” بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : (2) محاولة للبحث عن الحقيقة “

(2) محاولة للبحث عن الحقيقة
قيادة حزب البعث لم تكن تريد الوحدة ثنائية. أو ثلاثية مع مصر.
نظرة دقيقة وتفصيلية على أحداث الأسبوع اللاحق لـ8 مارس فى سوريا وما تكشف عنه؟
كان هناك “مشروع للتعاون” وكان لجمال عبدالناصر رأى فيه
وقبل أن أدخل إلى فصل ثانٍ من هذا الحديث. ألخص ما قلت فى حديث سبق.
لقد كانت نقطة الارتكاز التى تفرع بعدها الكلام وتشعبت التفاصيل فى حديث الأسـبوع الماضى – هى تصور عام أحسست به فى يوم من الأيام ظناً ثم تأكدت منه بعد ذلك يقيناً، وهذا التصور العام هو:
“أن قيادة حزب البعث فى سوريا، لم تكن فى أى لحظة من اللحظات بعد يوم 8 مارس، مخلصة فى طلب الوحدة مع مصر أو جادة فى العمل من أجلها.
أن هدف قيادة حزب البعث فى سوريا، هو أن تقيم دولة حزب البعث. لا دولة الوحدة”.
ولقد وجدت قيادة حزب البعث فى سوريا – ظروفاً تساعدها.
ومن استغلال هذه الظروف – بالمنطق الحزبى التقليدى – رسمت قيادة حزب البعث خطة.
الظروف هى أن التيارات السائدة فى القيادة العسكرية يوم 8 مارس كانت تريد فى سوريا اتجاهاً وحدوياً بشرط أن لا يصل إلى حد الوحدة، وتريد اتجاهاً اشتراكياً لا يصل إلى حد التطبيق الفعلى للاشتراكية.
والخطة: هى أن تسيطر قيادة حزب البعث فى سوريا على القيادة بانقلاب تزيح به كل العناصر التى قد تتصادم مع آمالها، ثم تستعمل القيادة فى إحكام سيطرتها على جهاز الدولة وعلى الشعب، فإذا ما أتمت ذلك استدارت لعملية تصفية حاسمة لا تكتفى فيها بإخراج معارضيها من القيادة، وإنما تمد السكين بعد ذلك خطوة تقطع كل ما هو غير بعثى، ليكون لها التسلط المطلق والأبدى – كما تظن – على أقدار سوريا!
وقبل أن أستطرد مع الحديث، وأنتقل من فصل أول فيه إلى فصل ثانٍ، فإنى استأذن فى التوقف – ولو دقيقة واحدة – أمام مجموعة من الملاحظات أريد تسجيلها أصلاً، ولست أرد بهذه الملاحظات على كل البيانات العصبية التى تصدرها قيادة حزب البعث فى سوريا هجوماً على ما أكتبه هنا، وإنما الذى أريده هو إعادة تحديد موقف، وذلك أمرٌ ضرورى فى مثل هذه الأزمة التى يواجهها النضال العربى الثورى الآن.
وفى مثل هذا النوع من الأزمات ينبغى – فى رأيى دائماً – إعادة تحديد الموقف بين فترة وأخرى، حتى تبقى الخطوط الرئيسية فيه ظاهرة، لا تطغى عليها التفاصيل فتغطيها، وتغطى الحقيقة معها.
وإذا كنت قد حددت هدفى من هذه الفصول بأنه محاولة لاستكشاف الحقيقة، فإنى أريد أن أسجل الملاحظات التالية:
1- لابد أن أقول إنى أواجه هذه الأزمة مع قيادة حزب البعث فى سوريا بقلب حزين، ومع أنى – وذلك شىء لا أخفيه – كنت أشك دائماً فى هذه القيادة من تأثير تجربة الوحدة الأولى – فلقد كنت أقول كغيرى كثيرين: لعل وعسى!
2- لست فى معركة مع حزب البعث كله، فلقد قلت أكثر من مرة إن حزب البعث قام بدورٍ لا يمكن إنكاره فى مرحلة مضت من النضال العربى، ولئن كانت قيادته الحالية فى سوريا قد عجزت عن مواجهة المتطلبات الثورية لمرحلة جديدة، فإن الحزب فى سوريا ما زال يضم عناصر قادرة على تطـويره، ولم أكن أقصد من ذلك الوقيعة، فأنا لا أرضاها لقلمى، ولكنى قلت ذلك فقط حين حددت عناصر شابة من حزب البعث مواقفها وبينها ثلاثة وزراء استقالوا من وزارة البيطار قبل أن تهوى بأكملها فاقدة لهدفها ولحياتها، وهم عبدالكريم زهور، وجمال الأتاسى، وسامى الدروبى.
