” بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : لكل سؤال جواب “

لكل سؤال جواب
وفى اللقاء الأخير بين الرئيس جمال عبدالناصر، وبين وليم راونترى مساعد جون فوستر دالاس، وزير خارجية أمريكا، وأحدث مبعوثيه إلى الشرق الأوسط، قال الرئيس جمال عبدالناصر فى وسط المناقشة كلمة عابرة، ولكنها فى تقديري، تلخص بطريقة وافية وكاملة، تجربة من أضخم التجارب فى تاريخنا.
قال الرئيس جمال عبدالناصر لراونترى:
– لقد أصبح كل مواطن هنا خبيراً وحجة فى الحرب الباردة، إن أي واحد فى القاهرة أو فى دمشق، أو فى غيرهما من مدن وقرى الجمهورية العربية المتحدة يستطيع اليوم أن يؤلف كتاباً عن الحرب الباردة يصبح مرجعاً واقعياً وأصيلاً فى موضوعها!
فى هذه الكلمة العابرة – فى تقديري – ركز جمال عبدالناصر قصة ست سنوات بين الجبهة الداخلية فى بلادنا وبين الحرب الباردة.
لقد جربت هذه الجبهة الداخلية فى بلادنا جميع أنواع الحرب الباردة.
وعاشت جميع مواسمها، الربيع والخريف، والصيف والشتاء.
نسمات الربيع التى تهمس بالود، ووروده الحريصة على إخفاء الشوك وراء غلالات العطر وبهجة اللون. ذلك كله جربناه حين كان الغرب يحاول غوايتنا لكي نميل على هواه، وندخل طائعين إلى “حريم” الأحلاف العسكرية ومناطق النفوذ التى ملأها بالجواري والأغوات!
برودة الخريف، أوراقه الصفراء الجافة، تقلباته السريعة، رياحه التى لا تستقر على حال. ذلك كله جربناه حين كانت الوقيعة تجرى بيننا وبين إخواننا، حين راحت بذور الشك تزرع الصحارى وتفرش رمالها بحقول الشوك!
والصيف، أنفاسه المختنقة، العرق والرطوبة، القيظ واللهب، ذلك كله جربناه خلال محاولات التجويع، خلال الخنق الاقتصادي، خلال رياح السموم تحمل الظلمات، تهب علينا من اتجاه إسرائيل.
والشتاء، برقه ورعده، عواصفه وأمطاره، أعاصيره وصواعقه، تعاقبت علينا، تهديدات فى إثر تهديدات، جيوش تزحف بعد جيوش، طائرات فى الجو، وسفن فى البحر، وحصار من كل ناحية، وقتال!
عاشت الجبهة الداخلية فى بلادنا هذه المواسم جميعاً، عاشتها بجميع حواسها، وعاشتها بجميع طاقاتها.
والعجيب، أنها خرجت فى نهاية التجربة، أقوى مما كانت فى بداية التجربة.
ولربما كنا، نموذجاً نادراً فى العالم، لوطن جرب ما جربناه، وعاش ما عشناه، ثم خرج فى النهاية بمثل الذي خرجنا به!
الحرب الباردة علينا لنرضخ للاحتلال الأجنبي ونستكين، بدأت والغريب مازال على أرضنا، واليوم أين الغريب؟
إنه على طريق الانسحاب. ليس من أرضنا فقط، وإنما من أرض ممتدة حولنا تأثر ما يجرى فيها بالذي جرى عندنا.
والحرب الباردة علينا لنرضى – طوعاً أو كرهاً – بالأحلاف العسكرية والقواعد ومناطق النفوذ، انتهت بأن جعلت منا مركز إشعاع للتحرر الدولي، وملجأً لطلاب الحرية فى كل البلاد وكل الأوطان.
والحرب الباردة علينا لنستسلم لاحتكار السلاح، ونستجديه من الذين يغدقون على عدونا، لم يكن لها من أثر علينا إلا أنه أصبح لنا فى المنطقة أكبر الجيوش، وأصبح لجيشنا بين جيوش المنطقة، أحدث السلاح وأكثر السلاح!
