” بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : (2) حديث يتجدد عن العمل الداخلى ومشاكله “

(2) حديث يتجدد عن العمل الداخلى ومشاكله
الصورة وظلالها
محاولة تشخيص للمشاكل التى تواجه العمل الوطنى فى هذه المرحلة. طبيعتها وجذورها ومضاعفاتها؟
لا أريد أن أدخل فى منافسة مع الذين يلقون اللوم فى كل شىء على القنبلة الذرية.
ما أن يقع أمام عيونهم شىء يعز على التفسير السريع والفورى إلا وكانت إشارتهم اليائسة بأنها هسى تلك القنبلة الذرية. قلبت موازين الكون كله منذ تفجرت.
هى وحدها سبب أى تغيير، وتفسير كل مفاجأة.
عواصف الجو، آفات الزراعة، حوادث الطيران كلها نتيجة للتفجيرات، وحتى اغتيال كيندى وإعفاء خروشوف ما كان أيهما ليحدث لولا أن القنبلة الذرية لخبطت مزاج الناس وجعلته سوداوياً، قلقاً ومتهيجاً، متحفزاً لكل شر على الدوام!
ولست أريد أن أفعل بالديمقراطية، ما يفعله غيرى بالقنبلة الذرية.
وإذا كنت قد توقفت فى حديث الأسبوع الماضى عند القول بأن الديمقراطية قبل كل شىء، وإنها لكل شىء، قبل المشاكل جميعاً، ومن أجل المشاكل جميعها – فليس ذلك – فى ظنى – إقحاماً للديمقراطية فيما لا شأن لها به ولا هو زج بها فى تعليل أو تفسير ما لا طاقة لها على تعليله أو تفسيره، وبالتالى حله!
من غير منافسة مع أصحاب القنبلة الذرية، فما زال رأيى أن الديمقراطية قبل أى مشكلة. وأنها لكل مشكلة.
إن جميع المشاكل التى تدور من حولها الآن أوسع المناقشات التى دارت فى بلادنا، جميعها، وبغير استثناء تبدأ بقضية الديمقراطية وتنتهى بها.
وذلك على أى حال يقتضى منا فى هذا الحديث أمرين:
– الأمر الأول أن نقوم بعملية تشخيص لهذه المشاكل جميعها، أو معظمها.
– والأمر الثانى أن نبحث فى علاقة الديمقراطية بهذه المشاكل.
فى بداية عملية التشخيص أو محاولته على الأقل نسأل:
– ما هى المشاكل التى تواجه العمل الوطنى فى هذه المرحلة؟
ما هى طبيعتها؟ما هى جذورها؟
وما هى مضاعفاتها الواقعة فعلاً أو المحتملة الوقوع؟
نمر بالمشاكل عداً، واحدة بعد أخرى، لكى تكتمل أمامنا صورة التشخيص.
أولاً:
إن أولى المشاكل التى تواجهنا هى مشكلة النمو والنجاح.
إن المستقبل لكى ينمو وينجح لابد له أن يعيش على حساب الحاضر ويثقله بمسئوليته.
إن الجنين من قبل أن يولد يمتص دم أمه، والطفل، لعشرين سنة على الأقل وحتى يتأهب للفرصة الأحسن ويستعد لها، ضريبة على عمل الأب وعلى أعصابه وعلى حياته كلها.
الطبيعة الإنسانية نفسها تعلمنا الدرس، وتضع أمامنا عبرته!
ونحن نتعرض لبناء مستقبل ضخم ومعنى ذلك أن الحاضر يجب أن يدفع رأسماله الابتدائى وأن يتحمل مسئوليته.
وحين نتصور كم دفعنا، فعلاً، وحتى الآن لعمليات التنمية ومستلزماتها، منذ انتهت حرب السويس، وهى البداية الحقيقية للبناء الجدى فى مصر، فإننا – لحظتها فقط – نستطيع أن نقدر كم دفع الحاضر من أجل المستقبل؟
لقد دفعنا من حصيلة عملنا الوطنى ألف مليون جنيه صرفت حتى الآن استثماراً فى المصانع الكبرى وفى السدود الضخمة، وفى عمليات استصلاح الأراضى وسحب الخضرة الخصبة لتغطى رمال الصحراء الجرداء.