3- حتى قيادة حزب البعث فى سوريا، فإن خلافى معها محصور ومحدد.
أقول إنها قيادة غير ثورية. وغير شعبية.
غير ثورية، ولا تملك منهاجاً لثورة، ولا يكفى رص كلمات طنانة لكى يكون منهاج ثورى.
وغير شعبية، ولا أمل لها فى لقاء مع الجماهير، ولم تصل إلى السلطة أبداً أو بقربها إلا عن طريق الانقلاب العسكرى وبوسائله، أو عن طريق المناورة السياسية مهما بدت لا أخلاقية!
ونتيجة لذلك أقول إنها أصبحت لا تريد الوحدة فعلاً وإن رفعتها شعاراً.
لأن الوحدة أصبحت عملاً ثورياً. ونضالاً جماهيرياً.
4- بل إنى ما زلت حتى الآن لا أقترب بكلمة من حزب البعث فى العراق، لا لأنى أتفق معه فى كل ما قام به، ولا لأنى أحاول التفرقة بينه وبين قيادة الحزب فى سوريا، ولا لأنى أخشى مشقة خلاف معه.
ذلك كله ليس حسابى.
وإنما حسابى هو:
– أننى على استعداد لأن أعطى ما هو أكثر من جهدى – أعطى حياتى – من أجل أن لا تكون بعد اليوم قطيعة بين بغداد والقاهرة. وذلك قلته منذ أول يوم بعد ثورة العراق وما زلت أقول به إلى الآن. قلته قبل أى حديث عن الوحدة. وأقوله بعد كل حديث عن الوحدة!
– ثم إننى أرى الدور الذى قام به حزب البعث فى العراق فى الثورة ضد قاسم، كما أنى أرى مسئولية حزب البعث العراقى كقوة قومية تواجه تيارات عنيفة تهب على العراق.
على أن ذلك لا يعنى أننى أقدم توقيعى على بياض لحزب البعث فى العراق حتى إن أسرف يوما أو تجاوز!
5- كذلك فلست أصدر فى معارضتى لقيادة الحزب فى سوريا عن كراهية للأحزاب عموماً.
إن الأحزاب الثورية من أكثر الصيغ ملاءمة – فى تقديرى – لتنظيم نضال الجماهير، وتجميع طاقاتها من أجل اختراق العقبات وبلوغ الأهداف الشعبية.
لكن حزب البعث ليس حزباً ثورياً.
وإنما هو بأوضاعه الحالية، بقية من بقايا أحزاب عهود ما قبل الثورة العربية المعاصرة، ومهما تلكأ بعدها، فلسوف يزول لاحقاً بها، إلا إذا استطاع بمعجزة تفجير طاقة ثورية قد تكون كامنة فيه، ومهما يكن فإن قيادته الحالية فى سوريا غير قادرة بالقطع على هذه المعجزة، يكفى بين تناقضاتها، أنه فى اليوم الذى تتوالى فيه البيانات فى سوريا عن جريمة يوم الانفصال وعاره على كل التاريخ العربى، فإن رئيس وزراء سوريا – فى الوقت ذاته – أحد موقِّعى عريضة الانفصال!
6- وأخيراً فليس مطلبى الوحيد هو الوحدة الثنائية بين مصر وسوريا وحدهما – كما قال السيد صلاح البيطار تلميحاً – لقد اعتبرت أن تهيؤ العراق للوحدة، فرصة عمر لا تتكرر، وأنه لابد من التمسك بها، وفتح كل طريق أمامها.
هذه الملاحظات كلها عددتها، وأقول بعدها، ما قلته قبلها وهو:
“إن قيادة حزب البعث فى سوريا، لم تكن فى أى لحظة من اللحظات بعد يوم 8 مارس، مخلصة فى طلب الوحدة مع مصر أو جادة فى العمل من أجلها.
إن هدف قيادة حزب البعث فى سوريا، هو أن تقيم دولة حزب البعث لا دولة الوحدة”.
ومن هنا ندخل إلى الفصل الثانى من هذا الحديث.
مشكلة بعض الناس حين يكذبون أن الأمر ينتهى بهم أحياناً إلى تصديق أكاذيبهم.
