” بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : 3 رسائل “

رسائل
أكتب هذا الحديث من القاهرة بينما المؤتمر العربى على مستوى القمة مازال يواصل جلساته فى الجزائر.
لم تختتم أعماله بعد، ولم تظهر نتائجه.
وحتى إذا استكمل المؤتمر جلساته قبل ظهور هذا الحديث واختتم أعماله، فأغلب الظن أن ما سوف نقرأه بسرعة هو البيان الرسمى النهائى الصادر عنه، والبيانات الرسمية النهائية لمؤتمرات القمة – أو أية مؤتمرات غيرها – ليست دائماً صورة كاملة للنتائج الحقيقية لمثل هذه المؤتمرات.
إن البيان الرسمى النهائى لأى مؤتمرات هو – إذا جاز التشبيه – مجرد “كيس” يوضع فيه ما أمكن التوصل إليه من أشياء، وقد يدل شكل الكيس الخارجى على كثير من محتوياته، وقد لا يدل إلا على القليل. لكن الكيس لا يظل مقفلاً على ما فيه من أشياء إلى الأبد، فما هى إلا أيام – فى العادة – حتى تكون المحافل السياسية والصحفية قد مدت أصابع البحث والتنقيب – وربما الفضول – وتحسست ما فيه، وقاست حجمه ونوعه وقيمته، واستخلصت من ذلك آراءها فيه وأحكامها عليه وتقديراتها بعده!
وإذا جاز لى أن أتسرع، ولو حتى بالتمنى قبل أن تظهر النتائج الكاملة لمؤتمر الجزائر فلربما أقول:
– إلى جانب مهام بدهية لابد أن هذا المؤتمر تحمل أمانتها: مثل رسم إستراتيجية شاملة للمواجهة مع العدو الإسرائيلى، ومثل وضع حدود لما يمكن التقدم إليه أو ما يجب التوقف دونه – فلعل هذا المؤتمر العربى الكبير قد تذكر، فى زحمة ما كان أمامه من مهام، أن يوجه ثلاث رسائل أجدها ضرورية وحيوية نحو ثلاثة اتجاهات:
– رسالة فى اتجاه الاتحاد السوفيتى.
– ورسالة فى اتجاه أوروبا الغربية.
– ورسالة فى اتجاه دول وشعوب أفريقيا.
ولست أقصد هنا المعنى الحرفى للرسائل – خطاب داخل ظرف وعليه عنوان وفوقه طابع بريد – وإنما ما أقصده بالرسائل أن تكون سياسات معلنة، مطروحة للممارسة الفعلية، بحيث تكون قادرة عملياً على أن تقول – وبالأفعال – ما تريد أن تقوله.
وأشرح وجهة نظرى فى هذه الرسائل الثلاث واحدة بعد واحدة.
– أولاً: رسالة إلى الاتحاد السوفيتى:
وقد أقول – وبأمانة – إننى أشعر أن الاتحاد السوفيتى لم يحصل على ما يستحقه من قيمة الرصيد الهائل الذى حققناه يوم 6 أكتوبر، وقد أقول أيضاً إن لدى ما يدعونى إلى الظن بأن الاتحاد السوفيتى نفسه يشعر بنفس هذا الشعور!
لقد حققنا ما حققناه فى 6 أكتوبر معتمدين على عناصر متعددة بينها على وجه اليقين تأييد الاتحاد السوفيتى لنا بالدعم العسكرى وبالمساندة السياسية.
وفى الواقع فإن أزمة الشرق الأوسط كلها، تحركت مما كانت فيه، إلى ما أصبحت عليه بفعل عنصرين اثنين فتحا الطريق بعد ذلك لغيرهما من العناصر:
– الإنسان العربى العادى الذى كان معجزة حرب أكتوبر وآيتها الكبرى.
– ثم السلاح الذى أمسك به هذا الإنسان العربى وقاتل به وحقق به ما حقق.
إن هذين العنصرين فتحا الباب لبقية العناصر التى لم يكن ممكناً لها دخول ساحة التأثير على الأزمة إلا بعد فتح الباب.