إلى جانب هذه الألف مليون جنيه التى دفعناها من مالنا وضعنا أيضاً مائتى مليون جنيه حصلنا عليها قروضاً من الخارج تساعد هذه المرحلة من العمل.
مائة مليون جنيه منها، قدمها الاتحاد السوفيتى وحده منها 62 مليوناً فى اتفاقية التصنيع الأولى سنة 1957 و38 مليوناً للمرحلة الأولى من السد العالى.
ثم المائة مليون جنيه الباقية، وقد قدمتها إلينا دول أخرى مختلفة ومتعددة.
وهذه المائتان مليون جنيه التى صرفناها فيما أتممنا تنفيذه من العمل حتى الآن ليست منحة وإنما هى قروض واجبة السداد بل أن بعضها سدد فعلاً والبعض الآخر بدأ تسديده.
معنى ذلك أن الحاضر الماثل الآن، تحمل من أجل المستقبل فى عملية النمو ألفاً ومائتى مليون جنيه – منذ بدأ العمل الجدى لإعادة البناء وحتى هذه الساعة، والعجلة ما زالت تدور.
لكن تلك ليست المشكلة كلها، ليست المشكلة مجرد أن الحاضر يقتطع من ناتج عمله ومن جهده وعرقه، وربما من دمه كى يمنح المستقبل ويغذيه ويؤمنه.
أكثر من ذلك مضاعفات عملية النمو خصوصاً فى بداية نجاحها لعدة أسباب:
1- إن كثرة الإنفاق بغير عائد سريع، خصوصاً فى المشروعات الهائلة التى تستنفد أكثر الاعتمادات وأضخمها – يحدث شبه اختناق، وذلك خطر لم يجر اكتشافه الآن فقط وإنما منذ البداية كان منتظراً ومتوقعاً.
أذكر عبارة ساقها “روبرت مورفى” الذى كان مساعداً لوزير الخارجية الأمريكية أيام أزمة قناة السويس، وقد وردت فى كتابه الشهير “دبلوماسى وسط المحاربين” نقل فيها عن جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكية قوله عن السد العالى:
“إن المصريين لم يتعودوا بعد على إقامة مشروع ضخم كمشروع السد العالى.
مشروع يصرفون عليه الشىء الكثير الآن، ولا تتحقق كل نتائجه قبل عشر سنين.
لن يتحملوا!
وإذا كانوا يلعنوننا الآن لأننا لم نساعدهم على بنائه، فإنهم غداً سوف يلعنون الروس لأنهم ساعدوهم!”.
2- إن آفاق العمل التى فتحتها عملية التنمية قد شدت يداً عاملة كثيرة، شدتها من البطالة الكاملة فى المدن أو البطالة المقنعة فى الريف، ولقد وضع المجتمع – بحكم القيم التى التزم بها – هدف العمالة إلى جانب هدف الإنتاج والنتيجة أن السنوات الأربع الأخيرة حققت طبقاً للأرقام الدقيقة أكثر من مليون فرصة عمل.
معنى ذلك أن مليون عامل، بما يحصلون عليه من الأجور، قد دخلوا إلى سوق الاستهلاك المنظم – بعضهم للمرة الأولى فى حياته – وبدأوا يشاركون فيه بدون أن يحقق عملهم – أو عمل جزء كبير منهم – إضافة جديدة على هذا السوق.
وعلى سبيل المثال نأخذ سد أسوان العالى.
على الموقع فى أسوان يعمل ما متوسطه – طول العام – خمسة وعشرون ألف عامل كل يوم.
وراء هؤلاء بعيداً عن الموقع ثلاثة أمثالهم، يعملون على خطوط مواصلات السد العالى وفى مراكز الإنتاج التى تعمل له كشركات الأسمنت والحديد وفى مراكز الخدمة الفنية اللازمة له كأعمال التصميم والتنسيق والإدارة.