لكن الأكاذيب فى السياسة لها اسم أكثر رقة وكياسة. اسمها الدعاية.
ومشكلة بعض التنظيمات السياسية أنها تقع أحياناً أسيرة لدعاياتها.
إنها تبدأ هذه الدعايات للتأثير على خصومها. لكن ينتهى الأمر بها – فى بعض الأحيان – إلى تصديق نفسها. تقع فى الفخ الذى نصبته لغيرها.
كذلك حال قيادة حزب البعث فى سوريا، وأيمانها المغلظة الآن بأن كل الخلاف بينها وبين خصومها فى سوريا هو أنها نادت بالوحدة الثلاثية، وكانوا هم يريدونها ثنائية.
أى أنها أرادت مد الوحدة لتشمل العراق.
ويريدون هم قصرها واستبعاد العراق.
وليس أكثر تجنّياً على الواقع من مثل هذا التصوير للخلاف.
لقد كان الخلاف هو: وحدة أو لا وحدة!
كانت قيادة حزب البعث فى سوريا لا تريد الوحدة.
وكان معارضو هذه القيادة وأولهم جماهير سوريا الواسعة يريدون الوحدة!
ومن حسن الحظ أن الوقائع ما زالت قريبة. عمرها لا يزيد كثيراً على ثلاثة شهور!
ماذا حدث بعد يوم 8 مارس. يوم وقع ما وقع فى سوريا وسقط عهد الانفصال؟
هل طرحت الحكومة السورية فى أى بيان من بياناتها حديث الوحدة، ثنائية كانت أو ثلاثية؟
الجواب:
– غَداة يوم 8 مارس لم يكن هناك عن الوحدة حديث غير ذكرها فى الشعارات مرصوصة وبعدها الحرية والاشتراكية.
ولقد يقول قائل:
– لكن من الظلم حساب نظام على ساعاته الأولى خصوصاً فى ظروف انقلاب؟
وأقول:
– صحيح، وإن كان غيرى قد يرى أن الساعات الأولى لأى نظام هى التى تحدد ملامحه، كذلك فهو فى ظروف الانقلاب أكثر حاجة إلى التحديد لكى يعطى نفسه قوة انطلاق مضاعفة تشد حوله الجماهير وتدفعه بها إلى بلوغ مراميه!.
لكنى سوف أتمسك برأيى وأقول: صحيح من الظلم حساب نظام على ساعاته الأولى خصوصاً فى ظروف الانقلاب!
لكن ما حدث – فعلا – يوم 11 مارس فى دمشق أثبت أن الوحدة، سواء كانت ثنائية أو ثلاثية ليست فى حساب قيادة حزب البعث فى سوريا.
ماذا حدث فى دمشق يوم الأحد 11 مارس؟
– وصل إلى دمشق السيد على صالح السعدى نائب رئيس وزراء العراق على رأس وفد عراقى، يحمل ما أطلق عليه بنفسه وصف “مشروع للتعاون بين الدول العربية المتحررة” نصه كما يلى:
“أولاً: وضع مشروع بيان مشترك بين الشقيقة الكبرى الجمهورية العربية المتحدة ومع الشقيقات الجزائر واليمن وجمهورية سوريا، يخول الجيوش العربية فى الدول المتحررة حق التدخل وإنزال الجنود واجتياز حدود أى بلد من البلدان العربية الخمسة عند تعرضه لأى عدوان خارجى أو مؤامرات داخلية استعمارية أو رجعية تهدف إلى الإطاحة بالحكم التقدمى فى البلدان الخمسة.
ثانياً: تشكيل قيادة عسكرية مشتركة وإلحاق ضباط ارتباط بهذه القيادة يمثلون دوائر الأركان العامة فى الجيوش الخمسة، ووضع قوات مشتركة تحت إمرة هذه القيادة ويكون من اختصاصات هذه القيادة وضع سياسة موحدة للتجهيز والتسليح والتدريب وتوحيد الأنظمة والمصطلحات العسكرية.
ثالثاً – تشكيل قيادة سياسية عليا للتخطيط السياسى فى الدول الخمسة”.
هذا هو نص المقترحات التى حملها السيد على صالح السعدى يوم 11 مارس إلى دمشق وقدمها فى مؤتمر صحفى.
وليس موضوعى هنا أن أناقش هذه المقترحات، وإنما موضوعى أن أقول إن هذه المقترحات لا تمثل وحدة ثنائية أو وحدة ثلاثية.
