” بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : 4 تحقيقات لابد من نشرها فى سوريا وصولاً إلى الحقيقة “

4 تحقيقات لابد من نشرها فى سوريا وصولاً إلى الحقيقة
وثيقة سرية أنشرها قبل أن تمتد إليها يد لتخفيها أو تشعل النار فيها!
على عينى ورأسى كل الكلام المنمق الذى يقوله بعض الحكام فى دمشق اليوم، سواء من عندهم، أو لأن ملقناً سياسياً من وراء الستار همس لهم به فرددوه من بعده بصوت مرتفع!
وعلى عينى ورأسى كل الألفاظ الحلوة التى تقال عن مصر من جانب بعض هؤلاء الحكام فهى “الحبيبة” مرة وهى “العزيزة” مرة ثانية ثم هى “الشقيقة” أخيراً!
وعلى عينى ورأسى كل هذا الحديث عن اعتزام الاتصال بالقاهرة لبحث موضوع الوحدة معها على أساس أنها – كما تفضلوا – طليعة التحرر فى العالم العربى وأكبر القوى المادية والمعنوية فيه.
ذلك، كله، كله، على عينى ورأسى، لكنه، كله، كله أيضاً، فى تقديرى وفى ظنى ليس إلا محاولة للهروب.
هروب من ماذا؟
لست أقول مع القائلين إن بعض حكام دمشق اليوم يريدون الهروب من العمل الوحدوى اكتفاءً بمجرد الحديث عنه!.
لست أقول ذلك.
كذلك لا أقول مع القائلين، إن هؤلاء الحكام يحاولون الهروب من الاشتراكية بمجرد التمسح بأذيالها.
لست أقول ذلك أيضاً.
إنما الذى أقوله إن فى دمشق الآن، محاولة رسمية أو شبه رسمية، للهروب من الحقيقة ذاتها، وهذه فى رأيى أخطر من محاولة الهروب من الوحدة أو من الاشتراكية.
إن قضية الوحدة فى سوريا تستطيع أن تنتظر.
كذلك فإن قضية الاشتراكية فى سوريا تستطيع أن تنتظر.
لكن الحقيقة فى سوريا هى التى طال انتظارها!
إن الشعب السورى، عانى خلال سنوات طويلة، من القفزات الطائشة فى الظلام، من الانقلابات المتكررة التى اتخذت طابع المغامرات الفردية، من الآمال التى لا تكاد تزدهر حتى تختنق فجأة من غير مبرر معقول!
وآفاق سوريا مليئة بالتساؤلات المكبوتة، حافلة بالإشارات والرموز الغامضة، مزدحمة بالاتهامات المعلقة دون حسم أو بت، مفتوحة للسحب المفعمة بنذر العواصف العاتية!
وذلك هو الخطر الأعظم على سوريا لأنه قد يعرضها للعقد النفسية، ويضعف من ثقتها بنفسها وبالتالى من إحساسها بسيطرتها على أقدارها.
إن الحقيقة وحدها هى الطريق الوحيد إلى الاستقرار فى سوريا.
وإذا ما ظلت الحقيقة تائهة وراء الظلال المتراكمة فى سوريا، فإن الاستقرار سيبقى تائهاً فى بادية الشام لا يعرف سبيلاً للوصول إلى دمشق.
وفى رأيى ولعلى لا أكون تجاوزت حدى، أن القيادة الكبيرة المسئولة عن الأمور فى الجيش السورى، والمسئولة فى الوقت ذاته عن مستقبل سوريا بعد الظرف الحرج الذى جرى فيه مؤتمر حمص وصدرت عنه القرارات الشهيرة التى تحكم سوريا بمقتضاها الآن – تمسك اليوم بالمفاتيح التى يمكن أن تفتح الأبواب للحقيقة فى سوريا.
هذه القيادة العليا والقواعد الوطنية التى تسندها فى الجيش السورى وخارجه، هى فى الواقع أصلح السلطات التى جاءت بها الأحداث إلى المكان الأقرب من الحقيقة فى سوريا.
إنها سلطة غير حزبية.
ثم هى سلطة وطنية قامت من الواقع السورى ذاته.
ثم هى سلطة يمكن أن تكون غير منحازة، باعتبارها غير متورطة فى المغامرات التى عقدت الموقف فى سوريا.
من ذلك كله، فإن هذه السلطة، تملك لأول مرة فرصة لكشف الحقيقة كاملة أمام الشعب السورى وهو وحده صاحب المسئولية والمصير فى سوريا.
ولكن كيف؟
الحل الوحيد.
