بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : علامات فى المحيط العربى

علامات فى المحيط العربى
لا أعرف على وجه اليقين إذا كان مؤتمر القمة العربى المقترح عقده بالخرطوم فى منتصف هذا الشهر، سوف يعقد فى مكانه وزمانه أو أن هذا المؤتمر المقترح – كفرصة أخيرة لعمل عربى شامل – سوف يُترك ليتدحرج غارقاً فى الأمواج المتلاطمة عند ملتقى النيليين – الأبيض والأزرق حيث تقوم العاصمة المثلثة للسودان؟
وفوق ذلك فلست أعرف على وجه اليقين ماذا يمكن أن يخرج به هذا المؤتمر حتى إذا عقد فى مكانه وزمانه وهل تكون نتيجته نفعاً للأمة العربية أو تكون النتيجة ضرراً فى وقت لم يعد يحتمل المزيد من الأضرار؟
إن العلامات التى يمكن أن نحدد عليها خط سيرنا إلى ميدان أرحب نواصل فيه نضالنا الحق والمشروع من أجل آمالنا ومبادئنا – أوضح فى المحيط العربى منها فى أى محيط آخر وذلك من وجهة نظر مجردة.
لكن التجريد لا يصلح فى السياسة لأن السياسة مواقف وبالتالى فهى تطبيق عملى ويومى يستحيل فيه على الفكر النظرى أن ينفصل عن الواقع العملى مهما كان أو يكون!
ومن هنا فإن العلامات التى نجدها فى المحيط العربى قد تعنى – وقد لا تعنى شيئاً.
بل، وفوق ذلك – أيضاً – فإن هذه العلامات إذا اختلفت فاعليتها الحقيقية عن حجمها فى الظاهر – قادرة على أن تكون لحساب الضعف، أكثر مما هى لحساب القوة.
فإذا قلنا مثلاً إن الكيان العربى الواحد علامة، وإن الموقع الإستراتيجى العربى علامة، وإن الثروة الطبيعية العربية علامة. ثم رتبنا على هذه العلامات كلها أدواراً معينة تقوم بها – بينما هى فى الواقع لا تحاولها حتى مجرد المحاولة – فمعنى ذلك أن موقفنا كله مركب على كثيب من كثبان الرمال المتحركة وليست تلك أكثر القواعد أماناً، خصوصاً أوقات الأزمات وعندما يكون المصير كله معرضاً للخطر الجسيم.
وسيكون الخيار المطروح على الأمة العربية من المحيط إلى الخليج هو:
أن تكون. أو لا تكون؟
وبرغم هذه الشكوك وغيرها، فما زال رأيى أن محاولة عقد مؤتمر على مستوى القمة العربى فى المكان والزمان المقترحين – تجربة تستحق المحاولة لسببين.
– استعداداً لاحتمالات المعركة القادمة وأبعادها – أولاً.
– أو – ثانياً – لمجرد الحسم والخلاص من العوامل الزئبقية التى لا يمكن الإمساك بها أو تحديد موقعها أو تثبيتها فى مكان معين لفترة معينة – وهى عوامل حكمت تجارب العمل العربى المشترك فى مرات سابقة وآن أن يوضع حد لها وأن تواجه بطريقة تقطع الشك باليقين على نحو أو آخر!
ولا بد أن أقول إننى كنت واحداً من المطالبين بعقد مثل هذا المؤتمر، قبل الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة – مؤيداً فى ذلك مبادرة الملك حسين ملك الأردن.
ولقد كان من الضرورى أن تذهب الوفود العربية لتواجه وفود العالم كله بموقف محدد وموحد، لكن اجتماع وزراء الخارجية العرب فى الكويت يوم 17 يونيه لم يصل – مع الأسف – إلى نتيجة فى هذا الصدد وذلك لأن العوامل الزئبقية فى الموقف العربى أدت دورها التقليدى وراغت من مواجهة مسئولية الساعة.
ثم ترتبت على ذلك فى الأمم المتحدة، وخارج الأمم المتحدة تصرفات عربية، أبسط ما أستطيع أن أقوله فيها إنها كانت دون مستوى المسئولية.
– فى الأمم المتحدة.
شاهَد العالم كله واجهة عربية متصدعة، لا وحدة بينها ولا مجرد تنسيق حتى على السطح، وإلى درجة أن الوفود العربية اتفقت على أن يجتمع وزراء الخارجية العرب كل يوم لتبادل الرأى فى الموقف قبل بدء الجلسات، ومع ذلك فإن هذا الاتفاق – بالنسبة للبعض – لم ينفذ وانتهى الأمر إلى أن بعض وزراء الخارجية العرب كان يرسل سكرتيريه لحضور الاجتماعات لمجرد الشكل وعلى حساب الموضوع!
