” بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : (7) آفاق السبعينات “

(7) آفاق السبعينات
حتى لا نقع فى كمين. نوع العمليات الإسرائيلية المقبلة ضدنا
قد يكون ضرورياً، بينما نحن وعدونا نخطو أقرب وأقرب إلى باب الحرب – مدخلنا ومدخله إلى السبعينات – أن تكون إحدى عيوننا موجهة باستمرار على جبهة العدو، تلاحظ وتحلل وتدرس أساليبه المتغيرة فى تطبيق استراتيجية الحرب.
مثل ذلك ضرورى فى ظنى حتى نكون مستعدين فى كل وقت لكل احتمال، لا يدهمنا مجهول ولا ينقض علينا ما لم نكن نتوقعه، وأسوأ ما يمكن أن يسجله التاريخ على أمة مقاتلة: “أنها عاشت أيامها الخطيرة كلها مأخوذة بالمفاجآت. كل خطوة خطتها – أو لم تخطها – أوقعتها فى كمين”.
ونصف الطريق إلى انتصار أى طرف فى صراع أن لا يفاجئه تصرف يقوم به عدوه!.
إذا لم يفاجأ. إذن، فقد كان يتوقع.
إذا كان يتوقع. إذن فقد كان يعرف.
إذا كان يعرف. إذن فهو قريباً من الصواب.
إذا كان قريباً من الصواب. إذن فهو قريب من النصر!.
وإذا صح تقديرى – وهو محض اجتهاد شخصى لصحفى يهتم بالحرب باعتبارها ذروة فى المأساة الإنسانية، ويهوى دراسة الاستراتيجية باعتبارها أهم العلوم فى حركة الصراع الإنسانى – فإن العدو قد اتخذ لنفسه أسلوباً جديداً فى تطبيق استراتيجية الحرب، وعلينا أن نلاحظ ذلك ونحلله وندرسه، حتى لا نقع – كما قلت – فى كمين!.
ومبادئ استراتيجية الحرب وبينها: أخذ زمام المبادأة، وتحقيق المفاجأة، وتركيز النيران، وكفاءة الحشد، وسرعة الحركة، ودقة المعلومات. كلها مبادئ ثابتة، شأنها فى ذلك شأن القوانين الأصلية لأى علم من العلوم. كالاقتصاد أو الميكانيكا مثلاً.
والقوانين الأصلية لا تتغير كثيراً، وإنما الذى يتغير هو أسلوب تحريكها، وعن ذلك الطريق فإنه يمكن اكتشاف استخدامات جديدة لا تلغى القوانين الأصلية، بل تغنى هذه القوانين بتوسيع مجالات تطبيقها.
إن العدو كان يواجه معضلة استراتيجية كبرى طوال سنة 1969، وإذا دققنا النظر فيما يقوم به الآن، فإننا قد نخرج باستنتاج مؤداه:
“إن العدو وجد – من وجهة نظره – رداً على المعضلة الاستراتيجية الكبرى التى كان يواجهها سنة 1969، وقد اتخذ لنفسه الآن أسلوباً جديداً فى تطبيق استراتيجية الحرب، وعلينا أن نعى ذلك تماماً، وأن نتخذ نحن من الأساليب الجديدة ما هو كفيل بمواجهة ذلك والرد عليه”.
إن القول بذلك – حتى لا يكون هذا الحديث، قفزاً لا يحكمه منطق – يطرح أمامنا مجموعة من الأسئلة:
أولاً – ما هى المعضلة الاستراتيجية الكبرى التى كان العدو يواجهها سنة 1969؟.
ثانياً – ما هو الأسلوب الاستراتيجى الذى كان العدو يتبعه من قبل؟.
ثالثاً – ما هى التغييرات التى استحدثها العدو ليحل بها المعضلة الكبرى من وجهة نظره؟.
ندخل إلى تفصيل أوسع عن المعضلة، والأسلوب، والحل!.
أولاً – المعضلة.
إن إسرائيل وصلت بقواتها على الجبهة المصرية إلى مانع طبيعى توقفت عنده وهو قناة السويس، وقبعت تنتظر استسلام مصر وتظن انتظارها معدوداً بالأيام.
لكن الانتظار يطول.