أن تنتهى التساؤلات المكبوتة فى سوريا، وأن تجد الإشارات والرموز الغامضة حلها الواضح، وأن يتم حسم الاتهامات المعلقة ويبت فيها.
بهذا يمكن تجريد السحب المتراكمة على آفاق سوريا من كل شحناتها الحافلة بالصواعق المكهربة.
ولكن، كيف مرة أخرى؟!
كيف الطريق، عملياً، ومن غير صور إنشائية، تثير من المشاعر النفسية أكثر مما تقدم من حلول محددة!
أقول رأيى، وأعتذر من جديد إن كنت قد تجاوزت حدى.
أولاً:
إن وثائق حلف بغداد الاستعمارى، لابد أن تنشر الآن كاملة فى دمشق، وعلى وجه الخصوص منها كل الرسائل التى كان يكتبها العقيد محمد مهدى السامرائى الملحق العسكرى العراقى فى بيروت على عهد الحكم الهاشمى فى بغداد.
إن هذه الوثائق تكشف الدول الطامعة فى سوريا كما تكشف عملاءهم من السوريين الذين باعوا الوطن بمصالح شخصية دفعت لهم نقداً وعداً.
كذلك فإن هذه الوثائق تكشف أساليب التآمر على سوريا ومحاولات الخديعة لتزييف الأمور على شعبها.
وهذه الوثائق جميعها مما لا يمكن الطعن فيه.
إن الملحق العسكرى العراقى فى بيروت كتبها ليقرأها نورى السعيد شخصياً، ثم لتوضع بعد ذلك تحت تصرف لجان حلف بغداد التى تشرف على توجيه وتمويل النشاط الاستعمارى السرى الذى كان يستهدف إخضاع سوريا لنفوذه.
ولقد عثر على هذه الوثائق فى مكتب نورى السعيد بعد يوم واحد من قيام ثورة الرابع عشر من يوليو فى بغداد، ونقلت منها صورة كاملة إلى القاهرة.
وفى دمشق اليوم صورة أخرى كاملة لها.
وكان السيد عبدالحميد السراج قد طلب نسخة منها جميعاً لملفات وزارة الداخلية السورية وأخذها معه بالفعل إلى دمشق ثم وجدت فى مكتبه بعد الانقلاب على الوحدة فى 28 سبتمبر الماضى وحملها العقيد عبدالكريم النحلاوى إلى قيادة الأركان فى دمشق وأغلب الظن أنها مازالت هناك.
إن نشر هذه الوثائق فى دمشق، وبدون ما حاجة إلى محاكمات، سوف يمزق أقنعة مزيفة لا عدد لها فى العاصمة السورية.
هذه خطوة أولى على طريق الحقيقة!
ثانياً:
إن التحقيق فى قضية عبدالكريم الدندشى الذى كان عضواً بارزاً فى المجلس التأسيسى السورى الذى قام بعد انقلاب 28 سبتمبر 1961 وتحطم بعد انقلاب 28 مارس 1962 – يجب هو أيضاً أن ينشر كاملاً.
إن أهم وثيقة فى ملف هذه القضية هى اعترافات عبدالكريم الدندشى نفسه، وعليها توقيعه بخط يده إقراراً منه بصحتها كما دونها المحقق الذى سمعها منه.
إن هذه الوثيقة فى حقيقة أمرها تكملة منطقية لكل التقارير الموجودة فى ملفات حلف بغداد والتى كتبها الملحق العسكرى العراقى فى بيروت.
إن وثائق حلف بغداد تكشف الجهود الهاشمية والبريطانية بالذات فى التآمر على سوريا، وفى نفس الوقت فإن اعترافات الدندشى مع تأكيدها لهذه المؤامرات الهاشمية والبريطانية، تضيف إليها المحاولات الأمريكية المنفردة التى كانت تقوم بها إدارة المخابرات المركزية الأمريكية للتحكم فى أقدار سوريا والسيطرة عليها.
إن اعترافات عبدالكريم الدندشى مثيرة قدر ما هى معبرة.
إن ملايين الليرات كانت تجرى فى سوريا.
وكان تجار الوطنية يجرون وراءها.
إن اعترافات عبدالكريم الدندشى موجودة هى الأخرى فى دار الأركان العامة فى دمشق.
كانت هى الأخرى فى مكتب عبدالحميد السراج، ثم أخذها عبدالكريم النحلاوى بعد الانقلاب.
