” بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : قصة من “سايجون”! “

قصة من “سايجون”!
كيف تلاشت المسافات بين عاصمة فيتنام وبين بغداد والرياض ودمشق وعمان؟
ليست عندي دموع أسكبها على المصير الحزين الذي انتهى إليه “نجو دينه ديم”، وأفراد أسرته الذين لاقوا قدرهم الدامي معه، ونظام حكمه الذي انهار أنقاضاً فوقهم جميعاً فى “سايجون” عاصمة “فيتنام” الجنوبية.
ولعلني ما كنت أتعرض أصلاً للقصة العنيفة الصاخبة التى جرت فى ذلك المركز الحساس من جنوب شرقي آسيا – خصوصاً وسط الزحام الهائل للأحداث من حولنا فى المشرق العربي وفى مغربه – لولا عبرة فى قصة “سايجون” قريبة الشبه ببعض ما دار ويدور خلف كواليس المسرح السياسي فى منطقتنا من العالم.
عبرة من دلالاتها أن “سايجون” ليست بعيدة كما يبدو لأول وهلة عن بغداد والرياض وعمان ودمشق.
وما هى قصة “سايجون” أولاً؟
ثم، ما هى – ثانياً – عبرتها هذه التى تلاشى المسافات بين الشرق الأقصى والشرق الأوسط؟
وقبل قصة “سايجون” مقدمة سريعة، لوصف المسرح الذي دارت عليه الوقائع، ومناظره، والألوان، والأضواء، والظلال:
للولايات المتحدة الأمريكية مصالح ضخمة على الناحية الأخرى من الباسيفيك، كما أن لها الشاطئ الآسيوي من هذا المحيط الشاسع ضرورات أمن استراتيجي.
ولعبة خداع النظر التى يقع فيها كثيرون فيما يتعلق بسياسة الولايات المتحدة فى آسيا، هى أنهم ينظرون إليها من واشنطون، ناحية الشرق من أمريكا فتبدو آسيا لهم بعيدة بعد النجوم، ويبدو الأطلنطي وكأنه البحر الأخطر بالنسبة لأمريكا.
لكن لعبة خداع النظر تنكشف إذا كانت النظرة إلى آسيا من سان فرانسيسكو غرب أمريكا، ففي ذلك الوقت تظهر أهمية المحيط الباسيفيكى بالنسبة لأمريكا. بل يبدو وكأنه بحيرة مغلقة تربط الولايات المتحدة مباشرة بشرق آسيا الواقع على الشاطئ الآخر من هذا المحيط.
ولضمان المصالح الأمريكية والأمن الأمريكي على الناحية الأخرى من الباسيفيك، اتبعت الولايات المتحدة سياسة طويلة، خصوصاً تجاه شرق آسيا الذي يواجه غرب أمريكا عبر شاطئ الباسيفى. سياسة بدأت بطلقات مدافع الكومودور بيرى، الذي فض أستار العزلة عن اليابان بالقوة منذ قرابة المائتي عام، وأسقط مجتمع فرسان الساموراى الأرستقراطي الذي كان يحكم اليابان وقتها.
وكان الظن أن يتحقق الضمان الكامل لأمريكا – مصلحة، وأمناً- بتفجير القنبلة الذرية فوق هيروشيما التى سقط بعدها نظام حكم العسكرية الأرستقراطية اليابانية، لكن الظن لم يتحقق فلم تكد قوة اليابان العسكرية تنتهي كخطر يهدد الشاطئ الآخر من الباسيفيكى، حتى قام تحد جديد هو انتصـار الشيوعية فى الصين، وخرج التِّنِّين الأصفر يتصدى للنسر الأمريكي بطريقة تثير الغيظ والغضب.
غربت الشمس المشرقة فى اليابان. وارتفع النجم الأحمر فوق الصين.
أي أنه لم يتحقق الضمان الكافي للمصالح الأمريكية وللأمن الأمريكي على الشاطئ الشرقي للباسيفيكى.
