“بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : (1) نظرة عبر البحر لقاء فى باريس “

(1) نظرة عبر البحر لقاء فى باريس
ظن وزراء الملك حسين أنى قادم لمؤامرة عليه ودعانى الملك لكى أقابله!
كقصة بوليسية مثيرة، جرت مشاهد هذه المغامرة لى فى باريس!
ووقع المشهد الأول فى نفس اللحظة التى وصلت فيها إلى فندق “الكريون” الواقع على نقطة التقاء “الشانزليزيه” بميدان “الكونكورد” قلب العاصمة الفرنسية.
ووجدتنى وأنا أوقع باسمى فى سجلات الفندق، محاطاً بجو غريب.
نظرات فاحصة، وأسئلة لا مبرر لها، ثم تدقيق فى جواز السفر، كأنما الذين أمسكوا به، يقلبون صفحاته ويعيدون تقليبها، يريدون أن يحفظوا كل حرف خط فيه!.
وبعد دقائق نزلت إلى صالون الفندق، على لقاء مع الصديق صلاح بسيونى سكرتير سفارة الجمهورية العربية المتحدة فى باريس، فقد كنت كتبت قبل وصولى إلى بعض من أريد أن ألقاهم راجياً منهم أن يتركوا لى ما يتفضلون بتحديده من مواعيد لدى سفارة الجمهورية العربية هناك.
وجاء صلاح بسيونى ومعه بعض الردود التى تلقتها السفارة باسمى، وانهمكنا لحظات فى تنسيق المواعيد والتوفيق بينها.
وفجأة أحسست للمرة الثانية بنفس الجو الغريب يحيط بى!
وقلت لصلاح بسيونى:
– هل تعرف هذا الرجل الغريب الواقف هناك لا يرفع بصره عنى أو يحوله؟
ونظر صلاح إلى الرجل وبدت على ملامحه أمارات عجب وقال:
– هذا مسئول البوليس السرى الفرنسى المكلف بالقسم العربى. وهو فعلاً – فيما يبدو – يراقبك!
ولم تكد العبارة تنتهى حتى وقع شىء أغرب.
أقبل ستة رجال، طوال عراض، ووقفوا صفاً واحداً أمام باب الصالون الذى كنت أجلس فيه وأغلقوه تماماً بأجسادهم، وكانت ظهورهم جميعاً نحونا إلا واحداً فى نهاية الصف كان وجهه إلينا وإحدى يديه فى جيبه يمسك فيها بشىء لا نراه، لكن تصوره ميسور من الشكل العام للمشهد الذى نجده أمامنا. مسدس أغلب الظن.
ووضعت ما كان بيدى من أوراق على منضدة أمامى وقلت:
– زادت المسألة. ولم تعد مفهومة!
وقال زميلى:
– بيدك الحق. لم أر من قبل ما أراه الآن. على أى حال من الخير أن لا نتحرك وأن ننتظر بعض الوقت لعل الغامض ينجلى!
وتناهت إلى أسماعنا حركة فى البهو المار أمام الصالون الذى كنا نجلس فيه، وبعدها بقليل تفرق الرجال الستة الذين كانوا يسدون الباب علينا، وبدا كأن الحصار المضروب من حولنا قد توقف.
ونهض صلاح بسيونى يقول لى:
– دعنى أسأل ما الذى يجرى هنا؟
وعاد إلى بعد دقائق يضحك.
وقال وهو يتخذ مقعده:
– يبدو أنهم يعتبرونك إرهابياً خطراً، أتى إلى هنا ليدبر جريمة اغتيال سياسى.
قلت بدهشة:
– اغتيال سياسى لمن؟
قال:
– “للملك حسين ملك الأردن. يظهر أنه ينزل هنا فى نفس الفندق معك. وقد وصل إليه قبلك بساعة واحدة، لقد كان أحد أفراد حاشيته أول من رآك وأنت تنزل من التاكسى الذى وصلت به إلى الفندق، فأسرع وأبلغ مسئول البوليس الفرنسى المرافق للملك أنك من أعدائه، وأن وصولك إلى الفندق الذى ينزل فيه، وبعد وصوله بساعة ينذر بشر مستطير.
ويظهر أن مسئول البوليس الفرنسى ذهب إلى أحد الوزراء المرافقين للملك وسأله عما إذا كنت فعلاً من أعدائه الخطرين، فإذا الذعر يركب الوزير الأردنى إلى درجة حملت مسئول البوليس السرى الفرنسىعلى أن لا يترك شيئاً للصدفة، فى سبيل حماية الملك منك!”.