بل لقد كانت هذه الاعترافات من أقوى محركات الانقلاب على الانقلاب فى 28 مارس الأخير، وعلى أساسها ألقى القبض على مأمون الكزبرى وعلى صبرى العسلى وعلى معروف الدواليبى وعلى لطفى الحفار وعلى الدندشى نفسه بالطبع وعلى غيرهم كثيرين باعوا سوريا إلى رجل المخابرات الأمريكى الغامض الذى كان اسمه مستر “كاسن” وقبضوا منه ليرات بلا حساب!
ونشر اعترافات الدندشى كاملة – ولو من غير محاكمة أيضاً – خطوة ثانية على طريق الحقيقة.
ثالثاً:
ثم تجىء خطوة ثالثة، لم تعد الآن جدوى من التردد حيالها أو الانتظار.
إنها هى الأخرى محضر تحقيق لابد من نشره، هو التحقيق مع العميد فيصل سرى الحسينى. ومع زميله المقدم حيدر الكزبرى، وكلاهما من أبزر قادة الانقلاب الانفصالى الرجعى فى سبتمبر 1961 وكلاهما تم القبض عليه، ثم أودع سجن المزة، وجرى التحقيق معهما، واتسعت دائرة التحقيق حتى كشفت معظم خبايا ذلك الانقلاب.
وكان فى النية تقديمهما إلى المحاكمة.
لكن السياسيين الذين كانوا فى الحكم بعد الانقلاب، أفتوا بأن المحاكمة سوف تنسف أساس الحكم كله بعد الانفصال، وتجرده من شرعيته، ومن ثم فإن التحقيق أودع ملفاً، وأودع الملف بدوره فى أحد الأدراج فى مبنى الأركان العامة، وأظنه مازال هناك حتى الآن.
لكن بيدى نسخة من وثيقة الاتهام التى أعدها معاون النائب العام لدى محكمة أمن الدولة العليا السورية، ثم تقرر حفظها.
وأسمح لنفسى هنا أن أنشر هذه الوثيقة، لأنى أخشى أن تمتد إليها فى الظلام الآن يد تخفيها، أو تشعل فيها النار تخلصاً من الحقيقة المروعة التى تشهد بها.
تقول الوثيقة بالحرف:
“باسم الأمة”.
نحن معاون النائب العام لدى محكمة أمن الدولة العليا العسكرية.
بعد اطلاعنا على الادعاء الأوَّلى رقم 4 أمن دولة لعام 1962 المتضمن ملاحقة المدعى عليهم العميد المتقاعد فيصل سرى الحسينى والمقدم المتقاعد خالد جادا والرائد المتقاعد خالد عيسى والرقيب الأول المتقاعد عبدالوهاب يوسف والرقيب المتقاعد شريف إسلام والمدنى هشام الحسينى وخلوصى الكزبرى وزهير الحسينى ومحمد جمال طاهر ومحمود جركس وصبحى محرم وخالد محمد الحسينى ورمضان الحسن عبدالله وإسماعيل الترك ويعقوب حسين، ونشأت كولونيا، بجرم دس الدسائس والاتصال بدولة أجنبية بالنسبة إلى المدعى عليهم من (1- 8) والمؤامرة وإثارة العصيان المسلح بالنسبة من (1- 5) والاحتيال وكتم جناية تمس أمن الدولة بالنسبة لـ(16) المنصوص عنه والمعاقب عليه بأحكام البنود 264- عام بالنسبة لـ(1 و8) والمادتين (293- 295- ع) عام بالنسبة لـ(16).
كافة التحقيقات والإجراءات لهذه الدعوى تبين ما يلى فى الوقائع التالية:
1- يتردد المدعى عليه شريف إسلام منذ زمن بعيد على عمان لزيارة ابنته المتزوجة هناك وبعض أقربائه وأفراد عشيرته ومنهم وصفى ميرزا الذى ينزل بضيافته فى بعض الأحيان بحكم معرفة قديمة، وفى أواخر عام 1959 كان المدعى شريف فى زيارة صديقه وصفى ميرزا الذى كان آنذاك وزيراً للدفاع والداخلية فى الحكومة الأردنية وسأله الوزير:
– إلى متى ستبقى سوريا تحت حكم المصريين؟
فأجابه شريف:
– إن لم يعد هناك من يستطيع أن يقوم بأى حركة.
عندها قال له الوزير:
إن سوريا لا تخلو عادة من الرجال، ونحن مستعدون للمساعدة بكل شىء حتى إذا فشل الانقلاب فنحن مستعدون لأن نؤمن كل الضباط القائمين بالانقلاب وعائلاتهم.