أى أن “الإنسان” و”السلاح” فتحا الباب لما جاء بعدهما: البترول – الثقة المتجددة بالنفس – التعاطف العالمى الطبيعى مع الذين يقبلون تحدى الموت لصالح الحياة. إلى آخره.
وإذا وضعنا السلاح على هذه الدرجة من الأهمية، وهو فعلاً على هذه الدرجة من الأهمية – إذن فنحن نتحدث عن الاتحاد السوفيتى، ذلك لأن أكثر من خمسة وتسعين فى المائة مما حاربنا به فى أكتوبر كان سلاحاً سوفيتياً.
وإذا تذكرنا أن المعارك قد تعود إلى الاندلاع فى أى لحظة.
وإذا تذكرنا أن لا وقت لدينا لإعادة التدريب على أسلحة ومدارس فى التسليح غير الأسلحة والمدارس السوفيتية.
وإذا تذكرنا أنه ليست هناك مصادر متاحة – بالحجم الكافى للحرب الحديثة – خلاف المصادر السوفيتية.
إذا تذكرنا ذلك كله – فإننا نعرف أن السلاح الذى حاربنا به فى أكتوبر هو السلاح الذى سوف نحارب به فى ديسمبر أو يناير أو فبراير أو فى أى شهر من الشهور القادمة حين تواجهنا العقبات فى مؤتمر السلام المقترح، وسوف تواجهنا مئات بل آلاف العقبات فيه. وترتيباً على ذلك فإننا نعرف أن علاقتنا مع الاتحاد السوفيتى – إلى جانب نواحى أخرى مهمة فيها – علاقة حيوية للسلام العربى لا بديل لها ولا تعويض عنها.
ولقد بدا – فوق السطح على الأقل – خلال الأسابيع الأخيرة أننا فرغنا من القتال بالسلاح السوفيتى، ثم وجهنا اهتمامنا كله إلى الحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وبدا – للنظرة الأولى على الأقل – أن هناك فى العالم العربى رأيين فى التفكير إزاء الاتحاد السوفيتى:
– رأى يعبر عن حساسية لا مبرر لها إزاء الاتحاد السوفيتى، وذلك من تأثير خلافات عقائدية أو سياسية، حقيقية أو مدعاة.
– ثم رأى يعتبر أن العلاقة مع الاتحاد السوفيتى قضية مفروغ منها، مع أنه فى العلاقات الدولية لا توجد هناك قضية مفروغ منها، بل إنه حتى فى العلاقات الإنسانية الفردية – وحتى الصداقة والحب – لا يوجد ما يجب أن يؤخذ كقضية مفروغ منها!
ولعلى أقول إنه ربما كانت لى – أو لغيرى – ملاحظات حول العلاقات العربية السوفيتية ولكن هذه الملاحظات لا تتصل بإستراتيجية العلاقات مع الاتحاد السوفيتى فى حد ذاتها، ولكنها تتصل بممارسة هذه الإستراتيجية من ناحيتنا فى بعض الأحيان.
ولقد ألخص بعض هذه الملاحظات فيما يلى:
1- إن الاتحاد السوفيتى هو إحدى القوتين الأعظم فى زماننا وكل واحدة من القوى الأعظم لها مطالبها وموازينها – وليس هذا عيباً بل هو طبيعة الأشياء.
2- إن الاتحاد السوفيتى له مصالح فى المنطقة العربية يريد حمايتها وقد تتفق أو لا تتفق هذه المصالح مع رؤية المنطقة ذاتها لمصالحها الذاتية.
3- إن الاتحاد السوفيتى كان فى مقدوره – كما نتصور – أن يعطى أكثر مما أعطى خصوصاً فى مجال السلاح، لكنه من وجهة نظره لم يكن يريد أن يغامر أمام القوة الأعظم الثانية – وإن كان على أى حال قد أعطانا ما استطعنا به تحقيق معجزة الإنسان العربى فى أكتوبر.
4- إنه مهما كانت أهمية علاقاتنا مع الاتحاد السوفيتى فليس هناك ما يدعونا إلى قصر علاقاتنا الدولية عليه وحده، ثم إنه ليس هناك ما يدعونا إلى جعل أرضنا منطقة استقطاب بينه وبين القوة الأعظم الثانية، خصوصاً وأن الاستقطاب يتراجع من العالم كله مع تراجع عصر الحرب الباردة وبداية عصر الوفاق بين القوتين الأعظم.
