بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : لقاءات سفر

لقاءات سفر
كتبت حتى الآن ثلاث مقالات – وهذا هو الرابع – عن رحلة شتاء
قمت بها إلى أوروبا الغربية بادئاً بلندن فباريس ثم روما.
كان المقال الأول مجموعة من الانطباعات العامة الصور السريعة مما رأيت وسمعت.
وكان الثاني يدور حول أزمة الشرق الأوسط وكيف تبدو احتمالاتها من بعيد.
ثم كان الثالث لقاء مع “أندريه مالرو” – محوره الأساسي شخصية “جمال عبدالناصر” ودوره التاريخي ومقارنة بينه وبين “شارل ديجول”.
وأصل الآن إلى المقال الرابع وقد اخترت أن يكون مجموعة أحاديث شاركت فيها مع عدد من الذين أتاحت لى الظروف أن ألقاهم فى لندن وباريس وروما.
وأختار منهم هذا الأسبوع “إدوارد هيث” رئيس وزراء بريطانيا، و”هارولد ويلسون” زعيم المعارضة الآن ورئيس حزب العمال وكان رئيساً للوزراء قبل هيث لست سنوات متواصلة.
وأريد توضيح عدة ملاحظات:
1- إنني لا أنشر هنا سجلاً كاملاً لما دار بين الاثنين وبيني من أحاديث، فذلك ببساطة غير جائز إذا كنا نريد من الناس أن يفتحوا عقولهم وقلوبهم لنا.
2- إنني اخترت بعض المشاهد التى يمكن نشرها من محاورات طويلة وراعيت أن تعنى المشاهد فى حد ذاتها شيئاً، وأن لا يكون فيها ما يسبب حرجاً لأصحابها.
3- إنني فى واحد من هذه الأحاديث – مع إدوارد هيث رئيس وزراء بريطانيا الحالي – توسعت فى إجاباتي على أسئلته أكثر مما توسعت فى إجاباته على أسئلتي، وذلك مراعاة لمسئولياته بحكم وجوده اليوم فى مقر رئاسة الوزارة البريطانية المشهورة برقم 10 داوننج ستريت.
ثم. نبدأ.
قابلت إدوارد هيث لأول مرة سنة 1960، ثم زدت معرفةً به سنة 1963 فى لندن وكان وزيراً للدولة مكلفاً من هارولد ماكميلان – رئيس الوزراء أيامها – بمباشرة موضوع انضمام بريطانيا إلى السوق الأوروبية المشتركة والتقينا وقتها عدة مرات، ثم توثق ما بيننا سنة 1965 حين كان نائباً لزعيم المعارضة سير أليك دوجلاس هيوم.
وكان هيث فى تلك الفترة يقوم بحركته الكبيرة داخل حزب المحافظين وهى حركة أوصلته إلى زعامة الحزب وبالتالي زعامة المعارضة ومن ثم رئاسة الوزارة عندما فاز الحزب فى انتخابات السنة الماضية. وفى تلك الفترة أتيح لي أن أقابل إدوارد هيث كثيراً سواء فى مكتبه الرسمي أو فى بيته بمجموعة البيوت التاريخية المعروفة باسم “الباني” قرب ميدان بيكاديللى.
وكانت هذه المرة أول مقابلة بيننا وهو فى المقعد الذي طالما حلم به وتمناه وسعى للوصول إليه حتى بلغ غايته وجلس أخيراً عليه.
كان اللون الأبيض هو اللون الغالب على غرفة المكتب.
الجدران، والبساط الذي يفرش الأرض وقماش المقاعد الكبيرة المريحة على جانبي مدفأة فى مواجهة مكتب عتيق جلس عليه من قبل كل رئيس لوزراء بريطانيا فى المائتين سنة الأخيرة.
وجلس هيث وجلست أمامه وبيننا المدفأة تشتعل فيها كتل الفحم الكبيرة وتشع منها دفئاً ينساب إلى القاعة كلها.
وقال هيث وهو يصب فنجانين من الشاي على صينية وضعت فوق مائدة مجاورة لمقعده، ويناولني فنجاناً منها ويروح يقلب السكر فى الفنجان الذي احتفظ به لنفسه:
– حدثني عن أحوالكم. إنني كما تعرف أستعد للسفر إلى واشنطن وسوف تكون أزمة الشرق الأوسط رأس الموضوعات فى جدول الأعمال. وعندما سمعت أنك قادم هنا اعتبرتها مصادفة مناسبة أن أسمع منك.