ومصر لا تستسلم بل هى تبنى جيشاً أقوى من جيشها الذى ضاع فى معارك الأيام الستة السوداء من سنة 1967، وهدف هذا الجيش واضح ومحدد وهو هدف العودة إلى تحرير الأرض، ومع تزايد مقدرة هذا الجيش ونمو طاقاته الهجومية – وكانت إسرائيل تحس بها أثناء اشتباكات المدفعية وعمليات العبور – فإن إسرائيل بدأت تواجه سؤالاً هاماً:
– ماذا تفعل؟.
كان أمامها عدة خيارات:
1- أن تحشد من ناحيتها أمام هذا الجيش ما يردعه عن الحركة، ولكن الحشد معناه التعبئة العامة أو التعبئة الجزئية والبقاء لوقت طويل فى انتظار مفاجآت المعركة وهو وضع لا تطيقه إسرائيل بسبب ظروفها البشرية المحدودة، فهى لا تستطيع أن تستبقى فى سيناء ربع مليون أو حتى مائة وخمسين ألفاً من المقاتلين.
معنى ذلك أن مزارعها ومصانعها سوف تتوقف إلى يوم لا يمكن تحديد توقيته.
2- أن تحشد إسرائيل من ناحيتها ولا تنتظر وإنما تعبر القناة وتهاجم وتتقدم بقواتها نحو القاهرة لكن هذا الاحتمال بدا بالغ الصعوبة لأن عملية اختراق الجبهة المصرية مع وجود جيش مصرى بحجم الجيش الموجود فيها الآن وفاعليته يمكن أن تكون مجازفة مخيفة كما أن تقدم الجيش الإسرائيلى إلى بحر الكثافة السكانية المصرى – على فرض نجاح الاختراق، يمكن أن يكون انتحاراً محققاً.
3- أن تظل إسرائيل بقواتها التى كانت فى سيناء كما هى، على أن تحميها بخط من التحصينات الدفاعية مهمته عرقلة أى هجوم مصرى محتمل وتكبيده خسائر عالية فى المرحلة الأولى منه، بينما تكون إسرائيل فى يومين أو ثلاثة قد دفعت بمجموعة جيشها الرئيسية إلى القتال وتكون قد تمكنت من إتمام التعبئة العامة لقواتها وتوجيهها إلى المعركة الحاسمة.
كان الخيار الأخير هو قرار إسرائيل وكان الوصول إليه هو ذاته الأمر ببناء خط التحصينات الذى عرف باسم “خط بارليف”.
لكن الخيار والقرار الإسرائيلى لمواجهة المعضلة، ما لبث أن أظهر وجود فجوة فيه أبطلت مفعوله، وهذه الفجوة هى نجاح المدفعية المصرية فى تحطيم تماسك خط بارليف، ثم جاء نجاح عمليات عبور دوريات القتال المصرية تأكيداً ظاهراً لحقيقة أن الخيار والقرار الإسرائيلى لم يستطع حل المعضلة.
وإلى جانب ذلك كانت هناك عيوب أخرى خطيرة فى ذلك الخيار والقرار، وأول هذه العيوب وأبرزها هو أن الانتظار فى مواقع الدفاع، سواء كانت تحصينات بالأسمنت المسلح، أو خنادق محفورة فى رمل الصحراء – هو أسلوب فى الحرب يسلب الجيش الإسرائيلى أكبر ميزاته.
ذلك الجيش بنى على سياسة الهجوم، وذلك وفقاً للأوامر الخمسة المستديمة التى هى أول درس يلقى على المجندين فى الجيش الإسرائيلى فى أول يوم من خدمتهم فى صفوفه وقد عدها “ليو هايمان” فى دراسة نشرها فى أمريكا على النحو التالى:
“- اهجم دائماً.
– تحرك دائماً.
– قاتل من المركبات المتحركة كلما أمكن.
– الزم الصمت أثناء التحرك واصرخ بأعلى صوتك وأنت تنقض خصوصاً عند الهجوم الليلى فإن الجندى عندما يصرخ بأعلى صوته وهو يهاجم يخيف عدوه كما أن قوته البدنية تزداد إلى الضعف وذلك ثابت علمياً.