– حاولت الولايات المتحدة تصفية الخطر الجديد، لكنها فقدت كل اتصال معه يسمح لها بقتاله بعد جلاء “شيانج كاى شيك” من أرض الصين كلها، والتجائه إلى المنفى فى “فورموزا” يعيش فيه على أوهام العودة يوماً إلى الوطن.
ثم حانت الفرصة لمواجهة مباشرة عسكرية على الصين، خلال حرب كوريا، ولكن الفرصة كما جاءت ضاعت، لم يتحقق نصر، ولا تحقق – بالتالي – ضمان للمصالح الأمريكية، والأمن الأمريكي على شاطئ الباسيفيك الآخر.
– بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تدور حول الخطر الجديد تقوى خطوطها من حوله، حتى لا تسمح له باتساع يتسع معه الخطر، وهنا برزت الأهمية العظمى لجنوب شرقي آسيا، كمنطقة توسّع صيني، سياسي وعقائدي محتمل، ثم كنقطة هامة فى الحصار المخطط من حولها، خصوصاً وموقع هذه المنطقة يضعها فى وضع خطير، بقرب بطن شبه القارة الصينية.
ومن هنا لم تتردد الولايات المتحدة ثانية واحدة، فى أن تحل محل فرنسا فى الهند الصينية كلها بعد الهزيمة الساحقة فى “ديان بيان فو” أمام قوات “هوشى مِنّه” الزعيم الشيوعي لفيتنام الشمالية – وأن تواصل الحرب بدلها لوقف تقدم “هوشى منه” إلى جنوب فيتنام.
وبعد هذه اللمحة السريعة فى وصف المسرح، والمناظر، والألوان، والأضواء، والظلال، تبدأ وقائع قصة “سايجون”:
إن الولايات المتحدة الأمريكية تريد وقف تقدم الزحف الشيوعي، لكن الزحف الشيوعي من شمال فيتنام إلى جنوبها لا يتقدم جيشاً غازياً، وإنما هو يسرى كاللهب فى الحطب تسللاً، بواسطة الجماعات الشيوعية المسلحة فى الجنوب – “ألفيت كونج” – ومن هنا فالصدام أقرب إلى الحرب الأهلية منه إلى الغزو المسلح.
ومن ناحية أخرى، فإن الرأي العام الأمريكي، لا يقبل تورطاً حربياً واسع المدى بعد التجربة المريرة فى كوريا.
ولقد كانت هذه الأوضاع هى التى فرضت أسلوب العمل الأمريكي فى فيتنام الجنوبية، وبالطبيعة أصبحت السرية سمة ذلك العمل، والقسمة البارزة فى ملامحه، والنتيجة بعد ذلك شيئان:
– أن قيادة العمليات – من الناحية الأمريكية – استقرت فى يد الأجهزة السرية، تتقدمه بالطبع إدارة المخابرات المركزية الأمريكية.
– أن العمل الأمريكي – بالضرورة – كان فى حاجة إلى واجهة فيتنامية يتستر وراءها.
رأت المخابرات الأمريكية المركزية، أن الإمبراطور “باو داى” اللاعب اللاهي فى مغانى الريفييرا، لم يعد يصلح كواجهة فى العمل الجديد، فلقد فقد مكانته مع الفرنسيين فى هزيمة “ديان بيان فو” وكان أداتهم فى المرحلة السابقة عليها.
وكانت المخابرات الأمريكية التى اختارت بطل قصة “سايجون” “نجو دينه ديم” بعد محاولات فاشلة، وأكاد أقول مخجلة، وصفتها قصة “الأمريكي القبيح” بخير مما أطمع فى وصفها به.
فى ذلك الوقت اتصلت المخابرات الأمريكية، ودفعت للعصابات اليمينية المعادية للشيوعية مثل جماعات “الكاو داى” و”الهوا هوا” و”بنه كسوين” والأخيرة كانت تسيطر على كل بوليس “سايجون” وتسيطر فى الوقت نفسه على كل علب الليل، والدعارة فى العاصمة الممزقة مادياً ومعنوياً.
– كان “نجو دينه ديم” على خلاف مع الفرنسيين، وعلى خلاف مع الإمبراطور اللعبة “باو داى”.