واستطرد هيث على الفور:
– بالتأكيد فإن ذهاب عبدالناصر كان صدمة عنيفة بالنسبة لكم. ولكن ينبغى أن أقول لك أن انتقال السلطة بعده تم بطريقة تدعو إلى الإعجاب.
إنني لم أتقابل مع الرئيس السادات ولكنى أتطلع إلى ذلك عندما تحين ظروف ملائمة. ولقد كان اختياره للدكتور فوزى ليرأس الوزارة اختياراً موفقاً خصوصاً من وجهة نظر صلاتكم بالعالم.
على فكرة. كيف حال الدكتور فوزى؟ كنت أريد أن أتحدث معه كثيراً عندما رأيته أخيراً فى جنازة الجنرال ديجول فى باريس. لكن اللقاء كان سريعاً.
قلت له:
– بهذه المناسبة. إن لك معي رسالة من الدكتور فوزى. لقد قابلت الدكتور فوزى قبل أن أغادر القاهرة وقلت له إنني أخطرت بموعد تم ترتيبه لي معك وسألته إذا كان يريد منى أن أقول لك شيئا – وقال لي الدكتور فوزى:
– قل له إنني أرجوه أن ينصحهم فى واشنطن بأن لا يحطموا القارب. إن هناك صخباً كثيراً يحدث الآن فى القارب. وقد ينقلب ونجد أنفسنا جميعاً فى المياه الباردة أو الساخنة.
إن هيث بحار كما تعرف، وقد كسب أخيراً سباقاً حامياً لليخوت.
قل له إنني أرجوه بوصفه بحاراً أن يساعد فى المحافظة على القارب.
وابتسم هيث وقلت له:
– هل فهمت من هذه الرسالة كثيراً؟.
قال هيث:
– نعم. مع فوزى يجب أن يتعلم الإنسان لغة الرموز.
ومضى الحديث إلى تفاصيل أزمة الشرق الأوسط التى يوشك أن يتحطم قاربها فى البحار الباردة أو الساخنة – على حد الوصف الرمزي للدكتور محمود فوزى.
أثناء الحديث قال لي إدوارد هيث:
– هل يضايقك لو سألتك لماذا لا تجلسون معهم مباشرةً. أقصد مع الإسرائيليين؟. وهل يمكن لمشكلة أن تحل نفسها دون بحث بين أطرافها؟!.
قلت:
– لا يضايقني أن تسأل.
والرد على سؤالك أن ذلك يرجع إلى عاملين:
طبيعة الظروف الراهنة الآن.
وطبيعة المشكلة من أصولها وجذورها.
فيما يتعلق بالظروف الراهنة فهناك الرأي الذي نقوله دائماً وهو أنك لا تستطيع أن تجلس على مائدة واحدة مع طرف يحتل أرضاً لك. وإلا كان معنى ذلك أنه يملى عليك من واقع احتلاله لهذه الأرض. أي أن هذه الأرض نفسها سوف تصبح عامل ضغط كبير، بل سوف تصبح هى نفسها – أردنا أو لم نرد – موضوعاً للمساومة.
وهذا ما لا يمكن قبوله.
لا يمكن أن يقبل بذلك أحد من طرف آخر إلا إذا كان فى وضع الاستسلام كما حدث بالنسبة لألمانيا وبالنسبة لإيطاليا وبالنسبة لليابان بعد الحرب العالمية الثانية.
لم يحدث فى التاريخ أن جلس طرف على مائدة مع طرف آخر بينما أرضه محتلة. إلا إذا كان القصد هو الاستسلام بغير قيد أو شرط.
هذا ما يتعلق بطبيعة الظروف الراهنة.
ومضيت:
– أريد أن أحدثك قليلاً عن العامل الآخر وهو طبيعة المشكلة.
لماذا يراد منا أن نجلس نحن، مصر، وجهاً لوجه مع إسرائيل؟
إن ما بيننا ليس مشكلة ثنائية.
ليس خلافاً بين دولتين.
