” بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : سنة من الوضوح

سنة من الوضوح
وحدة الهدف تصنع تأثيرها. وملء الأفق نجوم فى سمائنا
سنة كاملة مرت، منذ تكلم جمال عبدالناصر فى عيد الوحدة، فى أول احتفال به بعد انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة، وأطلق فى يوم 21 فبراير سنة 1962 – شعاره الجديد للعمل فى المجال العربى “وحدة الهدف، قبل وحدة الصف”.
سنة كاملة مرت، منذ ذلك اليوم.
سنة كاملة من الوضوح الفكرى، والرؤية الشفافة الصادقة.
سنة كاملة واضحة. سنة كاملة رائعة.
فى ذلك اليوم – منذ سنة كاملة – كانت آفاق الشرق العربى غارقة فى ظلام كثيف، ولم تكن هناك على هذه الآفاق نجمة واحدة تلمع من بعيد تمنح الباحثين عن أمل تلوح بشائره – وعداً أو موعداً.
وكان مجرد وقوف جمال عبدالناصر يومها فى احتفال بعيد الوحدة، بعد الانفصال، باعثاً على العجب.
ما الذى يمكن أن يقول فى مثل هذه المناسبة؟
وكان التعليل الذى خطر على بال البعض وقتها: أن وقوف جمال عبدالناصر للحديث ذلك اليوم هو عناد رجل من صعيد مصر لا يريد أن يستسلم حتى وإن وقف وحده مكابرة ضد زحام الحوادث الذى بدا وكأنه يعترض طريقه، ويكاد أن يسد عليه كل سبيل!
وحتى حين أطلق جمال عبدالناصر فى ذلك اليوم شعار “وحدة الهدف قبل وحدة الصف” لم تظهر على الفور كل الأبعاد التى يرمى إليها هذا الشعار، ومرة أخرى كان التعليل الذى خطر على بال البعض وقتها: أن هذا الشعار ليس إلا صيغة كبرياء يحاول به جمال عبدالناصر أن يغطى عزلته.
وقتها كان يبدو للنظرة العابرة أن جمال عبدالناصر يريد أن يدارى وقوف مصر وحيدة، وسط مجموعة من الحكومات العربية، تملك ما تستطيع أن تسميه وحدة الصف ضده.
كانت حكومة الملك سعود، وحكومة الملك حسين، وحكومة الإمام أحمد، وحكومة عبدالكريم قاسم، وحكومة ناظم القدسى، تقف كلها فى صف واحد مضاد له، أو بمعنى أصح مضاد لكل ما يمثله “هو” ويعمل له.
وإذن – كذلك كان تساؤل البعض يومها – ماذا تعنى حكاية وحدة الهدف التى جاء يتحدث عنها، ومن معه فيها؟
وكانت الإجابة التى خطرت على البال وقتها كما قلت: عناد الصعيد. والكبرياء!
ولكن إلى متى؟
بهذا كانوا يمنون النفس، ثم ينتهون إلى أن تشديد الضغط، سوف يكسر كل مقاومة ثم ينتهى كل شىء حتى عناد الصعيد. وحتى الكبرياء!
ومضوا جميعاً، بوحدة الصف الذى جمعته الكراهية، إلى آخر ما عندهم.
الملك سعود، الذى كان قد تولى تمويل مؤامرة الانفصال بسبعة ملايين جنيه إسترلينى كشفتها التحقيقات التى جرت فى دمشق ذاتها بعد الانفصال، فتح خزائنه بغير حساب بعدها بغية تشديد الضغط.
لقد صرف الملك خلال هذا العام الذى مضى، ما جعل شركة أرامكو، حامية العرش السعودى، تضج من كثرة ما سحب منها الملك مقدماً مما يستحق للسعودية من عائدات البترول.
سحب الملك من الشركة ما يوازى عائدات ثلاث سنوات مقبلة، وكان العذر الذى يقدمه لأرامكو أن أمامه فرصة العمر لكى يخلص هو من كل تهديد عليه، وتخلص شركة أرامكو معه من الخطر.
ودفعت شركة أرامكو على أمل، ثم ضجت شركة أرامكو، حين زاد الدفع عن كل حد ولم يظهر له فى أى ناحية أثر!
وكانت شركة أرامكو فى النهاية بين القوى صاحبة النفوذ التى نصحت باستبدال الملك بشقيقه فيصل، عله يكون أكثر اقتصاداً فى الدفع وفى السحب، وكارثة شركة أرامكو اليوم أن نصيحتها لم تغير من الأمر شيئاً لأن فيصل ما زال يدفع. ويسحب.