والحرب الباردة علينا لنجوع، لنمرض، ليحل الفقر فى ديارنا والخراب، لم تفعل بنا إلا أن استثارت فى أعماقنا غريزة الحياة، فإذا اقتصادنا يتم تمصيره، وإذا لقمة عيشنا تتحرر من الاحتكار، وإذا نحن نبنى المصانع ونعمر المدن ونقيم السدود ونتجه إلى الأرض البكر نفجر فيها العيون والآبار، وإذا نحن، وقد كانوا يمنّون علينا بألوف الدولارات على شكل هبات أو مساعدات – نقرر أن نمنح أنفسنا مئات الملايين – من الدولارات – ودخل قناة السويس مثلاً يضع فى أيدينا كل عام مائة مليون دولار!
نموذج نادر فى العالم، لوطن جرب ما جربناه، وعاش ما عشناه، ثم خرج فى النهاية بمثل الذي خرجنا به.
والذين يتعرضون لمثل ما تعرضنا له، فى مثل ظروفنا، لا يعيشون بعد التجربة – عادة – ليحكوا تفاصيلها ويتأملوا دروسها. التفاصيل فى العادة تمضى معهم، والدروس تضيع.
أما نحن. نحن – كما قلت، نموذج نادر المثال!
ولكن. لماذا؟
السر، وما أظنه سراً، هو أننا منذ الدقيقة الأولى لمعركة الحرب الباردة على الجبهة الداخلية فى بلادنا، استطعنا أن نرى الصورة صافية فى وجداننا.
استطعنا أن نرى صورة العالم من حولنا، صورة الصراع فيه وطبيعته.
واستطعنا أيضاً أن نرى صورة أنفسنا وصورة الدور الذي نستطيع القيام به على ضوء ظروف العالم من حولنا، وظروفنا الخاصة داخل حدودنا!
كان ذلك كله واضحاً منذ الدقيقة الأولى للمعركة.
وفى سنة 1953 والمعركة بعد مازالت فى بدايتها جاء إلى القاهرة جون فوستر دالاس وزير خارجية أمريكا، والتقى فى مبنى السفارة الأمريكية بالرئيس جمال عبدالناصر.
اللقاء الأول. والأخير بينهما.
تحدث دالاس عن الموقف فى الشرق الأوسط. عن ضرورة الدفاع عنه ضد الزحف الشيوعي.
إن روسيا بصدد بناء إمبراطورية شيوعية، لقد استولت بعد الحرب على شرق أوروبا كله وأقامت فيه حكومات موالية، وهى تزحف باستمرار.
الغرب يقاوم، بالأحلاف العسكرية والقواعد ليوقف الزحف.
إذن انضموا معنا – كلام دالاس – إلى حلف عسكري للدفاع عن الشرق الأوسط!
يقول المحضر التفصيلي لهذه المقابلة:
جمال عبدالناصر: هل لي أن أسأل ماذا يصنع هذا الحلف العسكري المقترح للدفاع عن الشرق الأوسط؟
جون فوستر دالاس: يقوم بما يقوم به أي تعاون عسكري بين الدول، ينظم قوات جيوشه، وينسق التعاون بينها، ويدبر طرق المواصلات والقواعد والتدريب. إلى آخره، وأظنكم بخبرتكم العسكرية تقدرون على تحديد مهمة ما يمكن أن يصنعه حلف عسكري أكثر مما يستطيع محام مثلى؟!
جمال عبدالناصر: لم أكن أسأل عن وظيفة الحلف العسكري المقترح من هذه الناحية، وكنت أريد أن أفهم ما هو العدو الذي يتعين على ذلك الحلف بجيوشه أن يصده.
جون فوستر دالاس: أوضحت فى كلامي أن الخطر هو من روسيا، ومعنى ذلك أن الجيش الذي يتعين صده هو الجيش الأحمر.