وإذن مائة ألف يعملون فى السد العالى، يحصلون على أجور منظمة وأجور عالية.
ولقد دخلوا – بعضهم للمرة الأولى كما قلت – إلى مجال الاستهلاك. إلى سوق البضائع الاستهلاكية. فى الوقت الذى لم يضف عملهم فيه إلى هذا السوق أى سلعة جديدة أو أى قوة مضافة على الإطلاق.
لم تنتج أرض السد العالى برتقالة واحدة حتى الآن أو حبة قمح.
ولا أعطت قرشاً يجئ بسلعة يضعها فى السوق.
معنى ذلك أن حجم البضائع المعروضة فى السوق لم يزد بمقدار زيادة الطلب عليها.
3- لكن ذلك ليس كل شىء، فإن عمليات التحول الاجتماعى الواسعة النطاق خصوصاً فى مجال ملكية أدوات الإنتاج قد حققت نوعاً من إعادة توزيع الدخل القومى على أوسع وأعمق نطاق.
وعلى سبيل المثال فإنه خلال هذه الأيام، يدخل إلى جيوب الفلاحين فى الريف المصرى ما يزيد على مائة وخمسين مليوناً من الجنيهات ثمناً لمحصول القطن.
ونتيجة للإصلاح الزراعى، ونتيجة للنجاح الرائع هذا العام لتجربة التسويق التعاونى فإن حصيلة بيع القطن لا تدخل إلى جيوب الذين كانت تدخل إليهم من قبل.
فيما مضى كان نصف حصيلة القطن يدخل إلى حسابات كبار الإقطاعيين من ملاك الأرض، والنصف الثانى كان يتسلل على استحياء إلى جيوب الفلاحين.
نتيجة إعادة توزيع الدخل فى الريف عدة ظواهر.
– إن الريف بدأ يستهلك ما كان يقدمه للمدينة وحدها، البيض على سبيل المثال والدواجن واللبن ونصيباً أكبر من اللحم.
– إن الريف بدأ يدخل باندفاع إلى سوق من السلع الاستهلاكية كانت حكراً للمدينة وحدها خصوصاً فى أنواع من الملابس والأثاث والدراجات وأجهزة الراديو على نحو لم يكن متصوراً من قبل ولقد زاد من ذلك أن انتشار المصانع بجوار القرى قد بدأ ينقل إلى الفلاحين مستوى حياة عمال المصانع وتطلعاتهم.
ومن ناحية أخرى فإن تطور الأجور فى المصانع وثورة انتقال ملكيتها وبالتالى جزءً كبيراً من أرباحها – إلى العمال قد زودت المقدرة الاستهلاكية لهم بمطالب جديدة بدأت هى الأخرى تزيد من ضغطها على سوق الاستهلاك.
من أثر هذا كله ظاهرتان حدثتا وكان لابد أن تحدثا:
– ظاهرة قدرة السوق على الابتلاع السريع لأى قدر من البضائع يلقى فيه.
– ظاهرة ميل أسعار البضائع إلى الارتفاع بسبب زيادة المطلوب على المعروض منها.
ثانياً:
على هذه البداية الأولى للمشاكل جدت مفاجآت.
منها بالذات مفاجأتان لا يمكن إغفال أثرهما أو إنكاره:
1- كارثة محصول القطن سنة 1961 وكانت خسارتها حوالى السبعين مليون جنيه وكانت تلك السنة فى التحول السياسى والاجتماعى سنة خطيرة:
– فى يوليو منها صدرت قوانين يوليو الاشتراكية تحدث تغييراً خطيراً فى أوضاع الملكية.
– وفى سبتمبر منها وقع الانفصال الذى مزق دولة الوحدة القائمة وقتها.
