” بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : (9) عودة إلى أزمة الشرق الأوسط الفردوس المفقود “

(9) عودة إلى أزمة الشرق الأوسط الفردوس المفقود
أريد أن أقول من أول سطر فى هذا الحديث أننى متحمس، وبغير تحفظات للوحدة بين مصر وليبيا.
وأريد أن أقول فى السطر الثانى أننى لا أستطيع أن أتصور لهذه الوحدة صيغة غير الصيغة الاندماجية الكاملة.
وأريد أن أقول فى السطر الثالث، أننى أتمنى – بل أننى أصلى – لكى تقوم هذه الوحدة، وبهذه الصيغة، فى الموعد المقرر لها: أول سبتمبر 1973.
وهذه فى اعتقادى ضرورة تحرير بمقدار ما هى فى الوقت نفسه ضرورة مصير.
أعنى أننى أظن أن الطريق إلى سيناء يمر بطرابلس ثم أننى أظن أن الدولة الجديدة تستطيع بتجربة الانصهار الخلاق أن تعطى للأمة العربية شعاع أمل متجدداً فى وقت يتكاتف فيه الظلام.
ولعلها لم تكن مصادفة أن فكرة الوحدة الاندماجية بين مصر وليبيا طرحت لأول مرة بشكل جدى فى صيف العام الماضى وبعد القرارات التى انتهى بموجبها التواجد العسكرى السوفيتى فى مصر.
وربما لم يكن طرح الوحدة فى ذلك الوقت تخطيطاً واعياً بقدر ما كان – أو هكذا بدا لى – غريزة بقاء.
ولكن التاريخ يتحرك بالعنصرين معا: التخطيط الواعى. وحوافز البقاء الغريزية لدى الأفراد والأمم.
ومهما يكن فلقد جاء هذا الطرح فى لحظة تاريخية مهمة وجاء رداً عليها واستجابة لدواعيها، ذلك لأنه بموجب انتهاء التواجد العسكرى السوفيتى فى مصر حدث تغيير فى ترتيب العوامل المؤثرة على حل أزمة الشرق الأوسط.
تنازل أحدها درجة من مكانه وهو العامل الاستراتيجى الدولى، وتصاعد أحدها درجة من مكانه، وهو العامل القومى العربى.
وفى هذه اللحظة المفعمة بالتساؤلات جاء عرض معمر القذافى بإقامة الوحدة الاندماجية بين مصر وليبيا، ثم لحق به إعلان طرابلس، وكأنه فى الحقيقة يقول:
– “أن جانباً من الصـراع فقد – بسبب ظروف كثيرة معقدة – بعضاً من قدرته على الضغط، ولكنه عوضها بسرعة بما يحفظ له فى المحصلة النهائية قوة ضغط أكبر، ويميزها أن هذه القوة المضافة على اتساق مع المستقبل، بمعنى أنها تؤثر على التحرير، ثم أنها أيضاً مستمرة فى تأثيرها على المصير”.
ولقد سألت معمر القذافى خلال حوار دار بينه وبينى فى مكتبى “بالأهرام” واستمر عشر ساعات متواصلة، من العاشرة صباحاً فى أول يوم لوصوله إلى مصر وحتى الثامنة مساء:
– “هل كان عرضك بالوحـدة الاندماجية فى هذه اللحظـة التاريخية قصداً مقصوداً، ومحسوباً؟”.
ولم تكن لدى معمر القذافى – وهذه إحدى مزاياه – أى لمسة ادعاء، وكان قوله بأمانة:
– لا أعرف؟ ولكن الذى أعرفه أن انتصار مصر ضرورة حتمية للحاضر العربى والمستقبل العربى وإلا ضاع كل شئ.
إن كفاح مصر رفع قيمة الأمة العربية كلها ولا أتصور أن تقف الأمة العربية ساكتة ومصر تواجـه أزمتها. وإنما على الأمة العربية كلها فى هذه اللحظة أن تعطى كل ما عندها لتعزيز قيمة مصر.