جمال عبدالناصر: أشرتم فى حديثكم إلى الإمبراطورية الشيوعية التى تبنتها روسـيا، وأشرتم إلى أن روسيا استولت بعد الحرب على شرق أوروبا وأقامت فيه حكومات موالية، وضربتم مثل تشيكوسلوفاكيا بالذات.
ولنفرض أنني – لمجرد الجدل والمناقشة – سلمت بصحة ما تقولون، فهل لي أن أسأل ما هو تاريخ اليوم الذي زحف فيه الجيش الأحمر على تشيكوسلوفاكيا لكي يخضعها ويضمها للإمبراطورية الجديدة.
جون فوستر دالاس: إن الشيوعيين تسللوا من خلف ظهر جان مازاريك واستولوا على تشيكوسلوفاكيا بانقلاب من الداخل، وانتهى الأمر بأن انتحر جان مازاريك نفسه، وقفز من نافذة مكتبه، بعد أن نجح الغزو الشيوعي فى بلاده!
جمال عبدالناصر: أنا أسأل عن دور الجيش الأحمر. هل كان له دور؟
جون فوستر دالاس: أوضحت أن الغزو كان من الداخل!
جمال عبدالناصر: شكراً. لم أكن أقصد الإلحاح، ولكنى كنت أريد أن نصل إلى هذه النتيجة‍‍!
جون فوستر دالاس: أي نتيجة؟
وبدأ جمال عبدالناصر يرد باستفاضة على السؤال: أي نتيجة؟
قال جمال عبدالناصر:
– نتيجة أن الغزو سيجيء من الداخل، أن ذلك فعلاً هو الأساس الذي تقوم عليه نظريتنا أننا نعتقد أنه فى ظروف الحرب الجديدة وبالذات بعد القنابل الذرية – سوف يكون من العسير على أي بلد أن يغزو بلداً آخر بالجيوش، لذلك نعتقد أن أي غزو جديد سيجيء من الداخل.
وأنتم تطلبون منا أن ننضم معكم فى حلف لكي نستطيع أن ندافع معاً عن الشرق الأوسط.
ونحن نعتذر عن الانضمام إلى هذا الحلف حتى نستطيع أن ندافع عن الشرق الأوسط.
إن كلامي هذا يبدو غريباً عليكم، ولكن دعوني أوضحه.
إن الجيش الأحمر – حتى لو قررت روسيا غزونا وصممت عليه – لن يجيء، ومعنى ذلك أن كل جهودنا لإنشاء حلف، وإقامة قواعد، وحشد جيوش لن تؤدى إلى نتيجة لأن العدو الذي نستعد له لن يجئ من الطريق الذي نرابط لحمايته.
وإنما العدو إذا جاء – سيجيء من وراء ظهورنا.
لذلك فإنني أرى أن الدفاع الفعال عن الشرق الأوسط، هو فى صيانة الجبهات الداخلية فيه، فإن هذه هى الجبهات، وليست جبهات القتال على الحدود، هى التى ستتعرض للغزو، الغزو من الداخل. هل أنا واضح؟
إن الحلف الذي تتحدثون عنه لا يدافع عن الشرق الأوسط فى رأيي، وإنما هو يزيد من تعرضه للخطر، ذلك أنه سوف ينقل الاهتمام – والجهد – إلى حيث لا خطر، ثم يترك منطقة الخطر ذاتها وراءه مكشوفة معرضة. فكرة الحلف إذن لا تصلح للدفاع عن الشرق الأوسط. بل هى فى حقيقة أمرها، خطر كبير على الشرق الأوسط‍!
وسكت دالاس قليلاً، ثم جاء منه سؤال:
– كيف إذن يكون الدفاع عن الشرق الأوسط فى رأيك، وكيف يمكن حماية الجبهات الداخلية فيه؟
سؤال صعب. صعب. وإنما لكل سؤال جواب!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=814