وكان يقيم فى الولايات المتحدة لكنه يرأس حزباً صغيراً يعتمد على مجموعة من المثقفين ومجموعة من العسكريين، وكان اسم الحزب هو “كان لاو” وأقرب ترجمة عربية للاسم هى:
بعث أرض الأجداد!
ووصل “ديم” إلى “سايجون” ومعه سمعته الطيبة السابقة، ومن حوله ضجة هائلة أقامتها له الدعاية الأمريكية، ووسط ترتيبات ديمقراطية جرى استفتاء فى فيتنام الجنوبية أصبح ديم بعده رئيساً للجمهورية. وانتقل إلى قصر الإمبراطور السابق “باو داى” وانتقلت إليه معه أسرته، وأبرز أفرادها شقيقه الأصغر “نهو” الذي كان يوماً مفكراً سياسياً يؤمن بفلسفة القوة، وزوجته الجميلة التى أصبحت القوة ذاتها من وراء ستار.
– كان “ديم” يحمل معه إلى القوة. أسباب ضعفه.
كان من الأقلية الكاثوليكية فى بلد تسوده البوذية.
وكان من الطبقة البعيدة عن مشاكل الجماهير الحقيقية.
وكان اعتماده، لانقطاع صلته المباشرة بالجماهير ومشاكلها – يرتكز على أعضاء حزبه القدامى من مجموعات المثقفين والعسكريين.
وفوق ذلك كله فقد كانت المخابرات الأمريكية هى التى جاءت به.
يوماً بعد يوم بدأت السمعة القديمة لـ”ديم” تضمحلّ.
وزادت عزلته الفكرية والطبقية فى بُعده عن الجماهير. ومجموعة المثقفين الذين جاءوا معه شدتهم المناصب، وأما العسكريون فلقد ارتفعوا إلى قمة السلطة.
ولم يبق معه، مما جاء به، إلا رضا المخابرات الأمريكية.
وجرت عدة محاولات للانقلاب عليه لكن المخابرات الأمريكية سحقتها واحدة بعد واحدة.
وفى النهاية فقد “ديم” كل شيء لم يبق له غير حياته وحياة أفراد أسرته الحاكمة، والمقربين إليه من الطامعين والمغامرين.
ولكي يحافظ ديم على “حياته” وضع شقيقه “نهو” المفكر السياسي القديم قائداً لقوى الأمن الداخلى، وتحت تصرفه كتائب الكوماندوز الست التى دربها الأمريكيون، لتكون قوة ضاربة ضد التسلل الشيوعي النشيط.
ولقد أثبتت الوقائع التى أسفرت عنها تحقيقات الكونجرس الأمريكي، أن المخابرات الأمريكية كانت تدفع من حساب خاص مرتبات كتائب الكوماندوز الست، وكانت هذه الكتائب هى التى أغارت على معابد الباجودا البوذية، عندما بدأ الرهبان يحرقون أنفسهم احتجاجاً على سياسة القمع والإرهاب.
– بدأت الخلافات تدب بين الولايات المتحدة وديم.
إن الولايات المتحدة بدأت تطالب “ديم” بما لم تعد له القدرة عليه وهو أن يحارب الشيوعيين!
إن حربه من أجل حياته أصبحت تشغله عن أى حرب أخرى.
وبدأت الولايات المتحدة تبحث عن بديل “لديم”.
إن القول المأثور أثبت صحته مرة أخرى “بأنه ليست فى السياسة الدولية صداقات دائمة. أو عداوات دائمة. وإنما هناك فقط مصالح دائمة”.
لم تتوقف الولايات المتحدة وهى تبحث عن بديل “لديم” لكي تسأل نفسها عن مسئوليتها فى سقوطه.
تلك كلها تفاصيل بدت – من وجهة النظر الأمريكية – بلا قيمة ولا فائدة قبلها وبعدها.
إن “ديم” لم يعد قادراً على شيء.
ولقد حددت الظروف نفسها بديل “ديم”.
