” بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : مرة أخرى. العلاقات العربية السوفيتية

مرة أخرى. العلاقات العربية السوفيتية
إذا كان محتماً أن يكون هذا العام عاماً حاسماً فى أزمة الشرق الأوسط، وهذا ما نقول به ونلح عليه – إذن فإن الأسابيع الستة القادمة على وجه التحديد سوف تكون هى الفترة التى تتشكل فيها ملامح وتقاطيع الحوادث القادمة.
إن العام كله – مع بداية شهر سبتمبر بعد أيام – سوف يكون باقياً منه بالضبط أربعة شهور.
والأسابيع الستة القادمة وما هو منتظر فيها من عودة الحياة الدولية إلى النشاط المكثف ببدء دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة. وما هو متوقع أن يحدث تمهيداً لها ووراء كواليسها وعلى مسرحها من تحركات غير عادية بحكم ملابسات وظروف عالمية متنوعة – كل ذلك سوف يكون بمثابة الأرضية السياسية التى تتحرك عليها أزمة الشرق الأوسط على الطريق: إما إلى حل – تنفيذاً لقرار مجلس الأمن. وإما إلى حرب – لابد منها لأنه لا بديل عنها.
إذا كان هذا العام هو العام الحاسم. وإذا كانت فسحة الزمان الباقية منه أربعة شهور. وإذا كانت الأسابيع الستة القادمة هى المدخل إلى الحسم والمقدمة إما إلى الحل وإما إلى الحرب.
إذا كان ذلك – إذن فإن هناك مسألة أستأذن أن أعود إليها بتفصيل أكثر بعد أن لمستها فى الأسابيع الأخيرة لمساً رقيقاً أو سريعاً، وهذه المسألة هى: العلاقات العربية – السوفيتية والضرورة الملحة لإزاحة سحابة الصيف التى علقت بأجوائها من تأثير ما وقع فى السودان!
ويشجعنى على العودة إلى هذا الموضوع تفصيلاً – وذلك فضلاً عن إيمانى المطلق بأهميته الحيوية بالنسبة للنضال العربى عموماً قبل وخلال وبعد أزمة الشرق الأوسط – إننى أستطيع الاقتراب منه بدون وساوس وبغير عقد، ومرجع ذلك سببان:
– أولهما أننى لست شيوعياً مع العلم بأننى أرفض منطق معاداة الشيوعية مهما كانت دوافعه، وبصفة عامة فإننى أعتبر نفسى منتمياً إلى تيار اليسار الوطنى الذى كان جمال عبدالناصر أعظم دعاته وأبرز قادته.
– وثانيهما أنه لا يمكن لأحد أن يتهمنى بموالاة الاتحاد السوفيتى بل إن عناصر من داخل الاتحاد السوفيتى أو موالية له بالفعل أو بالادعاء رمتنى مرات بممالأة أمريكا لأننى طالبت بعدم التصادم والتناطح بالقوة معها، مع التسليم بأن بيننا وبينها تناقضاً بالطبيعة وبالضرورة لأنه التناقض بين مركز من المراكز الثورية النشيطة فى العالم من ناحية، وبين أعلى المراكز فى النظام الاستعمارى المعاصر من ناحية أخرى.
وإذن فأنا كما قلت أقترب من هذا الموضوع بغير وساوس وبدون عقد.
أريد أن أقول بصدق وأمانة إنه لا شىء فى تقديرى الآن يمكن أن تكون له الأسبقية والأولوية على ضرورة إعادة روح التفاهم العميق النابعة عن تقدير استراتيجى بعيد المدى – إلى العلاقات العربية – السوفيتية بغير إبطاء أو تأخير أو تلكؤ.
وإذا كنا جادين فى الحسم، بالحل أو بالحرب، فإنه من المستحيل فى ظنى أن نواجه المرحلة المقبلة بغير القيام بهذه المهمة العاجلة، ولعل هذه المهمة هى رأس القائمة فى مسئوليات قيادات الاتحاد الثلاثى الجديد.
