” بصراحة بقلم محمد حسنين هيل: عن الأمل. والموت “

عن الأمل. والموت
سوف أتوقف هذا الأسبوع عما كنت أعالجه من قضايا السياسة والحرب لكى أكتب فى موضوع يكاد يكون شخصياً.
أكتب اليوم عن صديق سقط قبل أيام فى المعركة العظيمة – ومن أسباب أنها عظيمة أنها غير متكافئة – بين المقاومة الفلسطينية وبين الطغيان الإسرائيلى.
كثيرون فى ظنى لم يسمعوا به، وقليلون سمعوا باسمه مجرد سماع – خالد عبدالمجيد.
وأقل من القليل يقيناً عرفوا أنه واحد من القادة البارزين فى العاصفة، الجناح العسكرى لمنظمة “فتح”. حركة تحرير فلسطين.
ولست أعرف تأكيداً أين واجه خالد لحظة التجربة الهائلة مع الموت – فى الغارة على السلط؟
أو فى المطاردة الساخنة التى قامت بها قوة إسرائيلية لجماعة من الفدائيين العرب لاحقتهم عبر الأردن بطائرات الهليكوبتر؟
أو فى واحد من عشرات الاشتباكات التى تجرى كل ليلة بين الأبطال وبين الإرهابيين؟
ولقد جاءنى النبأ أولاً بأنه استشهد فى معركة لكن النبأ كان بغير دليل.
ثم وصل قادم من الأردن يقول لى إنه كان بين الساعين فى جنازته بعمان، وأن آلافاً من الذين أحسوا بشكلٍ ما أن شهيد اليوم قصة نضال مجيدة – ساروا وراء نعشه باكين.
وأخيراً تلقيت خطاباً من زوجته فقطع الشك باليقين.
إذن فلقد جاء دوره. واجتاز الباب المجهول إلى الرحاب القدسى حيث الضياء أبدى والسكون مقيم.
وحين التقيت به لأول مرة، وكان ذلك فى مكتبى من نحو عام، فى الأيام الكئيبة الحزينة التى أعقبت شهر يونيو من سنة 1967، فلقد بدا لى على الفور نموذجاً مختلفاً – وفريداً – من البشر.
بدا لى رجلاً يحمل فى صدره أملاً لا سبيل إلى تحقيقه غير الموت، والغريب أنه بدا أيضاً وكأنه يعرف.
يعرف ما بصدره.
ويعرف التضحية المطلوبة له.
وهو بهذه المعرفة راضٍ مطمئن.
وأيامها كان الموت حولنا فى كل مكان، ولكن الأمل كان بعيداً كأنه هجر المكان كله وابتعد.
وطال حديثنا لساعات.
والصحفى الذى يتابع سياسة بلده وأمته، ويتصل بأحداث العالم الواسع خارج وطنه وأمته يلتقى ويتعامل مع أنواع كثيرة من البشر. ملوك ورؤساء، رجال فى يدهم القوة أو يسعون للحصول عليها، مفكرين وعلماء، لاجئين ومغامرين، أصحاب ملايين وأصحاب أحلام، محافظين يتمسكون بالأمر الواقع وثوريين يحاولون تغييره، عباقرة ومجانين، مرتزقة وفدائيين ومجرمين، وخليط من البشر ليس له أول وليس له آخر.
لكن “خالد” كان نموذجاً مختلفاً.
رجل كما قلت يحمل فى صدره أملاً لا سبيل إلى تحقيقه غير الموت. ثم هو يعرف ذلك ويرضى به ويطمئن إليه.
وفى ذلك اللقاء الأول سمعت منه كثيراً وتحدثت إليه كثيراً، وبعده كانت لقاءاتنا العديدة على أرضية مشتركة مفتوحة واضحة وعرفت عنه منذ ذلك اللقاء ما يكفى.
شاب فلسطينى تنبه وعيه بعد نكبة سنة 1948 واقتات من عذابها وآلامها واحترف الجندية بوحى من وجدانه الداخلى وأصبح ضابطاً فى الجيش الأردنى، واتصل بالتيارات السياسية المؤثرة فى الجيش الأردنى ثم ابتعد عنها وفى إحساسه أنها ليست طريقه إلى نداء ملح فى الوجدان.