وعندما تحمس المدعى عليه شريف لطلب الوزير وعاد إلى دمشق فوجد أول الغيث بالمقدم المسرح خالد جادا وهو ضابط مسرح من الجيش لم يدع حركة انقلابية إلا وساهم أو اشترك بها وعين قبيل الوحدة مدير للدفاع المدنى فى حلب حيث سرح عام 1959 من وظيفته، فعاد إلى دمشق بحثاً عن عمل أو مغامرة بعد أن سدت سبل العيش فى وجهه ونقم على الأوضاع.
وشاءت الصدف أن يلتقى خالد جادا بشريف إسلام فعرف أنه وقع على ضالته ففاتحه بالحديث الذى جرى بينه وبين الوزير الأردنى “وصفى ميرزا” فلقى هذا الحديث هوى كبيراً فى نفس خالد وتحمس للفكرة وتمسك بها وأعرب لشريف عن استعداده التام للعمل من أجل هذه القضية.
2- أسرع خالد جادا إلى صديقه زهير الحسينى التاجر والذى كان يشكو له باستمرار سوء أحوال التجار ووجد فيه السبيل الوحيد للوصول إلى ضباط الجيش، عن طريق شقيقه العميد فيصل الحسينى وشريكه فى رأسمال المتجر الدكتور خلوصى الكزبرى وهو شقيق المقدم حيدر الكزبرى، وعرض خالد عليهما الفكرة بادئاً بزهير ثم خلوصى فوجد عندهما الاستجابة القوية والصدى الحسن وأصبح حديث الانقلاب شغلهما الشاغل، فكانوا يتحدثون عنه كل يوم، ويستعرضون القوى والإمكانيات اللازمة لنجاح هذا الانقلاب والأشخاص الذين يمكن أن يتعاونوا معهم، وطلب زهير من خلوصى أن يفاتح شقيقه المقدم حيدر الكزبرى بموضوع الانقلاب فنفذ خلوصى مهمته بأمانة وفاتح حيدر الذى طلب إمهاله لدراسة الموضوع والوقوف على الأشخاص المشتركين، وفعلاً فقد اتفق معه حيدر على الاشتراك بعد أن ذكر له خلوصى أن الحركة فيها عدد من أفراد وضباط الجيش.
وصل زهير إلى مفاتحة شقيقه العميد فيصل الحسينى وذلك بواسطة شقيقه هشام وقد وافق العميد فيصل الحسينى على الاشتراك، وأصبح مرجعاً ومرشداً لهم فى كثير من الاتصالات، كما قام خالد جادا بدوره بمفاتحة كل من المتقاعدين خالد عيسى ونشأت كولونيا واتفق معهم على الاشتراك فى الانقلاب وذلك بأن يقوم عيسى بإعداد 35 شخصاً من العسكريين والمسرحين ليعملوا كفدائيين عند قيام الحركة، وزعم المدعى عليه نشأت أنه على استعداد لتقديم وإشراك عدد من الألبانيين الموجودين فى حرس المشير وفى قطعات قطنا.
3- بعد أن اطمأن خالد جادا على حسن سير الاتصالات طلب من شريف إسلام السفر إلى الأردن وتبليغ الوزير الأردنى استعداده للتعاون مع الأردن لقلب الأوضاع فى سوريا وفعلاً سافر شريف وقابل الوزير وشرح له الموقف، فاشترط عليه الوزير الأردنى أن يقابل أحد الضباط المشتركين بالانقلاب أو أنه يرسل شخصاً إلى دمشق حيث ينزل فى أحد فنادقها، هناك يصار إلى تدبير اجتماعه بأحد الضباط حتى يأمن الوزير ويتأكد من صحة وحقيقة الموضوع، ولما كان شريف يعلم صعوبة قبول أى ضابط من الضباط الاجتماع بالرسول الأردنى، اعتذر عن إمكانية تحقيق مثل هذا الاجتماع وقال: إن الضباط أوكلوا أمر هذه الاجتماعات والمقابلات إلى المقدم المسرح خالد جادا وقد حضر هذه المقابلة بين شريف إسلام وبين الوزير الأردنى المرافق العسكرى للملك حسين.
4- بعد عدة مرات من تردد شريف إسلام على الأردن طلب “وصفى ميرزا” منه أن يبلغ خالد جادا ضرورة الاجتماع به، وبعد أن اختلفا على المكان اتفقا أخيراً على أن يكون الاجتماع فى لبنان ليصل إلى تسليم المبلغ المطلوب.