وأذكر أننى كنت أتحدث فى هذا الموضوع مع أحد الساسة العرب وكان قولى له:
– إذا كنا قد استطعنا تفجير القنبلة الذرية وأعددنا مخزوناً كافياً منها وقررنا أن نتحمل المسئولية الإنسانية لاستعمالها فى حربنا.
أو إذا كنا قد حققنا الوحدة الكاملة للأمة العربية كلها: البشر والطاقات والموارد وحشدناها لمواجهة شاملة مع العدو وأصدقائه إلى آخر المدى وبغير تحفظات من أى نوع.
أو إذا كنا قد حصلنا فى جيوبنا بواسطة جهود الولايات المتحدة الأمريكية على كل الأراضى العربية التى احتلت سنة 1967.
أو إذا كنا قد استطعنا العثور على طريق لمواصلة التنمية الصناعية وهى مقياس التقدم الوحيد فى هذا الزمان.
إذا كنا قد وصلنا إلى هذا كله – وأنا أشك فى وصولنا إلى شىء منه – إذن فإننا قد نستطيع أن نغض الطرف عن الصداقة العربية – السوفيتية.
ومع ذلك. فلماذا؟
فلنفرض أننا وصلنا إلى هذا كله وأنه تحت تصرفنا وفى أيدينا وفى جيوبنا وأمام عيوننا – فما هو المبرر المنطقى والعملى الذى يمكن بمقتضاه أن نسمح لأنفسنا بترف الخلاف مع الاتحاد السوفيتى؟
إن هدف الناس فى السياسة الدولية – ومهما كانوا أقوياء – أن يبحثوا لأنفسهم عن إضافة جديدة لمصادر قوتهم.
ولا يمكن أن يكون هدف الناس – خصوصاً مع الضعف – أن يبددوا بأنفسهم مصادر قوة تحققت لهم فعلاً!.
إن تقدير المواقف فى الإستراتيجية السياسية لأى دولة من الدول أو أى تيار من التيارات القادرة على تجاوز حدود الدول – كحركة القومية العربية – يجب أن يأخذ فى حسابه عندما يفكر ويقرر مجموعة من الاعتبارات:
1- عليه أن يحدد الأهمية المطلقة أو النسبية لكل عامل من العوامل المؤثرة فى العالم بالنسبة له فى الحال وفى المستقبل، وعليه أن يكون فى هذا التحديد شديد الوضوح والحسم.
2- عليه أن يفهم أن لكل طرف من الأطراف فى العالم – فضلاً عن المبادئ المعلنة – مصالح وارتباطات وتصورات، وهذه المصالح والارتباطات والتصورات يجب أن تواجه كما هى فعلاً وليس كما يجب أن تكون، والسياسة الدولية ليست طبعة عالمية جديدة من قصص الحب العذرى المشهورة فى تاريخ الغرام ابتداء من قيس وليلى إلى روميو وجوليت!
3- وعليه أن يدير العلاقات بينه وبين أى طرف آخر، بالمرجو أملاً منها، وبالحقائق الواقعة فيها، على أساس علمى تحركه إرادة الفعل، ولا تؤثر فيه غرائز الانفعال!
وإذا أخذنا هذه الاعتبارات قياساً على علاقاتنا مع الاتحاد السوفيتى وجدنا ما يلى:
– إن العلاقات العربية – السوفيتية لها فى الأوضاع الراهنة أهمية مطلقة.
– إن الاتحاد السوفيتى إلى جانب مبادئه له مصالح وارتباطات وتصورات وهذا منطقى ومشروع فى السياسة الدولية.
– إن مسئولية إدارة العلاقات بيننا وبين الاتحاد السوفيتى تقع علينا نحن بدرجة متكافئة على الأقل مع مسئولية الاتحاد السوفيتى بصرف النظر عن تفاوت موازين القوى والأحجام وذلك معنى من أهم المعانى فى منطق الاستقلال الوطنى.
أى أننا مثلاً لا نستطيع أن نقول إن الاتحاد السوفيتى أخطأ حيالنا وبما أنه هو الأكبر والأقوى – إذن فإن عليه هو أن يأخذ المبادأة نحو التصحيح.