وبرغم هذه الملاحظات فلقد يصح لنا أن نتذكر أن الأمنية الإستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة فى الشرق الأوسط – وحتى بعد انتهاء عصر الحرب الباردة وبداية عصر الوفاق – ما زالت: إخراج الاتحاد السوفيتى من المنطقة العربية.
ولقد عبر الدكتور هنرى كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية عن هذه الأمنية الكبرى أكثر من مرة، ولم يستعمل كلمة “إخراج” وإنما تجاوز ذلك إلى استعمال كلمة “طرد” الاتحاد السوفيتى من الشرق الأوسط.
وربما كان التغيير الذى أحدثه الوفاق فى الإستراتيجية الأمريكية هو ما يلى:
– فى مرحلة سبقت كانت إستراتيجية الولايات المتحدة هى: إبعاد الاتحاد السوفيتى عن المنطقة.
– وفى هذه المرحلة فإن إستراتيجية الولايات المتحدة هى: إبعاد المنطقة عن الاتحاد السوفيتى!
ولنا هنا أن نتساءل:
– هل كان العمل على إبعاد الاتحاد السوفيتى عن المنطقة فيما مضى، أو هل أن الإغراء بإبعاد المنطقة عن الاتحاد السوفيتى مما هو موضوع للتجربة الآن، فى صالح نضالنا أو أنه ضد كل صالح لهذا النضال؟
ثم نتذكر ما يلى:
1- أن التأييد السياسى والعسكرى السوفيتى للنضال العربى هو، وحتى الآن وكما قلنا ليس له بديل، وليس له تعويض.
2- أن الاتحاد السوفيتى كإحدى القوتين الأعظم – عقيدة اجتماعية وقدرة اقتصادية وعسكرية فادحة – لم يعد ممكناً إخراجه من المنطقة مهما فعلت الولايات المتحدة أو حتى مهما فعلنا نحن – فيما لو قبلنا بالانسياق مع المنطق الأمريكى – والنتيجة الوحيدة التى يمكن أن تسفر عنها محاولة إخراجه لن تكون غير مزيد من القلاقل فى الشرق الأوسط لأنها سوف تكون عودة به إلى الحرب الباردة والحرب الساخنة أيضاً!
3- إذا فرض وتحقق للولايات المتحدة ما تريده، بنفسها أو بنا وخرج الاتحاد السوفيتى من المنطقة. فما هو معنى ذلك ؟
معناه أن المنطقة سوف تفقد التوازن الذى يصون استقلالها، وسوف تقع – راضية أو كارهة – تحت النفوذ الأمريكى.
4- وإذا حدث ذلك – مع أنه من الصعب لأسباب كثيرة أن يحدث – فإن معنى سيادة النفوذ الأمريكى فى المنطقة هو: إسرائيل سيدة فى المنطقة!
من ذلك كله، فلعل هناك فى الكيس الذى يضم نتائج مؤتمر القمة فى الجزائر – رسالة إلى الاتحاد السوفيتى:
رسالة تؤكد له تمسكنا بصداقته، واهتمامنا بدوره، وتقديرنا لتأييده السياسى والعسكرى، كل ذلك لأسباب عقلانية، لا هى إنشائية ولا هى شعرية، ولا هى خطابية.
صداقة عقل لعقل وهو النوع الوحيد من الصداقات الذى تعرفه العلاقات الدولية!
ثانياً: رسالة إلى أوروبا الغربية.
إن أوروبا الغربية قضية بالغة الأهمية بالنسبة لنا لمجموعة أسباب حضارية، ومجموعة أسباب تتصل بأمن البحر الأبيض المتوسط، ومجموعة أسباب تتصل بمستقبل رخائنا المشترك من حول هذا البحر الأبيض.
وليس هناك فى أوروبا الغربية من عاد ينكر هذه الروابط الوثيقة بين الشرق الأوسط وأوروبا الغربية وإن ظلت هناك بعض عقد من الماضى بينها:
1- أن أوروبا الغربية – أو المجتمعات الغربية بصفة عامة – قبلت منطق المساواة مع المعسكر الاشتراكى فى الشرق بعد عناء طويل، وربما لم يقبل الغرب منطق المساواة مع المعسكر الشرقى إلا بعد أن كان الشرق قد كسب فى سباق الذرة وفى سباق الفضاء.
