم يحل الكلام لبعض الصامتين الآن – حتى فى دمشق – فسوف يقولون إن عبدالناصر كان يعرف المكتوم والمدبر منذ اللحظة الأولى، وإن بقى حتى اللحظة الأخيرة وأظنه باقياً حتى هذه اللحظة – يأمل أن تكون الغلبة للضمير القومى على أى مطمع حزبى.
لكن ما جرى فى سوريا هذا الأسبوع الذى انقضى، ليس موضوعى اليوم.
لقد كان هو الذى شدنى من الجزائر وأعادنى إلى القاهرة، لكن الترتيب المنطقى للأيام يدفعنى إلى أن أفرغ أولاً من تسجيل بعض الانطباعات عن الجزائر، ثم أعود من جديد! – إلى الحديث عما جرى، وسوف يجرى فى سوريا.
ومن ناحية أخرى، فما زلت أعلل النفس، بأنه ربما كان خيراً أن أبتعد قليلاً عن التعرض لتفاصيل الأحداث فى سوريا.
إن ما حدث فى سوريا حتى الآن خطير.
وما قد يترتب عليه من النتائج أخطر.
ومن هذا فلقد يكون الأفضل، ولو تمنياً ورجاءً، أن نترك الباب مفتوحاً لعل مراجعة النفس أن تجئ بمعجزة!
وإذن موضوعى اليوم. عن يومين فى الجزائر!
وكثير، كثير، حتى خلال يومين اثنين يستحق أن يكون موضوعاً للحديث عن الجزائر.
على المستوى الفردى، وعلى المستوى العام، فى المجال الإنسانى، وفى المجال السياسى.
وعلى المستوى الفردى والإنسانى أشعر أن موقفين اثنين تركا على وجدانى أثراً لا أستطيع أن أنساه.
– الموقف الأول عشته وسط زحام ليس فى مقدورى وصفه.
مئات ألوف وسط شارع واحد فى الجزائر تجمعوا ليستقبلوا عبدالناصر ويمدوا له أيديهم سلاماً، وينادون بإسمهِ محبة.
بحر من البشر، أمواج تتدافع على أمواج، وهدير عاصفة كأن قوى الطبيعة الغلابة كلها تجمعت فيها.
ووسط البحر الطاغى وقف عبدالناصر ومعه بن بيللا وهوارى بومدين ومن حولهم نطاق من جنود جيش التحرير فى وقفة أخيرة مستبسلة.
وقال هوارى بومدين:
– فى هذا الشارع كان خمسة آلاف من جنود جيش التحرير يتولون مسئولية النظام، لكن محبة الناس أقوى من جيش التحرير ومن النظام.
ووسط العاصفة الرائعة برزت من الخضم الهائل شابة ترتدى السواد ومعها طفل صغير راحت تخلصه من الزحام وتحاول أن تجتاز به النطاق الأخير من حول عبدالناصر وبن بيللا وبومدين.
وقبل أن يشعر أحد، كانت الشابة قد اقتحمت طريقها إلى النطاق الضيق الذى وقف الثلاثة فيه، وتقدمت إليهم، ورفعت رأسها بكبرياء حزين وقالت لعبدالناصر:
– قبّل هذا الطفل يا سيدى.
واستطردت تقول:
– لقد مات أبوه من أجلك، قتلوه تحت رايتك، طارده المستعمرون وهو يحمل علماً للجمهورية العربية وظلوا وراءه حتى أفرغوا فيه رصاصهم.
واستطردت الشابة لابسة السواد:
– كان أخى يا سيدى. وهذا ابنه، وأنا أريدك أن تقبله، وأعلم أن ذلك سوف يرضى الشهيد.
وخانها الكبرياء وارتجف صوتها بالدموع وسط العاصفة الرائعة من حولها وهى تكرر:
– قبّله يا سيدى. مات أبوه من أجلك. وقتلوه تحت رايتك.
ورفع جمال عبدالناصر ابن الشهيد يقبله.
وأحاط الطفل صديق أبيه بذراعيه الصغيرتين. وكانت الشابة لابسة السواد الحزين ما زالت تبكى.
ولأول مرة فى حياتى، رأيت فى عينى عبدالناصر الدموع.
– والموقف الثانى كنت فيه مع أحمد بن بيللا وحدنا فى حديقة قصر الشعب وكان هذا المناضل الجزائرى العظيم قد جاء لموعد مع عبدالناصر.