ثم جاءت حرب الأيام الستة من يونيو سنة 1967 وهو قائد لبطارية مدافع قرب القدس وحين سمع عن طريق الإذاعة ببدء المعارك على الجبهة المصرية فى الساعات الأولى من صباح 5 يونيو لم ينتظر حتى تصل إليه أية أوامر وإنما أدار مدافعه فى اتجاه القدس الجديدة – الإسرائيلية – وأصدر أمراً بالضرب وكانت مدافعه على وجه القطع هى أول دوى على الجبهة الشرقية.
وعاش تجربة الأيام الستة بعد ذلك كأنها الكابوس وحين التزم الكل بقرار وقف إطلاق النار كان تمرده على هذا القرار غلاباً لا يقاوم، وودع رفاق السلاح فى بطارية المدافع الأردنية، ومضى وحده متسللاً داخل الأرض المحتلة وهناك اتصل بمنظمة فتح وانضم إلى جناحها العسكرى – العاصفة – وتولى قيادة هامة فيه، وراح يقضى أيامه ولياليه فى تحدى الخطر أمام عدو كان رأسه يدور بنصر لم يخطر فى الأوهام!
ثم حملته مسئولياته إلى القاهرة يتحسس سبيله فيها لكى يفتح باباً للتعاون بين منظمة فتح وبين الجمهورية العربية المتحدة، وكان إيمانه أن مثل ذلك التعاون سوف يحدث تغييراً كمياً وكيفياً بالنسبة للمقاومة.
وأذكر يومها أننى شرحت له وجهة نظرى كاملةً بالنسبة للمقاومة.
قلت له:
– إن العالم العربى ملىء بهؤلاء الذين لا يرون من الألوان غير الأبيض والأسود بغير ظلال متداخلة بينهما.
أما أن تقودهم الخطوة الأولى إلى تحقيق الهدف الأخير وإلا فهم أسرى لليأس والقعود!
وبغير ادعاء فلست من أنصار هذا المنطق!
ومن هنا فإن المقاومة الفلسطينية لها دور كبير فى تقديرى ولكنى مع الذين يعتقدون أن دورها ليس هو الحاسم فى تصفية عدوان إسرائيل.
إن الذين يتصورون أن المقاومة سوف يكون لها الدور الحاسم فى تصفية العدوان الإسرائيلى هم فى رأيى. كسالى. أو أنهم لا يعرفون!
كسالى يريدون تحميل المسئولية على غيرهم لكى يريحوا أنفسهم ويسكنوا.
أو لا يعرفون حقائق الأمور فى المواجهة العربية مع العدو الإسرائيلى فى ظل الأوضاع الراهنة فى المنطقة وما يحيط بها.
إن الصحفى لا يستطيع أن يحسب إلا على ما هو قائم لأن مهمته هى الرصد والتحليل.
ولقد يستطيع السياسى أو القديس أو الدجال أن يتحدث عما يجب أن يكون وأن يصف عالماً يراه فى خياله ويتصور – صدقاً أو خطأً – أنه قابل للتحقيق وأن ظروفه الموضوعية حين تقوم سوف تعطيه منطلقاً آخر. لكن الصحفى لا يستطيع مثل ذلك.
الصحفى يتابع ما هو قائم، ويلاحق تطوره لكن أبعد من ذلك ليس فى اختصاصه وهو فوق قدرته.
وبالنسبة للأوضاع القائمة الآن فى العالم العربى فإن المقاومة الفلسطينية محددة، وليست محدودة، باعتبارات يصعب تجاهلها:
1- إن التوازن البشرى بين قوات المقاومة وبين عدوها فى الأرض المحتلة ليس هو التوازن القائم الآن فى فيتنام وليس هو التوازن الذى كان قائماً فى الجزائر مثلاً.
فى فيتنام شمالاً وجنوباً قرابة أربعين مليوناً من الفيتناميين والعدو أمامهم نصف مليون جندى أمريكى.
فى الجزائر عشرة ملايين عربى وكان العدو أمامهم أربعمائة ألف جندى فرنسى.