ولو حاول أحد، أمامه قصاصة ورق وفى يده قلم، أن يحسب كم صرف الملك خلال هذا العام الذى مضى لكانت نتيجة الحساب شيئاً يشبه الأرقام الفلكية:
– فى سوريا وحدها صرف الملك ما لا يقل عن عشرة ملايين جنيه – غير السبعة التى سبق دفعها من أجل تدبير الانفصال – ذهبت كلها إلى جيوب ساسة، وضباط، وصحفيين اشتراهم الملك، كما يشترى جوارى الحريم!
– فى الأردن قال الملك نفسه أخيراً فى سويسرا: إن مجموع ما “أعطاه” لحسين يصل إلى خمسة عشر مليون جنيه وكان الملك فى ثورة غضب عندما بلغه أن الملك حسين قرر أن يسحب طائراته من مطار الطائف.
– فى اليمن صرف الملك حتى الآن ما يكاد أن يصل إلى أربعين مليون جنيه، ومن الباكستان وحدها اشترى الملك مائة ألف بندقية وخمسين مليون طلقة، ولقد كانت حملة اليمن كنزاً تفتح فى السعودية لسماسرة القصر، وللطيارين الأمريكيين، ولبعض مشايخ القبائل فى منطقة الحدود اليمنية، ولأمراء أسرة حميد الدين المخلوعة، وللسيدين خالد ومحمد السديرى وهما يشرفان باسم الملك على توجيه الحملة من نجران وكانت أحوالها قبل معارك اليمن أقل مما يطمعان وبعد حملة اليمن فليس فى رأسيهما اليوم إلا تحين فرصة للفرار لكى يلحقا بملايين – حصلا عليها من غنائم الجهاد! – فى اليمن.
بيت واحد من بيوت العلاقات العامة فى أمريكا، قبض من الملك مليون دولار، لخلق رأى عام صديق للملك فى أمريكا عن طريق نشر مقالات تقول إن الملك يحارب فى اليمن من أجل الحضارة والتقدم وعصر الفضاء!
– ورحلات الملك هذا العام تكلفت خمسين مليون جنيه، المرحلة الأولى إلى أمريكا لإقناع كيندى وحكومته أنه لا أمل فى المنطقة كلها إلا بتشديد الضغط على مصر، والمرحلة الثانية إلى سويسرا عندما ضاقت شركة أرامكو بمصاريف الملك وأرادت أن تقتصد.
ثم ما دفعه الملك من أجل عقد مؤتمر فى مكة تحت ستار الإسلام ليعطيه فتوى بأن الاشتراكية حرام، ولقد كان سرور الصبان هو أمين هذا المؤتمر، وكان المؤتمر فرصة للصبان لتعويض ثلاثة ملايين جنيه من أمواله وضعت تحت الحراسة فى مصر!
– وأربعة ملايين جنيه دفعها الملك للذين أقنعوه أن فى استطاعتهم نسف منصة يتحدث من فوقها جمال عبدالناصر يوم 23 يوليو.
– وخمسة ملايين جنيه سحبتها من جلالته جماعة مصر الحرة، التى أصبحت شركة تجارية رابحة لبعض الهاربين من مصر.
عملية واحدة تكلفت نصف مليون جنيه، هى عملية إقناع ملحق عسكرى مصرى فى بيروت بأن يترك خدمة وطنه إلى خدمة الملك.
ربع مليون جنيه دفعت باسم الملحق العسكرى مقدماً قبل أن يخطو من بيروت خطوة واحدة!
وربع مليون آخر دفعت لأقاربه الذين أقنعوه بما فعل!
– وقبل ذلك كله، أو بعده، هذه المبالغ الطائلة التى سحبها الملك على عجل، وحولها إلى الخارج على عجل بعد أن داهمته ثورة اليمن وخلعت بالرعب قلبه، وهناك من رجال الملك أنفسهم من يقدرونها بمائة مليون جنيه فى هذه السنة وحدها!
مجموع ما صرفه الملك بعد هذه التفاصيل، خلال هذا العام الذى تصوره الملك فرصة لتشديد الضغط حتى يكسر العناد والكبرياء، يتعدى المائتى مليون جنيه.