بما أن “ديم” يعتمد على القوات الخاصة التى يقودها الكولونيل “لوكوانج تونج” والتى تعمل تحت أوامر شقيقه “نهو” فى حفظ الأمن – أي أمن أسره ديم! – وإذن، فإن ديم لا يمكن خلعه بغير انقلاب من الجيش.
وبدأت المخابرات الأمريكية تتصل بكبار الضباط فى جيش فيتنام الجنوبية، ولم يكن الأمر سراً، إلى درجة أن الصحف الأمريكية كلها كتبت تقول إن الولايات المتحدة أضاءت النور الأخضر أمام أي ضابط فى جيش فيتنام يريد أن يخرج لانقلاب على “ديم”.
وكشف “ديم” ما يجرى من تصريحات علنية. وأظهر وثائق تثبت ما كان يدبر فى الخفاء، بل وحاول ديم أن يستثير الكراهية ضد السياسة الأمريكية فى فيتنام لكن ذلك لم يكن كافياً لإنقاذه. كان مصيره محتوماً. ومختوماً!
شعب وراءه يكرهه لأنه أداة.
وقوة دولية كبرى تواجهه فرغت منه كأداة.
وكانت صحف العالم كله تنتظر النهاية، ولم يدهش أحد حين جاءت، – وحتى العجب العابر لمصـير “ديم” و”نهو” المفجع، وتأرجحه المريب بين القتل والانتحار، لم يلبث أن زال أمام الحكمة القديمة: إن الموتى لا يتكلمون!
ونزل الستار فى “سايجون” على قصة.
وارتفع عن قصة أخرى، تُدقُ لها الطبول الآن فى جنوب شرقي آسيا باعتبارها “ثورة فى سايجون”، لكن الذين يصكون هذه العناوين ينسون أن قرع الطبول لن يغطى على الحقيقة التى يهمسون بها فى “سايجون”، وفى كل مكان فى آسيا وخارجها وهى: “أن الثورات لا تصنعها انقلابات تدبرها المخابرات الأجنبية”.
وما هي الآن، عبرة قصة “سايجون” التى تلاشى المسافات بين الشرق الأقصى والشرق الأوسط؟
عبرة القصة:
“أن سياسة القوى الكبرى لا قلب لها، ومن يستسلم لها ليكون أداة، يتحول فى يدها إلى مثل الليمونة بين الأصابع الضاغطة، بعد اعتصارها تصبح نفاية يلقى بها إلى بعيد”.
باختصار شديد – ولا أظنه مخلاً – هذه هى عبرة قصة “سايجون” البعيدة فأي شبه قريب لها، بما هو منا قريب؟!
اللواء عبدالكريم قاسم مثلاً، مع اختلاف الظروف وبعض التفاصيل، الذي فى قصته شبه من قصة “سايجون”؟
الخلاف بين “قاسم” و”ديم” هو أن قاسم جاء إلى الحكم نتيجة عمل ثوري شعبي أصيل فى 14 تموز سنة 1958.
– لكن الشبه يبدأ فى التقارب بعد خلاف البداية.
بعد مفاجأة الثورة تقدمت بريطانيا صاحبة المصالح العظمى فى العراق بغير قلب تعترف بالنظام الجديد. وخطا سفيرها فى العراق – وقتها – السير “مايكل رايت” على جثة أكبر أصدقاء بريطانيا فى الشرق العربي، نورى السعيد، وهو فى طريقه إلى مقابلة اللواء عبدالكريم قاسم لأول مرة بعد الثورة.
إن بريطانيا لم تتوقف لترثى أداة قديمة سقطت فى صراعها مع الشعب فى العراق، وإنما داست فوق الأداة القديمة عندما لاحت أمامها فرصة جديدة.
إن المخابرات البريطانية قدمت من المعلومات عن اللواء عبدالكريم قاسم، ما كان يكفى لبدء حركة جديدة، ولو على جثث قدامى الأصدقاء.
وبعد أسابيع قليلة من ثورة العراق سنة 1958 تحول عبدالكريم قاسم باللا وعى إلى أداة للسياسة البريطانية النشيطة التى تستهدف – كما كانت فى الماضى دائماً – إبقاء العراق ممزقاً، وإبقاءه معزولاً عن التفاعل مع بقية العالم العربي.