ولكن العالم الغربى لم يقبل بعد منطق المساواة مع العالم الثالث الذى ننتمى إليه.
2- أن أوروبا الغربية من هذا المنطق كانت، فى أحسن الأحوال، على استعداد لأن تبيع للعالم الثالث والشرق الأوسط فى قلبه كلاماً فى مقابل أن تأخذ منه ميزات إستراتيجية واقتصادية أهمها الآن وبغير منازع: موارد البترول!
لكن الشرق الأوسط تنبه. وحين جاء يوم 6 أكتوبر وأثبت الإنسان العربى نفسه وكرم سلاحه وفتح الباب أمام عناصر جديدة تدخل ساحة التأثير على أزمة الشرق الأوسط – ومنها سلاح البترول – فإن أوروبا الغربية استفاقت من نوم عميق أو وهم عريض وراحت تهرول إلى وسيلة تخفف عنها ضغط سلاح البترول العربى.
ولم تكن أوروبا الغربية تتصور أن هذا السيف سوف يخرج من جرابه أبداً، وحين خرج فإنها بدت مأخوذة بالمفاجأة معنوياً وبآثار المفاجأة عملياً.
وأتذكر مناقشات طويلة أجريتها فى عدد من عواصم أوروبا الغربية: مناقشات مع أدوارد هيث رئيس الوزراء وإليك دوجلاس هيوم وزير الخارجية فى لندن – ومع ويلى برانت المستشار ووالتر شيل وزير الخارجية فى بون – ومع جيسكار ديستان وزير الاقتصاد وميشيل جوبير وزير الخارجية فى باريس.
كانوا جميعاً وبغير استثناء لا يتصورون أن البترول سيؤدى دوره فى أى مواجهة عربية إسرائيلية قادمة، وأكاد أقول إنهم – وبغير استثناء – لم يكونوا يتصورون أن هذه المواجهة سوف تحدث بالسلاح وقريباً.
وحين كنت ألح عليهم فى أن يأخذوا الاحتمال كفرضية للمناقشة فقد كان قولهم جميعاً وبلا استثناء، وبالحرف الواحد تقريباً:
– وماذا تريدون منا فى هذه الحالة؟
“تريدون أن تضغطوا علينا. لكى نضغط نحن على الولايات المتحدة. لكى تضغط الولايات المتحدة على إسرائيل. لكى تنسحب إسرائيل من أراضيكم المحتلة؟!”.
ثم كانوا يضيفون:
“نحن – ابتداء – لا نملك وسيلة للضغط على الولايات المتحدة. كل ما نستطيعه هو أن نقول لها رأينا وقد قلناه وليس فى طاقتنا ما هو أكثر”.
وفى يوم 6 أكتوبر – وقيمة الإنسان وقوة السلاح فيه – استيقظت أوروبا الغربية وإذا سيف البترول خارج من جرابه فعلاً.
وكانت هذه من ساعات الحقيقة فى أوروبا الغربية.
كانت العلاقات بين أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية متوترة فعلاً لأسباب لا علاقة لها بأزمة الشرق الأوسط:
– من هذه الأسباب مثلاً سياسة الوفاق مع الاتحاد السوفيتى، وكان الرأى الغالب فى أوروبا الغربية – باريس بالذات – أن الوفاق على النحو الذى تم به سوف يترك أوروبا الغربية مكشوفة أمام قوة سوفيتية هائلة.
– من هذه الأسباب مثلاً خلل فى النظام النقدى العالمى سببته السياسة الأمريكية وعانى منه الاقتصاد الأوروبى.
– من هذه الأسباب مثلاً مقترحات لأمن أوروبا تصورها الدكتور هنرى كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة الذى أعلن أن عام 1973 سوف يكون عام أوروبا ونسى قبل ذلك أن يستشير أوروبا فى عامها الذى أعلنه!