وخلال هذه الفترة كان خالد ورفاقه يقومون بالاتصال بأكبر عدد من الأشخاص لضمان نجاح المؤامرة، عاد شريف وعرض رغبة الوزير الأردنى على خالد جادا وخلوصى الكزبرى وخالد عيسى وزهير الحسينى فاقترح زهير أن يسافر خالد إلى بيروت، وطلبوا بنفس الوقت أن يصار إلى تحويل المبلغ عن طريق إحدى وكالات الأدوية فى روما على أن يسافر خالد إلى بيروت، وطلبوا بنفس الوقت أن يقوم خالد عيسى بالتردد على برهان أدهم – رئيس المباحث فى وزارة الداخلية السورية – باعتباره صديقه وذلك خلال وجود خالد فى بيروت حتى إذا استشم انكشاف الأمر يصار إلى إخبار خالد هاتفياً حتى لا يعود إلى دمشق.
وسافر خالد إلى بيروت واتصل حسب الاتفاق بالمدعو جوزيف شدياق والذى أعلم الوزير وصفى ميرزا فى عمان بوصول خالد، وبعد ثلاثة أيام حضر الوزير الأردنى وبرفقته العقيد فتحى ياسين مرافق الملك حسين واجتمعا بخالد فى فندق (كارلتون) واطلعا على سائر تفصيلات الخطة المزمع القيام بها، وأعلمهم خالد بأنه تم الاتصال بعدد من ضباط الجيش منهم العميد فيصل الحسينى والمقدم حيدر الكزبرى وعدد من المدنيين ومنهم زهير الحسينى وخلوصى الكزبرى وخالد عيسى وغيرهم، وطلب خالد مبلغاً من المال بحجة إعداد الفدائيين ولتوزيع المال على الضباط بمعدل خمسة آلاف ليرة للضباط وألفى ليرة للفدائى ثم تم الاتفاق على أن تدفع الأردن ثلاثمائة ألف ليرة سورية مساهمة منها فى قيام الحركة.
5- طلب الوزير من خالد جادا أن يتريث فى بيروت يومين حتى يعود الوزير إلى عمان لإحضار المبلغ، ولكن خالد اعتذر عن البقاء، ويظهر أن الوزير لا يثق تماماً بخالد ويريد أن ينقل المبلغ شخص أمين موثوق، فاتفقا على حضور خلوصى الكزبرى إلى بيروت لاستلام المبلغ، على أن يكون ذلك يوم الخميس، وبعد حضوره يتصل بالوسيط (جوزيف شدياق) الذى يخبر عمان بحضوره وجرى الاتفاق على أن تكون كلمة السر المقررة باستلام المبلغ (فريد) وأن يكون المبلغ على دفعتين.
وعاد خالد إلى دمشق وأطلع المشتركين على اتفاقه مع الوزير الأردنى، وقام خلوصى الكزبرى بتهيئة أجازة إلى لبنان وسافر المدعو زهير الحسينى أيضاً وكل منهما مع عائلته إبعاداً للشبهة، وبعد أن وصلا إلى بيروت وأمضيا يومين فيها، عاد خلوصى الكزبرى إلى بحمدون ثم إلى دمشق، بينما انتظر زهير الحسينى حتى حضر المال وقبض الدفعة الأولى وعاد بعدها إلى دمشق ثم عاد ثانية إلى بيروت وقبض الدفعة الثانية، وهنا تختلف أقوال زهير عن خالد من حيث القيمة التى وصلت خالد، إذ يقول إنه قبض من زهير الدفعة الأولى (60) ألف ليرة سورية و(90) ألف ليرة سورية فى الدفعة الثانيـة، بينما يذكر زهير أنه دفع لخالد فى المرتين (250) ألف ليرة سورية واحتفظ لنفسه بمبلغ “50” ألف ليرة سورية، والثالثة أن مجموع المبلغ كان 300 ألف ليرة سورية، وأنه جرى تحويل الدفعة الثانية من المبلغ عن طريق البنوك اللبنانية وبواسطة شيكين باسم خلوصى الكزبرى وزهير الحسينى وبعد أن تم استلام قيمتها فى دمشق تم دفعها إلى خالد جادا.
وقد جرى توزيع المال على الشكل التالى:
50 ألف ليرة سورية زهير الحسينى.
40 ألف ليرة سورية شريف إسلام.
40 ألف ليرة سورية خالد عيسى.
25 ألف ليرة سورية عبدالوهاب عيسى.
25 ألف ليرة سورية نشأت كولونيا.
5 آلاف ليرة سورية العميد فيصل الحسينى.
5 آلاف ليرة سورية خلوصى الكزبرى.