وإذا كنت لا أسمى هذه الدول ولا أفيض فى الحديث فيما كان من أمرها فى الأمم المتحدة فمن حفاظ على أمل فى المستقبل، مهما بدا هذا الأمل ضعيفاً واهياً.
– وخارج الأمم المتحدة.
وقعت تصرفات لا تصدّق فى الأوقات العادية، فضلاً عن أوقات الأزمات وإذا كنت على وشك أن أشير إلى بعض هذه التصرفات كنموذج فإني مرة أخرى سوف أحذف الأسماء حفاظاً وحرصاً.
– دولة عربية منتجة للبترول اقترحت على دولة عربية أخرى منتجة للبترول أن تتفق معها على ضخ البترول حتى للولايات المتحدة وبريطانيا لأنها تلقت وعداً من شركات البترول العاملة فيها بأنها ستضغط على حكوماتها لتغيير موقفها من مؤازرة إسرائيل إلى مؤازرة العرب.
الدولة الثانية التى تلقت هذا الاقتراح رفضت لحسن الحظ قائلة إن مثل ذلك الاقتراح خداع ولو كانت شركات البترول تريد لفعلت وإذا كانت تقدر لما انتظرت!
– رئيس دولة عربى – لم تشترك بلاده فى القتال – دعا السفير الأمريكى المعتمد لديه ليقول له:
– إنى أريد أن أعرف منك إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد اشتركت مع إسرائيل مباشرةً فى هجومها على البلاد العربية وسوف أقبل كلمتك “كجنتلمان”، إذا قلت لى إنها لم تشترك فسوف أعتبر الأمر منتهياً وإذا قلت لى إنها اشتركت فسوف أقطع العلاقات بيننا وبينكم.
وقال السفير الأمريكى:
– يا صاحب الجلالة، كجنتلمان فإنى أقول لك بأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تشترك مع إسرائيل فى هجومها على البلاد العربية!
واعتُبر الموضوع منتهياً فى هذا البلد العربى!
– دولة عربية طلبت من دولة عربية أخرى بعض قطع الغيار لطائرات “الهوكرهنتر” المقاتلة واعتذرت الدولة العربية الأخرى بحجة أنها لا تملك من هذه الطائرات إلا سبعاً وحين دهشت الدولة العربية الطالبة لأنه كان فى تصورها أن الدولة العربية الأخرى لديها أكثر من هذا العدد بكثير. كان الإيضاح الذى قُدم لها:
– الواقع إننا لم نكن نستطيع أن نشترى الكثير من هذه الطائرات وأنتم تعرفون أن شعبنا اعتاد على مستوىً معين من الرفاهية وكل أفراده يريدون الآن شراء السيارات وأجهزة تكييف الهواء، وهذا لا يترك فائضاً كبيراً لشراء الطيارات!
حتى برغم هذا كله، فما زال هناك – فى تقديرى – دور يستطيع مؤتمر على مستوى قمة العرب أن يؤديه.
لقد تأخر كثيراً عن الموعد الذى اقترحه الملك حسين.
وتلكأ بغير مبرر إلى ما بعد مناقشات الجمعية العامة للأمم المتحدة وكان ينبغى أن يسبقها حتى لا يرى العالم منا مجرد واجهة متصدعة.
ذلك صحيح.!
ومع ذلك يبقى من احتمالات العمل العربى ما يمكن إنقاذه خصوصاً وأن مناقشات الجمعية العامة للأمم المتحدة كشفت فى حد ذاتها عن حقائق كبرى.
إن هذه المناقشات كشفت – أكثر من أى شىء آخر – عن التواطؤ الأمريكى – الإسرائيلى.
وفى كل ما جرى فى الأمم المتحدة فإننا لم نكن نواجه قوة إسرائيل وتأثيرها السياسى وإنما كنا نواجه قوة الولايات المتحدة الأمريكية وتأثيرها السياسى وذلك يكاد يكون اعترافاً كاملاً بحقيقة ما واجهناه من قبل فى ميدان القتال!
ولقد تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية أن تنكر أنها قدمت لإسرائيل فى الأسبوعين السابقين للمعركة أكثر من خمسمائة طائرة عسكرية بطياريها وملاحيها على شكل متطوعين.
ولقد تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية أن تراوغ دون الاعتراف بمدى المساعدات التكنولوجية التى قدمتها لإسرائيل فى المعركة.