وعدت فى الليل إلى غرفتى، وأقنعتنى النظرة الأولى إليها – وتجارب كثيرة سابقة – أن الغرفة جرى تفتيشها بدقة وحرص فى الوقت ذاته، وقلت لنفسى:
– فى الصباح أترك الفندق كله إلى غيره تجنباً للمشكلات على أن محاولة البحث فى الصباح أقنعتنى أن الزحام فى باريس أقوى من شكوك مرافقى الملك حسين ووزرائه فى نواياى الإرهابية!
وقلت لنفسى:
– على أى حال لن يرونى فى الفندق كثيراً، إن عملى كله هنا خارجه، وسوف تقنعهم التجربة أن ملكهم ليس هدفاً من أهدافى فى باريس.
لكن مساء ذلك اليوم وضعنى وجهاً لوجه مع الملك حسين، فقد كان يجلس فى صدر صالون دخلت إليه مع “أريك رولو” رئيس قسم الشرق الأوسط فى صحيفة الموند الشهيرة.
ولقد حاولت أن لا أنظر إلى اتجاه الملك، ثم جلست مع “أريك رولو” على مقعد يتجه بظهره ناحية الملك.لا رغبة فى إساءة ولكن تحاشياً لأى لبس، وقال لى “رولو” هامساً:
– لقد كان الملك يبتسم لك ساعة دخلت.
قلت:
– خير من بعض رجاله الذين يظنون أنى قدمت إلى هنا فى مؤامرة عليه، لقد لمحته بطرف عين يبتسم لكنى أدرت ظهرى وجلست بهدوء!
ولحقت بنا بعد قليل “روزى” زوجة “أريك رولو” وخرجنا إلى عشاء فى مطعم صغير أقيم فى قبو من أقبية جزيرة لويس، بنى فى القرن الخامس عشر، وما زال على حاله من يومها.
وفى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل دق التليفون فى غرفتى، وكنت قد دخلتها قبلها بدقيقة – أو على الأكثر دقيقتين – ورفعت سماعة التليفون لأتلقى سؤالا باللغة العربية عنى قلت:
– نعم. أنا هو!
قال المتكلم:
– أستاذ أريد أن أقابلك لأمر هام وسرى؟
– هل يضايقك لو سألتك من أنت؟
– أنا الكولونيل مدنى من الأردن؟
– مرة أخرى هل يضايقك لو سألتك ما هو الموضوع الذى تريد أن تقابلنى فيه؟
قال:
– أستاذ. هو كما قلت لك أمر هام وسرى.
قلت:
– ليكن، سأكون فى انتظارك صباح الغد فى صالون الفندق فى العاشرة صباحاً.
قال:
– لا. أفضل أن نلتقى فى غرفتك. سأكون على بابك فى التاسعة صباحاً ولن آخذ منك أكثر من عشر دقائق.
انتهى الحديث الغامض. لمسة أخرى فى الجو المشحون بالغموض!
ودق باب غرفتى فى التاسعة صباحاً بالضبط.
ودخل زائرى يرتدى ملابس مدنية قاتمة، وقلت محيياً:
– أهلاً وسهلاً. يؤسفنى أن أستقبلك فى غرفة نوم. لكن هكذا أردت أنت؟.
قال:
– لا بأس.نحن إخوة أستاذ – وإن فرقتنا السياسة.
وأحس أننى أنظر إليه مترقباً وقال على الفور:
– سوف أدخل فى الموضوع مباشرة. إننى الكولونيل عمر المدنى الملحق العسكرى الأردنى فى سوريا ولبنان، وأنا هنا فى رفقة الملك حسين. وأنا أعتبر نفسى – وأفخر بذلك – خادماً للملك حسين. هل ترانى مخطئاً فى شعورى نحو الملك؟
قلت له:
– ليس ذلك شـأنى. مهما يكن، فأنا أحترم حق الناس فى آرائهم قدر احترامى لحقى فى رأيى.
قال لى:
– هو مخلص.أستاذ، أقسم لك وطيب!
قلت بهدوء:
– لا أظنك طلبت مقابلتى لكى تقنعنى برأيك فى الملك. من جانبى أؤكد لك أننى لن أحاول إقناعك برأيى أنا فيه.
قال على الفور:
– قرأت كل ما كتبته عنه فى “صراحتك”. لكنك – أستاذ – تظلمه.
قلت:
– ربما. لكنى – مخلصاً – أصوره كما أراه، ولقد يكون ما أراه هو الصواب. ولقد يكون هو الخطأ. لست أملك الحقيقة المطلقة. لكنى أملك ما أراه منها. أو هكذا أحاول جهدى.