– ومع قوانين يوليو الاشتراكية ومع الانفصال، فإن القوى الرجعية فى المنطقة بدأت تهاجم هجوم يأس يندفع بضراوة إلى اغتيال التجربة الاجتماعية الجديدة فى مصر بكل احتمالاتها الثورية فى المنطقة كلها.
نتيجة لذلك أن خسارة كارثة القطن لم تواجه بالطريقة التى كان يتحتم أن تواجه بها.
كان أول ما تحتمه الكارثة قسطاً معيناً من التقشف لمواجهة أثارها. لكن الاعتبارات السياسية – فى ظروف تلك السنة – غلبت الضرورة الاقتصادية بل وحاولت الحكومة أن تدفع بعض خسائر الفلاحين إلى جانب خسارة ميزان المدفوعات من النقد الأجنبى.
وربما كان ذلك – فى وقته حلاً سياسياً صحيحاً، لكنه من الناحية الاقتصادية كان هروباً من الحقيقة.
والحقيقة الاقتصادية لا يمكن الهرب منها مهما كانت سرعة الجرى!
وكل ما استطاع الحل السياسى الصحيح وقتها أن يصنعه هو أن يؤجل ساعة الحساب الاقتصادى حتى تنفد كل حيل المماطلة فى السداد!
2- الزيادة الطارئة على أعباء الدفاع:
إن إسرائيل أطلقت أول صاروخ لها سنة 1961، ولم تخف عن أحد أنها بدأت تستعد بأسلحة غير تقليدية.
ومن الناحية المصرية، فإن الانفصال أحدث خلخلة فى أوضاع الدفاع ضد إسرائيل، ولقد كانت الحكومة الرجعية التى قامت بعده فى سوريا جزءاً من كل النظام الموالى للاستعمار فى المنطقة وبالتالى فإن الجبهة الجنوبية ألقى عليها وحدها عبء الاستعداد لمواجهة القوة الإسرائيلية كلها بدون انتظار لأى جهد مساعد من جبهة الشمال.
كذلك كان لابد لمصر أن تطور أسلحتها إلى مستوى الأوضاع المتغيرة فى قوة العدو على الأقل، إذا لم تتفوق عليها، ودخلت مصر مجال الصواريخ وصنع الطائرات الحديثة ومجالات أخرى غير تقليدية فى وسائل الدفاع.
ثم جدت معارك اليمن ولها حسابها وتكاليفها.
ولعلنى لا أذيع سراً جديداً إذا ما قلت أن الزيادات الطارئة على أعباء الدفاع فى الفترة من أعقاب الانفصال إلى الآن قد بلغت خمسين مليون جنيه أخرى.
ولقد كانت هذه الزيادات الطارئة هى الأخرى تتطلب إجراءات من الضغط والتقشف.
لكن ذلك – مرة أخرى – لم يحدث.
ومضت التجربة المصرية فى طريقها، وكأن شيئاً لم يكن!
لكن التوهم لا يحل المشكلات وإنما يضاعف خطرها، لأن الحساب حين يجئ وقتها يطالب بالسداد كاملاً، وفوقه كل فوائد التأخير مركبة!
وإذا ما حسبنا سبعين مليوناً خسارة لكارثة القطن، وخمسين مليوناً أخرى نتيجة لزيادة أعباء الدفاع، لكان المجموع مائة وعشرين مليوناً تمثل الآن، وبالضبط، كل العجز الموجود عندنا فى ميزان المدفوعات.
وهو عجز لا يخيف فى حد ذاته لكنه يخيف إذا استمر الإصرار على تجاهله.
ثالثاً:
مع مشاكل النمو والنجاح، مضافاً إليها المشاكل التى جلبتها المفاجآت الطارئة، فلقد كانت هناك مشاكل أخرى هى فى حقيقة الأمر من طبيعة المرحلة.
من أعراض المراهقة فى النمو إذا جاز لى أن استعمل هذا التعبير.
إن عملية التحول الاقتصادى والاجتماعى فى حركتها السريعة لم تتمكن حتى الآن من ترسيب وترسيخ قيم جديدة تحكم العلاقات المتشابكة فى المجتمع المصرى المتطور مع كل يوم.
