” بصراحة بقلم محمد حسنين هيل : تحضير الأرواح! “

تحضير الأرواح!
كنت أريد – وبأسرع ما يمكن – أن أطوى صفحة ما كان، متلفتاً ومتوجهاً إلى ما هو أجدى منه، لولا سؤال واحد راح يطاردنى به طوال الأسبوع الأخير ويلاحقنى كثيرون ممن أتاحت – أو لم تتح – لى الظروف شرف أن ألقاهم مباشرةً أو بالكتابة، كان السؤال المطروح علىّ طوال الأسبوع الأخير هو:
– “هل معقول ما ذكرته فى سياق مقال الأسبوع الماضى من أن بعضاً من القيادات التى شاركت فيما كان وصلت إلى حد استلهام السياسات من جلسات تحضير الأرواح؟”.
ولقد رددت مباشرةً أو بالكتابة على كثيرين أقول لهم ما ملخصه:
– سواء كان معقولاً أو غير معقول فإنه – مع الأسف الشديد – حدث، ولم أكن شخصياً لأصدق لولا أننى استمعت بأذنى إلى شرائط التسجيل التى وضعت أجهزتها فى غرفة تحضير الأرواح حتى تحتفظ بكل ما يجرى على لسان الوسيط لا تضيع منه كلمة أو يسقط حرف.
ولم أكن شخصياً لأصدق لولا أننى تبينت – إلى جانب ما سمعت من طبقات ولهجات ونبرات الأصوات – وقائع أعرفها.
ولم أكن أنوى أن أتناول هذا الموضوع فى هذا المكان لعدة أسباب:
1- إن تناوله سوف يكون أقرب إلى الحواديت الخرافية منه إلى كلام يلتزم بمحاولة أن يكون جاداً وأن يكون نافعاً.
2- إن تناوله قد يسىء، ليس إلى أصحابه، ولكن إلى الحياة السياسية فى وطنٍ يخوض صراع مصير.
وأعترف أننى لم أستبعد تماماً فكرة النشر، بل إنها راودتنى غير مرة خلال الأسبوع الماضى لدواعٍ أخرى وجدتها توازن دواعى الإحجام عن النشر.
خطر لى:
أن نشر هذه الحكاية سوف يوضح أكثر من أى شىء آخر مدى الخطر الذى كانت تتعرض له مصر فى مستقبلها ونضالها الذى كان يمس ضمن ما يمس مسئوليات السلام والحرب!
ثم إن نشر هذه الحكاية سوف يوضح أكثر من أى شىء آخر صورة المشكلة التى اجتازتها مصر، وبكل تفاصيلها ووقائعها. ذلك أنه من خلال جلسات تحضير الأرواح برزت النوايا والاتجاهات بغير براقع لأنها كانت فى موضع المكاشفة والنجوى!
وأخيراً فإن نشر هذه الحكاية لا يمس مصر، ذلك لأنه ثبت بشكلٍ قاطع أن مصر كانت ترفض أصحاب هذه الحكاية، وبالتالى فلا هم ولا الحكاية تعبيرٌ عنها أو ترجمةٌ لوجدانها ومنطقها.
إن مصر رفضت بالنفور السلبى أولاً، ثم رفضت بالتعبير الإيجابى عندما أتيحت لها فرصته ثانياً.
إن مصر لم تقبل أحداً من هؤلاء جميعهم ولم يتمكن أيهم من أن يتصل بقلبها وبضميرها، وبالتالى فإنهم وما فعلوا أبعد ما يكونون عنها.
وجاءنى ضمن من جاءوا لسؤالى توفيق الحكيم.
وفوق أن توفيق الحكيم فى التقدير العام هو كاتب أجيال مصر المعاصرة كلها، فإن توفيق الحكيم – فى اعتقادى – قطعة حية من ضمير مصر المعاصرة.
وأعطيت لتوفيق الحكيم جلستين من جلسات تحضير الأرواح منقولة بالحرف على ورق كما نطقت بها أصوات أصحابها على شرائط التسجيل المغناطيسية.
وقرأ توفيق الحكيم وقرأ – ثم قال لى:
– “لو أننى كتبت مثل هذا فى رواية لاتهمنى الناس بأننى شربت “نهر الجنون” إلى آخر قطرة!”.
ثم شرد لدقيقة مع خواطره وعاد يقول:
– “إننى مع النشر.
إن أسبابك للنشر أقوى من أسبابك فى الامتناع عنه”.
واستطرد توفيق الحكيم يقول:
– أنت تنادى دائماً بأن تكون كل الحقيقة ملكاً للناس، فلماذا تحجب جزءً منها، ولتكن. إنها جرعة مرة، فلتكن المرارة دواء يشفى برغم مذاقه الكريه.