قال:
– لماذا لا تقابله وتتحدث إليه؟
قلت:
– قابلته كثيراً من قبل لأحاديث طويلة، وأنا هنا الآن فى باريس فى رحلة لا علاقة لها بالعالم العربى ومشكلاته. أنا هنا أحاول دراسة التأثيرات الجديدة على السياسة الفرنسية، وبعدها ذاهب إلى لندن لأعمال صحفية تخص “الأهرام” وتتعلق بتجهيز مبناه الجديد.
قال:
– هل تريد أن تقول لى إن وجودك فى باريس، فى نفس الفندق مع الملك مجرد صدفة؟
قلت على الفور:
– صدفة. أقسم لك، وحين اكتشفت وجود الملك هنا فكرت فى تغيير الفندق تجنباً للمشكلات، وإذا كنت لم أفعل ذلك؛ فبسبب الزحام فى باريس.
قال:
– هى على أى حال إذن – صدفة سعيدة ولا يجب أن نتركها تمر دون فائدة. إن الملك رآك أمس، وابتسم لك، لكنك أدرت وجهك!
قلت:
– لم يكن – أؤكد لك – سوء سلوك ولكن تفادياً لأى لبس.
قال:
– يزول كل لبس إن شاء الله حين تلقاه وتتحدث معه.
قلت:
– اسمح لى أن أكلمك “بصراحة”. إن عملى هنا فى باريس لا علاقة له بمشكلات العالم العربى، أعنى بوضوح – وأرجوك أن تحمل صراحتى على محملها الصحيح.
إنى لم أجئ إلى هنا لكى أقابل الملك، ومن ناحية أخرى، فليس عندى ما أسأله فيه.
قال:
– إذن أنت ترفض أن تقابل الملك؟
قلت:
– ليس ذلك ما قلته. إن التحديد الواضح هنا مطلوب. الحقيقة هى أننى لم أطلب مقابلة الملك ولا أنوى طلبها، لأنه ليس عندى ما أقوله له. فلماذا آخذ من وقته ما يستطيع أن يستفيد به لشىء آخر.
قال:
– هب أن الملك هو الذى يريد أن يتحدث إليك؟
قلت:
– إن الملك – مهما كان خلافى معه – رئيس دولة عربية، وأنا مواطن عربى. وحين يطلبنى، خصوصاً إذا كنا نحن الاثنين فى الخارج – فأنا رهن إشارته.
قال:- إذن اتفقنا. سوف أرتب الموعد.
قلت:
– دون أن أسبب لك ضيقاً فإنى متمسك أن يعرف الملك حقيقة موقفى.
وفى الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم السبت الأسبق، مر على فى غرفتى بالدور الأول فى فندق “الكريون” الكولونيل المدنى، يصحبنى إلى الدور الثالث من نفس الفندق، حيث الجناح الملكى الذى ينزل فيه الملك حسين.
وأقبل الملك حسين، وكلتا يديه إلى الأمام وابتسامة ملء وجهه يقول:
– أهلاً وسهلاً. منذ متى لم نلتق؟
قلت:
– آخر مرة كانت فى عمان سنة 1954. ثم تباعدت المسافات بيننا.
وجلس على أريكة، وجلست أمامه على مقعد يواجهها، وراح هو يصب فنجانين من الشاى على مائدة بيننا، وساد الغرفة صمت فلم يكن بقى فيها سوانا.
وقطعت الصمت قائلاً:
– قبل أن تبدءوا الحديث، فإن لدى ملاحظتين أريد إبداءهما.
قال هو:
– أعرف واحدة منهما. تريد أن تؤكد من جديد أنك لم تطلب مقابلتى وأننى أنا الذى طلبت هذه المقابلة. أنا أقرر هذه الحقيقة نيابة عنك بادئ ذى بدء. لقد أبلغنى “المدنى” رأيك فى هذه المسألة، وأنك أصررت على إتمام المقابلة على أساسه!
قلت ضاحكاً:
– الحقيقة أنها كانت واحدة من الملاحظتين. ليس قصدى من إبدائها أى تجاوز للحدود، لكنى أريد أن يكون واضحاً أمامكم أنه ليس عندى ما أتحدث إليكم فيه، وبالتالى فلم أكن راغباً فى إضاعة وقتكم.
قال على الفور:
– أما أنا فعندى ما أتحدث إليك فيه. ما هى الملاحظة الثانية؟
قلت:
– إذا طرأ أثناء حديثكم ما أرى أن أرد عليه فإنى أستأذن فى الحديث بصراحة، وبغير ألقاب الجلالة، فلقد ضيعنا فى مصر عادة استعمالها منذ قرابة الاثنى عشر عاماً.
قال:
– بالعكس. أنا الذى أرجوك أن تقول لى أى شىء تريد بصراحة. وإلا فإن هذا الوقت الذى نقضيه معاً يكون قد ضاع على وعليك.