ولو دخلت بعد ذلك بنفس التفصيل إلى محاولات لتشديد الضغط من دمشق، وعمان، وبغداد، لما وصل الحديث إلى نهاية.
مجمل الحديث أن حكام دمشق وعمان وبغداد، هم أيضاً، لم يتركوا عندهم شيئاً إلا فعلوه خلال هذا العام.
سياسياً – كل ما فى طاقتهم جربوه.
عقد حسين مع سعود حلفاً فى الطائف، وعقد القدسى مع قاسم حلفاً فى الرطبة، ولم تكن هذه الأحلاف من أجل عقيدة. وإنما كانت ضد عقيدة.
ضد كل ما كانت تمثله القاهرة وتنادى به وتعمل من أجله.
نفسياً – تحولت العواصم الثلاث على مستوى الحكومات وبرغم إرادة الشعوب، إلى مصانع للأكاذيب.
لم تترك تهمة إلا وأطلقتها، إلى درجة القول بأن جمال عبدالناصر تواطأ على حل مشكلة فلسطين لصالح إسرائيل، بل إلى درجة القول بأن جمال عبدالناصر عميل للمخابرات الأمريكية من زمان وأن المخابرات الأمريكية هى التى دبرت له ثورة 1952 فى مصر ومكنته من الحكم وهى التى أقنعته بكسر احتكار السلاح وتأميم قناة السويس ومقاومة العدوان البريطانى – الفرنسى – الإسرائيلى، وتحدى الحصار الاقتصادى، وإسقاط مشروع أيزنهاور، وبناء السد العالى بالتعاون مع الاتحاد السوفيتى وقبول الوحدة مع سوريا، وتطبيق الاشتراكية فى الجمهورية العربية المتحدة!
وليست تلك مبالغة، وإنما عبدالكريم قاسم نفسه قبل أن يمزقه الرصاص فى بغداد – وقف يردد هذه النغمة، ويقول إنه يملك الدليل عليها مكتوباً فى صحيفة أمريكية! – ولم يذكر الرجل فى وقفته هذه أنه يوم كانت ثورة 14 تموز 1958 تحمل اسمه تدفق الأسطول الأمريكى على شواطئ لبنان تهديداً لها، ولم يكن لثورته من سند إلا وقفة الجمهورية العربية المتحدة، بكل ما تملك، دفاعاً عنه وعن الثورة.
عسكرياً – دفع سعود بجيشه ضد جمهورية اليمن، والجمهورية العربية المتحدة، ثم خاف الملك واستبدل بجيشه المرتزقة.
والملك حسين، سيد عرش البلاستيك – الرخيص – فى عمان حاول أن يجعل من الجيش الأردنى كله. جيشاً للإيجار.
وعبدالكريم قاسم عرض على القدسى فى اجتماع الرطبة أن يرسل إلى دمشق لواء من الجيش العراقى ليكون قوة رادعة لأى حركة وحدوية يقوم بها الجيش السورى.
وفى هذا الأسبوع فقط، تكشف سر جديد.
بعد الثورة فى العراق، وبعد أن أتيح للحكومة الجديدة فى بغداد أن ترى أسرار قاسم تبين أن هناك ستة ملايين دينار ضائعة من حسابات الحكومة العراقية.
ثم اتضح أن عبدالكريم قاسم دفع هذا المبلغ إلى حكومة سوريا الانفصالية، لتعزيز الوضع فى سوريا وتأمين الحكومة الرجعية.
واتضح أن هناك مليون دينار أخرى صرفها قاسم على شراء كتب ضد الجمهورية العربية المتحدة.
أكثر من مائة ألف دينار اشتريت بها نسخ لا عد لها من كتاب أصدرته سلطات الانفصال عن عهد الوحدة “الأسود”!
أكثر من مائة ألف دينار أخرى اشتريت بها نسخ لا عد لها من كتاب يحوى وثائق الشكوى السورية ضد الجمهورية العربية المتحدة فى أشتورة!
وكان قاسم قد أمر بتعميم هذين الكتابين على كل موظفى الحكومة العراقية.
كذلك أمر قاسم أن يوزع الكتابان على كل ضباط الجيش العراقى وصف الضباط والجنود.
وفى حجرة نوم قاسم وعلى مائدة صغيرة بجوار فراشه كانت هناك نسخة من كل كتاب منهما. كان الرجل المسكين فيما يبدو – يشفى فيهما أحقاده!