وأكد خالد جادا بأنه بقى مع زهير الحسينى مبلغ (100) ألف ليرة سورية ليصار توزيعها على الضباط المشتركين بمعدل (5) آلاف ليرة سورية لكل ضابط، وعليه فقد قام هشام الحسينى بإعطاء شقيقه العميد فيصل الحسينى (5) آلاف ليرة سورية على دفعة، كما طلب من خلوصى الكزبرى إعطاء شقيقه (5) آلاف ليرة سورية فرفض ذلك، واحتفظ بالمبلغ المذكور كأمانة على حد قوله وباعتبار أن إصرار المتآمرين على دفع المبلغ إلى حيدر الكزبرى لضمان اشتراكه بصورة جدية فى الجريمة.
7- خلال الفترة التى كانت المفاوضات تجرى لإحضار المبلغ كانت الاجتماعات تعقد والاتصالات تجرى على قدم وساق لإعداد القوات اللازمة لقيام الانقلاب، وقد وزعت الاتصالات بحيث يقوم العسكريون بالاتصال بالضباط. كما يقوم خالد جادا وعبدالوهاب يوسف وشريف إسلام بإعداد الفدائيين وجعلهم من العسكريين المتقاعدين المسرحين، وفعلاً فقد استطاع كل من عبدالوهاب وشريف الاتصال بعدد من الأشخاص والاتفاق معهم على دعوتهم حين ما تدنو ساعة الصفر، ووزعت عليهم المبالغ متفاوتة، كما كانت الاتصالات تتوالى فى مكتب زهير الحسينى وكان يحضر بها خلوصى الكزبرى وزهير الحسينى، وكانوا يتداولون فى المراحل التى وصلت إليها المؤامرة، ويقوم زهير بنقل هذه الأخبار إلى شقيقه العميد فيصل الحسينى ويطلعه على مجريات الأمور بصورة دائمة ويعود بتوجيهاته للمشتركين، كما كان العميد فيصل الحسينى يتردد فى بعض الأحيان إلى متجر شقيقه فيجتمع بخلوصى وخالد، ويستعرض معهما الوضع العام فى الحركة ويبدى ملاحظاته حولها.
كما عقدت اجتماعات لهذه الغاية. الأول فى مزرعة خلوصى الكزبرى حضره كل من المقدم حيدر الكزبرى وشقيقه خلوصى وزهير الحسينى وخالد جادا وجرى فيه استعراض الوسائل اللازمة لنجاح الحركة، واطمأن فيه خالد جادا لوجود حيدر الكزبرى لأنه ينوى الاشتراك بصورة جدية.
وعقد الاجتماع الثانى فى دار زهير الحسينى حضره العميد فيصل الحسينى والمقدم حيدر الكزبرى وزهير الحسينى وخالد جادا وخلوصى الكزبرى وتداول الجميع فى مراحل الحركة وإمكانيات كل منهم.
واستفسر فى هذا الاجتماع المقدم حيدر الكزبرى عما إذا كان ضباط الطيران قد فوتحوا فى الموضوع وكلف خلوصى الكزبرى بالاتصال ببعضهم وفعلاً فقد اتصل خلوصى بالعقيد لؤى الشطى فى محل عادل الرفاعى من أجل هذه الغاية.
8- وفى أحد الاجتماعات درسوا إمكانيات الحركة وقوتها وعندما وجدوا أن الإمكانيات ضعيفة استعرضوا على الخريطة إمكانية دخول لواء مدرع من الأردن إلى قرية الضمير خلال ثمانى ساعات حيث يصير بعدها التوجه إلى دمشق، وطلب خالد إلى زهير استمزاج رأى العميد فيصل الحسينى بالموضوع، وفعلاً فقد ذهب زهير إلى حد قول خالد إلى بيروت وقابل العقيد فتحى ياسين يطلب المساعدة العسكرية، ثم عاد وزعم أن العقيد رفض هذه المعونة بعد استشارة عمان بأن ذلك يشكل مضاعفات دولية، كما زعم أن العميد فيصل الحسينى رفض هذه الفكرة أيضاً.
9- سعى المدعى عليه خالد جادا إلى حمص واتصل بصديقه القديم المتقاعد سليم الأصيل وفاتحه بالموضوع، وأن هناك حركة انقلابية يقوم بها الجيش والمدنيون لإعادة سورية إلى وضعها الدولى السابق ولدراسة إمكانية بدء الحركة من حمص ووعده فى حال نجاح الحركة إعادته إلى الجيش مع استدراك القدم وترفيعه إلى عميد فخرى وإناطة قيادة المنطقة الشمالية، ويستلم قيادة المنطقة الوسطى العقيد فيصل وسافر سليم إلى دمشق، واجتمع بخالد بمكتب زهير الحسينى وأطلعه على استبعاد قيام الحركة من حمص لعدم وجود قوات كافية ولعدم وجود دار للإذاعة.