قلت للملك حسين:
– كلى آذان تحت أمرك.
قال الملك حسين:
– قبل أن أدخل فى صميم الموضوع، أريد بدورى أن أضع أمامك ملاحظة. أرجوك أن تأخذ كل ما سوف أقوله لك على أنه الصدق. لا تأخذه على أنه مناورة سياسية. ولا على أنه ارتماء. لقد عشت فى مصر سنين طويلة وأشعر أن بعض إخواننا المصريين يتصورون حين يجيئهم أحد بالود، أنه يصدر عن الضعف.
قلت:
– تريد تعليقى بصراحة. أما المناورة السياسية فقد خطرت لى. وأما الارتماء فقد كان بعيداً عن فكرى.
قال:
– أرجوك أيضاً أن تبعد احتمال المناورة السياسية. أقسم لك أننى سوف أتكلم معك بكل صدق.
وكنت أقلب السكر فى فنجان الشاى أمامى.
وتناول هو علبة سـجائر، قدم لى واحدة منها وعلق بين شفتيه واحدة، ثم قام يبحث عن كبريت.
ثم بدأ حديثه قائلاً:
– لقد أردتك أن تعرف رأيى فى الموقف العربى. إنى أراه خطيراً.شديد الخطورة.
وسكت الملك لحظة تطلع فيها إلى.
وقلت له:
– تفضل. أريد أن أسمعك إلى النهاية لن أتدخل فيما سوف تقول حتى وإن اختلفت معك، إلا بعد أن تقول كل ما تريده.
قال:
– سوف أقول كل ما عندى، ثم أسمع تعليقاتك بعده على شرط أن لا تنسى.
وعاد الملك يستأنف حديثه.
– قلت لك إننى أرى الموقف العربى خطير. بل شديد الخطورة لعدة أسباب:
أولاً – لأن مشروع تحويل مياه نهر الأردن يوشك أن يدخل فى مرحلة حرجة، وبعد سنه واحدة – على أكثر تقدير – سوف نجد أنفسنا فى وضع لا يسمح لنا بالسكوت.
ثانياً – أن لدى معلومات تفيد بأن الولايات المتحدة الأمريكية تريد أن تضغط – بكل جهدها – من أجل الوصول إلى حل لمشكلة اللاجئين، متصورة أن هذه المشكلة هى كل ما تبقى من قضية فلسطين.
ثالثاً – إن الأوضاع فى بعض الدول العربية تثير قلقى إلى أبعد الحدود.
خذ سوريا مثلاً. ماذا بقى من الجيش السورى؟
منذ 8 مارس سرحوا الانفصاليين – كما كانوا يسمونهم – وظلوا يسرحون فيهم بالمئات، حتى توقيع ميثاق 17 إبريل، وبعده بدأوا يسرحون الوحدويين وبالمئات سرحوا منهم حتى الآن، وما بقى من الجيش السورى يريدون تحويله الآن إلى جيش حزبى يحمى الحكم من الداخل.
ثم هم يغطون ما يجرى بافتعال حوادث على خطوط الهدنة مع إسرائيل.
إنى أخجل والله أن أقول لك أن معلوماتنا عن الحوادث التى جرت مؤخراً على خط الهدنة بين سوريا وإسرائيل – تفيد أن القيادة السورية الحالية كانت تريد خلق جو من التوتر يخدم موقفها سياسياً أمام الرأى العام العربى.
لكن ذلك والله لا يجوز. إن العمل ضد إسرائيل لا ينبغى أن يتحول هو الآخر لخدمة المناورة الحزبية، وإنما يجب أن يكون مثل هذا العمل جاداً فى بدايته. جاداً فى هدفه.
وخذ العراق مثلاً. أين هو الجيش العراقى؟
مشغول كله فى الشمال بمعركة مع الأكراد، وليس هناك احتياطى منه – مع الآسف – يقدر على العمل من أجل فلسطين لو انفجرت الأزمة.
ولقد دهشت يوم سمعت من راديو بغداد بيانات الحكومة هناك عن استعداد الجيش للزحف فى اتجاه فلسطين، لنجدة القوات السورية، بعد أن وقعت الحوادث الأخيرة على خط الهدنة.
كنت أعرف أولاً أنه ليست هناك قوات عراقية قادرة على التحرك فى اتجاه فلسطين.
وحتى لو كانت هناك قوات جاهزة، فإن هذه القوات تحتاج عشرة أيام لتقترب من ميدان المعركة. وأى معركة تنتظر – اليوم – عشرة أيام؟!