وقال لى بن بيللا:
– لقد مات خميستى منذ دقائق. وأخطرونى بذلك الآن.
وتمتمت بكلمة عزاء له فى صديقه الذى اختاره وزيراً للخارجية حتى صرعته رصاصة طائشة ومجنونة قبل بضعة أسابيع عاش بعدها فى المستشفى داخل غرفة صناعية مغلقة ليس بينه وبين الحياة إلا دقائق محسوبة لا أمل فى نهايتها ولا شبه أمل.
وقال بن بيللا على الفور:
– يا أخى لم يعد الموت غريباً علينا، لقد تعودنا أن نعيش معه. ولا يملك الثوريون أن يكونوا عاطفيين.
يا أخى لقد سقط منا فى حرب التحرير مليون شهيد، تركوا وراءهم مليون يتيم، ونصف مليون أرملة.
وأمسك بيدى ومشينا معاً ساكتين.
وكان الصمت بيننا مشحوناً. شىء ما فى الصمت كان حافلاً بالجلال. أكاد أقول: بالقداسة!
كأننا كنا نمشى إلى محراب، فى حضرة إله لا نراه، لكنه يحيط بكل شىء حولنا.
وعلى المستوى العام والسياسى، وقفت مبهوراً أكثر من مرة خلال يومين اثنين فى الجزائر.
– وقفت مبهوراً وأنا أسمع من أحمد بن بيللا ومن عمار أوزيجان ومن بشير بو مَعزّة تفاصيل خطوة الجزائر الكبيرة نحو الاشتراكية بتأميم كل الممتلكات الفرنسية الشاغرة، التى سافر أصحابها إلى فرنسا ولم يعودوا فى الموعد الذى حددته حكومة الجزائر.
وليس من دليل على الوعى الثورى العميق وصدقه فى الجزائر مثل هذه الخطوة.
بعد الاستقلال – والمنطق التقليدى يفرض على حكومة الجزائر أن تهادن وتسكت، رفضت الحكومة الثورية كل منطق تقليدى واستردت للشعب الجزائرى جزءاً كبيراً من ثروته المنهوبة بضربة واحدة، جريئة ومركزة.
هنا اختبار حقيقى للثورية الأصيلة ومعدنها.
إن الوصول إلى السلطة – فى مفهومها – ليس غاية فى حد ذاته، وإنما السلطة مقدمة للمسئولية الثورية الفعلية.
الثائر لا يصل إلى السلطة ليحكم، وإنما هو بالسلطة يفرض التغيير الحتمى الذى هو داعى الثورة وغايتها.
وقلت لأحمد بن بيللا مرة:
– لقد كانت خطوة رائعة، بصرف النظر عن كل ما قد تأتى به من المتاعب مع فرنسا.
وقال أحمد بن بيللا:
– إن الأخ الأكبر – الوصف الذى يطلقونه فى الجزائر على عبدالناصر – فعل ذات الشىء.
لقد انتخب رئيساً للجمهورية المصرية فى يونيه سنة 1956، وفى شهر يوليو كان يعلن تأميم قناة السويس، وبعد بدء العدوان أعلن التمصير، واسترد المصالح الأجنبية، وجعلها نواة للقطاع العام فى الاقتصاد المصرى.
واستطرد أحمد بن بيللا:
– إننا نريد أن تقوم “الأملاك الشاغرة” التى تم تأميمها، بنفس دور القطاع العام فى مصر الذى كانت عملية التمصير بداية انطلاقته على طريق التحول الاشتراكى.
ومرة ثانية خلال يومين اثنين فى الجزائر كان ما أشعر به أكثر من مجرد الانبهار وأبعد وصولاً إلى قرار النفس – حين وقف أحمد بن بيللا فى الساحة الواسعة التى عقد فيها المؤتمر الشعبى الكبير، الذى تكلم هو فيه، وتكلم بعده جمال عبدالناصر.
كانت ساعة غروب، والسماء مزدحمة بسحب مكهربة يتصادم فيها الرعد وتلمع البروق ويتدفق المطر.
وكانت الأبنية العالية الصاعدة على سفح الجبل الأخضر المطل على الساحة الواسعة تشع النور من نوافذها وشرفاتها وآلاف البشر يطلون منها وآلاف الأعلام أمام الرياح، وتحت الأضواء مدلاة على جدرانها.