ثم أن مصر أعطت للثورة العربية القومية على كل أرض عربية، ولكن الثورات بعد عطاء مصر تباعدت، وانعزلت، وتركت مصر وحدها، ولم أتصور أن الثورة الليبية تملك – عملياً أخلاقياً – أن تكرر هذا الموقف المأساوى مع مصر.
وليس ذلك تطوعاً، أو تبرعاً وإنما هو اقتناع بأنه: بدون مصر ودورها فلن توجد قط أمة عربية قومية ومن ثم نفقد جميعاً كثوريين عرب حتى مبرر وجودنا.
هذا ما أعرفه!.
ولقد تابعت عن كثب مناقشات واسعة ومستفيضة جرت فى القاهرة هذا الأسبوع عن قضية الوحدة بين مصر وليبيا.
وأظن أن كثيراً من هذه المناقشات كان مفيداً، ولكنى أعترف أن بعضها – فيما رأيته – ركز على الجزء وأغفل الكل، أى أنه توقف أمام التفاصيل ولم يتقدم بعد ذلك إلى التصور الشامل الذى تذوب فيه جميع التفاصيل!
لقد صدرت بعض المناقشات – فيما أحسست – عن انطباعات تكونت من بعيد، وكان الأولى بها أن تصدر عن إلمام أوسع وأعمق بالضرورة التاريخية: ما ينصب منها على اليوم وما يتدفق منها إلى غد.
ولست أشك فى إخلاص أحد ممن شاركوا فى المناقشة، ولكن شكوكى كانت ولا تزال فى مدى المعلومات التى أتيحت لهم و حجم الحقائق التى وضعت تحت تصرفهم، والناس على أى حال لا يحكمون إلا بما يرونه، أو بما يظنون أنهم يرونه!
– وعلى سبيل المثال، فإن البعض منا أثار – بإخلاص – مخاوفه من أن تفشل الوحدة بين مصر، وليبيا، كما “فشلت” من قبل الوحدة بين مصر، وسوريا.
ولكن ذلك القول ينسى الحقيقة فى تجربة الوحدة الأولى، وهى أن الوحدة بين مصر، وسوريا لم تكن قد فشلت، وإنما كانت قد ضربت.
بمعـنى أن الانفصال وقع بانقلاب عسكرى فى دمشق ولم يقع بإرادة شعبية سورية، أو مصرية، وكان هذا الانقلاب – وتلك حقيقة تاريخية عليها شواهد وأسانيد – مخططاً وممولاً بواسطة قوى متآمرة على الثورة العربية وعلى الوحدة العربية.
ننسى أن هناك مئات من السوريين دفعـوا حياتهم فى الأيام الأولى للانفصال دفاعاً عن الوحدة.
وننسى أن مساعدة شهداء الوحدة ضد أعدائها كانت مستحيلة بسبب الفاصل الجغرافى بين مصر، وسوريا.
أى أن الجغرافيا، إلى جانب المؤامرة، شاركت فى ضرب تجربة الوحدة الأولى، ولكن هذه التجربة لم تفشل.
ولقد كانت هذه التجربة معرضة لمشاكل، ولكن هذه المشاكل كانت مشاكل الحياة، ونحن لا نستطيع أن نعالج مشاكل الحياة بحكم يصدر بالموت.
وأتساءل:
– هل إذا كره أعداؤنا هدفاً من أهدافنا. نتخلى عنه ؟
– هل إذا احتل أعداؤنا موقعاً من مواقعنا. نتركه لهم؟
– هل إذا ضاع منا مركز متقدم على طريق أمل. نودع إلى الأبد هذا الأمل؟
– وعلى سبيل المثال، فإن البعض منا أثار – بإخلاص – مخاوفه من تعارض بين دولة فى مصر تقوم على “المؤسسات وسيادة القانون” وبين دولة فى ليبيا تقوم على “الدعوة لثورة ثقافية أو شعبية”!