كانوا جميعاً، فى مثل تلك الأيام من العام الماضى يضغطون بكل قوة حتى ينكسر ما تصوروه عناد صعيد مصر. والكبرياء!
وكان الشعار الذى أطلقه جمال عبدالناصر فى مثل هذا اليوم من العام الماضى يبدو وهماً، إزاء الحقائق، أو ما تصوروه حقائق فى تناول أيديهم.
مال بغير حساب.
أكاذيب بغير حدود.
وحدة صف تجمع حلفاً للكراهية عقدوه بينهم.
ثم هم بعد ذلك كانوا يعرفون أن وراءهم قوة احتياطية، تدعم حركتهم، وأحياناً تسبق حركتهم.
قوة الاستعمار، وإسرائيل.
كانت هذه القوة معهم فى وحدة هدف!
كذلك كان حالهم! أما هو فمن يقف معه؟
كذلك سألوا أنفسهم وقتها، وتلفتوا فلم يجدوا أحداً أو هكذا خيل لهم!
لقد كان الأفق كله غارقاً فى الظلام، لا تلوح فيه ولو من بعيد أطياف نجمة، تشير إلى موعد أو وعد بأمل.
كان أحمد بن بيللا، ما زال سجيناً فى فرنسا، وثورة الجزائر كلها معارك فى الجبال!
وكان عبدالله السلال، رئيساً لحرس إمام اليمن، ولم يكن لأحد أن يتصور ما الذى يدور فى أعماقه!
وكان رشاد شيشة، طياراً فى السلاح الجوى السعودى، كذلك كان زملاؤه الذين جاءوا بطائراتهم وحمولات من الأسلحة الأمريكية إلى القاهرة.
وكان سهل حمزة قائداً لسلاح الجو الملكى الأردنى كذلك كان زميلاه اللذان تبعاه فى اليوم التالى إلى حيث اختار الحرية.
وكان عبدالسلام عارف، وأحمد حسن البكر، وطاهر يحيى ضباطاً محالين إلى التقاعد فى بغداد، لا يتصور أحد أن صلتهم بشباب الجيش العراقى ما زالت قائمة. بل لقد زادت حيويةً وعمقاً.
وكان مئات الأبطال الذين صرعهم الإرهاب بعدها فى السعودية، وفى سوريا، وفى الأردن، وفى العراق، وكثيرون منهم لا تعرف أسماؤهم حتى الآن، مجرد ضمائر تشعر وتتألم وتتحفز لتندفع حتى وإن واجهتها فى اندفاعتها طلقات البنادق الرشاشة أو مدافع المصفحات والدبابات.
كان جمال عبدالناصر وهو يطلق شعاره بوحدة الهدف”يتحدث عن هؤلاء جميعـاً. حتى دون أن يعرفهم. كان يعرف الأمة العربية، وكان يعرف أن فيها، فى الخضم الهائل لحركتها. هؤلاء الأبطال.
لم يكونوا رجاله. لكنهم كانوا رجال أمتهم وأبناء نضالها وانتصارها الحتمى!
وأما الذين لم تتضح أمامهم وقتها أبعاد الشعار الجديد وأعماقه فلقد تلفتوا من حولهم، فلم يروا شيئاً. إلا الظلام!
وتحركت الحوادث مسرعة بعد يوم الوضوح الشفاف منذ عام كامل.
إن شعار وحدة الهدف أحدث – كما قلت مرة من قبل فى مقال سبق – انفلاقاً فى العالم العربى بين قوى الثورة وبين أعداء الثورة.
وبدأ كل من فى العالم العربى يحدد مكانه من الخط الفاصل بين طرفى الصراع.
وللوهلة الأولى، بدا أن أعداء الثورة لديهم الوحدة. وحدة الصف على الأقل.
وأما قوى الثورة. فإن انتظار تجميعها لم يطل.
بدأت تتحرك. خطوات مترددة فى بادئ الأمر ثم ازدادت ثباتاً وراحت تزحـف.
بعد شهر تقريباً، من يوم الوضوح الشفاف، تحرك الجيش السورى يوم 28 مارس سنة 1962، يعرى الذين خدعوه، ويفضح ما فعلوه بسوريا نفسها بعد الخديعة، حيث ضاعت مكاسب الفلاحين والعمال، وحيث تسلطت الرجعية والردة والانتهازية وحيث يوشك الوطن السورى، باستقلاله ووحدته الوطنية، أن يضيع وأن تسيطر عليه السياسة الاستعمارية.