وحين بدأ أحمد بن بيللا حديثه ترك عشرات الألوف من الحاضرين مقاعدهم تحت المظلات وتقدموا إلى أرض الساحة المكشوفة تحت سيل المطر لا يكاد أحدهم يلقى بالا إليه.
ثم راح بن بيللا يتكلم عن عبدالناصر. عن الأخ الأكبر.
وقال بن بيللا ما لا يقوله إلا رجل كبير.
قال: “إن الجزائر كانت تناضل وتنتظر شيئين: يوم الاستقلال. ويوم يزورها عبدالناصر”.
وقال إن الجزائر “لم تشهد يوما كيوم وصول عبدالناصر. حتى ولا يوم الاستقلال”.
وقال: “أريد أن يسمعها الجميع لا أستثنى منهم أحداً، فى وقت الأزمة وقبل أن تكون هناك ثورة، لم نجد شرقاً ولا غرباً إلى جانبنا.لم نجد إلا رجلاً واحداً هو جمال عبدالناصر”.
وقال: “يوم كان فى الجزائر جزائريون لا يرون احتمالا للنصر، ويوم كانت الأحزاب – كعادتها – تتصارع من أجل الكسب السياسى، وجدت فى القاهرة رجلا لم يتردد لحظة فى أن يضع كل الإمكانيات المادية والمعنوية لمصر تحت تصرف ثورة الجزائر ومن أجل نصرها”.
وقال: “لقد تعرضت مصر للحرب، وبين أسباب المعتدين عليها – موقفها من الجزائر، وأن الدم الذى سال فى بور سعيد ربط مصير الجزائر بمصر وإلى الأبد”.
وقال: “إن من يريد أن يستفيد عليه أن يرجع إلى التاريخ والتاريخ القريب وليس البعيد. ارجعوا إلى التاريخ وهو ينطق بحروف من نور، ونحن نقول لهم بصراحة إننا فى هذه البلاد نعرف هذا التاريخ، ونعلنها صراحة أنه لا يوجد إنسان خلصنا ونصرنا إلا جمال عبدالناصر.
ونحن نقول لمن يريدون استغلال هذه البلاد فى مناوراتهم التى ترمى إلى تفكيك العرب والوحدة العربية. نقول لمن يدبرون هذه المناورات. هيهات، هذا البلد بلد عربى، وهذا البلد يعرف قدر مصر، وقدر جمال عبدالناصر فى حرب التحرير”.
ثم قال بن بيللا “إنه عاهد نفسه أمام الله أن يقول هذا كله صراحةً أمام الشعب وللتاريخ.
وأَمسك بذراعى وبن بيللا ما زال يتكلم، مناضل تونسى كان يجلس بجانبى يسألنى:
– ما رأيك؟
قلت:
– كلام رجل كبير. وثائر أصيل.
إن الثائر الأصيل هو الذى يستطيع ساعة النصر، أن يذكر تجربة المحنة.
هذا هو الفارق بين الثائر الوطنى وبين السياسى الحزبى.
إن أحمد بن بيللا وقد قاد ثورة نادرة فى التاريخ العربى، ملك الشجاعة بعد النصر أن يتحدث عن دور رفاق المعركة المريرة، لا ينساه، ولا يتناساه ولا يتصور لحظة أن الإشارة إلى دور غيره، تقلل من عظمة دوره على رأس المعركة.
ذلك شأن الواثق بنفسه والعارف للحقيقة.
ثم قلت للمناضل التونسى:
– وليت فى المشرق يسمعها بعضهم. هؤلاء الذين حملوا مصر وجمال عبدالناصر أعباءهم وقبعوا فى الأمان لا يشاركون فى القتال، وإن شاركوا فبالألفاظ العقيمة أو بالقفز العصبى المذعور، وحين تلوح من بعيد بارقة نصر لا يتورعون. لا عن الصمت وحده، ولكن عن طعنات الغدر من الوراء‍!
وفى غالب الأحيان يكتشف هؤلاء أن ما لاح لهم نصراً لم يكن إلا سراباً!
ثم يبقون وحدهم على ملامحهم غدر. وفى أيديهم خنجر معلق فى الهواء!”.
ثم طغى هدير الجماهير المنتصرة على كل حديث. وعلى كل همس.
وفى النهاية دائماً تسود إرادة الجماهير.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=729