إن مصر لا تحتاج فقط إلى مر الدواء، ولكنها تحتاج أيضاً إلى مبضع الجراح، يفتح وينظف ويطهر.
إذا أقفلنا الجرح على صديد، فسوف تعود الالتهابات والبثور وما هو أخطر، وذلك سوف يؤثر ليس على المستقبل فقط، ولكنه قد يرتد إلى الماضى ويؤثر على قسمات عصر جمال عبدالناصر – مع أن ذلك كله حدث بعد رحيله – ويجب أن يظل عصر جمال عبدالناصر فى حياتنا، بكل جلاله، لأنه عصر التحول التاريخى العظيم.
ورجح عندى جانب أن أنشر.
أمامى الآن مجموعة ضخمة من الأوراق يعلوها خطاب رسمى يقدمها إلى الرئيس أنور السادات نصه:
رئاسة الجمهورية العربية المتحدة.
سكرتارية الرئيس.
السيد رئيس الجمهورية.
مع الاحترام – مرفق بهذا تفريغ شريطين لتسجيل جلستين من جلسات تحضير الأرواح بتاريخ 20 أبريل 1971 و4 مايو 1971 – حضرهما كل من السادة:
شعراوى جمعة.
الفريق أول محمد فوزى.
سامى شرف.
وقد كان الشريطان فى درج مكتب السيد سامى شرف.
إمضاء.
ثم تجئ بعد ذلك أوراق الجلسات، الجلسة الأولى فى 28 صفحة والجلسة الثانية فى 35 صفحة.
وقبل أن أترك الأوراق تحكى ما تحمله – مأساةً كان أو مهزلة – فإننى أضع بعض الملاحظات:
1- إننى سوف أحذف منها معظم الأسئلة التى توجه بها الفريق فوزى والسبب معروف.
2- إننى سوف أحذف منها الاستطرادات الإنشائية الطويلة التى وردت على لسان الوسيط لأنها مضيعةً للوقت.
3- إننى سوف أحذف اسم الوسيط الذى يعمل بإحدى الجامعات وأصابته منذ سنوات نوبة تحضير الأرواح وكانت الجلسات تعقد فى بيته وقد قبض عليه وحقق معه ثم أفرج عنه بواسطة النائب العام لأنه ليس مسئولاً فى شىء فليس الذنب ذنبه، وإنما الذنب على الذين ذهبوا إليه.
4- إننى لن أتدخل فى سياق الجلسات إلا بملاحظات أراها ضرورية وسوف أضعها بين أقواس.
ثم أنتقل إلى الجلسات.
(الجلسة الأولى)
يوم 20 أبريل 1971.
وكانت فى أعقاب الأزمة التى تفجرت فى اجتماع اللجنة التنفيذية العليا بسبب مشروع إعلان الاتحاد الثلاثى وكانت اللجنة التنفيذية العليا قد شهدت استعراض قوة واضحاً فى أهدافه، ظاهراً فى مراميه.
بدأت جلسة تحضير الأرواح فى الساعة العاشرة مساءً واستمرت حتى الساعة الثانية عشرة إلا ربعاً قبل منتصف الليل وكانت الروح التى جرى تحضيرها – كما تصوروا – روح شيخ اسمه الشيخ عبدالرحيم.
بدأ صوت الوسيط – نقلاً عن الروح التى تقمصته! – باستطراد إنشائى طويل، استغرق إحدى عشرة صفحة متواصلة، يقول فى مقدمتها:
“يجتاز الله بكم هذه الفترة الحرجة من حياة أمتكم العربية الإسلامية على خير وسلامة ويكلأكم برعايته وعنايته، ويرد كيد أعدائكم إلى نحورهم، ويوصلكم إلى شاطئ الأمان”.
ثم يعود بعد عدة صفحات على هذا النحو ليقول:
“ندعو الله أن يبصركم بالطريق الصائب السليم وإلى مجال العمل الراشد وندعوه أيضاً أن يخفف من خسائركم فى سبيل ذلك ما وسعت ظروف التخفيف وإذا ما دعونا أن يخفف الخسائر فإنما ندعوه أن يوجهكم إلى طريق تختصرون فيه ضربة العدو من حيث لا يحتسب ومن حيث لا يتوقع. ويصاحبها ضربة ظاهرية فى غالبها ولكنها أيضاً شديدة فى مظهرها ومحيرة فى هدفها ومآربها ومحيرة للعدو من الطريق الذى لا يتوقعه”.