ولقد مكنت حركة الجيش السورى، شعب سوريا نفسه من أن يعبر عن إرادته، وليس يهم بعدها أن الرجعية استجمعت قواها بعد المفاجأة وانقضت مرة أخرى عليه.
ذلك جائز الحدوث فى مجريات النضال الوطنى لأى شعب من الشعوب لكن المهم أن إرادة شعب سوريا، ظهرت يومها، ومن يومها لم يستطيعوا قهرها أو إخماد أنفاسها!
– حققت ثورة الجزائر نصرها، وخرج أحمد بن بيللا من السجن، ليقود تجربة حرية سياسية واجتماعية على أساس منهاج ثورى شامل.
– تقوض حكم القرون الوسطى فى اليمن، وبدأ شعبها يفتح عينيه على دنيا جديدة ويدخل طرفاً فى صراع المصير العربى الذى كان يعيش بعيداً عنه فى عزلة تضافر عليها الزمان والمكان!
– بدأ البيت المالك السعودى يتصدع تحت الضغط الشعبى، الذى – وإن لم يستكمل قوته للضربة القاضية بعد فإنه يتحفز لها.
– راح عرش “البلاستيك” فى عمان يئن، وعادت أصوات الحرية تسمع بالقرب منه حتى إن نائباً فى مجلس النواب الأردنى الذى أشرف الملك بنفسه ومعه المخابرات البريطانية ورجالها فى الأردن، على انتخاباته، وقف فى جلسة سرية يقول، وأنا أنقل بالحرف عبارة قالها الدكتور عواد محمود عواد نائب طولكرم، عن محضر رسمى سجلها:
“إنه ليصعب على المرء أن يتصور كيف يمكن للعرب أن يستردوا حقهم السليب فى فلسطين بدون الجمهورية العربية المتحدة التى تتوفر فيها القوى الضاربة والطاقات الخلاقة والإمكانات المتنوعة الأخرى التى يشك فى توفرها لدى سائر الدول العربية مجتمعة، والمواطن الأردنى فى حيرة من أمره بصدد ما يقال هنا عن فلسطين وعن استرداد فلسطين.
إننى وقد وطدت النفس على خدمة بنى وطنى الذين شرفونى بثقتهم الغالية لتمثيلهم تمثيلاً صادقاً فى هذا المجلس أرى بأننى أعمل من وحى مشاعرهم وأنطلق من إملاء رغبتهم إذ أحجب الثقة عن هذه الحكومة والله ولى التوفيق”.
– ثم كان للحلم العظيم، الذى فتحت الأمة العربية عينها عليه صباح يوم الجمعة الرابع عشر من رمضان، فإذا هو حقيقة فى بغداد.
لقد تبعثر الصف الذى جمعته وحدة الكراهية، والذى كان يتوهم منذ عام أنه ليس من تجمع على الأرض العربية غيره.
وعلى الأرض العربية الآن تجمع جديد. لا يربطه حلف وإنما يربطه الهدف، فى الحرية والاشتراكية والوحدة.
ومن غير تنسيق، وربما من غير اتصال وعلى غير معرفة تصنع وحدة الهدف تأثيراً لا متناهياً.
مع الجزائر مثلاً أول نظام حاكم قام فى العالم العربى تشعر القاهرة أنها ترتبط معه بوحدة الهدف – كانت التجربة رائعة.
لم تقف القاهرة موقفاً سلبياً فى أى وقت من ثورة الجزائر لا قبل النصر ولا بعده، ولا رضيت لنفسها موقف الحياد حين لاح خلاف داخل جبهة التحرير الجزائرية ذاتها، وإنما سعت بإيجابية لتبقى لثورة الجزائر ثوريتها وفى نفس الوقت لا تتمزق وحدتها.
وفى كل مشكلة طرأت فى المجال الدولى، أو العربى، أو داخل الجزائر أو داخل الجمهورية العربية المتحدة، كانت القاهرة والجزائر كلاهما تتطلع إلى الأخرى وتجد أن الفهم العميق متبادل من النظرة الأولى.
وتشعر القاهرة فى أى صراع أنها تستطيع أن تطمئن بظهرها إلى الجزائر، ونفس الشعور فى الوطن الذى نال استقلاله قريباً – تجاه القاهرة.
مع صنعاء مثلاً وصلت القاهرة إلى حد قبول التحدى المسلح دفاعاً عن إرادة شعب اليمن ولا تنتظر القاهرة بعد الصراع المسلح غنيمةً أو كسباً.