وفى فلسطين داخل الأرض المحتلة فإن العرب أقل من مليون والعدو أكثر من مليونين لديه منهم ربع مليون تحت السلاح.
2- إن طبيعة الأرض الفلسطينية ليست هى طبيعة الأرض الفيتنامية بغاباتها الكثيفة وليست طبيعة الأرض الجزائرية بجبالها الوعرة، وهناك كانت الغابات والجبال مخابئ طبيعية للمقاومة وفى فلسطين فإن السهول مكشوفة والتلال ليست متسعة خصوصاً مع رقعة الأرض الفلسطينية المحصورة والضيقة ومع استخدام الهليكوبتر والتوسع فى استخدامها.
3- إن من حول فيتنام ملاجئ تستطيع المقاومة أن تستعد منها ولا يستطيع عدوها أن يصل إليها كالصين مثلاً وكفيتنام الشمالية، وكان الحال قريباً من ذلك فى الجزائر مع وجود تونس والمغرب من حولها وليبيا ومصر بالقرب منها ولكن المقاومة الفلسطينية لا تملك مثل هذا الملجأ الآمن الذى تستطيع أن تستعد منه ولا يستطيع عدوها أن يصل إليها، لأن العدو على استعداد لأن يصوب إلى أى مكان فى العالم العربى، كما أن العالم العربى فى الوقت الراهن مضروب لم يستعد قوته بعد.
ذلك فضلاً عن عوامل أخرى، ومع ذلك فإن هذه العوامل كلها – وغيرها – لا تقلل من دور كبير للمقاومة الفلسطينية بل لعلها أن تضاعف من أهمية هذا الدور وتجعله ضرورة سياسية وعسكرية. وإنسانية.
إن دور المقاومة الفلسطينية يبقى كما يلى:
1- أن تواصل الضرب فى فترة ما بين معركتين، معركة انهزم فيها العالم العربى فى يونيو سنة 1967 ومعركة أخرى لا مفر منها لتصحيح الهزيمة، ولا أستطيع أن أقطع متى تجىء وإن كانت سوف تجىء بلا محالة مع استمرار تعثر احتمالات أى حل سياسى.
وفى هذه الفترة ما بين المعركتين فإن الشعلة تحتاج إلى زيت لكى تظل مضيئة لا تنطفئ.
2- إن استمرار المقاومة له أثر معنوى هام، إذ هو يزيل الرهبة التى يحاول العدو الإسرائيلى أن يخلع بها قلب المقاتل العربى. وليس أقدر على تحقيق ذلك من تقدم مئات من الشباب إلى مواجهته وتوجيه النار نحوه وتلقى نيرانه بغير الاحتماء وراء دروع وبغير طيران يحجب وجه الشمس!
3- إن المقاومة إزعاج مادى للعدو، وإرباك نفسى له.
4- إن المقاومة قد تستطيع بتدعيم مواقعها فى وجه كل العقبات أن تؤدى دوراً كبيراً فى المعركة مع العدو ووراء خطوطه إذا جاءت الساعات الحاسمة.
5- ثم إن المقاومة – وهذا هو الجانب الإنسانى فى دورها – سوف ترمز إلى العنصر الفلسطينى الذى تجنت عليه الدعايات وحاولت تصفية وجوده – حتى الإحساس بهذا الوجود.
6- وأخيراً فإن المقاومة خصوصاً مع التفوق الساحق الذى يملكه العدو ضدها سوف تعطى النضال العربى بالبسالة والفداء – أجمل أساطيره وأحلى أغانيه وذلك سوف يمس قلوباً ويحرك همماً تقدر على تحويل التيار.
هذا هو دور المقاومة وهو أروع الأدوار، وأكثرها نبلاً، ولكنه ليس الدور الحاسم.
أعنى أن المقاومة لن تستطيع تصفية العدوان الإسرائيلى وأن تصفية العدوان الإسرائيلى مهمة أكبر من ذلك وهى مسئولية الأمة العربية كلها، وعلى الجبهة الأعرض والأوسع، حشداً كاملاً وتعبئة شاملة.