أضيفت بعد حرب الشرق الأوسط إلى هذه الأسباب القديمة. أسباب أخرى جديدة:
– من هذه الأسباب الجديدة أن أوروبا الغربية وجدت سيف البترول الذى خرج من جرابه مشهوراً فوق رأسها لما لا ذنب لها فيه حسب تصورها.
– ومن هذه الأسباب الجديدة أن الولايات المتحدة أعلنت حالة التأهب النووى فى قواعدها فى أوروبا دون أن تستشير دولاً تقع هذه القواعد على أرضها وتحت سيادتها الوطنية.
– ومن هذه الأسباب الجديدة أن الولايات المتحدة راحت تشحن السلاح لإسرائيل من قواعدها فى أوروبا دون أن تعرف هذه الدول أن السلاح يشحن منها لإسرائيل.
وحين أبدت أوروبا ضيقها مما حدث لها – فإن رد الولايات المتحدة بلسان وزير خارجيتها الدكتور هنرى كيسنجر جاء اتهاماً لأوروبا بالانتهازية وبأنها حين تشعر بالخوف ترتمى فى أحضان أمريكا فإذا أحسست بالأمان تنكرت لهذه الأحضان!
كانت أوروبا الغربية حتى يوم 6 أكتوبر مجرد تعبير سياسى ولكنها لم تكن بعد قد أصبحت قوة سياسية. أى إرادة سياسية واحدة.
وربما كان هذا هو الذى دعا الرئيس الفرنسى جورج بومبيدو إلى اقتراحه بعقد مؤتمر قمة أوروبى تحضره دول السوق الأوروبية المشتركة التسع وهو اجتماع تقرر فعلاً وتحدد له يوم 14 ديسمبر القادم فى كوبنهاجن عاصمة الدانمرك.
ويقول الواقع إن حرب 6 أكتوبر أكدت وحدة الأمة العربية.
وربما يقول التاريخ إن حرب 6 أكتوبر أكدت وحدة أوروبا الغربية وربما تصنع منها حقيقة سياسية بعد أن كانت تعـبيراً جغرافياً. وربما تصنع منها إرادة سياسية واحدة بعد إن كانت مصطلحاً سياسياً عاماً.
وهذه فرصة ملائمة لنا كى نستطيع إحداث تأثير نطلبه على سياسة أوروبا الغربية تجاه أزمتنا الراهنة وتجاه مستقبلنا بعد هذه الأزمة.
وهناك – فيما بدا أمامنا – حقائق لابد أن نحسن تقديرها قبل اجتماع مؤتمر القمة الأوربى المقبل:
1- أن أوروبا لا تملك وسائل للضغط كبيرة على الولايات المتحدة.
2- أن أوروبا الغربية – دول السوق سوف تظل ملتزمة بالتضامن بينها وإلا تحطمت فكرة السوق من أساسها، ومعنى ذلك أن الحظر الذى فرضناه على هولندا وحدها لن يؤثر على هولندا وحدها كما نتصور لأن دول السوق سوف تتضامن معها فيما لديها جميعاً من موارد الطاقة – وهذا يحدث فعلاً.
3- أن أوروبا الغربية أعطتنا بياناً بتأييدها لقرار مجلس الأمن رقم 242 وأننا قبلنا هذا البيان وأوقفنا نسبة خفض صادرات البترول إليها كما كانت مقررة فى شهر ديسمبر.
4- هناك دلائل تشير إلى أننا سوف نفعل ذلك أيضاً مع نسبة الخفض المقررة بعد ذلك فى شهر يناير ومعنى ذلك قبلنا كلاماً كلاماً كلاماً وفى مقابله فإننا رفعنا سلاحنا.
محصلة ذلك ليست مرضية لنا تماماً فيما أظن وعلينا أن نفكر من جديد.
إن كل خطة تمر فى مرحلتين:
– مرحلة وضع هذه الخطة وطرحها للتنفيذ.
– مرحلة الحركة التى تنشأ من الفعل ورد الفعل عند طرح أية خطة للتنفيذ.
ولقد أحدثت مرحلة وضع الخطة وطرحها للتنفيذ آثارها فعلاً على أوروبا الغربية فقد ثبت لها أن سلاح البترول فى يدنا وأننا قادرون على استعماله وأن استعماله كفيل بوضع إرادتنا حيث نريد لها أن تكون.