على أن الإنصاف يقتضى على الفور أن أقول إن هذه المقترحات كانت تمثل تمثيلاً أميناً وجهة النظر العراقية، التى قررتها حكومة العراق صراحة بعد 14 رمضان فى العراق وقبل 8 مارس فى سوريا.
لكن الذى يستوقف النظر هنا، أن السيد صلاح البيطار رئيس وزراء سوريا وقف فى نفس هذا المؤتمر الصحفى الذى عقده السيد على صالح السعدى وقال موجها الحديث إلى ضيفه العراقى بالحرف الواحد:
“إن ما ذكرتم من مقترحات هو ما يجيش فى صدور مجلس قيادة الثورة فى سوريا، ولن نجد أية صعوبة فى الالتقاء على هذه المبادئ وفى الالتقاء على تنفيذها”.
ما هو معنى ذلك؟
– معناه أن العراق – وقد كان أميناً من قبل فى عرض وجهة نظره – ليس مستعداً للوحدة. وإنما هو مستعد للتعاون بين الدول المتحررة.
– ومعناه أن النظام الجديد فى سوريا – بنص ما قاله صلاح البيطار – ليس مستعداً للوحدة!
ولست أقول إن صلاح البيطار كان يتحتم عليه أن يقف فى ذلك الوقت ويقول إنه لا يرضى عن الوحدة بديلاً. ليس ذلك شأنى. بل هو شأن الشعب السورى، وإنما الذى أقوله هو: إنه ليس من حق صلاح البيطار اليوم أن يقول إن قيادة حزب البعث كانت تريد الوحدة الثلاثية من أول يوم وأن الخلاف بينها وبين خصومها هو الخلاف بين الثنائية والثلاثية!
ذلك، بكل أدب، ليس صحيحاً بشهادة الوقائع!
والواقع أن الحديث عن الوحدة الثنائية، قفز ترتيباً على مفهوم المقترحات العراقية بعد إذاعتها على الجماهير فى دمشق.
كانت الصيحة وقتها فى شوارع دمشق:
– إذا لم يكن العراق على استعداد للوحدة الآن. فلتعد الوحدة فوراً بين مصر وسوريا على أن ينضم إليهما العراق عندما تسمح له ظروفه.
إن سوريا تعانى من الانفصال والعراق يعانى من العزلة.
والانفصال لا تصحيح له بغير الوحدة.
“والعزلة قد يكفى التعاون لتصحيحها”.
هكذا بالنسبة لسوريا كانت صيحة اليوم هى:
“أن عار الانفصال لا يغسله إلا عودة الوحدة”.
وخرجت الجماهير السورية تُبدى رأيها.
وخرجت صحيفة البعث لأول مرة بتعابيرها الشهيرة عن عفوية الجماهير، وسذاجة الجماهير، وسطحية الجماهير!
ثم وقعت يومها قصة صغيرة كانت حديث دمشق، فقد تجمعت المظاهرات من حول قصر الضيافة الذى كان ينزل فيه الوفد العراقى تهتف وتنادى بالوحدة وخرج السيد على صالح السعدى نائب رئيس وزراء العراق يريد أن يشرح المشروع الذى حمله معه لكن ساحة الجلاء الممتدة أمام قصر الضيافة كانت تدوى فيها كلمة واحدة تتجاوب أصداؤها مع جبل قاسيون المرتفع من بعيد وراء الساحة: الوحدة.
ولم يجد نائب رئيس وزراء العراق فرصة للكلام فدخل من شرفة قصر الضيافة وطلب وفداً يمثل بحر الجماهير المحيط بالقصر. وصعد إليه الوفد يضم إحدى السيدات.
وقال نائب رئيس وزراء العراق:
– إن أحداً لا يسمعنى.
وقالت السيدة الوحيدة التى كانت ضمن أعضاء الوفد:
– سيدى. يكفيك أن تسمع أنت صوت الشعب!
على أن الموقف فى دمشق بات معلقاً، فقد تقرر أن يسافر وفد عراقى برئاسة السيد طالب شبيب من دمشق إلى القاهرة ليقابل الرئيس جمال عبدالناصر ويعرض عليه مشروع الوفد العراقى للتعاون بين الدول العربية المتحررة.
كان الموقف ليلتها فى دمشق كما يلى:
– الشعب السورى كله يريد الوحدة.
– وفد العراق – استمراراً لموقفه قبل يوم 8 مارس فى سوريا – يعرض مشروعاً للتعاون بين دول عربية خمس متحررة.