1- إن وحدات الإنتاج الجديدة كانت فى بعض الأحيان، أكثر اتساعاً من طاقة المديرين الذين عينوا لإدارتها، كما أن الآلات الجديدة كانت أكثر دقة من مهارة العمال الذين تولوا تشغيلها.
2- إن حرمة المال العام لم تعمق بعد فى وعى بعض المديرين الجدد والعمال الجدد إلى الحد الذى تقتلع فيه جذور وبقايا العلاقات القديمة، وفى بعض الأحيان كان هناك تصور أن المال العام لا صاحب له. أو أن الذى يملكه كل الناس. لا يملكه واحد منهم ومن أثر ذلك قلة الكفاية الإنتاجية، والإسراف، والانحراف.
3- إن السرعة المتزايدة، والتركيز فى الاختصاصات والسلطات، وضعت فى الكثير من مراكز الإنتاج والخدمات مجموعات رأسية، ليس بينها رباط أفقى.
مجموعة فى مراكز الصناعة. مجموعة فى مراكز الزراعة. مجموعة فى مراكز التجارة. مجموعة فى مراكز التمويل. وهكذا.
مجموعات رأسية – كما قلت – وفى غيبة التنسيق الكافى، بل وفى وجود التنافس العام – والشخصى فى بعض الأحيان – كان الرباط الأفقى مستعصياً على الشد والإحكام الدقيق.
ومرة ثانية، ذلك كله لا يخيف. هو ظاهرة طبيعية، وإنسانية، فى مرحلة من مراحل النمو، خصوصاً فى مرحلة المراهقة.
المهم هو التقويم والتوجيه. والرقابة المفتوحة العينين بالفهم والمعرفة بخصائص المرحلة الراهنة وأساليب التقدم منها إلى مرحلة نضج تعقبها.
لقد كان مستحيلاً أن نقفز فوق مرحلة المراهقة إلى نضج فجائى لا يمر بالتجربة والخطأ ويتعلم ويطور نفسه بما تعلمه.
رابعاً:
لكن الاستفادة بالتجربة والخطأ واجهت عدة معوقات، بعضها من رواسب مشاكل مزمنة قديمة وبعضها الآخر من تراكم المشاكل الجديدة خصوصاً مع سرعة اندفاع العمل الوطنى.
1- البيروقراطية ما زالت تؤدى دورها كما تعودت أن تؤديه، وأكثر من ذلك تمارس اختصاصات جديدة تقدمت إليه بطريقة فهمها الخاصة للأفكار الجديدة.
ومن ذلك مثلاً، ما تسبب فى بعض مشاكل التموين الأخيرة.
إن أجهزة الدولة زحفت على دور القطاع الخاص فى التجارة الداخلية، بغير استعداد من جانبها وبغير ضرورة ملحة من ضرورات التطوير الاشتراكى تفرضها مصلحة المجتمع.
إن سيطرة الشعب، والدولة أداته، ليس معناها التحكم ولا الاحتكار.
لكن البيروقراطية فى جمودها تقوم بما تعودت من قديم أن تقوم به، وفى الجديد الذى تمد إليه يدها فإن لها – دائماً وفى كل بلد – قدرة على مسخه ليصبح صورة طبق الأصل من القديم البالى!
2- كانت هناك محاولات لستر الأخطاء بوسائل سطحية تبرر أكثر مما تغير:
– على سبيل المثال استعارة عبارات من الميثاق أو غيره من الوثائق الشهيرة فى النضال الوطنى لكى تستخدم فيما لا علاقة لها به.
– على سبيل المثال أيضاً استسهال الاعتراف بالخطأ من غير محاولة جذرية لتلافيه، ولقد عبر جمال عبدالناصر عن هذه الظاهرة بعمق حين قال “إن الديمقراطية ليست مجرد التنفيس عن الشكوى وإنما تغيير أسبابها”.