وأنا أول من يعترف أن الحزب الشيوعى السودانى وقع فى خطأ تاريخى فادح يوم 18 يوليو الماضى بتأييده لانقلاب هاشم العطا.
وأنا أول من يعترف أن الاتحاد السوفيتى وجد نفسه فى أوضاع ربما لم يكن يريدها باختياره.
ولكن. ماذا بعد؟
وهل نترك آثار هذا كله تتصاعد بغير حساب؟
ولمصلحة من؟
ثم لقد كان تيار نميرى هو الذى انتصر فى الصدام المفاجئ الذى انفجر فى السودان وأيده الحزب الشيوعى السودانى. وإذن فلماذا استمرار الغضب والتمادى فى الانتقام – وماذا كنا نفعل لو أن التيار الآخر هو الذى انتصر فى صراع الخرطوم؟!
إن هناك قاعدة عامة فى السياسة الدولية الحديثة تقول:
– “اترك دائماً أمام الخصم باباً مفتوحاً يستطيع أن يتراجع منه ولا تفرض عليه لثانية واحدة ذلك الشعور اليائس بأن جميع الأبواب خلفه قد أغلقت وليس أمامه غير أن يكون قاتلاً أو مقتولاً”.
ذلك مع الخصوم.
ومع الأصدقاء فإن الأمر يجب أن يختلف وأن يختلف كثيراً. وكثيراً جداً.
مع الأصدقاء لا يمكن أن تكون المسألة ترك باب خلفى مفتوح يتراجعون منه، وإنما مع الأصدقاء لابد من التقدم نحوهم ومن الباب الأمامى باليد الممدودة وبالقلب المفتوح خصوصاً إذا كانت علاقة الصداقة حيوية، إستراتيجية – وليست تكتيكية – فى الحال والمستقبل على السواء.
وللإنصاف فإنى أريد أن أضيف أن الاتحاد السوفيتى كان معذوراً فى بعض ما أحس به. وعلينا أن نضع أنفسنا فى مكانه إذا أردنا أن نحسن تقدير الأمور.
وإذا وضعنا أنفسنا فى مكان الاتحاد السوفيتى وحاولنا أن نرى الأمور من حيث رآها وجدنا ما يلى:
1- كان الاتحاد السوفيتى يقيم علاقته بالحركة الثورية للقومية العربية على وجود جمال عبدالناصر، ولم يكن جمال عبدالناصر مجرد قيادة ولكنه كان تياراً تاريخياً هائلاً.
ولم تكن العلاقة بين الاتحاد السوفيتى وقيادة جمال عبدالناصر طريقاً سهلاً ومعبداً فى كل الظروف.
إن طريق هذه العلاقة حفل بمصاعب وعقبات كثيرة ولكن الرؤية الصافية للبعد الاستراتيجى لهذه العلاقة صانتها فى كل الظروف وأكدت ضرورة الحرص عليها مهما كان أو يكن.
ومن الرؤية للبعد الاستراتيجى لهذه العلاقة فإن الاتحاد السوفيتى لعب دوراً أساسياً فى التطوير الصناعى والزراعى لمصر ولعب الدور الرئيسى فى مساندة المجهود المصرى السياسى والعسكرى من أجل الصمود بعد يونيو سنة 1967 ووصل فى ذلك – بعد زيارة عبدالناصر السرية لموسكو فى يناير 1970 – إلى حد التواجد الفعلى فى المنطقة وكان هذا التواجد ولا يزال من أكبر العناصر الضاغطة فى سبيل إيجاد مخرج من الأزمة.
وجاء رحيل جمال عبدالناصر يوم 28 سبتمبر 1970 مفاجأة كاملة للدنيا كلها بما فيها الاتحاد السوفيتى، وصحيح أن قيادات الاتحاد السوفيتى لم تكن بعيدة عن معرفة الحالة الصحية لجمال عبدالناصر بالضبط بعد إصابته بالنوبة القلبية الأولى فى سبتمبر 1969- إلا إن أحداً لم يخطر بباله النهاية سريعة وخاطفة على النحو الذى جاءت به.