ثم إن مرحلة الحركة التى نشأت من الفعل ورد الفعل أثبتت حقائق لا يمكن تجاهلها وهى سلسلة مترابطة الحلقات:
أوروبا لا تستطيع أن تضغط على الولايات المتحدة – أوروبا مضطرة للتضامن مع بعضها وإلا ضاعت منها وحدتها – أوروبا سوف تعطينا كلاماً وهذا هو كل ما تملكه فى أزمة الشرق الأوسط إزاء أمريكا – لا نستطيع أن نطلب من آخرين أن يفعلوا ما هو خارج قدرتهم وإلا فإننا سوف نفرض عليهم عقاباً لا يستحقونه.
الحل إذن أن نعاند ضد الواقع، أو نرفع سلاح البترول عن أوروبا وهو لم يحقق شيئاً مذكوراً إلا أنه أثبت فاعليته كسلاح.
وإذن. ماذا؟
إذن قد يكون لنا أن نتحرك إلى وضع جديد.
لماذا نحبس أنفسنا فى تصور أن أوروبا تستطيع أن تضغط على أمريكا؟
إذا كانت لا تستطيع وإذا اقتنعنا بأنها لا تستطيع – وهذه مسألة تستحق أن ندرسها أكثر – فإننا قد نطور موقفنا لنطلب من أوروبا أن تعطينا وسائل نضغط نحن بها على أمريكا.
وفى هذا الصدد فهناك تصورات متعددة نستطيع أن نفكر فى بعضها أو فيها كلها:
1- لماذا لا نقول لأوروبا – وقد طرحت هذه الفكرة هنا قبل عدة أسابيع:
البترول سلعة إستراتيجية. سوف نعطيها لكم ونشترى منكم سلعاً إستراتيجية أخرى. نريد سلاحاً نضيفه إلى ما عندنا لنضغط بذلك على إسرائيل. ثم لنضغط بذلك على أمريكا.
سلعة إستراتيجية بسلعة إستراتيجية. هذه شروطنا؟
2- لماذا لا نقول لأوروبا:
– نحن نريد أن نبنى صناعة أسلحة عربية حديثة، وسلاح الحرب الحديثة الأخطر كما أثبتت معارك أكتوبر هو الإليكترونيات وأنتم فيها متقدمون حتى على الولايات المتحدة. تعالوا وتعاونوا معنا فى بناء صناعة أسلحة عربية إليكترونية بالدرجة الأولى.
[لعلنا نفعل ذلك – إذا فعلناه – بدون وساطة سماسرة، وتجارة سوق سوداء]
3- لماذا لا نقول لأوروبا:
– إن الأرباح الهائلة من البترول لا تجىء من مجرد استخراجه ولكنها تجىء من تكريره ومن الصناعات البتروكيماوية التى تتصل بصناعات التكرير ونحن نريد البترول لنا. نريد حقوله فى أراضينا وصناعته عليها. ولديكم فى ذلك خبرة وهناك مجال لتعاون وثيق بيننا خصوصاً وأنتم أكثر من يحتاجون إليه، فالاتحاد السوفيتى لديه ما يكفيه ولو مؤقتاً، والولايات المتحدة تستطيع بجهد أكبر وتكاليف أكثر أن تستغنى عنه كطاقة وإن كانت تريد مواصلة استغلاله كمصدر ربح تجارى.
4- لماذا لا نقول لأوروبا:
– إذا أصبحتم إرادة سياسية واحدة، وإذا أصبحت لكم نظرية أمن مستقل عن الولايات المتحدة فإننا لا نرى تعارضاً بين أمنكم وأمننا لأن البحر الأبيض صلة بيننا ولا يمكن دعم أمن أوروبى بدون دعم أمن عربى.
– تعالوا نبحث كيف يمكن للأمن الأوروبى أن يخدم الأمن العربى وكيف يمكن للأمن العربى أن يخدم الأمن الأوروبى؟
من ذلك كله، فلعل هناك فى الكيس الذى يضم نتائج مؤتمر القمة فى الجزائر، رسالة إلى أوروبا الغربية.