صور الأقمار الصناعية لكل المواقع العربية. التشويش على أجهزة الرادار. تسهيلات القواعد الأمريكية القريبة من منطقة العمليات بما فى ذلك قواعد ليبيا.
ولقد تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية أن تخادع فى حقيقة الدور الذى كانت تقوم به باخرة التجسس ليبرتى التى كانت مكلفة من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بحل شفرات العمليات المصرية وإبلاغها فوراً لإسرائيل.
ولقد وصل خداع الولايات المتحدة الأمريكية فى هذه النقطة بعد أن اعترفت الصحف الأمريكية صراحةً بأن الباخرة ليبرتى كانت تلتقط إشارات العمليات المصرية – إلى حد أن الولايات المتحدة الأمريكية أبلغت أحد الوفود العربية رسمياً بالتبرير التالى:
– صحيح أن ليبرتى كانت تلتقط إشارات العمليات المصرية. وصحيح أن هذه الإشارات وصلت إلى إسرائيل، ولكن ذلك جرى بغير علمنا، لأن الإسرائيليين حصلوا على مفاتيح الشفرة الأمريكية نفسها ولقد عرفوا ما أرادوا معرفته حينما كانت ليبرتى ترسل معلوماتها إلى قيادتها فى نابولى!.
ومن سوء الحظ أن الوفد العربى الذى سمع هذا التبرير الأمريكى لم يخطر بباله أن يسأل السؤال البسيط البديهى وهو:
– إذا كانت إسرائيل قد استطاعت أن تحصل على الشفرة الأمريكية وتحلها فكيف استعصت عليها الشفرة المصرية فاحتاجت فيها إلى وساطة الأجهزة الإليكترونية المعقدة التى تحملها ليبرتى!
ما أريد أن أقوله هو أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تستطيع أن تنكر وأن تراوغ وأن تخادع، فى الدور الذى قامت به أثناء المعركة تواطؤاً مع إسرائيل. لكن الذى لا تستطيع أن تنكره أو تراوغ أو تخادع فيه هو تواطؤها الكامل مع إسرائيل داخل الأمم المتحدة.
كل كلمة وكل تصرف قامت به فى الأمم المتحدة يدينها ويدمغها ويسحب أثره إلى ما جرى قبل مناقشات الجمعية العامة – أى فى ميدان القتال، ثم يوجه ضوءً كاشفاً على ما سوف يجرى بعد مناقشات الجمعية العامة، وبعضه قد يكون ميدان القتال مسرحاً له مرة أخرى!
وإذن فإن الانتظار بمؤتمر القمة العربى إلى ما بعد الجمعية العامة ومناقشاتها فى أزمة الشرق الأوسط، وقد كانت نتيجتها أزمة للأمم المتحدة ذاتها، ولوجودها، وكيانها من أساسه – أفاد ولو بطريق غير مباشر من حيث أنه كشف الدور الأمريكى مع إسرائيل بما لم يعد يقبل مجالاً للشك
أو لمجرد التساؤل؟!
وذلك – مهما كان التأخير والتلكؤ – وضوح أكثر أمام مؤتمر القمة العربى إذا ما أراد أن يتحمل بعض الواجب – ولا أقول المسئولية لكى لا أحمل أحداً فوق ما يطيق – فى هذه الظروف.
وثمة واقعة أخرى، إذا أراد أحد أن يتأكد أكثر من حقيقة الدور الأمريكى تواطؤاً مع إسرائيل فى العدوان.
وإذا ما أراد أى مؤتمر عربى أن يتحقق منها فإن معلوماتها تفصيلاً سوف توضع تحت تصرفه.
فى يوم من أيام المناقشات المحتدمة فى الجمعية العامة للأمم المتحدة دعا آرثر جولدبرج المندوب الأمريكى الدائم لدى الأمم المتحدة بعض وفود أمريكا اللاتينية إلى الغداء معه، وعلى الغداء، وفى الجناح المخصص لرئيس الوفد الأمريكى فى فندق والدورف إستوريا قال أحد الحاضرين موجهاً كلامه إلى المندوب الأمريكى:
– أعترف أننى تأثرت كثيراً بموقف الملك حسين ملك الأردن، وعرضه لموقف بلاده أمام الجمعية العامة. والحقيقة أننى لا أفهم لماذا كان الهجوم على الجبهة الأردنية عنيفاً إلى هذا الحد.