– حكومة سوريا – خلافاً مع كل ما تدعيه اليوم – تعتبر المشروع العراقى معبراً عن رأيها.
وأعود فأكرر أن ذلك كان حقها – لكنه ليس حقها أن تقلب ترتيب الوقائع الآن وتدعى غير ما حدث فعلاً !
وجاء الوفد العراقى إلى القاهرة يحمل المشروع العراقى الذى أعلن من دمشق.
ولابد هنا من وقفة أقول فيها إن هذا المشروع الذى كان مفروضاً أن تشترك فيه الجمهورية العربية المتحدة، والجزائر، واليمن، كان مفاجأة كاملة للقاهرة، والجزائر، وصنعاء – من حيث إنها جميعاً لم تُخطر به من قبل إذاعته.
ولقد سلم بذلك السيد على صالح السعدى حين سئل فى مؤتمره الصحفى فى دمشق:
– هل لدى الجزائر والقاهرة علم بهذا المشروع؟
وكان الرد:
– نعم هى تعلم به!
وسئل:
– هل تحدثتم فيه من قبل حين زرتم القاهرة، والجزائر، بعد الثورة العراقية.
وقال السيد على صالح السعدى:
– لا. لقد أرسلناه إليهم عن طريق الإذاعات ووكالات الأنباء!
ومهما يكن من أمر فلم يكن هناك فى القاهرة أو الجزائر من يريد أن يتمسك بالشكليات.
لكن المسألة أن أحمد بن بيللا لم يكن لأسباب كثيرة متعلقة بظروف الثورة الجزائرية ذاتها على استعداد – فى الوقت الحالى – حتى لدراسة هذا المشروع.
كذلك – من ناحية أخرى – فإن جمال عبدالناصر كانت لديه وجهة نظر.
ولم يخفِ الرئيس جمال عبدالناصر رأيه عن السيد طالب شبيب وزير الخارجية العراقية عندما دخل إليه فى بيته يحمل صورة من المشروع العراقى.
وقال الرئيس جمال عبدالناصر بوضوح:
“نبدأ أولاً بالاقتراح الأول الذى يخوّل الجيوش العربية فى الدول العربية المتحررة حق التدخل وإنزال الجنود واجتياز حدود أى بلد من البلدان العربية الخمسة عند تعرضه لأى عدوان خارجى، أو مؤامرات داخلية استعمارية أو رجعية تهدف إلى الإطاحة بالحكم التقدمى فى البلدان الخمسة”.
ووضع الرئيس على مائدة أمامه – الورقة التى كان يقرأ منها نص الاقتراح الأول من المشروع العراقى ثم قال:
– لا أستطيع أن أخدعكم أو أخدع الناس بقبول هذا الاقتراح.
فى رأيى أنه يحوى من الأضرار أكثر مما يحوى من المنافع.
رأيى فيه كما يلى:
أولاً – أنا لا أستطيع قبوله، فيما يتعلق بالجمهورية العربية المتحدة، فمعناه أننى لا أثق فى الجيش المصرى وفى قدرته على حماية الثورة فى مصر، وإذا لم يستطع الجيش الوطنى فى أى بلد أن يحمى ثورته الوطنية، فلن تستطيع أى قوة من الخارج أن تحمى الثورة، ولقد أثبت الجيش المصرى قدرته ووعيه فى مواجهة كل الظروف.
فى مواجهة محاولات التسلل من الداخل.
وفى مواجهة محاولات العدوان المسلح من الخارج.
فأى حق لدى الآن، أن أقبل اقتراحاً، اعتبره مسيئاً إلى شعوره بواجبه وحسن أدائه لهذا الواجب!
ثانياً – أنا أعتبر أن هذا الاقتراح غير عملى، لأنه فى الحقيقة لا يعنى شيئاً على الإطلاق، ولسوف يكون أعداؤنا أول من يكتشف الحقيقة.
وأسألكم:
– لنفرض أن انقلاباً لا سمح الله وقع فى الجزائر، فكيف يستطيع الجيش العراقى نجدتها أو كيف يستطيع الجيش السورى. أو الجيش اليمنى؟
إن مصر قامت بمعجزة فى اليمن ولكن ينبغى أن ندرك أن المعجزات لا تتكرر كل يوم ولو لم تكن حركتنا العسكرية لنجدة اليمن سريعة، ولو لم تكن داخل بحر عربى هو البحر الأحمر. تملك البحرية المصرية قدرة السيطرة عليه، لكانت الحركة العسكرية لنجدة اليمن أمراً مستحيلاً.