ثم أستطرد أقول:
– إن الحماسة مطلوبة، ولكن “الانفلات العاطفى” محظور. ولقد آن الأوان لتجنبه.
ما إن يبرق أمل فى أفقنا حتى نجرى وراءه ونضع عليه كل شىء، فإذا لم يستطع أداء كل ما تطلبه التطورات منه وزيادة. خاب الظن وزحفت المرارة إلى كل الحلوق.
وذلك ما أخشى معه على المقاومة الآن.
أخشى أن لا تمكنها الظروف من كل ما تطلبه التصورات منها ثم يكون رد الفعل، الذى ينسى – بتأثير “الانفلات العاطفى” – أن لكل قوة قدرة ولكل طاقة احتمالاً، كما أن المهام متعددة على نفس الجبهة، والمراحل متصلة على الشوط الطويل.
وكنت أتصور أن “خالد” سوف يختلف معى، لكن فكره لم يكن بعيداً.
ورأيت خالد بعد ذلك مرات عديدة وفى كل مرة كان هناك إشكال صغير يسبقه إلى مكتبى.
كان يأتى إلى مطار القاهرة فإذا هو يحتجز فيه لأنه يحمل مسدسه ولا يقبل تركه فى المطار لكى يعود إلى استلامه عند الخروج من القاهرة، وفى كل مرة كان على أن اتصل بمن يستطيع أن يسمح لفدائى فلسطينى من قادة المقاومة أن يدخل القاهرة بسلاحه لأنه لا يستطيع أن يتخلى عنه!
ولقد رأيت “خالد” مرة واحدة ينزع – طواعيةً – سلاحه.
كان يريد أن يقابل مسئولاً فى الجمهورية العربية المتحدة يحل للمقاومة مشكلة تواجهها.
ويومها كنت على موعد مع الرئيس جمال عبدالناصر واتصلت أستأذن فى أن أجىء معى بفدائى فلسطينى يمثل جيل المقاومة.
وركب خالد إلى جانبى فى السيارة، وهو لا يعرف أنه فى الطريق إلى مقابلة مع الرئيس جمال عبدالناصر وقصارى ما قلت له إنه سيقابل مدير المكتب العسكرى للرئيس، وإنه قادر على أن يحل له مشاكل المقاومة التى تشغله.
وسألنى خالد: كيف يتصرف خصوصاً وإنه لم يتعود مقابلة كبار المسئولين من الرسميين؟
وقلت له:
تصرف على طبيعتك وقل كل ما يخطر لك لا تخف منه شيئاً ولا تتحرج.
وأمام بيت الرئيس قلت الحقيقة لخالد لأول مرة، وتوقف لحظة يستوعب ما قلت ثم انفجرت حماسته ثم تملكته الهيبة وقال:
– لماذا لم تترك لى وقتاً أطول لكى أهيئ نفسى؟
قلت:
– ماذا كنت ستفعل لتهيئة نفسك؟
قال:
– لا أنام الليل على الأقل أحلم بما سوف أقوله، وأجرى المقابلة عشرات المرات فى خيالى لأستعد.
وفجأة توقف خالد، وتحسس صدره ثم أخرج مسدسه وقال:
– نحتفظ بهذا فى سيارتك حتى نخرج. لا أدخل عليه بسلاح.
قلت ضاحكاً:
– تنزع سلاحك؟
قال:
– أمامه هو نعم.
وأتاحت لى المصادفات أن أشهد مقابلة من أجمل ما شهدت فى حياتى.
جمال عبدالناصر وفدائى من فلسطين.
وللتاريخ فسوف أروى تفاصيلها يوماً، وأما الآن فليس هذا وقتها.
وفى يوم معركة الكرامة المشهودة كان خالد فى القاهرة. وصلها فى اليوم السابق للمعركة مباشرةً.
واتصل بى فى الصباح الباكر يسأل عن التفاصيل فقد سمع من إحدى الإذاعات أن هناك هجوماً إسرائيلياً فى المنطقة يستهدف قواعد المقاومة.