يمضى الوسيط بعد ذلك فى كلام طويل عن مواقع الهجوم واتجاهاته فى المعركة القادمة بعبارات عامة ثم يصل فى الصفحة الحادية عشرة ليقول:
– “هذا بعض ما أردنا أن نسوقه إليكم فى هذه الجلسة. ندعو الله أن يوفقكم ويرعاكم ويكلأكم بالرعاية والعناية والسداد والرشاد، وإن هناك بعد ذلك رسائل سوف ننقلها لكم خاصةً لكلٍ منكم فى بعض أمهات ظروفه الخاصة إلا إذا شئتم أن تستفسروا عما فات”.
ويتردد على شريط التسجيل صوت السيد شعراوى جمعة يقول بالحرف:
– “هوه. إذا سمحتم نستمع إلى الرسائل كلها ثم بعد ذلك ننتقل إلى الأسئلة”.
ويعود صوت الوسيط يقول:
– “نعم. بسم الله الرحمن الرحيم. سوف نذكر الله قليلاً حتى تصل الرسائل”.
وتتردد أصوات الحاضرين جمعياً كأنها حلقة ذكر.
ثم يظهر صوت الوسيط وحده يقول:
– “ننقل الآن رسائل لكلٍ منكم”.
ثم يبدأ فى توجيه الخطاب بالتخصيص لكل واحد من الحاضرين فيقول:
– “يا سامى إن موضوع الإجراءات التأمينية يجب أن يستمر فى معالجة تأمين الدعم لصالح الوطن وإلا يصبح فى يد رجلٌ آخر”.
– يا فوزى عليك أن تتأكد من الصف الثانى فى قيادة السلاح الجوى وفى الحرب الإلكترونية.
– يا شعراوى إن بعض الناس استغلوا اتصالاً كنت تقصد به لمّ شمل عناصر مختلفة بينها عنصر فنى ولكن ذلك لم يلق آذاناً صاغية، إننا نتوقع أن نرجو إلى تغيير شديد كبير.
إن شعراوى وسامى عندهما على وجه الخصوص استعداد مدروس لجزء كبير من هذا التغيير ندعو الله إلى توفيقهما وإلى نجاحهما وإلى فلاحهما.
إن هناك يا سامى قريباً قد نهرته على بعض تصرفات مؤخرة وقد أحسنت يا فوزى فى إغلاق بعض الأبواب وأن هذا من عزم الأمور.
احذروا سوريا وسيروا بخطوات مدروسة جداً مع شدة من حذر ولا تسرع ولا استعجال.
“هذا ما شئنا أن ننقله إليكم وإذا أردتم مناقشةً أو استفهاماً نرجو الله أن يمكننا ويمكنكم من الوصول إلى أحسن أسباب التصرف وإلى أحسن التجاوب والاستجابة”.
ويعلو صوت السيد شعراوى جمعة يوجه أول سؤال ويمضى حوار الأسئلة والإجابات على النحو التالى:
شعراوى جمعة:
– “هوه أنا لو سمحت لى فيه انطباعات بالنسبة للبلد فى الداخل. بأعتقد إن أعلى قيادة فيها بتعمل ضدنا وقد تطلب منا أشياء لا نوافق عليها”.
[ملاحظة: كان الرئيس أنور السادات فى هذا الوقت قد بدأ يتحدث عن ضرورة إعادة انتخابات الاتحاد الاشتراكى من القاعدة إلى القمة فى جو من الحرية وبغير سيطرة من مراكز القوى].
الوسيط:
– “لقد ألمحنا فى الجلسة الماضية إلى ذلك إذا ما كنتم قد استشعرتم هذا التلميح وقلنا إن عليكم المحافظة على الطريق وأن تحاولوا أن تتبوأوا أماكن التحكم فى أزمة الأمور وأن توسعوا دائرة العمل حتى تجمعوا الطاقات جميعاً، وأن ترشدوا الناس فى عمل جماعى وتنظموه فى عمل قوى يدعم الجبهة الداخلية ويدعم موقفكم أمام هذه الجبهة، لأن المهادنة السائرة حالياً نظن أنها مهادنة مؤقتة، وإذا ما وجد منكم تكتلاً ووجد من ورائكم تجمعاً راشداً واعياً، عمل حسابكم”.
شعراوى جمعة:
– “ومن هنا يعنى باعتبر تقديرنا للموقف بالنسبة له ومن حوله تقدير سليم”.
الوسيط:
– “نعم، لكن العبرة بتجميع أصحاب الرأى والعزم، والعزم هنا لها معنى. أظن أن معناها عند فوزى أيضاً. نعم”.