كأن تقوم حرب بين دولتين بسبب نزاع على حدود أو خلافاً على تأميم شركة، أو حتى بالعصبية بعد مباراة كرة قدم كما اندلعت الحرب قبل سنتين بين هندوراس وسلفادور.
ليست المسألة مصر وإسرائيل، لأن ذلك لا يحل شيئاً، ولأنهما ليسا وحدهما طرفي الصراع.
إن الصراع فى الشرق الأوسط معقد. لأنه متعدد الأطراف ومتشابك الأطراف.
هناك الإسرائيليون وهناك شعب فلسطين الذي كان فى الأرض والذي مازال يحوم حولها.
هناك الأمم المتحدة التى أنشأت إسرائيل. إن إسرائيل كائن وحيد فى العالم نشأ أصلاً بقرار من الأمم المتحدة من داخل قاعاتها، سنة 1947 بمشروع التقسيم.
الدول الأربع الكبرى – على هذا الأساس – مسئولة بحكم عضويتها الدائمة فى مجلس الأمن من أول يوم فى الصراع حتى يومنا الراهن.
الدول العربية دخلت فى الصراع مساندة لشعب فلسطين عندما وجدت أن خطوط المساعدة للإسرائيليين تمتد عبر البحر. إلى كل القارات، وعندما وجدت أن مطامع الإسرائيليين تتعدى بكثير حدود التقسيم سنة 1947.
إنك تقول إنه لا يمكن لمشكلة أن تحل نفسها دون بحث بين أطرافها.
وهذه فرضية معقولة منطقياً.
ولكن يبقى أمامنا أن نحدد الأطراف.
إن الأطراف ليسوا مصر وإسرائيل وإنما الأطراف كما وجدنا من نظرة على جذور المشكلة يتعدون ذلك ويشملون شعب فلسطين والإسرائيليين، وكل الدول العربية، والأمم المتحدة، والدول الأربع الكبرى.
إذا حددنا الأطراف على هذا النحو، فإننا سوف نجد أن الإطار الذي يمكن أن يدور فيه بحث المشكلة بين هؤلاء الأطراف جميعاً هو: مجلس الأمن. أو الجمعية العامة للأمم المتحدة.
أوليس ذلك ما يحدث الآن فعلاً؟
ما يقوم به السفير جونار يارنج بتكليف من مجلس الأمن وبدعم من الدول الأربع الكبرى وفى ساحة الأمم المتحدة وبالاتصالات مع كل من يريد الاتصال بهم.
وسألني هيث:
– إذن فأنت لا ترى بديلاً آخر للحل السلمي غير إطار الأمم المتحدة، ودور يارنج؟.
قلت:
– ليست المسألة ما أراه أو ما لا أراه، وإنما هذه طبيعة الصراع ولا يمكن لأي صراع أن يجد حله إذا كانت خطوتنا الأولى نحوه هى تجاهل طبيعته.
فى موضع آخر من الحديث سألني هيث:
– ما هو رأيك فى اقتراح الجنرال ديان بإعادة فتح قناة السويس، بعد أن تنسحب القوات على الجانبين ثلاثين كيلو متراً عن ضفتي القناة؟.
قلت:
– اقتراح يستحيل تنفيذه.
ولا يخدم حتى بتنفيذه إلا رجلاً واحداً هو ديان.
إن ديان يريد قبل الانتخابات الحزبية التى كان ينتظرها، وقبل رحلته إلى أمريكا التى كان يستعد لها – أن يبدو رجل سلام يقدم حلولاً بديلة قد يصل أحدها إلى فتح منفذ فى موقف مستحكم.
ويسهل على ديان طبعاً أن يقترح أن تتراجع القوات الإسرائيلية عن الضفة الشرقية للقناة ثلاثين كيلو متراً وأن تتراجع قواتنا بنفس المسافة عن الضفة الغربية.
إنه لن يخسر شيئاً.
التراجع على الجانبين فى أرض مصرية!
فوق ذلك فإن ديان يتصور أنه على هذا النحو يفض الاشتباك بين قوات الجيش المصري وبين قوات الاحتلال – بأن يباعد ما بينهما.
فإذا ما فرض وعادت الملاحة إلى القناة فإن العبور للتحرير الكامل سوف يكون صعباً وإذن يبقى الاحتلال فى معظم سيناء سنوات غير محددة. ومن يدرى؟
هناك شيء آخر أكاد أستشعره من اقتراح ديان.