كما اتصل المدعى عليه خالد جادا بالعقيد المتقاعد هشام العظم عن طريق الأستاذ خالد ظاظا وأطلعه على الانقلاب وطلب منه مؤازرة الانقلاب بعد أن زعم أن الحركة وطنية بحتة وأن من الضباط المشتركين العميد عبدالغنى دهمان وعبدالكريم النحلاوى. أما المدعى عليه عبدالوهاب يوسف وشريف إسلام فقد قاما بالاتصال بالمدعى عليهم رمضان حسن وخالد حسين ويعقوب حسين وصبحى محرم وجمال طاهر ودفعا لهم مبالغ متفاوتة لقاء اشتراكهم بالانقلاب.
10- كلما كانت الأيام تمر كانت الاتصالات تزداد والاجتماعات تتوالى، وعليه تم الاتفاق على خطة العمل، وذلك بأن يقوم المقدم حيدر الكزبرى بإنزال مصفحاته وقواته من حرس الحدود من قرية الضمير إلى دمشق، وعليه أن يعلن قبل ساعة الصفر بـ48 ساعة خالد جادا بموعد تحركه والذى يقوم بدوره بالاتفاق مع بقية المشتركين لتجميع الفدائيين فى القنيطرة والذين تم توزيع المال عليهم، ثم يصار إلى تسفيرهم إلى الضمير للانضمام إلى قوات حيدر، وبعد الوصول إلى دمشق يصار إلى احتلال النقاط والمراكز الحيوية فى المدينة بينما تقوم قوات الفدائيين بحركة الاعتقالات، وبنفس الوقت يكون المدعى عليه هشام الحسينى قد قام بقطع الاتصالات الهاتفية مع الخارج وتهيئة الوسائل اللازمة لوضع المخابرات السلكية واللاسلكية فى خدمة الحركة وذلك باعتباره مهندساً وموظفاً فى الهاتف الآلى، بينما يكون العميد فيصل قد وصل إلى قطنا وسيطر على الموقف فيها، وجرى الاتفاق أيضاً فى حال نجاح المؤامرة تأليف وزارة برئاسة أسعد الحورانى ويكون من أعضائها خلوصى الكزبرى وزيراً للزراعة وتسند إدارة الهاتف الآلى لهشام الحسينى، ويعاد الضباط المسرحون إلى الجيش مع حسب مدة ترفيعهم ويستلم خالد جادا الأمن العام، وتسند إلى خالد عيسى قوات الحدود، أما فى حال فشل المؤامرة فيصار إلى الفرار كلٌّ بمفرده إلى الأردن التى ضمنت مصيرهم ومصير عائلاتهم.
ثم تنتهى هذه الوثيقة، لكن القصة كلها لا تزال معلقة.
لقد طويت فى الملفات، وألقيت الملفات فى الأدراج، وجرت محاولة صمت متعمدة، حتى لا ينهار الأساس “الشرعى كله” – إذا جاز استعمال هذا الوصف – لما جرى فى سوريا بعد 28 سبتمبر 1961.
ولكن نشر الوثيقة والتحقيق الذى سبقها – ولو حتى من غير محاكمات – سوف يلقى أضواء كثيرة على زوايا غامضة فى دمشق.
ومن يدرى ما الذى يمكن أن يكشفه التحقيق فى هذا الاتجاه إذا وصل إلى مداه. إن إنفاقات كثيرة من هذا النوع سوف تظهر، وملايين ليرات من غير حصر سوف توجد فى جيوب واسعة دفعها الملك سعود أو دفعها الملك حسين أو دفعتها الشركة الخماسية أو غيرهم وغيرهم.
لكن نشر التحقيق الذى صدرت له هذه الوثيقة يكفى.
خطوة ثالثة، وواسعة نحو الحقيقة.
رابعاً:
ثم تبقى أخيرا خطوة رابعة.
تحقيق آخر لم يقم به أحد، وينبغى الآن أن يجرى فى شأنه تصرف.
ذلك هو التحقيق الذى طلبه الرئيس جمال عبدالناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة فى بيانه إلى الأمة العربية كلها يوم 5 أكتوبر 1961.