[ملاحظة: الإشارة هنا إلى أصحاب العزم وإلى أن معناها عند الفريق فوزى تكشف كثيراً يستحق التفكير].
سامى شرف:
– هل نحن مخطئين فى حق أحد فى تقديرنا؟
الوسيط:
– “ليس بخطأ سافر، فى بعض الأحيان هناك بعض المبالغة، ولكن الأهم فيه صواب كامل وكما بينا توثقوا بجماعات. بجماعات تحسن التعرف عليكم وتزيد الترابط معكم ولا تعملوا منفردين كما يقال مجهولين فى بعض الجهات”.
سامى شرف:
– النقطة الأخيرة مش واضحة.
الوسيط:
– “بمعنى أن بعضكم وأنت منهم يعمل دائماً فى ظل الجندى المجهول فى كثير من أعماله. بمعنى أن الكثير من أعماله أحيطت بشىء من الحيز المحدود من العارفين بمجال وقدرات واتجاهات هذه الأعمال. عليكم الآن أن تخرجوا إلى طاقات وإلى فئات تدرك حقيقة هذه الأعمال وتدرك أيضاً حقيقة الخصال حتى تكونوا على دعامة قوية ومتينة من جميع الاتجاهات ومنها الاتجاه – كما قلنا – اتجاه العزم. أصحاب العزم”.
[ملاحظة: مرة أخرى الإشارة إلى أصحاب العزم التى قال الوسيط أن معناها عند الفريق فوزى].
سامى شرف:
– هل نحن من ناحية التوقيت متخلفين والا مضبوط؟
الوسيط:
– هذا مسار سليم. ندعو الله لكم بالتوفيق.
سامى شرف:
– هل من الجانب الآخر اللى بيعمل ضد المسار بيكتل؟. غير الشخص اللى أخذنا تحذير بالنسبة له، أعنى أكبر رأس.
الوسيط:
– “نعم الأذناب كثرة ولكنهم قلة فى مجهودهم. ولا تأبهوا كثيراً لغير من حذرناكم منهم”.
سامى شرف:
– “هل أكبر رأس بيضعنا إحنا فى مقدمة العمل والا يستفيد بينا الأول وبعدين.؟ وإلى أى مدى نسالمه؟”.
الوسيط:
– “يهادن مؤقتاً، ولكنه لا يعادى حتى الآن. وإذا ما وجد أنكم على أرض صلبة من ناحية الجبهة الداخلية ومن ناحية أصحاب العزم ما تمكن إلا أن يهادن إلى أن يحين حينٌ أفضل”.
سامى شرف:
– “ولكن هناك نية؟”.
الوسيط:
– “غير معادية حتى الآن، إنصافاً للواقع، ولكن طبعاً لكى يصل إلى خيوط أمور تجمع لديه العبرة الآن بأن تحسنوا الوقفة وتحسنوا التصرف حتى تجتازوا الخطوة التى ألمحنا إليها. بعد ذلك تبدأون خطوة البناء ومن ثم أن تتفكروا فى خطوة البناء من الآن بجميع عناصرها”.
الفريق فوزى:
– أفهم من هذا أن تأمين الجبهة الداخلية يسبق المعركة أم المعركة تسبق تأمين الجبهة الداخلية؟
الوسيط:
– “المعركة سابقة توقيتاً من حيث الفعل. ولكن التأمين واجب الأداء منذ الآن إلى أن يعقب أيضاً مظهر التحرير بعد”.
شعراوى جمعة:
– “هو حايطلب مننا طلبات خلال أسبوع أو طلبها من سامى. مفروض أنا وسامى نرد عليه فى ظرف أسبوع. ما هى توجيهاتكم بخصوص هذا؟ لقينا الطلبات طبعاً لا تتفق مع رأينا”.
الوسيط:
– نعم. نعلم هذا.
شعراوى جمعة:
– هل نرفض مباشرة؟
الوسيط:
– أعطوا إجابات غير جازمة.
سامى شرف:
– يعنى زى أنا ما عملت مع إى.
الوسيط (مقاطعاً):
– “أنصاف إجابات وقولوا إن هذا هو ما نعلم ومدى ما نستطيع”.
شعراوى جمعة:
– ولا ننفذ على الإطلاق طبعاً.
الوسيط:
– نعم نعم. نفذوا الشىء الظاهرى الخفيف الذى لا يتعارض مع رأيكم ويوجد من بينها ما يمكن أن ينفذ من حيث الشكل.
لولا ما ندعوكم إليه أن تتراصوا وتترابطوا وتتعاونوا حتى تجتازوا هذه الخطوة الهامة.