– كل دورية أنت فيها سوف تكون قوية بحيث تستطيع القتال”.
هذه الأوامر الخمسة المستديمة، الدرس الأول فى اليوم الأول لأى جندى إسرائيلى، تفقد كل قيمة لها إذا قبع الجندى داخل دشمة محصنة أو داخل خندق محفور.
فى هذه الحالة لا يكون الجندى مهاجماً وإنما مدافعاً، لا يكون متحركاً وإنما ثابتاً!.
هكذا ظلت المعضلة كما هى. معضلة!.
ثانياً – الأسلوب.
إن التزام مواقع الدفاع بالنسبة للجيش الإسرائيلى، مع زيادة المقدرة الهجومية بالنسبة للجيش المصرى، لا يصبح فقط معضلة حيرة بين الحشد والتحصين، أو حيرة بين روح القتال التى يخلقها منطق الهجوم وروح الانتظار التى يخلقها موقف الدفاع، وإنما تصبح المعضلة أكبر.
تصبح معضلة أسلوب الحرب ذاته.
إن نجاح إسرائيل العسكرى أكثر من مرة ليس فيه أسرار ولا ألغاز، ولكنه من أوله إلى آخره استيعاب لنظريتين أساسيتين:
– نظرية الحرب الخاطفة من ناحية.
– ونظرية الإدارة الحديثة من ناحية أخرى.
وفى تعريف الحرب الخاطفة، فليس هناك وصف أبلغ من وصف الجنرال الألمانى المبدع “هاينز جودريان” – وهو بغير جدال بطل نظرية الحرب الخاطفة فى القرن العشرين، وكان تطبيقه لها فى فرنسا سنة 1940 معجزة من المعجزات.
يقول “الجنرال جودريان” وأنا أنقب بالنص عن كتاب “قائد البانزر” [القوات المدرعة الألمانية] ما يلى:
“الحرب الخاطفة هى أن تستعمل مقدرة الحركة العسكرية السريعة كسلاح نفسى.
لا تتحرك لكى تفلت، ولكن تحرك لكى تتقدم.
لا تتقدم لاحتلال مواقع ولكن تقدم لكى تثير الخوف والرعب، لكى تصيب عدوك بالذهول، لا تأسره ولكن اتركه أسيراً للحيرة والتوتر والشك لكى تصبح خطوطه الخلفية فوضى شاملة تمزقها الإشاعات وتفترسها التهويلات. إن الذعر سوف يتحول إلى وحش تجرى أمامه رعباً فلول عدوك وتنهار قيادته وتصاب بالشلل حكومته.
وقبل أن يتبين أحد ماذا جرى تكون قد انتصرت!”.
تلك كلمات “جودريان” بحرفها، وتكاد معركة سنة 1967 تكون صدى حياً لها، كأن واضعى خطة إسرائيل فيها كانوا مجرد تلاميذ مخلصين لقائد قوات “البانزر” الشهير.
كأن السباق بين الجنرالات الثلاثة “جوف” و”شارون” و”تل” وهم الذين قادوا الطوابير الإسرائيلية الثلاثة فى معركة سنة 1967 – سباق للوصول إلى قناة السويس.
لم يتوقف أحدهم لاحتلال مواقع، أو لتصفية مقاومة خلفه، أو لجمع أسرى أو غنائم.
كل واحد منهم كان يتحرك بأسرع ما يمكن.
سرعة حركته هى نفسها سرعة تقدم أول دبابة فى طابور المدرع.
وكانت النتيجة شيئاً مما وصفه جودريان وهو يتحدث عن الحرب الخاطفة!.
فإذا انتقلنا من نظرية الحرب الخاطفة إلى نظرية الإدارة الحديثة وهى الأساس الثانى لنجاح إسرائيل العسكرى – لوجدنا أمامنا ظاهرة تلفت النظر.
إن أى ضابط إسرائيلى لم يصل إلى مرتبة القيادة قبل أن يجلس طالباً فى دراسة عن الإدارة الحديثة فى واحدة من الجامعات الأمريكية.
كل جنرالات إسرائيل وبغير استثناء جلسوا على مقاعد الدراسة فى المناهج المختلفة لعلم الإدارة فى “كولومبيا” أو “هارفارد” أو “ييل” أو غيرها من كبريات الجامعات الأمريكية.