وليست لدى معرفة مباشرة أستطيع بها الحكم على تجربة الثورة الثقافية أو الشعبية فى ليبيا ولكنى يقيناً لا أستطيع أن أحكم عليها من مجرد سماع صوت شجار بين اثنين من المذيعين على الهواء فى راديو طرابلس، مثل ذلك حدث مرات من إذاعات القاهرة، وغير القاهرة، وبدون جو ثورة شعبية أو ثقافية.
ولعلى أعرف القصد الأساسى من الثورة الثقافية أو الشعبية فى ليبيا: سيطرة الجماهير ومشاركة الجماهير على السلطة وفى القرار.
ولست أعرف ماذا حدث لهذا القصد عند الممارسة، وإن كنت أتصور احتمال حدوث كثير من التجاوزات.
ومع ذلك فلعلى أعرف أن مصر ذاتها فى حاجة إلى ثورة ثقافية.
وقد تحدث فى ذلك جمال عبدالناصر أكثر من مرة كما أن أنور السادات راودته نفس الفكرة وحاول أن يقوم بها من القمة ولولا ظروف المعركة لحاولها من عند القاعدة.
– وعلى سبيل المثال، فإن البعض منا آثار – بإخلاص – مشكلة وجود حساسيات بين بعض المصريين وبعض الليبيين.
وهذه الحساسيات تحتاج فى ظنى إلى دراسة معمقة لجذورها الطبقية كما أنها تحتاج إلى دراسة فى نوعيات السلوك لدى بعض الفئات.
أعنى أننا يجب أن ندرس بالتحديد من هى الطبقة التى يمكن أن تكون كارهة للوحدة فى ليبيا وأين هى مصالحها وما هو حجمها بالقياس إلى مجموع الشعب هناك، وبنفس المقدار من هى الطبقة التى يمكن أن تكون كارهة للوحدة فى مصر وأين هى مصالحها وما هو حجمها بالقياس إلى مجموع الشعب هنا؟
ثم ليكن أن بعض المصريين يذهبون إلى ليبيا فى طلب ثروة بأسرع ما يمكن، وليكن أن بعض الليبيين يجيئون إلى مصر فى طلب معين بأرخص ما يمكن.
ذلك كله طبيعى، ولكننا يجب أن ندرسه، ونخضعه للهدف الأعظم، ولا يحق لنا أن نترك له الحبل على الغارب لكى يقوم هو بنسف، وتحطيم الهدف الأعظم.
– وعلى سبيل المثال، فإن البعض منا أثار – بإخلاص – تردده إزاء التزمت الزائد عن حده فى ليبيا الرسمية.
وكان هناك تساؤل:
– “هل سيطالب معمر القذافى بتحريم الخمر فى مصر مثلما هى محرمة فى ليبيا، مع أن مصر بلد سياحى؟”.
وبصرف النظر عن مسألة السياحة! – فلعلنا نتذكر أن الهند مثلاً، وهى دولة واحدة تضم ولايات تحرم الخمر – ويسمونها الولايات الجافة – كما تضم ولايات تبيح الخمر – ويسمونها الولايات المبتلة.
أى أن يجوز لنا فى إطار دولة واحدة أن نتصور قانوناً يسرى بالحكم الذاتى فى بعض ولاياتها – أو محافظاتها – ولا يسرى فى البعض الآخر.
– وعلى سبيل المثال، فإن البعض منا آثار – بإخلاص – عدداً من المشاكل العملية: فوارق المرتبات بين مصر وليبيا، فوارق الجمارك بين مصر وليبيا. إلى آخره.
ولعلى أقول أن تلك وغيرها مشاكل تخضع للتنظيم الإدارى وحلها ليس صعباً، ولكنها لا تعترض – ولا يصح أن تعترض – خطوة من أهم الخطوات نحو استراتيجية عليا عربية!
وربما أضفت إلى ذلك أن لدى شخصياً بعضاً من التساؤلات وقد شرحتها تفصيلاً لمعمر القذافى.
– قلت له مثلاً:
– أننى لست متحمساً للانتشار والتعرض الزائد على جبهة تمتد من أيرلندا إلى الفلبين؟
ولست أفهم مثلاً لماذا نتدخل فى صراع بين الكاثوليك والبروتستانت فى أيرلندا الشمالية.