شعراوى جمعة:
– تفسير العزم الذى ألمحتم إليه طبعاً يحتاج إلى جهد كبير من فوزى معنا؟
[ملاحظة: إشارة أخرى إلى أهل العزم لها معناها!].
الوسيط:
– “نعم نعم نعم. هذا ما ألمحنا إليه. إنه جهده”.
سامى شرف:
– هل ممكن نقدر نسأل أسئلة تتعلق بأفراد أو تصرفات فردية؟
الوسيط:
– “نحاول أن نجيب بإذن الله”.
سامى شرف:
– الشخص اللى بيشتغل فى الكوادر نقدر نعرف بيشتغل لمين كدليل بس عشان نتنور.
الوسيط:
– إن الأسماء لا نعيها كثيراً، ليست فى جعبتنا.
الفريق فوزى:
– هل لى أن أسأل سؤالين صغيرين؟
الوسيط:
– نعم.
الفريق فوزى:
– توقيت بدء المعركة الموجود فى ذهنى هل هو مناسب أم لا؟
الوسيط:
– “إنه مناسب جداً بالمفهوم الذى ألمحنا إليه ونعتقد أنه سيكون بداية ناجحة لضربة سريعة تمهد للتحرير دون مزيد أو ضرورة للاسترسال فى القتال ومن ثم فإن التوقيت من حيث هو توقيت ناجح ومن حيث استمراره نرجو الله أن لا يكون طويل الأمد، واستعدوا بالقوة الجوية والبحرية معاً فى هذا المجال”.
الفريق فوزى:
– شكراً.
“معركة العزم التى أزمعت إليها الآن تجىء قبل معركة التحرير أم بعدها؟”.
الوسيط:
– “بعدها. بعدها. ويعد لها من قبلها”.
[ملاحظة: إشارة أخرى إلى أهل العزم ولكن الوسيط كان شديد الذكاء وبالقطع أذكى من جميع سائليه لأنه أعطى إجابات تحتمل كل التأويلات].
شعراوى جمعة:
– هل نحن أخطأنا فى الفترة الماضية. ولك نصائح بالنسبة لنا؟. أم نحن نسير على الطريق المرجو. نحن الثلاثة؟.
الوسيط:
– “أنتم تسيرون ولكنكم تنغمسون فى مسئوليات كثيرة جداً قد تعطلكم عن عملية التجميع، بمعنى أن تعطوا وقتاً لعملية التجميع والتفكير دون أن يعطلكم ذلك طبعاً عن مسار العمل الواجب المناط بكم، كل فى موقعه.
وعليكم أن تجمعوا بعض العناصر التى ظنت أنها قد عطلت، خاصة التى كانت تسير معكم فى الطريق ثم أجل عنها السير فى هذه المرحلة الأخيرة”.
الفريق فوزى:
– هل لى أن أسأل السؤال الأخير؟
الوسيط:
– نعم.
الفريق فوزى:
– الجميع الموجودين حولى ويعملون معى جميعهم مخلصون أم هناك أفراد معوقين للهدف الذى أسعى إليه؟
الوسيط:
– إنهم جميعهم من حيث الإخلاص. لا ينطبق على أحدهم صفة الخيانة.
– وبالنسبة للتعويق قد ألمحنا إلى الاهتمام بالصف الثانى فى القيادة الجوية وفى الصف الصاعد للإلكترونيات.
– “ومن ناحية استشفاف أى إعداد له فإن حرصك وطريقة عملك كفيلة بأن تنهى أى احتمال لهذا الاستشفاف”.
شعراوى جمعة:
– بالنسبة لبعض التلميحات الخاصة بالتغيير ومكان الصدارة، هل تفضل إذا عرضت رئاسة الوزارة بنقبلها الآن؟ والوقت مناسب؟ أم نؤجلها لما بعد؟
[ملاحظة: يتجلى اهتمام شعراوى جمعة وتركيزه الدائم على رئاسة الوزارة فى هذا السؤال وأسئلة كثيرة تليه].
الوسيط:
– تقبل الآن. تقبل الآن، على ألا تعتبر وسيلة تعطيل لهدفكم الأسمى. تقبل طبعاً!
“لأنها ستمكنكم من تجميع الطاقات ومن الخروج إلى الرأى العام الواعى وإلى أصحاب الحزم والعزم. هل فهم هذا؟”.
شعراوى جمعة:
– وهل تعتقد إنه سيعرضها؟.
[ملاحظة: رئاسة الوزارة مرة أخرى!].