– على سبيل المثال أيضاً كثرة الاستشهادات بالمنجزات الرائعة للعمل الوطنى كأنما تأميم قناة السويس وبناء الصناعات وإقامة السد العالى وتحقيق قواعد الحرية الاجتماعية تصلح كلها صيغة اعتذار عن أخطاء صغيرة تتكرر كل يوم!
3- من نتيجة زحام العمل وتدافعه، فلقد تأخر الحساب والعقاب – فى بعض الأحيان – بالنسبة لمن يستحقون ومن أثر ذلك أن تصور البعض – خطأ – أنهم خارج دائرة الحساب والعقاب ومن ثم وقفوا بغير مبالاة وسط أخطائهم!
خامساً:
كل هذه العوامل، بما فيها الأسباب الإيجابية والسلبية، كانت موجودة خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
وكانت الجوانب السلبية فيها قد بدأت تلفت الأنظار إليها خصوصاً وأن بعض مضاعفاتها قد تأزم.
ثم شهد هذا العام – فى نفس الوقت تحركاً واسع الخطى نحو الحرية السياسية بناء على ركيزة للحرية الاقتصادية، تم وضع أساسها ويجرى تدعيمها:
– صدر الدستور المؤقت الجديد.
– ألغيت الأحكام العرفية وسقطت قيوده.
– أجريت الانتخابات واجتمع مجلس الأمة بالفعل. يريد أن يناقش ويحاسب.
وإلى جانب ذلك فلقد كانت هناك مشاكل معلقة، تحوم فى الجو العام تبحث عن حل.
1- كانت هناك مشكلة الذين رفعت عنهم أحكام الحراسة من الطبقة القديمة التى استهدفت عملية التحويل الاشتراكى – ضمن ما استهدفت – أن تصفيها.
ولقد كان مفروضاً أن تقوم الحراسة بتصفية الطبقة. وليس بتصفية الأفراد.
أى أن تقضى على الامتيازات. بدون أن تسحب حق الحياة.
إن التسوية التى تمت لموضوع الحراسات لم تنه مشكلة أصحابها.
بعضهم يرى أن التعويض لم يكن معقولاً – فضلاً عن أن يكون عادلاً، وينبغى أن نسلم أنه كان كذلك فى بعض الأحيان.
وبعضهم لم يجد بعد فرصة عمل.
وبعضهم يذوب لأن الأبناء دفعوا ضريبة فادحة عن الأباء.
وبعضهم يجد أمامه جزءاً من الطبقة القديمة لم يلمسه التغيير بالقدر الكافى، كذلك – وبصراحة – يجد أمامه محاولة – وإن كان مقضياً عليها بالفشل – لإقامة طبقة جديدة وله أن يحار وأن يتساءل.
ولقد عكست الحيرة نفسها بالهمس وبالطنين.
وبصرف النظر عن الهمس والطنين فإنه من حسن الحظ أن قوة الثورة الشجاعة طلبت بحثاً جديداً فى هذا الموضوع، يؤكد تصفية الطبقة من ناحية ومن ناحية أخرى يمنح الأحياء حق الحياة.
2- كانت هناك مشكلة أخرى تحوم، ومن عجب أن أضعها فى هذا الحديث بقرب موضوع الطبقة القديمة. أقصد بهذه المشكلة مشكلة الشيوعيين الخارجين من المعتقل بعد انتهاء الأحكام العرفية والأسباب التى اقتضتها فى عملية التحويل الاجتماعى الهائلة سياسياً واقتصادياً.
بعض هؤلاء – أقول بعضهم – خرجوا إلى حيث لا عمل حتى الآن.
وبعض هؤلاء – أقول بعضهم أيضاً – خرجوا إلى حيث لا هدف.
لقد تغير المجتمع فى غيابهم بصورة مذهلة وبدت صورة الواقع الذى واجهوه بعد الغياب وكأنه عالم جديد لا عهد لهم به.
ولقد راحت مشكلتهم تحوم فى الأفق السياسى تبحث عن عمل وتبحث عن هدف.