وما هو علم الإدارة بعد ذلك – إذا سألنا أنفسنا؟.
“أليس هو علم استخدام الموارد والوسائل المتاحة بأعلى كفاءة للحصول على أكبر نتيجة؟”.
هو كذلك فى الصناعة وهو كذلك فى التجارة. وهو كذلك – أيضاً – فى الحرب.
وإذا نظرنا إلى ظروف إسرائيل لوجدنا أن حاجتها إلى علم الإدارة الحديث ضرورة لا بديل لها لأن أهدافها أكبر بكثير من الموارد والوسائل المتاحة ولعل ذلك يفسر أن الجيش الإسرائيلى يستعمل – نسبياً – عدداً من العقول الإلكترونية لا يستعمله أى جيش آخر فى حجمه، فضلاً عن أن جزءً كبيراً من أبحاثه ومعلوماته يعتمد اعتماداً كاملاً على الجامعات والمعاهد ومراكز الدراسة فى مختلف التخصصات.
ولقد كان استيعاب إسرائيل لـ”نظرية الحرب الخاطفة” ولـ”نظرية الإدارة الحديثة” هو أساس كل ما تحقق من نجاح عسكرى، وذلك النجاح فى حد ذاته هو الذى أعطى إسرائيل أهم سلاح تملكه الآن، وهو: التصور العربى أو التوهم العربى بقوتها الزائدة عن الحد!.
النجاح يمهد للنجاح. كما أن الفشل يمهد للفشل!
لكن ذلك كله كأسلوب لم يعد وحده كافياً سنة 1969.
الحرب الخاطفة مستحيلة. مادام طريق الحركة والتقدم مسدوداً.
وعلم الإدارة معطل. لأن الجبهة الإسرائيلية كلها فى حالة انتظار.
ثم إن النجاح يتآكل، خصوصاً أمام تركيز نيران المدفعية المصرية، وجسارة عمليات العبور التى قامت بها دوريات القتال المصرية.
هكذا سنة 1969، كانت المعضلة التى تواجه إسرائيل باقية بغير حل، كما أن الأسلوب الذى استوعبته إسرائيل لم يعد وحده يكفى.
أصبحت إسرائيل فى حاجة ماسة إلى جواب جديد. إلى أسلوب متغير.
أسلوب لا ينقض قوانين الحرب أو نظريات الحركة التى استوعبتها إسرائيل، ولكن يحرك هذه القوانين والنظريات بشكل جديد لمواجهة وضع جديد.
ثالثاً – الحل.
أمام عيوننا الآن أسلوب جديد بدأت إسرائيل فى استعماله تجريبياً فى الشهور الأخيرة من سنة 1969، ثم تجلى بشكل ظاهر فى هذا الشهر الأول من سنة 1970.
ونستطيع أن نطلق على هذا الأسلوب وصف “أسلوب الأبعاد الثلاثة”، والوصف فى الحقيقة ليس من عندى، ولكنه تطوير لاصطلاح استعمله “الجنرال هرتزوج”، وهو من أبرز المفكرين فى المشاكل الاستراتيجية فى إسرائيل، وذلك عندما وصف غارات الطيران الإسرائيلى بالقرب من القاهرة بقوله:
“نحن الآن نضرب فى البعد الثالث”.
وإذا اعتمدنا “أسلوب الأبعاد الثلاثة” فى وصف ما تقوم به إسرائيل اليوم، فإننا قد نستطيع القول بما يلى:
1- البعد الأول فى نظر إسرائيل هو جبهة قناة السويس نفسها، وعلى هذه الجبهة فإن إسرائيل تركز بالطيران على الخطوط المصرية، وتقصد بذلك إلى عدة أهداف:
– بعثرة قوة الحشد المصرى، بما يحول دون قيامها بالهجوم.
– إصابة ما يمكن إصابته من الأهداف، وبالذات بطاريات الدفاع الجوى، لكى تبقى السيطرة على الجو فى يدها، خصوصاً إذا وقع هجوم مصرى.
– التأثير فى الروح المعنوية للقوات المصرية من قبل أن يبدأ الهجوم.