وسألنى خالد:
– هل أستطيع أن أجىء لأبقى على اتصال بتطورات الحوادث؟
قلت له:
– بل ونحن نريد تجنيدك اليوم صحفياً!
وجاء ليكون دليلنا إلى تطورات المعركة، فقد كان هو قائد معسكر الكرامة الذى استهدفه الهجوم الإسرائيلى.
ولم يكن كعادته دائماً.
كان هناك غيم فى عينيه يغطى على مرحهما الطبيعى.
وكانت ملامحه كلها مشدودة بالقلق والتوتر.
وجلس معنا فى قسم الشئون العربية وآلات “التيكرز” تدق بتفاصيل المعركة ثانية. ثانية وهو يتناول البرقيات فيقرأها ثم لا يستطيع الاستمرار فى الجلوس فيقوم واقفاً يشعل سيجارة من سيجارة.
وقلت له:
– ما رأيك أن تجلس مع الرسام الذى سيعد خريطة المعركة.
حاول أنت أن تضع رسماً تخطيطياً لها على ضوء كل ما لدينا من تفاصيل ثم يقوم هو بعد ذلك بإعداده للنشر.
وانشغل بهذه المهمة بضع دقائق ثم عاد يقول لى:
– كلى قلق على “أبوعمار”.
قلت له:
– أين هو؟
قال:
– حينما غادرت الكرامة كان هو فيها؟
وأبو عمار كان الاسم الرمزى لياسر عرفات الذى أعلن فيما بعد مسئولاً سياسياً لمنظمة فتح ومتحدثاً رسمياً باسمها.
وقلت لخالد:
– لا فائدة من القلق الآن فلا سيطرة لأحد على ما يجرى فى معركة.
قال خالد:
– أنت لا تعرف “أبوعمار” بما فيه الكفاية مشكلته أنه لن يخرج من الكرامة، وإنما سيبقى فيها مهما كان الثمن.
قلت له:
– قد يدرك أنه ليس من حقه أن يجازف.
قال:
– من زمن طويل كان يحلم بمواجهة واسعة مع العدو لتطعيم رجالنا بالدم. وأظنه سيبقى.
وفى نهاية النهار كان خالد كنمر حبيس فى قفص.
كان يلوم نفسه لأنه لم يكن فى الكرامة وقت المعركة.
وكان خياله يجمح مع تفاصيلها وتخطر له فيها كل الاحتمالات.
وكان قلبه وأعصابه مع رفاق له يعرفهم وكنا نحن لا نعرف عنهم شيئاً.
وجاءنى فى صباح اليوم التالى متهللاً.
زال الغيم من عينيه وانقشع التوتر عن ملامحه فلقد تلقى أنباء عن المعركة، وما حدث فيها. وكانت كلها أنباء انتصار لا شك برغم الخسائر والتضحيات.
وذهب خالد ولكن أخباره لم تنقطع.
كانت رسائله تصلنى بانتظام.
سطور قصيرة بين وقت وآخر ولكن ما بين السطور كان حافلاً ومثيراً.
كان يعود من كل عملية فيخط كلمات قليلة عنها فى ورقة يلقى بها فى صندوق البريد.
“هل تابعت عملية الهجوم فى أريحا أول أمس كان رجالنا ممتازين”.
“لقد اشتركت فى عملية نسف مستودعات الذخيرة قرب تل أبيب، كانت ناراً معدة للعرب.
فجرناها عليهم والحمد لله”.
“إن الظروف تتيح لنا الآن إعداد مقاتلين من نوع جديد.
لقد أثبت التدريب أنه يستطيع صنع المعجزات”.
“كنا أمس فى معركة عنيفة فى التلال.
آه لو كان معنا سلاح مضاد للهيلكوبتر”.
ثم كان اللقاء الأخير مع خالد قبل ما يقرب من شهرين، وكان معنا فيه بعض الرفاق من قادة فتح.
ومازلت أشعر بندم لأنى سمحت لنفسى فيه أن أتحدث بصراحة زائدة.
ولست أعرف كيف شعر خالد أن لدى ما أقوله فلقد قال بعد دقائق من بدء الحديث.
– لديك شىء تريد أن تقوله لنا.