كذلك لا تنوى القاهرة أن تقدم إلى صنعاء كشف حساب.
إن الحساب كله للمصير الواحد. على أساس وحدة الهدف.
وفى التجربة الجديدة مع بغداد ذات الشىء.
وحين اتضح اتجاه الثورة ضد قاسم، وأنه لا استعمارى، ولا رجعى، ولا شعوبى، ولا شيوعى، أيدتها القاهرة بكل قدرتها وبرصيدها إلى آخره.
وحين حاولت بعض الصحف الأجنبية أن تقول: إن ثورة العراق ناصرية، كان جمال عبدالناصر هو أول من قال:
– إن ثورة العراق عربية وذلك أعظم ما فيها.
وحين حاولت نفس الصحف أن تقول: أنه كان للجمهورية العربية المتحدة دور فى تدبير الثورة، كان جمال عبدالناصر هو الذى قال:
– لا يمكن أن تكون ثورة تلك التى تدبر من الخارج.
إن الثورة تعبير عن ضمير شعب، ولا يمكن إلا أن يعبر كل شعب بنفسه عن ضميره.
وحين اتضح أن لحزب البعث العربى نصيباً فى المشاركة بالعمل الثورى، سارعت القاهرة بالكلمة القاطعة تقول:
– بعث. أو لا بعث، كل الجماعات القومية أمامنا تستوى ما دام اتجاهها العربى سليماً، نحن وراء ثورة العراق ذاتها وكل الذين شاركوا بنصيب فيها أبطال فى تقديرنا لا تفرقة بينهم.
بل وحدث هذا الأسبوع أن وزير خارجية العراق الجديد، دعا القائم بأعمال سفارة الجمهورية العربية المتحدة فى بغداد يقول له:
– “يبدو أننا تأخرنا فى الرد على تهنئة جمال عبدالناصر ثلاث ساعات ليلة الثورة.
ولكن عذرنا أن الأحداث كانت تتوالى بسرعة”.
واطلع الرئيس جمال عبدالناصر على البرقية، وكان هو بنفسه الذى وضع حدود الرد الذى أرسلته الخارجية فى القاهرة إلى القائم بالأعمال فى بغداد ليبلغه إلى الخارجية العراقية وكان رأى جمال عبدالناصر – وأسمح لنفسى أن أنقله هنا.
قال جمال عبدالناصر:
– أبلغوا بغداد، أننى طلبت إذاعة برقيتى إلى الرئيس عبدالسلام عارف من إذاعة القاهرة عند منتصف الليل وقبل إرسالها بالطريق العادى، وكنت أعتبر تلك أسرع وسيلة لوصولها.
ولقد سمعت بنفسى الرد عليها من إذاعة بغداد قبل الفجر وأدركت أنهم التقطوها من الإذاعة وردوا عليها فوراً وقبل أن تصلهم بالطريق الرسمى.
ولقد فوجئت بالرد، فأنا أعرف كيف يكون الناس فى مثل الظروف التى كان يعيشها المسئولون فى بغداد ليلة الثورة.
لقد كنت لا أتوقع رداً قبل ثلاثة أيام، وحتى لو انقضت ثلاثة أيام من غير رد – لا ثلاث ساعات – فإننا نفهم ظروفهم ونقدرها.
واستطرد جمال عبدالناصر:
– أبلغوا القائم بالأعمال فى بغداد أن ينقل إليهم ما يلى:
أولاً – ينبغى إبعاد كل الحساسيات الشكلية من هذا النوع عن العلاقات بين القاهرة وبغداد.
ثانياً – نحن نؤيد الثورة العربية العراقية وكل ما نتمناه لها هو أن تواجه مسئولياتها أمام شعب العراق، ونحن ندرك أن مشكلاتها ضخمة ولا نريدها أن تشغل نفسها بأى شىء عدا ذلك.
ثالثاً – نحن فى تأييدنا لثورة العراق، لا نكتفى بموقف المتفرج المتحمس، لكننا بجهدنا معها، وبقلبنا نتمنى لها النجاح.
إن وحدة الهدف تصنع تأثيرها.
والآن يمضى عام كامل على اليوم الذى أطلق فيه عبدالناصر شعار “وحدة الهدف قبل وحدة الصف”.
ونتطلع إلى آفاق الأرض العربية حولنا، ثم نقول:
ملء الأفق نجوم فى سمائنا!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=699