وأنا أؤمن بدور عالمى للثورة العربية ولكن هذا الدور لابد أن يحدد لنفسه مجالاً منطقياً، والمجال المنطقى الممكن هو مجال حركة التحرر الوطنى وفى العالم الثالث النامى بالذات. وفى هذا النطاق فإنى أعتبر دور ليبيا فى مالطة دوراً إيجابياً، وحيوياً بالنسبة للأمن العربى، كما أننى فى هذا النطاق أعتبر دور ليبيا فى إفريقيا دوراً إيجابياً، وحيوياً بالنسبة للتضامن العربى – الإفريقى.
– وقلت له مثلاً:
– “إننى كمسلم أعتقد يقيناً بأن فكرة القومية العربية لا يمكن فصلها عن التراث الحضارى للإسلام، وكل مناى ونحن نتحدث عن الإسلام أن نتمثل جماع ما أنتجته الحضارة الإسلامية وقد كانت الحضارة الإسلامية حضارة عقلانية وهى فى هذا مثلاً تختلف عن اليهودية.
– كانت الفلسفة أساسية فى الفكر الإسلامى، ولكن التصوف كان النزعة الغالبة فى الفكر اليهودى وهذا واضح حتى بالنسبة للموقف من الدين ذاته.
فى الإسلام تستطيع أن تكون مسلماً باختيارك حتى وإن لم تولد مسلماً.
وفى اليهودية لا يستطيع أحد أن يكون يهودياً إلا إذا ولد يهودياً.
أى أن الإسلام فكر، واختيار فى حين أن اليهودية قدر أسطورى لا مجال فيه للفكر أو للاختيار”.
– وقلت له مثلاً:
– “إننى كقومى عربى لا أعتبر نفسى فى حرب صليبية ضد الماركسية وربما أختلف معها ولكنى لست فى عداء مقدس ضدها خصوصاً وأن الأيديولوجيات كلها اليوم – وبسبب ثورة التكنولوجيا – معرضة لمراجعات عميقة”.
– وقلت له مثلاً:
– “إننى، كوطنى مصرى، لا أستطيع أن أدخل فى عداء مع الاتحاد السوفيتى، بل ولست أجد مبرراً لهذا العداء، وإنما على العكس أجد أن هناك دعائم قوية لجسور من الصداقة بيننا وبينه، وقد أثبتت تجربة الثورة العربية ذلك وأكدته، ولقد تكون هناك أسباب للحوار بيننا، ولكن ما نلتقى عليه أكثر مما نختلف حوله”.
– وقلت له مثلاً:
– “إننى، كواحد من الذين عاصروا تجربة الثورة الناصرية، تأخذنى الحيرة أحياناً أمام دعوة النظرية الثالثة، وعندما أسمع عنها أتذكر قول جمال عبدالناصر لبعض رفاقه:
– لا تخترعوا الكهرباء. لقد اخترعوها قبلنا، وما هو مطلوب منا هو مجرد استعمالها وليس إعادة اختراعها. إنها موجودة فعلاً، فلماذا نبدأ فى البحث عنها من أول وجديد”؟
والنظرية الثالثة – إذا صح هذا التعبير – موجوده فعلاً، وهى موجودة فى الميثاق، وإذا كان قد حدث تجاوز فى روحه أو تجاوز فى تفسيره، فليس ذلك خطأ النظرية، وإنما هو مصيبة التطبيق على الهوى!.
قلت هذه التساؤلات كلها لمعمر القذافى، وأشهد – والشهادة للحق والتاريخ – أنه تقبل بعقل وقلب مفتوحين، ومعنى ذلك أن الطريق مفتوح للحوار، كما أن الحوار لابد له من مرجع يكون الاحتكام إليه من فكر وتاريخ التجربة الثورية العربية، وقد نتذكر أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش خارج التاريخ. كما أن التاريخ لا يستطيع أن يعيش خارج الإنسان.