وعلى شخصية عبدالكريم قاسم بعد دراسة دقيقة بدأت الخطة الجديدة.
– نسف العلاقات بين قاسم وبين رفاقه فى ثورة العراق، وكان السفير البريطانى السير “مايكل رايت” هو الذي قال لقاسم، إن صديق عمره عبدالسلام عارف يتآمر عليه!
– نسف العلاقات بين قاسم وبين الجمهورية العربية المتحدة، ومرة ثانية، كان السفير البريطاني السير “مايكل رايت” هو الذي قدم لقاسم من الأدلة ما يثبت – ! – أن الجمهورية العربية المتحدة تتآمر عليه، ولقد روى عبدالكريم قاسم بنفسه ما جرى بينه وبين السفير البريطاني فى أحد اجتماعات مجلس الوزراء العراقي، وأضاف إليه:
لقد حذرني إحدى عشرة مرة من مؤامرات كانت تحاك ضدي.
وأدرك عبدالكريم قاسم بخبث المجانين المعذب أن قربه من بريطانيا، أو قرب بريطانيا منه يحيطه بالشبهة، فاندفع إلى الناحية الأخرى فى أحضان الحزب الشيوعي العراقي، ثم أعجبته لعبة التوازن، أو وافقـت مطامعه فقضى حكمه كله ذهاباً وإياباً من قرب السفارة البريطانية إلى أحضان الحزب الشيوعي.
وكان أحياناً يتلكأ فى منتصف المسافة، لكن ضرورات بقائه فرضت عليه القفز المذعور من هنا إلى هناك حتى انقضت عليه النهاية.
والملك سعود – مثلاً – أين هو اليوم؟
هو فى الرياض، لكنه ميت حى، أو حى ميت، أحد الوصفين ينطبق عليه بكل تأكيد، وإن كنت لا أستطيع القطع أيهما أدق؟!
ولم تكن تلك هى البداية.
وفى الموجة العارمة لمعركة التحرير التى بلغت ذروتها فى انتصار السويس، اختارت المخابرات الأمريكية – كما حدث تمامًا لديم فى “سايجون” – ملك المملكة العربية السعودية أداة لها، وخرجت به لدور كبير.
وكانت خطة “جون فوستر دالاس” – وزير خارجية الولايات المتحدة يومها – أن يستعمل الملك سعود فى عزل مصر وجمال عبدالناصر عن العالم العربي.
وكان دالاس يعتقد أن الملك سعود أربح الأوراق فى الشرق الأوسط، وفى ظنه أن الملك سعود يقف على قاعدة إسلامية لا يمكن أن تتصدى لها أية قيادات قومية أو تقدمية يحركها عبدالناصر.
كان دالاس يتصور بلاهة! – أن سعود واقف فوق الكعبة.
وكان يقول: “إنه إذا أمكن تحويل سعود إلى شبه” بابا “للإسلام وتحويل مكة إلى فاتيكان فى قلب الصحراء، فإن مصالح أمريكا تصبح مضمونة إلى الأبد”.
ولم تفلح الخطة طبعاً.
وانكشف دور سعود على حقيقته كأداة.
وبعدها أصبح فى حاجة إلى حماية نفسه من رد فعل فشله فى دور”بابا” الإسلام.
وبدأ بذهب البترول يحمى نفسه، ثم شدته الكراهية إلى لعبة قمار خطيرة بلغت مداها فى تمويله لمؤامرة الانفصال سنة 1961.
ولما بدأ رد الفعل يهز الجزيرة العربية فى أعماقها، بدأ الملك سعود – بعد أحلام البابوية – يعيش مأساة الليمونة بعد اعتصارها بين الأصابع الضاغطة. لم تبق منه الآن غير نفاية يلقى بها إلى بعيد.
لكن الليمونة المعتصَرة كانت نفاية ملكية، وكان لابد لعملية إلقائها أن تحاط بكل مراسم المُلك ووجاهته.