2- إن الاتحاد السوفيتى لم يكن يتصور أن هذا الكثير فى الشرق الأوسط يعتمد إلى حد كبير على هذا القليل الذى يمثله كيان رجل واحد.
وأذكر يوم جنازة جمال عبدالناصر فى أول أكتوبر الماضى أننى مررت بالسفارة السوفيتية فى القاهرة لموعد مع “كوسيجين” رئيس وزراء الاتحاد السوفيتى تحدد فى الصباح الباكر، وأذكر أننى بعد مناقشة حول التطورات ركبت معه قارباً فى النيل عبر بنا من أمام السفارة السوفيتية بالجيزة حيث كان يقيم إلى طرف الجزيرة حيث يقوم مبنى مجلس قيادة الثورة وحيث كان مقرراً أن يبدأ موكب الجنازة الرسمية.
كانت ضفاف النيل المتعددة فى هذا الموقع حيث تتقارب أطراف الجزر – الروضة والجزيرة – تموج بمشهد إنسانى يهز إلى الأعماق.
آلاف مؤلفة على الضفاف المتعددة تغطيها وتزحمها، وصراخ الألم يملأ الهواء وطوفان الدموع ينسكب فى النيل. ونظر كوسيجين إلى المشهد من حوله ثم نظر إلى وقال:
– “ثم ماذا. لابد من التماسك. يجب أن يتماسك الكل حتى يمكن ملء الفراغ؟”.
ولابد أن كوسيجين عاد إلى القيادة السوفيتية فى موسكو بهذا السؤال الذى سمعته منه فى قارب على النيل – ثم ماذا فى مصر وفى العالم العربى بعد جمال عبدالناصر. وإلى أى مدى يمكن أن يتماسك هذا التيار الذى هز المنطقة حاملاً اسم الناصرية؟.
3- من سوء الحظ بعد ذلك أن الفراغ شد إلى القمة فى مصر عناصر ولدت وعاشت فى جو السلطة وحده وكان قصورها السياسى مخيفاً، وكان تقدمها للصدارة – بحكم مفاتيح السلطة التى كانت فى يدها – ضريبة فادحة من تلك الضرائب التى يفرضها الأمر الواقع مهما كان على كل شىء عداه، وهذه فى بعض تجارب الأمم مزيج من المهزلة والمأساة فى نفس اللحظة.
ولست أريد أن أستفيض فى هذه النقطة فهؤلاء جميعاً فى قفص الاتهام الآن ولا أرضى لنفسى أن أقترب من أحدهم اليوم بكلمة – ولكنه من المؤكد أن الاتحاد السوفيتى ذعر وهو يسمع بعضهم يتكلم فى الاستراتيجية العليا للدولة وفى مشاكل إدارة الصراع الدائر على أرض الشرق الأوسط.
وحتى إذا لم يكن الاتحاد السوفيتى قد ذعر، فإنه على وجه القطع لابد أن يكون قد تحفظ لأنه أحس أن الأيدى الممسكة بأزمة قرارات الحرب والسلام ليست قادرة على القيادة.
4- من سوء الحظ أكثر أن بعض هذه العناصر بدأت تتصارع مع بعضها ثم بدأت تقوم بمناورات للسيطرة الكاملة على سلطة الدولة العليا ولو على حساب الشرعية التى يمثلها رئيس الجمهورية المنتخب من الشعب.
ومن سوء الحظ أكثر وأكثر أن بعض هذه العناصر خطر لها أن تستغل الاتحاد السوفيتى – على غير رغبة منه وعلى غير علم – فى صراعاتها الداخلية المشوشة!
وقد أعود فى يوم من الأيام إلى بعض التفاصيل من وقائع هذه الفترة الغريبة العجيبة من تاريخ مصر – ما بين 28 سبتمبر 1970 إلى 14 مايو 1971 – لكنى أكتفى اليوم كمثال بواقعة واحدة ولولا أننى استوثقت منها عن شاهد عيان لها ما كنت ذكرتها.