إن جمال عبدالناصر فى ذلك البيان وفى مواجهة حملات ظالمة طائشة شنها الانقلاب الانفصالى ضد القاهرة – قال بالحرف الواحد:
ولسوف نطلب إلى الجامعة العربية أن تشكل على الفور لجنة تحقق فيما يلى:
1- أن تتحقق من أن كل احتياطى الذهب وغطاء العملة السورية كما كان قبل الوحدة موجود بكامله فى البنك المركزى فى دمشق. وتتأكد أيضاً من أن الخزينة السورية تلقت نقدا من الخزينة المصرية غداة إتمام الوحدة 13.5 مليون ليرة سورية لمواجهة عجز الميزانية السورية فى السنة السابقة للوحدة.
وتتأكد كذلك من أن الإقليم المصرى كان يقدم كل سنة ما قيمته 3 ملايين جنيه للإقليم السورى تمكيناً له من مواجهة أعباء البناء.
كذلك قدم الإقليم المصرى خلال فترة الوحدة تحويلات نقدية قيمتها 9 ملايين جنيه إسترلينى لكى يتمكن الإقليم السورى من مواجهة مطالب الاستيراد.
ولقد كنت أعتبر أن للشعب السورى حقاً فى حصيلة دخل قناة السويس باعتباره شريكاً فى معركة تأميمها وانتزاعها من المستعمر.
كذلك أريد لهذه اللجنة أن تتأكد أن إتمام الوحدة جعل الإقليم السورى يتمكن من تخفيض أعبائه العسكرية للدفاع بأربعين مليون ليرة سورية كل سنة بسبب تغيير الموقف الإستراتيجى الناشئ من الوحدة.
وبالتالى كان هذا المبلغ يوجّه إلى نواحى الإنتاج والخدمات بينما كانت القدرة الدفاعية للقوات المسلحة السورية أكثر كفاية وفاعلية.
2- أن تتحقق اللجنة من أنه برغم جميع الدعايات التى روجت لها القوى الاستعمارية والعناصر الرجعية المتعاونة معها، فإن عدد المعتقلين فى سوريا كلها لم يكن يتجاوز 95 شخصاً، بل أنى أريد لهذه اللجنة المشكلة من الجامعة العربية أن تتأكد من أنى أمرت بحفظ عديد من قضايا التآمر على الوطن السورى وذلك لكى أبقى لهذا الوطن وحدته.
ولسوف يتضح جلياً أن بعض الذين يقودون التيار الانفصالى الرجعى كان يجب أن يكونوا اليوم فى قفص الاتهام.
3- أن تتحقق هذه اللجنة من أن قوة المظلات التى هبطت فى اللاذقية مساء يوم الخميس 28 سبتمبر كانت تحمل تعليمات بعدم إطلاق النار. ولم يكن معها ملايين الليرات المزيفة – كما ادعت عناصر الانفصال – وإنما كل الذى يحمله أفرادها هو بضعة آلاف من الليرات وأنها لم تكن ليرات مزيفة طبعت فى القاهرة – كما ادعوا – وإنما كانت ليرات سورية صحيحة.
4- أن تتحقق هذه اللجنة من طبيعة الأعمال التى كان يقوم بها أبناء الإقليم المصرى فى سوريا وأن تتحقق من أننا أردنا أن نزيد عدد المدرسين والمهندسين والأطباء فى سوريا بالدرجة الأولى وذلك لكى نسارع فى دفع عملية التطوير، وإن أحداً لم يذهب ليستغل ولم يذهب ليفتح تجارة ولم يذهب ليجنى ربحاً، وإنما ذهبوا جميعاً ليخدموا بقدر ما يملكون من جهد للخدمة وفوق ذلك كان الإقليم المصرى هو الذى يتحمل مرتباتهم.
لكن الجامعة العربية لم تستطع أن تقوم بهذا التحقيق بل ليس فى قدرتها الآن أن تقوم به. ولكن أوانه قد جاء ولابد بعدها من نشر نتائجه كاملة.
إن تلك خطوة رابعة نحو الحقيقة.
نحو كل الحقيقة.
حتى يتبدد فى سوريا كل ظلام وضباب.
حتى لا تبقى تساؤلات مكبوتة، ولا إشارات ورموز غامضة، ولا اتهامات معلقة، ولا سماء مفتوحة للسحب المفعمة بنذر العواصف العاتية.
حتى يعرف الشعب السورى كل شىء، لأنه عندما يعرف يملك حرية مصيره. فساعتها، وساعتها فقط، سوف يصبح هذا الشعب قادراً على الرؤية الواضحة. وبالتالى قادراً على اختيار طريقـه، والمضى فيه بخطى ثابتة مستقرة.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=357