وألقَوْا بالملك – بالليمونة المعتصرة – إلى باريس، ثم إلى كان، ثم إلى فيينا.
لكنهم اكتشفوا بعد فترة أن التجوال يلفت الأنظار إلى حكاية الليمونة المعتصرة، وسمحوا للملك بالعودة على أن يقبع فى قصر بالرياض.
وألقوا به فى قصر منيف. من قصور النسيان.
نفس مأساة ديم ولكن من غير إراقة دماء!
والملك حسين خرج فى الأردن يوماً سنة 1957 يدعى أن هناك انقلاباً ضده، وكانت تلك فى واقع الأمر عملية تغطية للانقلاب الحقيقي، الذي كانت تقوم به وتتولاه المخابرات الأمريكية ضد الاتجـاه الوطني فى الأردن، والذي كانت أبرز آثاره هى عملية اشتراك الأردن فى قيادة عسكرية ثلاثية، تضم إلى جانب الأردن، مصر وسوريا فى ذلك الوقت.
كانت القيادة العربية المشتركة – خصوصاً فى الأردن – خطراً مباشراً على إسرائيل.
وكان الاتجاه الوطني الذي مهد لتحقيق هذه القيادة المشتركة هو محرك الخطر.
وظلت المخابرات الأمريكية من حول الملك تحاول أن تشجعه وتحرضه، وخرجت الصحف الأمريكية كلها قصائد شعر فى شجاعة الملك وجرأته.
وبذلت محاولات لتجمـيع جرأة الملك حسين، وحكمة السيد نورى السعيد، وأموال الملك سعود، فى جبهة واحدة ضد القاهرة.
وبعد أن جرت عملية سحل نورى السعيد فى شوارع بغداد مادياً.
وبعد أن جرت عملية سحل الملك سعود فى قصور الرياض معنوياً.
بعدها تبددت أسطورة الشجاعة فى عمان، وتحولت إلى طيش يهدد صاحبه ويهدد أصحاب صاحبه!
وحين رأيت الملك حسين فى باريس أخيراً، بدا لي هو الآخر فى الصالون الفخم من الجناح الملكي فى فندق “كريون” ليمونة أخرى معصورة!
ويومها كان أهم ما سمعته من الملك حديثه عن دور المخابرات الأمريكية فى وقائع فبراير الماضى فى العراق.
وقال لي الملك بالحرف: “إنه واثق من أن المخابرات الأمريكية كانت على اتصال ببعض عناصر البعثيين فى العراق، وأنها كانت توجه إليهم إذاعة سرية خاصة تحمل أسماء الشيوعيين وعناوينهم، لكي يتم القبض عليهم وذبحهم فى غمرة الجو العاصف الذي أحاط بنهاية عهد قاسم”.
ولقد أحسست أن الملك – لأسباب كثيرة – يعرف ما يتكلم عنه، تكفيه خبرة تجربة سابقة مماثلة.
وحين نشرت حديث الملك، فلقد بادر على الفور إلى نفى هذا الجزء من حديثه، وفعل ذلك بنشاط محموم، لا أوجه إليه بسببه كلمة لوم.
له عذره فى أن ينفى بالنشاط المحموم.
كان لحظتها – بغير جدال – فى لحظة ضيق نفسي يرى اليد التى أمسكت به، تتركه لتمسك بغيره.
الزوجة القديمة دائماً تحقد على الضرة الجديدة.
لكنها لا تريد فى حقدها إغضاب قبضة الرجل القوية. تمنِّى نفسها بأنه سوف يزهد غرامه الجديد يوماً، ويعود لها!
وفى بغداد ودمشق نصفا ليمونة واحدة، جاءوا بها أو وجدوها – يستوي الأمر، لكن قصة مشابهة لقصة “سايجون” بدأت.
صميم المسألة، أن أي حاكم يعزل نفسه عن شعبه يصبح على الفور أداة لا مفر لها من الاعتماد على يد تسندها، واليد التى تسند لها مصالحها، ولها أصابعها القادرة على عصر الليمون إلى آخر نقطة فيه.