2 – البعث الثانى جاء دوره، عندما قررت إسرائيل مد الجبهة إلى شاطئ خليج السويس، وشاطئ البحر الأحمر، إلى نقطة الحدود المصرية – السودانية، هكذا بدأت غارات الطيران الإسرائيلى فوق المواقع الهامة على شاطئ الخليج والبحر، كما بدأت هجمات محدودة بقوات الكوماندوز المحمولة بالبحر، كما حدث فى العملية التى أسمتها إسرائيل بغزو مصر، أو المحمولة جواً، كما حدث فى عملية سرقة جهاز الرادار المصرى من “رأس غارب”، أو بالاثنتين معاً، كما حدث أخيراً فى محاولة إسرائيل ضد جزيرة “شدوان”.
وتقصد إسرائيل بذلك – هنا أيضاً – إلى عدة أهداف:
– مد الجبهة المصرية بطول ألف كيلو متر أخرى إضافية تحت جبهة قناة السويس.
– لفت الانتباه والاهتمام والتركيز السياسى والعسكرى عن جبهة القناة، وإرغام مصر على تشتيت انتباهها واهتمامها وتركيزها.
– الحصول على نتائج سريعة، قد لا يكون لها تأثير عسكرى يذكر، ولكن تأثيرها فى الحرب النفسية ممكن، خصوصاً بالاستغلال الذكى لوسائل الدعاية الحديثة.
وكانت نقط الحدود المعزولة على طول الشاطئ هدفاً سهلاً فى كثير من المرات، وقد أغارت إسرائيل على ثلاث أو أربع منها لمجرد أن يقال أنها وصلت وقتلت وذهبت دون أن يلحق بها أحد.
وكانت التوقيتات مختارة بعناية، كما حدث فى عملية سرقة جهاز الرادار التى أريد لها أن تذاع عقب مؤتمر القمة العربى فى الرباط، إذا كان هذا المؤتمر قد نجح، وعندما لم ينجح المؤتمر، احتفظت إسرائيل بالقصة محبوسة بالرقابة لمدة أسبوع كامل، حتى انتهت زيارة عبدالناصر لليبيا والسودان فأذاعتها لكى تضرب بها الأثر المدوى الذى أحدثته تلك الزيارة.
وربما كانت معركة “شدوان” الرائعة أكبر صدمة تلقتها إسرائيل حتى الآن فى البعد الثانى، ذلك أن القتال على الجزيرة كان أعنف من كل التقديرات التى توقعها المخططون فى إسرائيل، لأن مقاومة الرجال على الجزيرة حولتها إلى كتلة من صخر بركانى لا يمكن كسره، ومع ذلك فإنه حتى فى هذه الحالة حاولت إسرائيل أن تخفف من صدمتها، وذلك بأن حولت بالدعاية سريعاً هدفها من احتلال الجزيرة “بمركزها الاستراتيجى المهم” – على حد تعبير الجنرال حاييم بارليف – إلى عملية لجلب أسرى.
كان تركيز الطيران الإسرائيلى فوق الجزيرة شديداً، يزيد حجمه عن مائة طائرة.
وقررت القوة المصرية أن تخرج من الخنادق، وأن تنتشر فى الجزيرة جماعات مقاتلة تهاجم القوات الإسرائيلية النازلة على الطرف الجنوبى للجزيرة، دون أن تقبع فى مواقع الدفاع تحت تركيز الطيران.
وكان رأى الرجال على الجزيرة أنهم بالاشتباك المباشر مع قوات العدو يحددون دور الطيران لأنه لا يصبح قادراً على التمييز بين المشتبكين يداً بيد وبالسلاح الأبيض فى كثير من الأحيان.
وكانت المعارك دامية، وخسائر العدو عالية، وقرر الانسحاب وحمل معه عدداً من الجرحى قاتلوا حتى فرغت ذخيرتهم فى الجزء الجنوبى من الجزيرة، كما حمل معه ثمانية من موظفى فنار الجزيرة المدنيين. ثم عاد العدو يخفى تراجعه تحت دعوى أنه حقق ما أراد. عاد ببعض الأسرى. وكان ذلك هدفه من البداية، كما ادعى بعد ذلك بأثر رجعى!.