هو يريد وسيلة لاسترضاء السوفيت متصوراً أنه يهمهم فتح القناة لأسباب اقتصادية ولأسباب تتعلق بإستراتيجيتهم البحرية.
يتصور أنه بذلك يلقى إليهم بطعم يسهل ابتلاعه.
ومن ناحية أخرى فإن ديان يتصور أنه قد يدفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى “مشهد غيرة غرامية”.
يتصور أنه يغازل السوفيت بوعد يطمحون إليه.
ويتصور أن الولايات المتحدة سوف “تغاظ” ومن ثم تندفع أكثر إلى استرضاء إسرائيل!.
إذا كان ديان يتصور أن السوفيت يريدون إلى هذا الحد فتح قناة السويس وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تتصور ذلك أيضاً، فأظنهم معاً، مخطئين.
إن الاتحاد السوفيتي يريد إعادة فتح القناة، كما يريد ذلك كل من تهمهم الملاحة الدولية، ولكن من التجني أن ننسب إلى السوفيت فى ذلك أكثر مما لديهم فعلاً.
وقلت لهيث:
– إنني حضرت مفاوضات موسكو فى يوليو الماضى بين وفد مصري يرأسه جمال عبدالناصر ووفد سوفيتي يرأسه ليونيد بريجنيف. وصدقني إنه طوال جلسات المحادثات المتعددة، لم يثر موضوع إعادة فتح القناة للملاحة ولو بإشارة عابرة.
واستطردت:
– دعني أضف شيئاً آخر. سوف أفترض جدلاً أن السوفيت يريدون فتح القناة. لكن الجنرال ديان عليه أن يفهم أنه يواجه مصر ولا يواجه الاتحاد السوفيتي عبر قناة السويس.
ذلك لأن مصر تاريخياً – ماضياً وحاضراً ومستقبلاً – هى القوة الحقيقية الدائمة والباقية فى هذه المنطقة.
إن السلام – إذا كنا حقيقة نتحدث عن السلام – ليس تكتيكاً أي ليس مناورة جزئية، وإنما السلام – إذا كنا حقيقة نتحدث عن السلام – إستراتيجية بعيدة المدى وقدرة على الرؤية التاريخية.
لكنهم فى إسرائيل يخلطون.
صدقني برغم كل ما لديهم من ذكاء وعلم فإنهم يخلطون وأول الخلط أن لا يكون هناك تمييز بين العوامل الرئيسية والعوامل المساعدة فى أي صراع.
مشكلتهم فى إسرائيل أنهم لا يعرفون تماماً ماذا يريدون. يحلمون بما هو أكبر من طاقتهم.
ليكن أنهم هزمونا سنة 1967. ثم ماذا؟
إنهم أول من يدرك عقلاً أنهم عجزوا عن تحقيق نتيجة سياسية لهذا الانتصار بدليل أن الصراع مستمر.
لكنهم عاطفةً، أو غريزةً – والطمع غريزة – لا يريدون التخلي عما أطبقوا عليه، وهو يقيناً أكبر من طاقتهم على المدى الطويل.
أسألك. إلى متى؟!.
كان “هارولد ويلسون” فى آخر مرة قابلته فيها رئيساً للوزراء وفى هذه المرة كان قد خسر الانتخابات أمام هيث واستقر فى غرفة زعيم المعارضة فى مجلس العموم.
وكان “جيمس ماراجاش” المحرر السياسي لجريدة الصنداى تايمز قد قال لي عندما قابلته فى مجلس العموم وكنت ذاهباً إلى موعدي مع “ويلسون”:
– لقد كانت الهزيمة فى الانتخابات هزة عنيفة لويلسون لم يفق منها إلا أخيراً.
لا تنس أنه رجل تعود النجاح.
نجح فى انتخابات رياسة حزب العمال فى أول مرة تقدم إليها.
ونجح حزب العمال فى الانتخابات العامة فى أول معركة خاضها بزعامة ويلسون.
وفاز الحزب تحت رئاسته بأكثر مما فاز أي حزب آخر فى الانتخابات تحت رئاسة غيره من زعماء الأحزاب بما فيهم تشرشل.