الوسيط:
– “سيعرضها فى لمحة، يقول كذا أم كذا. عليكم أن تجيبوا بأن المسألة تحتاج إلى وضع النقط فوق الحروف فى مثل هذه الظروف وإلى سير دقيق مرسوم واع، ونحن نفضل الطريق الملمح إليه لا طريق الاستمرار للوضع السابق”.
شعراوى جمعة:
– “يعنى يصارح وألا يلمح إليه؟”.
[ملاحظة: رئاسة الوزارة باستمرار!].
الوسيط:
– “عندما يلمح يصارح هو محتاج لكم بقوة شديدة وإلى وقت ليس بالقصير ومن ثم كما قلت ليس هناك معاداة حتى الآن وقد تكون فى تخطيط بعيد أو ما شابه ذلك. وعليكم أن تقووا مواقع أقدامكم فى مثل هذه الظروف وأن تسيروا فى مثل هذه الظروف وأن تسيروا على بركة الله فى مخطط العمل الصادق الصالح الذى تدارستموه وتفهمتموه وتواعدتم عليه”.
سامى شرف:
– “بس الحقيقة الوقت ما فيش. والواحد يتمنى هذا”.
الوسيط:
– “الوقت معك إذا كنت معه. الوقت معك إذا كنت معه. يمكن أن تعمل شيئاً فى جزء من برهة إذا كنت قد أعددت له تماماً ويكون تصرفك آنئذ سريعاً لحظياً.”
[ملاحظة: ربما كانت هذه هى النصيحة التى قادت إلى خطة الاستقالات الجماعية لإحداث انهيار دستورى يصحبه أمر إلى بعض عناصر التنظيم السرى بالنزول إلى الشارع مع محاولة الفريق فوزى تجاه “أهل العزم”].
(الجلسة الثانية)
يوم 4 مايو 1971.
كانت التطورات قد تلاحقت جلسة اللجنة المركزية بربطة الرفض يوم 25 أبريل 1971، ثم جلسة اللجنة المركزية بربطة القبول – بعد إتمام استعراض القوة – يوم 29 أبريل.
وخطاب الرئيس أنور السادات فى أول مايو.
ثم قراره بعد يومين بإقالة السيد على صبرى من منصب نائب رئيس الجمهورية.
وفى خلال ذلك كان السيد سامى شرف قد ذهب إلى مقابلة الرئيس أنور السادات واقترح عليه تعيين السيد شعراوى جمعة رئيساً للوزراء ولم يقبل الرئيس أنور السادات هذا الاقتراح.
وكان رأيه:
– لماذا يتعجل؟.
“إننى أرى الدكتور محمود فوزى يلقى قبولاً عريضاً من كل الناس وهو يبذل جهداً يفوق طاقة احتماله وهذه تضحية منه”.
وفى هذا الجو جاءت جلسة تحضير الأرواح يوم 4 مايو 1971.
بدأت الجلسة كالعادة باستطراد إنشائى بصوت الوسيط يتضمن الدعاء والتشجيع ثم وصل إلى أن يقول:
“هذه كلمة أردنا أن نفتح بها أمامكم فتحاً لمسار هذه الجلسة التى ندعو أن تكون بإذن الله جلسة مباركة مناسبة كريمة لأحداث عظيمة إيجابية مرموقة فى طريقكم وفى سبيل عزكم وسؤددكم ورفعتكم، والله المعين”.
ثم بدأت الأسئلة والإجابات وكانت رئاسة الوزارة لشعراوى جمعة هى أكبر الشواغل.
سامى شرف:
– فى الجلسة الماضية كنا تطرقنا إلى احتمال أن الأخ شعراوى بيفاتح فى موضوع وزارة. وفعلاً حصل كلام حول هذا الموضوع وحسبما نذكر كانت النصيحة.
الوسيط مقاطعاً:
– القبول ونظن أنه فى التقديم الذى بدأنا به حديثنا اليوم تحميل لكم بمسئولية الحسم والعزم على بينة وعلى تخطيط وعلى وعى وعلى فهم فى هذه الظروف بالذات.
ويمكن أن يكون القبول مشروطاً:
– بأسلوب عمل مدروس بمعنى أن يكون قبولاً مدعماً بانطلاق اليد فى طريقة العمل الجماعى الراشد الحاسم.
– وأن يكون أيضاً مقرونا بأسلوب سياسى مخطط منظم للتدرج فى مواجهة ذيول الأحداث الماضية وأذنابها ببصيرة ووعى وتدرج يدرس كل خطوة من خطواتكم.