وخذ السعودية مثلاً. أنت تعرف أوضاعها أكثر منى، ومع ذلك يوم حوادث الحدود أصدرت الحكومة فى الرياض بياناً عن استعدادها للنجدة بتحريك الجيش السعودى.
ولاحظ الملك ظل ابتسامة على شفتى أحاول كبتها. وقال على الفور:
– تريد أن تقول إن السعوديين أصدقائى. ليكن. لكنى أريدك أن تعرف أنى أختلف معهم فى كثير.
قلت: “فى الحقيقة لم أكن لهذا السبب وحده ابتسم”.
وتطلع إلى فى انتظار إيضاح جديد.
قلت:
– إذا لم تخنى الذاكرة، ففى عمان أيضاً صدر بيان مماثل.
قال الملك:
– صحيح. لكننا فى موقف يختلف. بيننا وبين إسرائيل خمسمائة كيلو متر من الحدود ولو وقع اشتباك عربى إسرائيلى فى أى مكان، فلسوف نجد أنفسنا – مهما كانت الظروف – فى المعركة، يريدون احتلال المرتفعات على الضفة الغربية للأردن، فهم يعرفون أن فيها مقتل إسرائيل.
قلت للملك:
– لولا أننى أخشى أن تتهمنى بالتعصب الإقليمى، لقلت لك الكثير فى هذا الموضوع.
قال:
– أريد أن أسمعك.
قلت:
– كثيرون مع الأسف يجدون الكلام سهلاً فى موضوع فلسطين. لكن دعنى أقول لك إن العمل من أجل فلسطين يتطلب أسلحة أخرى، أكثر تعقيداً من الكلام.
دعنى أقول لك إنه ليس هناك دولة عربية – إلا مصر – تستطيع أن تعمل وحدها من أجل فلسطين.
الباقون جميعاً – بغير وحدة عربية صحيحة وشاملة، تجمع كل طاقاتهم لعمل منظم – لا يقدرون – فرادى – على شىء.
وإن كنت أقول إن مصر تستطيع وحدها – فليس ذلك تعصباً، أرجوك.
لكن لأن ظروف مصر تختلف.
– لقد صفّت بالثورة الاجتماعية تناقضاتها الداخلية، وهى تتجه الآن نحو البناء.
– ثم هى بلد يضم الآن ثمانية وعشرين مليوناً من البشر.
– وبعد ذلك، فإن ميزانية الدولة فيها تزيد الآن سنوياً على 1200 مليون جنيه.
لا يضايقك أرجوك إذا قلت لك إن ميزانية الطيران المصرى تزيد على ميزانية الأردن، بكل ما يحصل عليه من معونات أجنبية.
أقول لك ذلك وأعتذر. لا تتصور لحظة أننى أتباهى به إقليمياً، لكنى إذا كنت أقوله لك، فإن الشىء الوحيد الذى أفخر به فيه هو إيمانى بأنه كله. كله مرصود للهدف القومى، ومتطلباته الضخمة.
ومن ناحية أخرى، فإن مصر وحدها هى التى تطور سلاحها إلى مستوى أى معركة قادمة.
ودعنى أسألك:
– هل تتصور أن أى معركة قد تنشب بين العرب وإسرائيل سوف تكون مجرد صدام بين فرق مشاة. مدعمة بالدروع والمدافع؟
إن المعركة إذا جاء يومها سوف تكون أخطر من ذلك بكثير. أؤكد لك.
إننى أعرف بعض ما تعده إسرائيل.
ومن ناحية أخرى، فأنا أعرف بعض ما تعده مصر.
ومع ذلك فلقد كانت مصر هى البلد العربى الوحيد الذى وقف رئيسه يقول لجماهير الأمة العربية:
– إننى لا أملك الآن خطة لتحرير فلسطين. واليوم كل ما أملكه هو الاستعداد ومزيد من الاستعداد.
ولقد هاجموه بسبب هذا الذى قاله. هاجمه الذين لا يملكون الخطة.ولا يملكون الاستعداد.
ومع ذلك – أقول لك بصراحة – يوم تنشب المعركة فلسوف تقفون جميعاً موقف المتفرج.
بغير وحدة عربية شاملة توفرت لها المقومات الثورية، اجتماعياً وسياسياً وعسكرياً، لن تجد مصر يوم الجد معها إلا أبيات شعر حماسية، قد تخدع بعض الأفراد، لكنها لن تخدع جماهير شعوب الأمة العربية. وأخطر من هذا، لن تخدع قيادة العدو.
سوف يؤلمنى لو تصورت لحظة أننى أتكلم بنعرة إقليمية.لقد قلت لك – صادقاً – رأيى.
وساد الحجرة صمت.