رسالة تقترح أساساً جديداً لتعاون حر متكافئ يقوم على مصالح رخاء متبادلة ومصالح أمن متصلة.
رسالة تقول: لنترك رواسب الماضى وعقده. ولنبدأ من جديد تجربة جديدة وعلى قدم المساواة.
ثالثاً: رسالة إلى أفريقيا.
إن أفريقيا تضامنت معنا وربطت مصيرها بمصيرنا ويجب ألا نترك هذا العامل المضاف إلى القوة العربية يتفكك أو يدركه الوهن.
وأفريقيا فى مرحلة نمو وهى تقول إلى جانب كل ما تقول به إن ارتفاع أسعار البترول سوف يؤثر فى نموها.
وأسعار البترول لن تعود إلى الوراء وهناك أسباب عديدة اقتصادية وسياسية تحول دون ذلك.
ومن الظواهر المشجعة أن الدول العربية التى خفضت إنتاجها من البترول لم يتأثر دخلها وإنما زاد دخلها بسب زيادة الأسعار الهائلة.
وعلى سبيل المثال ما يلى:
– السعودية:
كان إنتاج السعودية من البترول خلال شهر سبتمبر 1973 – أى قبل التخفيض هو: 8.549.000 برميل يومياً.
وكان العائد منه هو 15.300.000 دولار يومياً.
وانخفض إنتاج البترول فى شهر نوفمبر 1973.
أصبح الإنتاج 6.412.000 برميل يومياً.
ولكن الدخل ارتفع فأصبح 19.240.000 دولار يومياً.
– كان إنتاج الكويت من البترول خلال شهر سبتمبر 1973 – أى قبل التخفيض هو:
3.506.000 برميل يومياً.
وكان العائد منه هو 6.140.000 دولار يومياً.
وانخفض إنتاج البترول فى شهر نوفمبر 1973.
أصبح الإنتاج 2.628.000 برميل يومياً.
ولكن الدخل ارتفع فأصبح 7.730.000 دولار يومياً.
وهكذا وهكذا بقية الدول العربية التى خفضت إنتاجها من البترول ومع ذلك زاد دخلها منه.
أى أنها استطاعت بنفس الضربة التى أتاحتها لها ظروف أزمة الشرق الأوسط أن تحقق أربعة أهداف:
– ادخرت ثروتها الطبيعية وصانتها من الاستنزاف.
– زادت دخلها برغم تخفيض إنتاجها.
– اكتسبت لنفسها قوة تأثير عالمى غلاب.
– أدت لأمتها العربية خدمة عظيمة وشاركت فى نضالها مشاركة إيجابية قوت وعززت.
ولم يعد ممكناً أن تعود أسعار البترول إلى الوراء.
وليس منطقياً أن تقول لنا الدول الصناعية المتقدمة: “خفضوا أسعار بترولكم لكى نستطيع نحن مساعدة الدول النامية وأفريقيا فى مقدمتها”.
لماذا لا نقوم نحن كأمة عربية بهذا الدور؟
لماذا لا تخصص بعض الزيادات فى دخل البترول – برغم خفض نسبة إنتاجه – فى صندوق للمعونة نرصده للدول الأفريقية.
نقدم لها بغير استعلاء. وبغير سيادة من الرجل الأبيض الذى عانت من سيطرته عليها طويلاً.
ثم نجعلها على صلة بنضالنا خصوصاً وأنه ليس هناك تناقض بين أهدافهم وأهدافنا. وإنما نحن كأمة عربية، وهم هناك كشعوب أفريقية – جزء من حركة واحدة هى حركة التحرر الوطنى.
من ذلك كله، فلعل هناك فى الكيس الذى يضم نتائج مؤتمر القمة فى الجزائر رسالة إلى أفريقيا.
رسالة تصنع تاريخاً جديداً للعالم النامى كله. تفتح أمامه طريقاً آمناً للتقدم مع الحرية. والحرية مع التقدم.
ثلاث رسائل.
لعلنا نجدها إذا ما بحثنا ونقبنا داخل البيان الرسمى الثانى لمؤتمر الجزائر الذى يمكن له وبغير تجاوز أن يصبح نقطة التحول الكبرى فى العمل العربى المشترك
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=171