3- ثم يجىء البعد الثالث:
كان البعد الأول كما رأينا جبهة قناة السويس، والتركيز فوقها بالطيران.
وكان البعد الثانى هو ألف كيلو متر إضافية عليها، بامتداد خليج السويس وشاطئ البحر الأحمر حتى الحدود مع السودان.
والبعد الثالث؟.
البعد الثالث هو محاولة النفاذ بالعمق وراء خط المواجهة على البعد الأول – قناة السويس- وعلى البعد الثانى – خليج السويس وشاطئ البحر الأحمر.
وذلك عن طريق غارات الطائرات المتسللة عبر نطاقات الدفاع الجوى، وعلى الارتفاعات المنخفضة، كما حدث فى دهشور والخانكة وهاكستيب ووادى حوف.
هل ذلك هو كل مدى البعد الثالث؟
أقول: إن ما رأيناه حتى الآن هو البداية فقط.
إن العمل على هذا البعد بالطيران سوف يزداد كثافة، ثم إن الأمر عليه قد لا يقتصر على غارات بالطيران المتسلل على الارتفاعات المنخفضة.
إن إسرائيل جاءت بطائرات الفانتوم الأمريكية للعمق المصرى البعيد، وليس هناك فى غير مصر، وفى غير عمقها البعيد – أهداف تستحق أن تضرب بالفانتوم.
إن طائرات الفانتوم موجهة لمصر فقط وعلى وجه التحديد ولقد تسلمت إسرائيل منها حتى الأسبوع الماضى أربعاً وعشرين طائرة، وهناك أربع وعشرون طائرة أخرى فى الطريق من أول شهر فبراير إلى نهاية شهر أغسطس القادم.
ومع وصول هذه الطائرات ومع استيعابها واستخدامها فإن العدو سوف يتصاعد أكثر بعملياته الجوية.
كذلك فإن إسراع إسرائيل فى تحويل جزء كبير من قواتها إلى فرق محمولة جواً بالهليكوبتر، على نحو ما حدث فى فيتنام، هو تطور لا يمكن أن يكون موجهاً إلى غير مصر.
ولدى إسرائيل الآن ما يقرب من مائة وخمسين طائرة هليكوبتر. وخططها للمستقبل القريب أن تضاعف هذا العدد، بما يمكنها فى يوم من الأيام أن تنقل مجموعة لواء كامل – أى ثلاثة آلاف جندى محمولين بالجو لتنزل بهم فى أى مكان تختاره لإحدى عملياتها ثم تسحبها فى نفس اليوم، بعد أن تؤدى مهمتها.
وتقصد إسرائيل بذلك إلى عدة أهداف:
– أن تتسع جبهة القتال إلى دائرة واسعة تعطى بعداً ثالثاً فى العمق، لجبهة قناة السويس وشاطئ البحر الأحمر.
– أن تنقل المعركة إلى قرب مواقع حياة وعمل جماهير الشعب المصرى، بعد أن كانت المعركة مقصورة على مواقع الحياة وعمل القوات المسلحة وحدها.
– أن تنال أهدافاً حيوية مصرية، فضلاً عن التأثير النفسى داخل مصر وخارجها، على امتداد العالم العربى.
ولقد استعرضت المعضلة التى تواجه إسرائيل، على ضوء أسلوبها، ثم وصلت إلى الحل الذى وجدته جواباً عليها.
وإذا ثار هنا سؤال يقول:
– ما الذى نفعله نحن لمواجهة استراتيجية الأبعاد الثلاثة؟.
إذا ثار مثل هذا السؤال فإنى أقول:
– ليس ذلك موضوعاً يحق لى أن أخوض فيه، ولكنى أضيف:
يجب أن نلاحظ ونحلل وندرس.
ثم يجب أن نكون على استعدد لتحمل تكاليف الدفاع عن وطننا، ووطن أمتنا العربية.
ثم يجب أن تكون كراهيتنا للعدو بغير حد، واستعدادنا لقتاله إلى آخر المدى، وإصرارنا على قتله بغير تردد.
هذه هى الحقيقة فى صراع المصير، الذى لم يعد يحتمل بين العدو وبيننا، إلا أن نكون نحن أو يكون هو!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=146