وقد كان ويلسون هو الذي حدد موعد الانتخابات العامة، وكانت لديه سنة كاملة يقضيها فى الحكم إذا أراد، قبل أن يضطر إلى معركة انتخابية بحكم التقاليد الدستورية.
وقد اختار ويلسون أن يدعو لانتخابات عامة قبل موعدها بسنة كاملة لأنه كان واثقاً من النجاح.
لم يكن يساوره شك فى النجاح مطلقاً.
وغامر واتخذ القرار.
ولدهشته الشديدة خسر.
واستطرد ماراجاش:
– لا بأس بذلك. إن الزعماء يتعلمون من الفشل أكثر مما يتعلمون من النجاح.
النجاح يعطيهم ثقة زائدة فى النفس، والفشل يفرض عليهم مراجعة النفس مرتين على الأقل”.
وقلت لهارولد ويلسون ونحن نجلس على مقعدين كبيرين من الجلد فى مواجهة بعضهما بقاعة زعيم المعارضة فى مجلس العموم:
– هل لك أن تقول لي؟ كيف غامرت؟ وكيف فشلت؟.
وقال ويلسون ضاحكاً:
– إنك على الهجوم من أول لحظة!.
كيف غامرت؟ أعتقد أننا اعتمدنا أكثر من اللازم فى تقديراتنا على نتيجة استفتاءات قياس الرأي العام.
كانت هذه الاستفتاءات تعطينا ميزة واضحة على المحافظين، واعتقدت أن الوقت مناسب وكانت أغلبية زملائي فى لجنة قيادة الحزب معي.
وفوجئنا جميعاً بالنتيجة.
واستطرد ويلسون:
– بقية سؤالك. “كيف فشلت؟”
ردى عليه أننا خسرنا المعركة ليس أمام هيث والمحافظين ولكن خسرناها أمام المرأة البريطانية. ربات البيوت بالذات.
إن هيث نجح فى العثور على نقطة يبنى عليها محاولة فى “غواية” المرأة البريطانية.
هذه النقطة هى الارتفاع فى الأسعار.
أقنعهن هيث أن مشكلة ارتفاع الأسعار من صنعنا وأنه عندما يجيء إلى الحكم سوف يحلها بسرعة. ولكنك ترى الأسعار ترتفع أكثر الآن.
وعلينا أن نستعد لحملتنا القادمة من الآن وأعتقد أننا سنكسب. ولابد أن نركز على المرأة. إن المرأة الآن – وهى ظاهرة جديدة – أقوى العناصر فى الساحة السياسية. لأنها وافد جديد يستعمل حقوقه التى حصل عليها أخيراً بنهم وإصرار وهذه ظاهرة لم يعد فى استطاعة أي حزب سياسي أن يقلل من قيمتها.
قلت: إنني سمعت شكوى بعض أعضاء المجموعة البرلمانية لحزب العمال. يقولون أنك لا تعطى الوقت اللازم لقيادة المعارضة لأنك مشغول الآن بكتابة مذكراتك، وبعضهم لا يتصور كيف يمكن أن تنشر مذكراتك – وقد أعلن أنها ستنشر فى يونيو 1971- بينما لم يمض على خروجك من الوزارة غير بضعة شهور. كما أن العودة إلى رئاسة الوزارة مازالت فرصة متاحة لك.
قال ضاحكاً:
– لابد أن الذي يقول لك هو جورج براون. إنه كتب مذكراته ونشرها فعلاً وتعرض إلى فى بعض ما نشر، ويبدو أنه لا يريدني أن أكتب لكي أرد عليه أو على الأقل أضع الحقائق فى مكانها الصحيح.
وضحك ويلسون وقال:
– إنك صديق قديم لجورج. أعرف ذلك.
قلت:
– صداقتي مع جورج براون ترجع إلى عشرين سنة.
واستطردت أقول:
– لقد كنت أتوقع أن يقوم جورج بأكثر مما قام به وهو وزير للخارجية معك وقت عدوان سنة 1967.
لم أكن أتوقع منه أن ينحاز إلينا. أو ينحاز لغيرنا ولكنى كنت أتصور أنه بعلاقاته بالشرق الأوسط يستطيع أن يقوم بدور أكبر.