انتقل الآن إلى النقطة الأساسية فى هذا الحديث وهى:
– ما الذى يغرينى بالوحدة بين مصر وليبيا، ويغرينى بها على الصيغة الاندماجية، ويغرينى بها فى أسرع وقت ممكن؟
من ضرورات التحرير والمصير معاً. أعدد الأسباب التالية:
1- إن هناك تماثلاً كاملاً بين المنطلقات الأساسية للثورة المصرية، وبين المنطلقات الأساسية للثورة الليبية. كلتاهما فى مجرى التيار الواسع العريض للناصرية، بل أن الصلة أوثق من ذلك وأعمق إلى الدرجة التى تدعو أنور السادات إلى القول “بأن الوحدة بين مصر وليبيا قدر ومصير”، وإلى الدرجة التى تدعو معمر القذافى إلى القول “بأن الثورة الليبية هى امتداد للثورة المصرية”.
وإذن فهى وحدة الفكر فى أصوله مهما اختلفت بعض الاجتهادات فى الفروع، ولعل اختلاف الاجتهادات مرحلياً نابع من اختلاف الظروف الراهنة لكل من البلدين، وهى ظروف تضع بعض القيود على حركة مصر، ولكنها لا تضع نفس القيود على حركة ليبيا كما أن هناك اختلافاً فى مراحل التطور يبدو لنا على السطح أحياناً. ولكن النظرة الفاحصة سوف تكتشف أن هذا الاختلاف يمكن أن يكون موجوداً بين فئات الشعب المصرى ذاتها بتركيبها الراهن وبين فئات الشعب الليبى ذاتها بتركيبها الراهن أيضاً، وبالتالى فإن وجوده فى دولة الوحدة ليس فيه ما يدعو إلى العجب!
2- إن هناك اتصالاً جغرافياً بين البلدين، وهذا عكس ما كان فى التجربة المصرية – السورية.
هناك كانت الجغرافيا ضد الوحدة، وهنا فإن الجغرافيا مع الوحدة.
3- إن هناك تكاملاً فى المصلحة بين مصر وليبيا.
مصر لديها قاعدة من الثروة قادرة على البقاء إلى المدى الطويل.
وليبيا لديها نبع من الثروة، ولكن عمره محدود وأجله قصير.
ولقد بنت مصر إمكانية هائلة للإنتاج مثلاً، ولكن هذه الإمكانية لا تعمل إلا بجزء من طاقتها، وليس بكل طاقتها، والسبب أن مصر توسعت فى بناء القاعدة الصناعية الزراعية، بما لم يترك لديها فائضاً سائلاً يسمح بتشغيل هذه القاعدة إلى أقصى طاقة ممكنة.
وليبيا لديها فائض سائل يستطيع بجرعة قوية منه أن يدفع بالإمكانية المصرية الهائلة إلى كامل طاقتها، ولخير الشعبين.
وليس معنى ما أقوله – وإن كنت أعرف مقدماً أن بعض الناس سوف يحاولون استغلاله بمنطق الانفصال وليس بمنطق الوحدة – أن مصر تريد أن تنقض على ثروة ليبيا، ولكن ما نقوله هو أن ما لدى البلدين – وما يمكن بالتخطيط المشترك أن يضاف عليه فوق الأرض الممتدة للدولة الجديدة – يستطيع أن يعمل بأقصى قدر من الكفاءة باندماج بينهما يجعل عمل الكل وثروة الكل لصالح الكل، وعلى المستقبل البعيد.
وربما كان من حقى – وبدون تزيد – أن ألفت النظر إلى جموع القول الذى يدعى أن مصر مفلسة.
إن طاقة الإنتاج المصرى الكامنة، تستطيع بسهولة أن تحقق – فى الوضع الحالى – حجم إنتاج سنوى لا يقل عن سبعة آلاف مليون جنيه، بدلاً من أربعة آلاف مليون جنيه الآن.
والدين المصرى الخارجى كله لا يزيد على ألف وأربعمائة مليون جنيه، مستحقة فى السنوات العشر المقبلة وليس ذلك عبئاً باهظاً على دولة فى مثل ظروفنا.