– وأن يكون أيضاً مصاحباً بتكوين مجموعات من الأجهزة المكملة للدراسة الواعية التى تسير فى خط داخلى. والخارجى على أساس من التعاون الصادق والعمل الراشد وإن ترك باقى التنظيمات والتوجيهات إلى ما تسفر عنه هذه الأعمال الدارسية بقيادة الأجهزة الأمينة الخالصة.
ونظن أن الحاجة إليكم والحاجة إلى عزوتكم وإلى حسن تمكنكم من الأمور فى هذه الظروف ستجعل هذا القبول المشروط بحجة وليس بمشروط بتشريطة كما يمكن أن يسمى تجعل منه قبولاً ضرورياً لأن الحاجة إليه ملحة.
سامى شرف:
– “هل هناك ملاحظات أو سلبيات فى الخطوات اللى قمنا بيها فى خلال الأسبوع الماضى عشان نتعلم. يهمنا أن تكون خطواتنا كلها سليمة”.
الوسيط:
– كما قلنا إنكم أخذتكم بعض المفاجأة من سرعة المواجهة وأسلوبها الذى لم يكن متوقعاً بهذه الصورة بل كان متوقعاً أن يتم بتدريج أكثر من ذلك، ولعل هذا من محاسن الصدف وإن كان فى دقة متناهية.
وإن اتباعكم كان حصيفاً جداً وكنتم فى موقف ظاهره التأييد للخطوة ولكنه تأييد مشوب بالحذر والحنكة والتبصر والتفكير السليم. وهذا شىء جميل جداً خاصةً ما تبعه من عمليات الترقب والمراقبة والتحسس والمحافظة وكما قلنا إننا نؤيد السير بتدريج مدروس وبخطوات ثابتة لمواجهة هذه الأمور على أساس من تقدير كل الظروف.
وننصح أيضاً بالقيادة الجماعية فى مثل هذه الحالة. الراسخة.
شعراوى جمعة:
– هو فيه عدة أسئلة الحقيقة.
السؤال الأول: هو قد لا يطلب تأليف الوزارة ولكن يطلب حل الاتحاد الاشتراكى.
“ثم هو طالب منى الآن دراسة إعادة الانتخابات. وإعادة الانتخابات إجراء لا نوافق عليه ما هى النصيحة لكى نخرج من هذا المأزق؟”.
الوسيط:
– النصيحة الأولى: إن الأهم هو إعادة تكوين الجهاز التنفيذى التخطيطى على أساس من الاتزان القوى والإيمان الراسخ بالخط البناء.
شعراوى جمعة:
– الراجل دا مكار جداً.
الوسيط (مقاطعاً):
– ولكنه محتاج لكم ولكل القوى فى هذا الوقت. بقدر ما توجهون هذه القوى لتدعيم القيم والأسس والمبادئ.
[ملاحظة: الوسيط رائع هنا فى المراوغة والهروب من الأسئلة التى قد تحمله بما لا يطيق].
شعراوى:
– “هو بتتلف حوله مجموعة مضادة لنا”.
الوسيط:
– نعم ولكن هذه بعيدة المدى. ضرر بعيد المدى. هل فهم هذا. وإن هذا ما دفعنا إلى النصيحة الأولى. خذوا المسئولية التنفيذية التخطيطية تدين لكم المسئولية السياسية كذلك.
وبهذا. بتدعيم الجبهة وتجميع الطاقات وإيضاح أسلوب العمل والأداء لن يستطيع أحد أن يستغل ذلك لذاته الخاصة فى مثل الظروف التى تعيشونها.
شعراوى:
– هل سيكلفنى برئاسة الوزارة؟
الوسيط:
– نعم. نعم؟
[ملاحظة: رئاسة الوزارة وكل شىء يدور حولها].
سامى شرف:
– “طب نفرض مسك رأسه وجاب شعراوى وقاله تمسك الوزارة ووافق على شروطه وبعدين قاله حل الاتحاد”.
الوسيط:
– “لن يستطيع ذلك لأن المسالة ستأتى، لن يقول له لا ولكنه سيقول نظموا داخلاً تنفيذياً وتخطيطياً ثم أعدوا إجراءات دستورية لأنه وعد هو بإجراءات دستورية. فى تمكينكم من أزمة العمل التنفيذى وقيادته فى هذه الظروف”.
شعراوى جمعة:
– معنى هذا أنكم لا تنصحون الآن بأى ضربة داخلية.
[ملاحظة: سؤال يكشف كل شىء].
الوسيط:
– ننصح بعمليات تشذيب للعناصر الخطرة. ثم تأجيل للمباشرة السياسية فى الاتحاد الاشتراكى على أساس موسع بانشغالكم فى دراسة الأوضاع الدستورية وقوانين ونظم وما شابه ذلك. ولكن يحتاج الأمر إلى بعض التحفظ والتعليم والتشذيب ببعض العناصر الخطرة.