ذهب السيد سامى شرف فى شهر مارس الماضى إلى الاتحاد السوفيتى لحضور المؤتمر الرابع والعشرين للحزب الشيوعى السوفيتى، وفى أثناء وجوده هناك طلب مقابلة خاصة مع ليونيد بريجنيف زعيم الحزب الشيوعى السوفيتى وطلب أن لا يحضرها غيره من أعضاء الوفد الرسمى الذى كان فى موسكو وقتها.
وكان ما حدث فى هذه المقابلة محزناً.
وأتصور أن بريجنيف فوجئ عندما سمع سامى شرف يقول له بالحرف الواحد:
– “إن الرئيس جمال عبدالناصر قبل أن يموت شاور على شعراوى جمعة وعلى وقال لنا نحن الاثنين:
إننى أحملكما وحدكما مسئولية المحافظة على الصداقة العربية – السوفيتية”.
وتساءل برجنيف:
– “هل مد الرئيس يده وأشار إليكما أنتما الاثنين فقط؟”.
ومضى سامى شرف يقول:
– “نعم. نحن الاثنان فقط!”.
وأتصور أن سامى شرف فوجئ بدوره حين وجد بريجنيف يقول له:
– “إذن تعال حتى أضربك علقه!”.
وبدا على سامى شرف أنه لم يفهم واستطرد بريجنيف يقول:
– “سوف أروى لك قصة من الأدب الشعبى الروسى.”.
واستطرد بريجنيف:
– كانت هناك عائلة، وكان رب العائلة يقوم بكل الأعباء تقريباً بمفرده وكان بين أعبائه اليومية أن يحمل وعاءً كبيراً إلى البئر يملؤه ويعود به لتستوفى منه العائلة كل حاجتها من الماء.
وكبر الأطفال فى العائلة وأصبحوا شباباً وراح الأب يوزع عليهم مسئولياته اليومية ومن بينها جلب المياه من البئر فى هذا الوعاء.
ونادى الرجل الكبير واحداً من الشباب وكلفه بمسئولية جلب الماء وقال له:
– هذا هو الوعاء الذى تأتى فيه بالماء كل يوم. احرص عليه وحذار أن تكسره. هل فهمت واجبك؟”.
وقال الشاب لرب العائلة أنه فهم وأنه سوف يحرص على الوعاء ويصونه من الكسر.
ثم هم أن يحمل الوعاء ويتوجه ناحية البئر لجلب المياه.
وفجأة قال له الرجل الكبير:
تعال هنا واقترب منى.
ثم فجأة انهال عليه ضرباً وأعطاه علقه ساخنة.
وقال الشاب وهو يصرخ:
– “ولكنى لم أكسر الوعاء. فلماذا تضربنى؟!”.
قال الرجل الكبير:
– “وما فائدة أن أضربك بعد أن تكون كسرته!”.
والمحزن فى القصة كلها أن مدلولها ومغزاها فات على سامعها الذى وجهها بريجنيف إليه!
5- مع مجىء ويليام روجرز وزير الخارجية الأمريكى إلى القاهرة فى مايو الماضى فإن بعض العناصر المتصارعة من أجل السلطة راحت توحى إلى الاتحاد السوفيتى بإيحاءات متناقضة مع الحقيقة.
كان أنور السادات يريد أن يضع الولايات المتحدة الأمريكية فى وضع تضطر فيه إلى تحديد موقفها.
وكان همس عناصر السلطة ولأهداف صراعهم من أجلها أن أنور السادات قد عقد صفقة لحل الأزمة من وراء ظهر الاتحاد السوفيتى.
والمدهش أن عناصر التآمر فى السلطة تلاقت من حيث لا تعى ولا تدرى مع الولايات المتحدة الأمريكية.
كانت الولايات المتحدة الأمريكية – ولأهدافها الخاصة – تريد أن توحى بأنها سائرة فى الحل مع مصر مباشرةً.
وإذا بعناصر التآمر فى السلطة تقول بنفس الشىء إيماءً وتلميحاً للاتحاد السوفيتى حتى توحى له بأن أنور السادات يستعمله كورقة فى لعبة وليس صديقاً فى نضال.