قلت على الفور:
– صحيح ولكن كيف عرفت؟
قال:
– أحسست بذلك.
قلت:
– فى الحقيقة فإنى بدأت أشعر بخشية شديدة على المقاومة.
وأسبابى لذلك كما يلى:
1- هناك موجة أعلى من اللازم للدعاية. إن صحف العالم العربى دخلت كلها مباراة مفتوحة فى موضوع المقاومة، وذلك خطر بالنسبة لإحساس الرأى العام العربى.
إن الرأى العام العربى، بعد كثرة ما خدعته الدعايات، أصبح ميالاً للشك.
كلما زاد الحديث عن شىء. كلما قل إيمانه هو بهذا الشىء.
يريد الرأى العام العربى أن يرى ما يجرى بنفسه ويرفض أن يحدثه عنه أحد بالتهويل والمبالغة.
وربما لم تكن تلك مسئولياتكم أنتم، وربما كان اللوم فيها على الصحف العربية، ولكنكم فى النهاية تتحكمون فى الباب، ولست أطلب قفل الباب تماماً، ولكن على الأقل مواربته.
2- وفتح الباب للدعاية على هذا النحو سوف يمس بغير شك مقاييس الأمن مهما احتطتم وتحرزتم واتخذتم من الضمانات.
إن دخول عشرات الصحفيين إلى معسكراتكم، والتقاط مئات الصور سوف يكشف بالرغم من الكل ما لا ينبغى كشفه.
3- إن البيانات بدأت تحمل فى بعض المرات نبرة من المبالغة، وذلك سوف يؤدى إلى أثر عكسى.
4- إننى ألمح على الأفق مخاطر الاستقلال السياسى للمقاومة.
إن هناك فى المنطقة سياسات وساسة أفلسوا وهم يريدون الحصول على أرصدة جديدة من المقاومة.
وكذلك ففى المنطقة ألوان عديدة من التيارات، ولا ينبغى للمقاومة أن تسمح لأى لون بالاقتراب منها.
إن الشوط أمام المقاومة طويل وهى تحتاج إلى أمتها العربية كلها وإلى تأييدها بغير شروط أو تحفظات ولذلك فإن وجهها القومى هو ضمانتها العربية كحركة تحرير لوطن ولشعب.
وفرغت مما أريد قوله، والتفت لخالد أسأله:
– هل ترانى تجاوزت فيما قلت بأكثر مما كان ينبغى.
وهز خالد رأسه بسرعة ثم قال:
– حين بدأت تتكلم توقعت منك ما هو أقسى.
ومضى بنا الحديث إلى شئون أخرى.
وتلقيت منه بعد ذلك رسالة واحدة قال فيها:
“إننى ألتقى بالموت كل ليلة، ولم أعد أخشاه المهم أن تحيا فى يوم من الأيام فلسطين”.
ثم جاءتنى الرسالة الأخيرة من زوجته، وقد أرفقت بها صورة له، ووقعت عليها، وجعلت أطفالها الثلاثة – خالد وثائر وعبير – يوقعون معها من أجل صديق لأبيهم لم يروه.
كانت الرسالة تقول:
“أحييكم تحية الثوار الشرفاء من أجل الحق المغتصب، ونسأل الله تعالى أن يلهمنا وإياكم الصبر والسلوان بفقد شهيدنا الرائد خالد عبدالمجيد شهيد الثورة الفلسطينية.
وأن يعوضنا بفقده أبطالاً يحبون الموت ويستعذبون الشهادة، يسيرون على نفس الدرب وذات الأسلوب بخطى لا تعرف الكلل، وهمة لا تعرف الاستكانة، حتى يحرروا الأرض المغتصبة ويعيدوا الحق إلى نصابه بطرد الدخلاء من ديارنا المقدسة الحبيبة.
إن درب الثورة طويل، وشاق، وصعب، وإنّا عليه لسائرون حتى النصر “من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلاً” صدق الله العظيم.
وتركت الرسالة إلى صورته لا أكاد أستبين ملامحها خلال ستار من الدموع.
وكان يحمل فى صدره أملاً لا سبيل إلى تحقيقه غير الموت.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=752