إن هدف المصالح الكبرى ما زال نفس هدفها القديم:
– تمزيق العالم العربي، وعزله عن مصر، وعزل مصر عنه.
– ثم وقف التقدم فيه ولو بواسطة الشعارات التقدمية.
ولقد كان الحزب الذي اعتمد عليه ديم يسمى نفسه “حزب بعث أرض الأجداد” وكانت دعامته مجموعة من المثقفين مع مجموعة من العسكريين.
ولقد كان الفلاسفة المفكرون فى بغداد ودمشق – كما هو الحال مع “نهو” شقيق “ديم” – هم أصحاب المشورة فى ضرورة القمع والقتل، وتحكيم المغامرين العسكريين من أمثال: الكولونيل “لى كوانج تونج” فى كلمة الحياة والموت!
ولقد لا تظهر الحقيقة مشيرة إلى الشبه القريب بين “سايجون” وبغداد ودمشق – على الفور، لكن إشارات كثيرة تومئ إليها وراء الضباب، حيث تلوح حتى الآن علامات استفهام بغير جواب:
لماذا مثلاً. تقوم بريطانيا بدور مورِّد السلاح الرئيسي للعراق؟
لماذا يجرى التنسيق إلى هذا الحد بين طهران وأنقرة، وبين بغداد فى المعركة الدائرة فى الشمال مع الأكراد؟
ولماذا كان القفز الأعمى إلى معركة فى الشمال، بدون تمهيد سياسي عربي ودولي، وبدون تمهيد عسكري كافٍ، وهل أُريدَ لهذه المعركة أن تكون ستاراً لما هو أبعد دائرة منا؟
لماذا تقوم بريطانيا بدور الوسيط بين الكويت والعراق لحل إشكال فجره اللواء عبدالكريم قاسم بأسوأ هدف، وفى أسوأ ظرف، ولماذا تكون التسوية بثمن يدفع أكثره فى بغداد، ويدفع بعضه فى دمشق؟
لماذا بعد أن تعذر الحصول على نصر حاسم فى الشمال مع الأكراد، تقوم الولايات المتحدة الأمريكية – بالذات – بمسعى صلح بين حكومة العراق والأكراد، ويقوم بالمسعى المستر “أرمين ماير” سفير الولايات المتحدة فى بيروت؟
من الذي طمأن إسرائيل عندما انتقلت قوات من العراق إلى أرض سوريا رمزاً يسمح لقوات سورية أن تشترك فى المعركة مع الأكراد، لقد كانت إسرائيل ترفض دائماً وجود قوات عراقية بقرب حدودها تحت دعوى أن العراق كان خارج اتفاقية الهدنة.
ولقد اطمأنت إسرائيل – مرة – بعد تعهدات قدمتها بريطانيا والولايات المتحدة إليها رسمياً باسم حكومة الاتحاد الهاشمي، الذي انتقلت بمقتضاه قوات عراقية إلى الأردن سنة 1958.
فمن الذي قام بالدور نفسه باسم الاتحاد البعثي المقترح، وجعل إسرائيل تسكت، إلا من إشارة عابرة فى الأمم المتحدة تغمض بعدها العينين، وكأنها لا ترى وهى فى الواقع ترى كل شيء؟
كلها أسئلة قد تبدو اليوم بغير جواب قاطع بسبب الضباب.
وحين يتبدد الظلام يوماً وتظهر الحقيقة سوف تكون الليمونة قد تم عصرها وتحولت إلى نفاية.
وعبرة قصة “سايجون” تقول: “إن ذلك يحدث فى خاتمة المطاف دائماً مهما كانت الواجهات، ومهما بلغ القمع مداه”.
لكن عبرة قصة “سايجون” تقول شيئاً آخر فى نفس الوقت:
“لتكن النهاية، حين تجيء نهاية أيضاً لعهد الليمون المعد للعصر فى العالم العـربي”.
وحينما تحل لحظة الحقيقة، فلابد أن يكون النضال الشعبي الأصيل هو سيد الموقف.
لا نريد بعد الآن ثورة مثل ثورات “سـايجون” الجديدة! – ما لقيناه من نوعها حتى الآن يكفى!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=789