ومرة أخرى قدم لى الملك سيجارة، وعلق فى فمه واحدة أخرى، ثم راح يفتش عن الكبريت. على المائدة وفى جيبه.
ثم قال الملك:
– هل أستطيع أن أسألك ماذا بين الجمهورية العربية المتحدة وبينى. لماذا تختلف معى.؟ لماذا تريد لى الموت؟
قلت:
– فى رأيى أنك أنت الذى اختلفت معها وذهبت إلى الصف المعادى لها، بالانقلاب الذى جرى ضد الحكم الوطنى فى الأردن سنة 1957.
لقد تابعت ذلك الفصل من السياسة العربية وأؤكد لك – واثقاً من معلوماتى – أن المخابرات الأمريكية كان لها دور كبير فى أحداث الأردن تلك السنة.
إننى أعرف بعض الذين قبضوا ملايين الدولارات فى عمان من اعتمادات مكافحة الشيوعية التى كانت وكالة المخابرات الأمريكية تغرف منها وتعطى فى الأردن سنة 1957.
قال الملك:
– اسمح لى أن أقول لك إنه كان فى الأردن ذلك الوقت انقلاب ضدى يدبره البعثييون.
إن حزب البعث هو الذى أساء إلى العلاقات بين القاهرة وبينى. والحمد لله أنكم رأيتم الآن حزب البعث على حقيقته.
فى تلك الأيام كان يدعى صداقتكم تظاهراً، وكان يريد استغلال الشعور المؤيد لسياستكم، لكى يقفز إلى الحكم. لقد كان أسلوبهم هو الدس والتآمر طول عمرهم، وكنتم تعتبرونهم الوطنين المتحررين، وتعتبرون غيرهم عملاء الاستعمار وأعوانه.
أنت تقول لى إن المخابرات الأمريكية كانت وراء ما حدث فى الأردن سنة 1957، واسمح لى أن أقول لك إننى أعلم – علم اليقين – أن ما حدث فى العراق يوم 8 فبراير هو الذى كان مؤيداً بالمخابرات الأمريكية.
إن بعض الذين يحكمون فى العراق الآن لا يعرفون الحقيقة. لكنى أعرفها.
لقد دارت اجتماعات كثيرة بين حزب البعث وبين المخابرات الأمريكية. أخطرها اجتماعات عقدت فى الكويت.
هل تعرف أنه يوم وقع الانقلاب فى بغداد يوم 8 فبراير كانت هناك موجة إذاعية سرية موجهة إلى العـراق، تنقل إلى القائمين بالحركة أسماء وعناوين الشيوعيين هناك لكى يتم القبض عليهم وإعدامهم.
ومع ذلك أُتهم أنا بأننى العميل لأمريكا وللاستعمار.
ودعنى أسألك صراحة: ماذا عندى أعطيه لأمريكا وللاستعمار؟
واستطرد الملك يرد بنفسه على سؤاله:
– هل عندى بترول.؟
ليس عندى بترول!.
إن كل خيرات العرب، بما فيها البترول، ما زالت تذهب إلى غير العرب، يعطيها لهم هؤلاء الذين يدعون التحرر لأنفسهم، ويتهمون غيرهم بالعمالة ليس فى الأردن شىء من هذا.كل ما فى الأردن هو موقعه الاستراتيجى ولقد حافظنا عليه حتى جدى الملك عبدالله الذى تتهمه فى كتاباتك بالخيانة لم يفرط فى هذا الموقع؟.
قلت للملك:
– اسمح لى فى هذه النقطة. لست أريد أن أتعرض لمشاعرك العائلية، لكنى كنت مراسلاً مقيماً فى عمـان سنة 1948 واعرف أن الملك عبدالله قابل جولدا مايير قبل بدء المعركة واتفق معها على أشياء، ثم قابل موشى ديان وسط المعركة، وبينما الجيش المصرى يخوض فى فلسطين – وحده – أقسى المعارك، واتفق معه على كل شىء، ضارباً الجيش المصرى بخنجر فى ظهره.
ومع ذلك أقول لك على الفور إنه لم يكن بيننا من يريد أن يحاسبك بتصرفات غيرك. حتى وإن كان جدك.
قال الملك:
– إذن على ماذا تحاسبوننى؟
قلت:
– هل تصدقنى لو قلت لك إنه سنة 1956 كان جمال عبدالناصر نفسه أول المتحمسين لك.
قال الملك:
– أصدق.لقد كنت واثقاً من مشاعره الودية نحوى، لكن الأمور تغيرت وأعود إلى سؤالى، الذى لم تجب عليه: على ماذا تحاسبوننى؟!