[الدين الخارجى لإسرائيل يزيد مرتين عن الدين المصرى وكذلك دين الأرجنتين وشيلى بينما يصل دين المكسيك إلى ثلاثة أمثال الدين المصرى].
وربما قلت، بدون تجاوز، أن نصف الدين المصرى على الأقل قابل للمناقشة.
ولكن مصر تواجه ثلاث مشاكل فى نفس الوقت:
– مشكلة فى السيولة: [وبالتالى طاقات موجودة، ولكنها معطلة أو نصف معطلة].
– مشكلة فى الإدارة: [قصور الخيال التخطيطى والإدارى، والتحجر والتعفن أحياناً].
– ومشكلة بسبب عملية الاستنزاف الصامت، نتيجة تردى أزمة الشرق الأوسط فيما أسميته مرة، وما زلت اسميه، “حالة اللاسلم و اللاحرب”، وهى حالة مرهقة بأعبائها المادية والنفسية.
ومحصلة ذلك أن الدولة الجديدة بوحدة الاثنتين، لن تكون طرفاً يعطى وطرفاً يأخذ، وإنما العطاء والأخذ طريق واحد عليه إمكانية إنتاج ضخمة قابلة للزيادة، قوة عمل هائلة قابلة للتنظيم، وامتداد جغرافى واحد مفتوح للتخطيط، وثروة يجب تحويلها إلى طاقة مستمرة، قادرة على البقاء الطويل.
4- إن الدولة الجديدة تستطيع أن تكون قوة جذب ذات تأثير متجدد بالنسبة لآمال عربية خبت الجذوة فى قلوبها.
ولو تصورنا قوة جذب بحجم مصر، وبحيوية ليبيا، لوجدنا أن تأثير هذه القوة الجديدة أو المتجددة يستطيع أن يكسر أغلالاً كثيرة بدأت تشد فى العالم العربى إلى أدنى. بينما الدولة الجديدة تستطيع أن تشد إلى أعلى.
5- إن الوحدة بين مصر وليبيا تستطيع أن تعطى لخط النار على قناة السويس عمقاً هائلاً يؤثر تأثيراً مباشراً على موازين القوى الاستراتيجية والتكتيكية على ناحيتى خط النار، والعمق الذى أقصـده ليس فى المكان فقط، ولكنه عمق فى الزمان أيضاً، لأنه يتيح للدولة الجديدة معركة نفس طويل، وهو نوع المعركة التى نستطيع فيها أن ننتصر على إسرائيل.
إذا كنا نقول – وقد شرحت ذلك من قبل فى أول مقال من هذه السلسلة – أن هناك فارقاً بين القتال وبين الحرب. وأن القتال قد يكون على قناة السويس، ولكن بؤرة الحرب نفسها تحركت إلى منطقة الخليج. وأن الأسلحة تغيرت، ولم تعد المدافع والدبابات والطائرات والصواريخ وحدها، وإنما أضـيفت إليها أسلحة جديدة، أبرزها الآن استعمال سلاح الطاقة، واستعمال سلاح النقد الدولى.
إذا كنا نقول بذلك، وإذا كنا لن ننس بعد ما قلناه، فإن الدولة الجديدة سوف تكون موجودة فى صميم أزمة الطاقة، وفى صميم أزمة النقد الدولى.
إن مصر بدأت تتحدث كثيراً عن أزمة الطاقة وعن أزمة النقد، ولكن ما قالته لم يؤثر بالدرجة المطلوبة وأخذه العالم الخارجى كنوع من “الكلام الساكت” – على حد التعبير السودانى – كلام لا يفعل ثم هو لا يقنع. وفى السياسة الدولية فإن الفعل والإقناع يرتهن بثلاثة عناصر:
1- أن يكون ما نتحدث عنه فى يدنا فعلاً.
2- أن يكون ما فى يدنا قابلاً للاستعمال عملاً.
3- أن يكون ذلك معروفاً سلفاً للأطراف الأخرى فى النزاع.