ثم استطرد المتكلم موجهاً حديثه إلى جولدبرج:
– هل كان المقصود عقاب الملك لأنه فى وقت خطر شديد اختار أن يقف فى الصف العربى المقاتل؟
وقال آرثر جولدبرج بصلافة:
– إن الولايات المتحدة أكبر من أن تعاقب أحداً.
لكن الملك حسين أخل بالعقد الذى حصل بموجبه على السلاح الأمريكى.
إن هذا السلاح الذى كان فى يد الجيش الأردنى استخدم لغير الغرض الذى كان فى فكر الولايات المتحدة الأمريكية وهى تقدمه له، ولذلك فإن تدميره – لاستحالة استرداده – كان السبيل الوحيد لتصحيح الأمور. وإعادة كل شىء إلى مكانه السليم!
وأكتب هذه السطور، يوم الخميس، لكى تظهر اليوم – الجمعة – ومؤتمر القمة العربى المقترح فى الخرطوم – يوم 15 يوليه الحالى – ما زال احتمالاً معلقاً فى الهواء يتجاذبه رأيان:
– رأى تمثله الجزائر، التى لا تجد بثوريتها الأصيلة فائدة منه وإن كانت قد عدلت موقفها قليلاً فقبلت بفكرة عقد المؤتمر واعتذرت قطعياً عن استضافته فى عاصمتها.
وقال الرئيس بومدين فى ذلك صراحةً:
– إن هناك من لا أقبل لنفسى أن أدعوهم، حتى لكى يمشوا على أرض الجزائر!
– ورأى تمثله الأردن، التى تواجه أكثر من غيرها من الدول العربية ظروفاً صعبة لا تستطيع أن تتحملها وحدها، وتؤثِر – وذلك حقها – أن تجد وراءها سنداً من موقف عربى شامل.
ولقد عبر عنها الملك حسين بنداءات مستمرة تطالب بعقد مؤتمرعربى على مستوى القمة لتدارس الأوضاع كلها، وكيف يمكن للأمة العربية أن تتجاوزها.
ويبدو من ذلك أن احتمال عقد المؤتمر يرجح غيره من الاحتمالات أو هكذا على الأقل يظهر فى هذه اللحظة.
ولكن السؤال الكبير هو:
– هل يستطيع مؤتمر القمة العربى أن يؤدى الآن دوراً فعالاً فى خدمة النضال العربى الذى واجه بالنكسة الأخيرة صدمة قاسية؟
والرد:
– يستطيع. وما زال قادراً إذا أراد.
وفوق ذلك فإننى على استعداد لأن أقول:
إنه حتى إذا استحال على العرب – لسبب أو لآخر – أن يصلوا إلى الحد الأقصى فى المواجهة مع قوى العدوان، فإنهم على الأقل يستطيعون الوصول إلى الاتفاق على حد أدنى من متطلبات المواجهة الحتمية مع قوى العدوان.
وبالقوى الهائلة التى تملكها الأمة العربية فإن هذا الحد الأدنى – إذا أمكن الاتفاق عليه – يستطيع أن يُحدث فى الموقف العربى تغييرات بعيدة الأثر.
على أن لا يتحول هذا الحد الأدنى ليكون مجرد كلمات عطف وتأييد. أو حماسة وانفعال!
وعلى أن لا يتحول هذا الحد الأدنى أيضاً ليكون مجرد تبرع بالمال يشترى أصحابه به سكوت غيرهم وكأنه صكوك غفران مما كان يبيعه بابوات الكنيسة الكاثوليكية قبل عصر الإصلاح الدينى فى أوروبا!
وإنما لابد أن يكون هذا الحد الأدنى فهماً عميقاً للظروف وجداً وعملاً.
وفى نفس الوقت لا يجب لهذا الحد الأدنى الذى تتفق عليه كل الأطراف العربية أن يكون ورطة لبعضها تقبلها داخل المؤتمر حياءً أو تحرجاً، ثم تتخلص منها عند باب الخروج.
كما أنه لا ينبغى أن يصبح قيداً على حركة أية أطراف عربية تريد أن تصل إلى الحد الأقصى وترضى مهما كانت المخاطر أن تتحمل تبعاته.
إن ساعة شرف واحدة الآن قد تغير أقدار العالم العربى إلى الأحسن، ولعشرات السنين.
ولنذكر أنه بعد الصدمات الكبرى، لا يمكن للأمور أن تقف عند الموضع الذى كانت عليه قبلها.
إما أن تتقدم خطوة أو خطوات وإما أن تتراجع خطوة أو خطوات.
وهذه بديهية من بدهيات الحركة، ونعود إلى هذا الحديث مرة أخرى!
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=736