قلت:
– هناك أولاً – كما قلت لك – ما جرى سنة 1957 واتهامك للقاهرة بأنها تدبر الانقلابات والاغتيالات، وتسعى بالفرقة والتآمر، ولقد ظللت تردد ذلك سنوات بغير كلل.
– هناك بعد ذلك خطابك فى الأمم المتحدة سنة 1960 حين وقفت فوق هذا المنبر الدولى تهاجمها.
– هناك وأستسمحك الصبر.
مناورة رمضان الشهيرة حين كتبت لجمال عبدالناصر بطلب الود، رعاية للشهر الفضيل بينما أنت على صلة بعملية تدبير انقلاب ضد الوحدة فى سوريا.
– هناك اشتراكك فى الانقلاب على الوحدة بعد ذلك.
– هناك موقفك يوم الانفصال حين أعلنت تعبئة جيشك وذهبت – بنفسك – إلى الإذاعة تحرض ضد الجمهورية العربية فى ذلك اليوم الكئيب.
قال الملك:
– كانت هذه غلطة. أعترف لك!
قلت:
– ولماذا نذهب بعيداً. هناك موقفك فى اليمن.؟
هل أستطيع أن أسألك ماذا بينك وبين حكم الأئمة فى اليمن؟
لقد قيل لى إنك تذهب لزيارة بعض أصدقائك وقت الشاى فى هليكوبتر تقودها بنفسك.
أنت بهذا على الأقل تعيش فى القرن العشرين، فماذا بينك وبين هؤلاء الذين يعيشون فى قرون الظلام الأولى ويفرضونها على شعوبهم؟
قال الملك:
– لقد كان إمام اليمن صديقكم قبلى. ألم يكن عضواً فى الاتحاد معكم؟
قلت:
– كان. وكانت غلطة – أعترف بها كما أعترفت أنت الآن بغلطة أخرى – لكننا صححنا الخطأ، وانسحبت القاهرة بهدوء من اتحادها مع إمام اليمن. ومع ذلك فلقد كان الأمر كله معلقاً بإرادة شعب اليمن. حين أبداها واضحة سادت فوق كل الرؤوس وشاركنا نحن بالجهد كله، وبالدم فى تدعيم سيادتها.
قال الملك باقتضاب:
– لم نأخذ من “البدر” غير المشكلات!
واستطرد الملك بعد لحظة صمت:
– لقد تكلمنا كثيراً عن الماضى. ماذا عن المستقبل؟قلت لك فى بداية الحديث إن الموقف العربى يقلقنى. فهل من سبيل إلى جمع الكلمة لكى نواجهه.
قلت:
– إذا سمحت لى فلست معك تحت شعار جمع الكلمة.
إن المتناقضات لا تجتمع. وإذا تجمعت، فإن تجمعها عملية صناعية، ما تلبث أن تتمزق عند أول صدام.
إن ما يجرى الآن من خلافات فى العالم العربى لا يخيفنى. بالعكس أراه إشارة واضحة إلى حركة التطور.
كـيف يمكن أن تجمع حكاما عرباً يأتمرون بأمر الاستعمار، مع شباب بلادهم الثائر طلباً للحرية؟
كيف يمكن أن تجمع الملك سعود مثلاً ومئات ملايين الجنيهات يملكها – مع الحفاة الجياع من أبناء شعبه يرون ثروتهم الوطنية تحترق كل ليلة بخوراً فى خبايا الحريم؟
سياسياً. فى العالم العربى. واجتماعياً.ليست المرحلة مرحلة جمع الكلمة.
المرحلة الآن هى مرحلة الثورة، تنتزع قيماً جديدة من بين أنقاض الماضى المتهالك.قيماً تنادى بالحرية الحقيقية للأرض، والحرية الحقيقية للإنسان، ولا يمكن أن يتم ذلك دون صراع. ولا يمكن أن يجرى الصراع دون ألم.لكن ذلك – وصدقنى بغير مبالغة – هو الألم العبقرى. الألم الخلاق.
هذا هو الطريق الوحيد المفتوح للحرية السياسية والاجتماعية كما قلت لك. ثم هو أيضاً طريق الوحدة.
ربما كانت مشكلتنا تداخل الثورات مع بعضها. الأمر الذى تصعب معه المعركة.
ومع ذلك، فليس هناك بديل آخر عن قبول التطور كما جاء وتحريكه – أماناً قدر الاستطاعة – نحو غاياته.
قال الملك:
– هبنى أخذت بمنطقك. فهل ترى العدو سوف يأخذ به وينتظرنا؟
قلت:
– لا. ولكن من أجل هذا تبنى الجمهـورية العربية المتحـدة قدرتها الدفاعية لا لنفسها وحدها. ولكن لكل شعوب أمتها العربية مهما كان خلافها مع حكامها، ومهما اختلفت أنواع هؤلاء الحكام.