وقال ويلسون:
– أنت على حق فى كلمة قلتها. إن جورج كانت له “علاقات” بالشرق الأوسط ولكن لم تكن لديه “خبرة” بالشرق الأوسط. أن يكون لك علاقات مع آخرين شيء وأن تكون لك خبرة بمشكلة حتى وإن كانت محور اهتمامهم الوحيد. شيء آخر.
العلاقة مسألة. والخبرة مسألة أخرى.
واستطرد ويلسون:
– أعتقد أن الفرصة التى ضاعت منا جميعاً فى أزمة سنة 1967 هى أننا لم نلتفت التفاتاً كافياً إلى اقتراح الجنرال ديجول بعقد اجتماع للدول الأربع الكبرى لبحث الموقف بعد أن بدأت مقدمات الأزمة.
لو أننا كنا فعلنا ذلك. لكنا – أغلب الظن – استطعنا تجنب القتال المسلح.
إننا لم نتنبه بالقدر الكافي إلى مزايا هذا الاقتراح، وعندما لقيت ديجول بعد ذلك فى باريس كان متشائماً جداً من الموقف فى الشرق الأوسط وقال لي:
– أمامنا الآن سنوات طويلة من القلق والخطر فى الشرق الأوسط؟
ومع الأسف لم يكن فى مقدوري أن أختلف معه.
واستطرد هارولد ويلسون يقول:
– ذات يوم كنت أتحدث مع الجنرال آللون – ييجال آللون نائب رئيسة وزراء إسرائيل – وقال لي آللون:
– لو أتيحت لي فرصة ساعة واحدة فى اجتماع مع جمال عبدالناصر لاستطعنا حل المشكلة!
واستطرد ويلسون:
– قال لي آللون إنه كان يعرف عبدالناصر. التقى به مرة فى فلسطين سنة 1948. وإنه من يومها ظل يذكره حتى فوجئ به ذات يوم سنة 1952 على رأس الثورة المصرية”.
قلت لهارولد ويلسون:
– إن آللون صنع من ذلك قصة تناسب مطامعه السياسية.
إن ما يشير إليه آللون له أساس فى وقائع سنة 1948 وقد سمعت تفاصيل ما حدث بنفسي من جمال عبدالناصر أكثر من مرة.
كان جمال عبدالناصر ضمن القوة المحاصرة فى الفالوجة.
وجاء أحد ضباط الهدنة الدولية ومعه ضابط إسرائيلي فى يوم من الأيام يحمل علماً أبيض إلى المواقع المصرية.
وقال الضابط الإسرائيلي إن اسمه “يوريهان كوهين” وإنه مكلف بنقل رسالة من القائد الإسرائيلي لقوات الحصار حول الفالوجة إلى القائد المصري للقوات المحاصرة.
وذهبوا بالضابط فقابل قائد القوة وقتها.
وكانت الرسالة طلباً بالخروج من المواقع المحاصرة بسلام والعودة إلى المواقع المصرية بغير قتال.
وبعث قائد قوة الفالوجة إلى القائد العام المصري وقتها بمضمون الرسالة وطلب توجيهه فصرح له بأن يبحث الموضوع على أساس خروج القوات بكامل سلاحها من دائرة الحصار وإلا فليبق فى مكانه.
ورتب ضابط الهدنة اجتماعاً فى مستعمرة جات.
ذهب قائد القوة المصرية المحاصرة.
وذهب معه قائد إحدى كتائبه وهى الكتيبة السادسة.
وذهب معهما أركان حرب هذه الكتيبة وكان ضابطاً برتبة “صاغ” هو جمال عبدالناصر
ودام هذا الاجتماع وقوفاً لمدة ثلث ساعة ولم ينته إلى شيء لأن “الكولونيل آللون” وقتها كان يريد من القوات المصرية أن تترك سلاحها وتذهب.
وكانت مشاركة جمال عبدالناصر فى هذا الاجتماع بعبارة واحدة هى:
– ليس كما تظن!
قالها عندما سمع “الكولونيل آللون” يقول لقائد قوة الفالوجة:
– “إن موقفكم يائس. ولا أمل لكم إلا ما أعرضه عليكم”
بعدها بيومين بدأ هجوم إسرائيلي على مواقع الكتيبة السادسة وكان الذي تصدى للدفاع عن مواقع الكتيبة السادسة فى عراق المنشية – داخل الجيب المحاصر فى منطقة الفالوجة – هو جمال عبدالناصر بوصفه أركان حرب الكتيبة.