ساعتها فقط، لا يصبح الكلام كلاماً ساكتاً. وإنما ساعتها يتكلم الكلام!
ذلك متاح فى حدود الدولة الحديثة وغير متاح فى حدود مصر الحالية.
7- هذا كله بالطبع غير دواعى الوحدة العربية وحاجة هذه الوحدة إلى دولة نواة أو دولة نموذج تستطيع أن تحمل الدعوة إلى الوحدة الشاملة، وأن تقول لمن لم يفهموا بعد حقائق العصر: أنه لا مستقبل للكيانات الشظايا، وأن المستقبل سوف تؤثر فيه – إن لم نقل سوف تحكمه – الكيانات الكبرى: الولايات المتحدة – الاتحاد السوفيتى – الصين – أوروبا الغربية – اليابان.
تقول لهم: هنا على هذه الأرض، أمة مرشحة لتكون واحدة من القوى الأعظم فى المستقبل، لكنها لن تستطيع ذلك بشظايا متناثرة. شظية اسمها مصر، وأخرى اسمها ليبيا، وثالثة اسمها سوريا، أو العراق، أو تونس، أو السعودية، فضلاً عن الكويت، وقطر، ومملكة السلطان قابوس!
وأخـيراً فثمة شئ لافت للنظـر لو أننا حاولنا أن نصغى للأصوات – أن نتحسس الإرادات – التى لا تريد للوحدة بين مصر وليبيا أن تقوم.
إنها ليست أصواتنا.
ثم أنها ليست أصوات أصدقائنا.
وقد نتذكر المثل الروسى الذى يقول:
– “إذا كره أعدائى عملاً أقوم به. إذن فهو صالح لى. وإذا أحبوا عملاً أقوم به. فعلى أن أعيد التفكير فيه؟!”.
أليس ذلك مثلاً صادقاً؟
ثم هناك شئ آخر قبل نقطة الختام فى هذا الحديث، ذلك أننى أتكلم دون أن أمنح نفسى حق الشطط فى الخيال.
أقول ما أقول، وأنا أعرف أن هناك عقبات، وهناك مشاكل، وبرغم ذلك فإننى أضع على الورق اقتناعى.
ولقد لقيت معمر القذافى فى قصر الطاهرة – حيث يقيم – بعد أن شارك فى عديد من الاجتماعات التى جرت فى مصر.
ولقد تأثرت إلى الأعماق، وأنا أسمع معمر القذافى يقول لى بأسى:
– “لقد أحسست من بعض ما قيل أمامى أن مصر لا تريد الوحدة، مع ليبيا”.
وقلت، وعلى مسئولية ما قلت:
– “إن مصر تريد الوحدة. تريد الوحدة. تريد الوحدة، وأنا لا أدعى التعبير عن مصر، ولكنى – كصحفى – أدعى الإحساس بشعورها”.
وقال معمر القذافى، والآسى فى صوته أشد:
– “ليس ذلك ما رأيته!”.
وقلت له، وأنا أودعه:
– أخ معمر. إن التاريخ كله صراع بين الواقع والفردوس: الإنسان يكافح واقعه، ويتطلع إلى مثل أعلى يحلم به، وهذه هى حكاية التاريخ الإنسانى من أوله إلى آخره.
والمشكلة أن بعض الناس يقفون فى الواقع وينسون الفردوس، وبعضهم الآخر يذهبون إلى الفردوس وينسون الواقع.
وأنت بالذات كنت تذهب إلى الفردوس أحياناً وتنسى الواقع، وأرجوك الآن أن لا تتقبل الواقع وتنسى الفردوس.
العلاقة بين الاثنين علاقة صراع، وبدون الصراع، فإننا نتخلى عن التاريخ”.
وقال لى معمر القذافى باسماً:
– “أليست هناك قصة مشهورة اسمها الفردوس المفقود؟!”.
وقلت له على الفور:
– “أرجوك. لا تضيع وقتك فى قراءتها، وواصل عملك من أجل الفردوس لأنه موجود، على شرط أن لا تنسى الواقع!”.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=161