يستوى فى ذلك الرجعيات المتعاونة فعلاً مع الاستعمار بإرادتها، أو الحركات الانتهازية، كحزب البعث والتى سوف تجد نفسها فى أحضان الاستعمار، ولو برغم إرادتها.!
قال الملك:
– “أريد أن أؤكد لك أن الأوضاع فى الأردن تختلف.
ليست عندنا قاعدة للاستعمار، وليست له بيننا مصلحة.
وليست عندنا طبقة مستغلة. الأردن كله يا أخى فقير”.
وضحك الملك:
وأخرج – مرة أخرى – علبة سجائره. قدم لى واحدة وأخذ لنفسه واحدة وقلت له:
– معى الكبريت هذه المرة لا تفتش عنه.
وقال الملك وهو يشد الدخان من سيجارته:
ما زلت متحيراً. ماذا بينى وبينكم؟
قلت للملك:
دعنى أصارحك. أشعر الآن أنك تبحث عن طريق إلى القاهرة؟
قال مقاطعاً:
– عن إخلاص للقضية. ليس مناورة ولا ترامياً.
قلت:
– ليكن. الطريق فى عمان بداية ونهاية.
دعنى أقول لك خواطرى.
أولاً – لست فى موقف يسمح لى بالتحدث عن سياسة القاهرة، وعن ما تريده أو ما لا تريد.
ثانياً – لو جاز لى أن أقول لك رأيى الشخصى، كصحفى يعالج المشكلات العربية عن قرب، لقلت لك: إن القاهرة ترى أن التحالفات السياسية بين الحكومات مرحلة قبلها الماضى ويرفضها المستقبل.
ربما صلحت بين عروش تجمعها مصالح متشابهة كما هو الحال فى محور سعود والبدر.
ربما صلحت لحزبية تريد أن تتسلط وتسند موقفها فى بلد، بسند من بلد آخر، كما هو الحال فى محور صالح السعدى – أمين الحافظ.
لكن القاهرة نفضت يديها تماماً من هذه السياسة.
قال الملك:
– هل تظن للحظة أننى أريد حلفاً سياسياً، مع القاهرة ضد حزب البعث؟
قلت على الفور:
– لم يخطر ببالى. كنت أتكلم فى المبدأ العام، لألعاب المحاور السياسية بين الحكومات. أما وجود حزب البعث، فإنى واثق أنك تعرف قيمته الحقيقية. إن حكم حزب البعث تجربة كان لابد من المرور بها قبل أن تتهاوى بقايا الماضى مهزومة ومستسلمة.
لقد كانت هذه الحركة هى البقية الأخيرة التى لم تجرب نفسها من مجتمع ما قبل الثورة العربية.
ولقد كان حسناً أن تتأكد قيمتها على حافة المجتمع القديم، قبل أن تتسرب إلى الغد وتتسلل إليه.
كان خيراً أن تظهر على حقيقتها، كقوة مؤخرة لحماية الأمس، ولا تنفذ مدعية دور الطلائع فى اتجاه المستقبل.
وكان الملك ينظر إلىّ، وقلت له:
أعود إلى ما كنت أقوله. إن القاهرة لا تستطيع أن تفتح لك طريقاً إليها.طريقك فى عمان بداية ونهاية.
ليس من شأنى أن أتخذ دور الناصح لك، لكنى مخلصاً أقول لك إن أملك الوحيد: هناك مع شعبك، وبإرادته وحدها.
وسكتّ. وظل الملك ساكتاً. وكانت الحركة فى ميدان “الكونكورد” المزدحم هى الصوت الوحيد المسموع فى الصالون الكبير، المطل على الميدان.
وكانت الساعة تقترب من الحادية عشرة وقلت للملك:
– لقد أخذت من وقتك ساعة ونصف الساعة.
قال وهو يحرك بأصابع يده علبه سجائره على المائدة أمامه:
– ولو أننا لم نخرج من هذا الحديث بنتيجة. فلست أعتبره وقتاً ضائعاً.
قلت له:
– ولا أنا!
وأحسست به يرفع بصره وينظر إلى، وكأنه يحاول أن ينفذ إلى ما وراء الكلمات.
ثم قال:
– هل ضايقتك بإصرارى على الاجتماع بك؟
قلت:
– أبداً. أنت تعرف شعبنا. إننا نختلف مع الناس، ولكن بغير حقد عليهم. بل قد نحارب سياستهم ولكن بغير كراهية لهم وبغير غل!
قال باسماً:
– لقد عشت فى مصر سنوات حلوة!
وصافحت يده الممتدة. ومشيت.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=41