شعراوى جمعة:
– إحنا كنا بنفكر نأخذ إجراء ضده هو شخصياً بصورة أو بأخرى عندما نيأس.
[ملاحظة: سؤال آخر كأنه الاعتراف!].
الوسيط:
– ليس فى هذه المرحلة.
شعراوى جمعة:
– “هناك بعض العناصر الأخرى التى تسعى إلى رئاسة الوزارة لا ندرى قد تنجح أو لا تنجح. فى حالة نجاحها ما هو موقفنا؟ يعنى مثلاً الدكتور عزيز صدقى بنشاط مستمر وبيحاول إنه هو يشكل الوزارة. هل سيحصل؟”.
الوسيط:
– لن يحصل إلا إذا أظهرتم التردد فستكون هذه حجة.
الفريق فوزى:
– أقدر أسأل سؤال؟
الوسيط:
– نعم.
[ملاحظة: أسئلة من الفريق فوزى لا فائدة ترجى من نشرها].
سامى شرف:
– نقدر نطلب طلب صغير.
الوسيط:
– نعم.
سامى شرف:
– نقدر نسمع رسائل زى المرة اللى فاتت؟
الوسيط:
– سوف نحاول.
يجىء صوت الوسيط بعد فترة صمت وذكر ليقول:
“يا شعراوى يا سامى يا فوزى افتحوا قلوبكم لبعضكم وكونوا على وصل واتصال وارتباط ولا تخدعكم أساليب الدعوة المفتتة للجهود والارتباط”.
ثم تعود الأسئلة والأجوبة:
سامى شرف:
– “فى الجلسة الماضية تفضلتم ونصحتونا كأشخاص نصائح ذاتية هل هناك نصائح ذاتية فى هذه المرة. ولا هناك رضاء والحمد لله؟”.
الوسيط:
– إن هناك والحمد لله رضاء.
شعراوى جمعة:
– عندى سؤال بالنسبة لفرد. دا إذا كان يمكن الإجابة عنه أو لا يمكن. كما ترون.
الوسيط:
– نعم.
شعراوى جمعة:
– ما هو شعور أمين هويدى نحونا إحنا الثلاثة؟ هل الحب أم الحقد أم الكراهية؟
الوسيط:
– نوع من الأسى لا يرقى إلى الكراهية وعليكم أن تصححوا هذه الصفات لأنه يستطيع أن يفيدكم فى بعض الوجهات.
وكما نصحنا فى المرة السابقة عليكم أن تستعينوا بالقوى المؤيدة. وأن توسعوا دائرة العمل. وأن تفتحوا على الناس خاصةً من كان معكم على ارتباط وعلى إخلاص وعلى وفاء. وتزيلوا ما علق فى هذه النفوس حتى لو كانت لهم بعض أسباب الخطأ أو بعض عناصر عدم الحجة وعدم المقدرة.
[ملاحظة: كانت هذه فيما يبدو هى النصيحة التى دفعت إلى معاودة الاتصال بأمين هويدى بعد قطيعة شهور وكان قد اعتذر عن دخول الوزارة لأنه لم يعط منصب أحد نواب رئيس الوزراء وهو يعتبر نفسه أقدم من شعراوى جمعة!].
وانتهت الجلسة الثانية من جلسات تحضير الأرواح والله وحده يعلم كم كان عدد هذه الجلسات قبل الشريطين المسجلين فى درج مكتب السيد سامى شرف.
ما الذى يمكن أن أقوله بعد هذا كله.
كانت مصر تطلب العلم، وكان هؤلاء لا يرون من العلم إلا جانبه السلبى. تواضعت التكنولوجيا من الوقوف على سطح القمر لتتحول إلى ميكروفونات مخبأة فى المكاتب والبيوت.
وكانت مصر تنشد الإيمان، وكان هؤلاء لا يرون من الإيمان إلا ما تعلق بأذياله مما لا يتصل بالدين فى شىء. تواضع الإيمان من البحث عن طريق الله إلى التوسل بأساليب لا يمكن أن تؤدى إليه.
ماذا أقول؟
لا أقول شيئاً إلا أن ذلك لم يكن تعبيراً عن مصر، لا فكرها ولا حضارتها ولا روحها ولا ثورتها، والدليل على ذلك أن مصر رفضته وأسقطته وواجبها الآن أن تحول – وبشكل قاطع – دون إمكانية تكراره.
وهذا – كما قلت من قبل وأكرر – هو التحدى.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=614