6- ومع خروج المؤامرة شبه سافرة بعد الاتحاد الثلاثى الذى اتخذ مناسبة لاستعراض القوة من جانب عناصر المؤامرة فى السلطة – فإن الرئيس أنور السادات اتخذ قراره بإقالة السيد على صبرى.
وفى حساباته لكل الملابسات فإن أنور السادات فى مقابلة له مع السفير السوفيتى فلاديمير فينوجرادف فى الأيام الأخيرة من شهر أبريل الماضى قال له:
– “إننى قررت إقالة على صبرى”.
ودهش السفير السوفيتى المقتدر وراح يتطلع إلى الرئيس السادات فى انتظار إيضاح أكثر، واستطرد الرئيس السادات:
– إن هذه مسألة داخلية كما يمكن أن يكون قد خطر لك.
ولكن أردتك أن تعرف بما قررت.
أردتك أن تعرف ليس لأننى أريد أن أستأذن فيما أقرر هنا فى مصر – ولكن لأنى أعرف سلفاً أن دعاية الغرب سوف تستغل إقالة على صبرى وتصورها وكأنها عمل معاد للاتحاد السوفيتى.
إن دعاية الغرب وحربه النفسية سوف تحاول أن تقول إن على صبرى هو رجل موسكو فى مصر وأن إخراجه ضربة لها.
ومع أنى أعرف وأنت تعرف أن ذلك كله ليس صحيحاً فلقد فكرت أن أحيد عن طريقى لأقول لك ما قررت حتى لا يستطيع أحد أن يثير غباراً من حول العلاقات بيننا.
“إن العلاقات العربية – السوفيتية لا يمثلها مسئول واحد ولو كان ذلك لضاعت، وإنما قيمة العلاقات العربية – السوفيتية هو أنها يقين بمصلحة مشتركة بين شعبين كبيرين”.
7- إن المؤامرة خرجت بعد ذلك سافرة تماماً فى 13 مايو ثم كانت حركة التصحيح التى قادها أنور السادات فى 14 و15 مايو وبالتأكيد فإنه بدا فى لحظة من اللحظات أمام بعض المسئولين فى الاتحاد السوفيتى وكان معظم من كانوا يعرفونهم ويتصلون بهم – لم يعودوا جميعاً فى أماكنهم.
وبالطبع فإن الدعاية الأمريكية لم تقصر فى استغلال هذا الوضع الطارئ وإخراجه عن مكانه الصحيح. وكانت الحرب النفسية الأمريكية موجهة هذه المرة إلى الاتحاد السوفيتى!
8- وبعد 14 و15 مايو فلقد تحركت بالتأكيد نزعات من بقايا ما كان فى مصر قبل عملية التحول الاشتراكى. لقد حاولت بعض العناصر أن تستغل أخطاء المتآمرين لتضعها على حساب مبادئ الثورة.
كما أنه كان هناك بالتأكيد من حاولوا أن يستغلوا مطلب سيادة القانون – وهو مشروع مرغوب فيه – ضد حتمية التطور الاجتماعى واستمراره نحو الاشتراكية – وهو أقوى أحجار الأساس فى التجربة المصرية كلها.
وأتصور أن ظواهر تلك الأيام قد أحدثت بعض القلق فى تقديرات الاتحاد السوفيتى خصوصاً مع اهتمامه بالمنطقة وحرصه على صداقتها ومع استثماراته الهائلة فى الصناعات وفى السد العالى وفى إعادة بناء القوات المسلحة.
9- وفى هذا الجو وقع ما وقع فى السودان.
ثم لم يستطع أحد أن يسيطر تماماً على ما حدث فى السودان ويحصره فى نطاقه فإذا به يتجاوز مداه ليصبح حملة ضد الاتحاد السوفيتى وضد الشيوعية حتى كان الحد الذى كتب فيه الرئيس جوزيف بروز تيتو إلى أحد أصدقائه فى المنطقة يقول له:
– “إننى كنت ومازلت صديقاً محباً لكم. ولعلكم لم تنسوا بعد أننى شيوعى”.