ثالثاً – أننا قد نستطيع الحركة المكشوفة مهما كانت العواقب إذا كان أى منا يواجه عدواناً خارجياً، وفى هذه الحالة فما أظننا نحتاج إلى عهود جديدة، لقد استجبنا لدعوة ثورة اليمن ولحمايتها من التدخل الخارجى، بدون أى تعهد سياسى سابق. من وحدة الهدف بين الثورات الوطنية.
أما بالنسبة للانقلابات فإن الأمر يختلف.
ولقد واجهت بنفسى تجربة مماثلة وأظننى تعلمت منها.
لقد أوقفت بنفسى كل الاستعدادات الحربية لمواجهة انقلاب الانفصال فى سوريا لأنى أشفقت أن تختلط المسائل، وتتحول إلى حرب أهلية فى سوريا، أو إلى مصرى يحارب سورياً على أرض سوريا!
رابعاً – أخشى أننا لو قبلنا مثل هذا الاقتراح، لا نكون قد حققنا شيئاً إلا وضع سابقة للتدخل من الخارج، ضد أى تغيير فى الداخل، وبذلك نفتح الفرصة للدول الاستعمارية أن تقطع على نفسها ضمانات بالتدخل لصالح العروش الرجعية المتهاوية فى أوطان عربية. ولن تتردد الدول الاستعمارية أن تتدخل فى هذه الحالة، لن توقفها خشية اختلاط المسائل. أن تبدو كحرب أهلية فى وطن من الأوطان العربية. أو عربى يقاتل عربياً على أرض عربية”.
وسكت الرئيس جمال عبدالناصر ثم قال للسيد طالب شبيب:
– هل تعلم ماذا يضايقنى الآن؟
واستطرد عبدالناصر:
– لقد كنت أتمنى لو عرفت بهذه المقترحات قبل إذاعتها علناً. ساعتها كنت أقول لكم رأيى فيها بهدوء. دون أن يعرف أحد أننى لم أستطع قبولها.
إنى أخشى من الحرج الذى قد تجدونه الآن إذا ما عرف أننى غير مقتنع بجدواها!
وقال السيد طالب شبيب:
– لقد صدر فى دمشق بيان مشترك بين حكومة العراق وحكومة سوريا يتضمن قبولها، وكنت أتصور أننا سنصدر فى القاهرة أيضاً بياناً مشتركاً.
وقال الرئيس عبدالناصر:
– لقد أوضحت لك وجهة نظرى وأنا دائماً أصر فى كل بيان مشترك نصدره أن نقول الحقيقة مهما كانت النتيجة.
واستطرد الرئيس عبدالناصر:
– إننى أعرف دقة الظروف ولست أريد أن أسبّب لكم مشكلة، لهذا فإنى أقترح أن لا يصدر بيان مشترك عن هذه المحادثات، وأترك لك حرية التصرف كما تشاء فى الطريقة التى تنقل بها إلى دمشق رأيى فى هذه المقترحات!
فى ذلك الوقت يوم 12 مارس و13 مارس و14 مارس.
كانت الجماهير فى سوريا كلها تطلب الوحدة العربية. ولا شىء غيرها.
وكانت الحكومة السورية لا تطلب الوحدة. وإنما أى شىء غيرها.
مرة ثالثة قبل أن أمشى من هنا لا أقول إنه كان محتماً عليها أن تطلب الوحدة وقتها. ولكن أقول إنه ليس من حقها الآن أن تدعى أن المعركة إنما هى بين الذين طلبوا الوحدة ثنائية. وبين الذين طلبوها ثلاثية.
ومرة ثالثة موقف حكومة العراق بمشروع التعاون الذى قدمته، بصرف النظر عن صلاحيته، فيه الأمانة مع النفس.
وأما موقف الحكومة السورية، وقتها وحتى الآن، فليست فيه الأمانة مع النفس أو الأمانة مع الغـير.
لم تكن تريد دولة الوحدة. وإنما دولة حزب البعث كانت ما تريد. لكن الشجاعة ضاعت منها بعد الأمانة.
وبدأ الفصل الثالث فى دمشق. بعد وصول السيد طالب شبيب وزير الخارجية العراقية يحمل رأى جمال عبدالناصر فى “مشروع التعاون بين الدول العربية الخمسة المتحررة”.
ومن جديد.
نطلب استراحة قصيرة!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=63