ومن حسن الحظ أيضاً أن الثورة المصرية رفضت أن تقف فى موضوع معاداة الشيوعية متصورة أن ذلك هدفاً من أهدافها.
إن الثورة المصرية اعتبرت وتعتبر أن تحقيق التغيير الاجتماعى الشامل، وفق عقيدتها النابعة من واقع مجتمعها ومن ممارسة تطويره هى الهدف فوق كل هدف.
ومن ثم فإن مشكلة الشيوعيين التى تحوم فى الأفق السياسى تستطيع أن تنزل على الأرض وتجد مكاناً لها.
تعطى عملاً لكل من يطلب حق العمل.
وتعطى هدفاً لكل من يرتضى أهداف النضال الوطنى المتمثلة فى الميثاق – هدفاً.
3- مشكلة ثالثة كانت تحوم هى مشكلة التطلعات لدى الطبقة التى لم يقترب منها التغيير حتى الآن لكنها تتصور أن هناك مطاردة تقتفى أثرها.
هذه أكثر من الطبقة التى لمسها التغيير تخشى ما ينتظرها.
الذين مسهم التغيير ملكوا على الأقل يأس المعرفة.
وأما الذين يشعرون أن اتجاه التغيير وراءهم فهم يحاولون الهرب.
وطريقة الهرب المثلى هى الوقوف أمام الجوانب السلبية للتجربة والتركيز عليها والتغافل عن كل الجوانب الإيجابية وأبعادها الشاسعة.
إنها تمسك بظلال المشاكل التى تراها أمامها تحاول أن تضرب بها المجهول الذى تخشى منه على تطلعاتها.
ولقد لمس جمال عبدالناصر مشكلتها وحاول أن يعطيها زاد الثقة بالمستقبل حين أشار عليها بأن تعود إلى الميثاق تطل منه على مكانها وعلى مصيرها.
مهما يكن فإنه فى هذه السنة، وباستمرار كل ما قدمت من العوامل، وبظهور جوانب سلبية فى التجربة راحت تلفت الأنظار إليها، وبتحرك واسع الخطى نحو الحرية السياسية وما يصحبها من اندفاعات وما يحوم حولها من مشاكل معلقة فإن حواراً واسع النطاق بدأ يجرى فى الوطن كله: بصوت خفيض فى بادئ الأمر، ثم بصوت عال بعد أن تولى جمال عبدالناصر بنفسه قيادة المناقشة وفتح أبوابها عريضة ورحبة.
ولست أعرف، وقد طال الحديث إلى هذا المدى، إذا كانت هذه المحاولة فى التشخيص قد حققت غايتها أو قصرت دونها.
لقد حاولت – بصراحة – أن ألمس كل المشاكل.
ولقد يثور هنا السؤال، موضوع الأمر الثانى، الذى ينبغى أن ننتقل إليه بعد التشخيص أو محاولته. سؤال:
– ليكن أن هذه هى المشاكل. فما هى علاقة الديمقراطية بها وكيف تكون علاجاً لكلها على حد ما قلت فى بداية هذا الحديث؟
وأجيب بسرعة على هذا السؤال، قبل أن أنتظر أسبوعاً لمواصلة الحديث.
أقول:
– إن الديمقراطية قادرة على أن تحل كل المشاكل لسببين:
– هى – أولاً – بالمناقشة تجند كل الطاقات الحرة للجماهير من أجل تحديد لهذه المشاكل وتركيز لها.
– هى – ثانياً – بالإرادة تجند كل الطاقات الحرة للجماهير من أجل الحسم والحل.
بل إن مجرد الوضوح الفكرى، بالمناقشة الديمقراطية ونتيجة لها يجعل الجماهير فى المكان الذى تستطيع منه تقييم الجوانب الإيجابية للتجربة والحرص عليها دفاعاً وقتالاً.
بالمناقشة الديمقراطية تشعر الجماهير بالملكية الكاملة للحقيقة.
إن الوضوح الحقيقى هو صانع الاقتناع العميق.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=53