10- ثم تلقت حسابات الاتحاد السوفيتى مفاجأة أخرى وهى التقارب بين الولايات المتحدة والصين، متمثلاً فى الزيارة المقبلة لنيكسون إلى بكين.
كان الاتحاد السوفيتى – وذلك يمس أزمة الشرق الأوسط ضمن ما يمس من المشاكل العالمية – يتصور أن نيكسون سوف يجد نفسه مضطراً إلى التقارب مع الاتحاد السوفيتى ومحاولة التفاهم معه على حل المعلقات الخطيرة من المشاكل العالمية القابلة للانفجار وبينها أزمة الشرق الأوسط.
وكان التقدير أن نيكسون لابد أن يفعل ذلك لكى يستطيع أن يتقدم إلى الناخبين فى معركة الرئاسة المقبلة بإنجاز واضح فى السياسة الخارجية بعد فشل ذريع فى السياسة الداخلية.
وفجأة إذا بنيكسون يقوم بمغامرته الصينية.
وبالتأكيد فإن الاتحاد السوفيتى وجد نفسه مضطراً إلى إعادة حساباته.
كل ذلك والشرق الأوسط يتحول إلى شبه بحر من الرمال المتحركة.
وكل ذلك والعالم العربى يبدو وكأنه قد تفكك إلى شظايا راحت كل منها تندفع إلى ناحية.
ولقد أطلت وعذرى أننى أردت أن أشرح الظروف تفصيلاً لأقول بعدها:
– قبل أى شىء آخر – أمام مصر وأمام اتحاد الجمهوريات العربية مهمة كبرى لها الأولوية ولها الأسبقية على كل ما عداها.
هذه المهمة هى تبديد سحابة الصيف التى عبرت جو العلاقات العربية – السوفيتية ذلك أنه بدون إعادة العلاقات العربية – السوفيتية إلى حالتها الطبيعية فإن النضال العربى كله سوف يجد نفسه فى لحظة من لحظات الحسم مضطراً إلى الوقوف موقف القلق مهما كان الاتجاه الذى ستأخذه الحوادث: ناحية الحل، أو ناحية الحرب.
ولكى أكون منصفاً فلابد أن أقول: إننا لم نحتكر الأخطاء وحدنا وإنما كان لغيرنا منها نصيب.
ولكن ماذا بعد؟
إننا نستطيع أن نقف وأن نعد لأصدقائنا قائمة أخطاء وقعوا فيها، ولكن إلى أين نصل من ذلك؟
إن علينا فى كل ما نقوم به أن نتذكر مسألتين:
الأولى – أنه بدون ما حصلنا عليه من الاتحاد السوفيتى، وبدون ما يمكن أن نحصل عليه من الاتحاد السوفيتى، فإن ما نستطيعه يصبح محدوداً وأقل بكثير من الحد الأدنى مما يتعين علينا تحقيقه.
الثانية – أن الهدف الأكبر الذى تسعى إليه إسرائيل والولايات المتحدة هو إخراج العامل السوفيتى كله تأثيراً وتواجداً فى أزمة الشرق الأوسط لأن هذا العامل هو أهم القوى الضاغطة، وإذا لم ندرك ذلك وإذا لم نعمل على مواجهته – إذن فنحن نقدم للعدو مطلبه على طبق من فضة.
وأخيراً فلعله من حسن الحظ أن هناك شواهد تشير إلى أن كل الأطراف راغبون فى تجنب كارثة لا مبرر لها:
– كانت مجلة “أجينيوك” السوفيتية الشهيرة قد أعدت موضوعاً كبيراً فى الهجوم على ما حدث فى السودان ورأى رئيس تحريرها سافرونوف بعد تنسيق فى اللجنة المركزية أن يحذف الموضوع من عدد مجلته الكبيرة.
– وكانت زيارة الرئيس أنور السادات إلى الخرطوم.
– وظهرت فى الخرطوم بوادر تشير إلى رغبة فى الضغط على الفرامل حتى لا يكون اندفاع إلى أبعد مما يريد أحد.
ثم يجب أن نتحرك بعد ذلك بأقصى سرعة لكى نمسك بزمام الحوادث نقودها نحن. ولا تقودنا هى.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=861