يومها فقد الإسرائيليون أكثر من أربعمائة جندي.
إن قصة المعركة بالكامل نشرت فى كتاب بعنوان “جيش إسرائيل” ثم إن “يوريهان كوهين” ظل يذكر جمال عبدالناصر بعد ذلك لأن لجنة الهدنة المشتركة – أيامها – طلبت منه سنة 1950 أن يرشد الإسرائيليين إلى المواقع التى دفن فيها قتلاهم.
وذهب جمال عبدالناصر فعلاً بصحبة ضباط من لجنة الهدنة عبر الخطوط الإسرائيلية وعاد إلى المواقع التى حارب فيها قبل سنتين وحدد البقعة التى أمر بأن يدفن فيها قتلى العدو.
هذه هى القصة كما وقعت.
ولكن آللون راح – لكل من يعرف، ولكل من لا يعرف – يقول:
– إنني قابلته من قبل. ولو تلاقينا مرة أخرى ولو ساعة واحدة لاستطعت حل المشكلة”.
وقال لي هارولد ويلسون:
– هذا كل “ما حدث”؟
وقلت:
– كل ما حدث.
وسكت ويلسون قليلاً ثم استطرد:
– كل هذه الأزمة فى الشرق الأوسط بالغة التعقيد. والمشكلة أنني لا أتصور أن هناك من يعرفون لها حلاً!.
واستطرد ويلسون:
– أشك أن كل الذين يتحدثون عن الأزمة لديهم تصور عن طريقة حلها. أشك فى ذلك كثيراً.
كل واحد يحاول خطوة ويعلل نفسه بأن الخطوة الأولى قد تجر وراءها تلقائياً خطوة ثانية لم تخطر على باله.
ولكن المشكلة خطرة ولهذا يجب أن يحاول بعض الناس حتى وإن بدا الأمل ضئيلاً.
واستطرد ويلسون:
– “هل تعلم أنني أريد فى يوم من الأيام أن أزور مصر؟”.
قلت:
– “لماذا لا تجيء إليها وتدرس أزمة الشرق الأوسط هناك على الطبيعة”؟.
قال:
– إنني أريد أن أجيء إلى مصر لأسباب عاطفية. لدى هنا من المشاكل ما فيه الكفاية.
واستطرد:
– فى طفولتي ألفت كتاباً عن مصر. كنت مسافراً بالباخرة إلى أستراليا لزيارة أقارب لنا هناك وعندما مرت الباخرة فى قناة السويس تطلعت عبر الصحراء وتذكرت ما نتعلمه فى المدرسة عن الحضارات التى قامت وراءها وبدأت أكتب خواطري فى الرحلة.
لقد عدت إلى قراءتها أخيراً. لا تصلح بالطبع للنشر. سذاجات صبى فى العاشرة من عمره.
كانت أمي تحتفظ بالكتاب للذكرى. وبعد أن ماتت لم نعثر على الكتاب، ثم عدت من سفر أخير وقالت لي أختي:
– لك عندي هدية أعرف أنك تريدها. كتابك القديم. لقد عثرت عليه وأنا أبحث فى بعض مخلفات أمنا”.
واستطرد ويلسون:
– ليست هذه كل صلتي بمصر.
وقت الحرب كان القطن المصري من اختصاصي. كنت هنا فى لندن رئيس لجنة مشتريات القطن المصري وكنا نشتريه بترتيب مشترك بين الحكومة المصرية والحكومة البريطانية بسبب استحالة تصديره فى ذلك الوقت نتيجة لظروف الحرب ومخاطر الملاحة فى البحار.
وسكت ويلسون قليلاً ثم قال:
– تلك أيام مضت!.
واستطرد:
– أريدك أن تحدثني عن ثلاث مسائل بالتحديد أتمنى لو عرفت عنها أكثر.
وبدأ يعد على أصابعه:
– حقيقة الوحدة العربية. ومدى التطور الاجتماعي فى التحول نحو الاشتراكية. ثم قيمة وقوة المقاومة الفلسطينية.
وامتد الحديث بعد ذلك ساعة كاملة.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=813