“بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : دور الضمير “

دور الضمير
لقد سألنى كثيرون:
– ما هو سبب حماستى الزائدة للثورة الليبية ولمعمر القذافى؟
سمعت هذا السؤال من كثيرين يعرفهم كل الناس: إدوارد هيث رئيس وزراء بريطانيا وشابان دالماس رئيس وزراء فرنسا وويليام روجرز وزير خارجية أمريكا وألدو مورو وزير خارجية إيطاليا، وبانامارييف المسئول العقائدى الأول فى المكتب السياسى للحزب الشيوعى السوفيتى. وغيرهم وغيرهم.
وسمعت نفس السؤال أيضاً من كثيرين لا يعرفهم كل الناس.
صحفيين من الغرب والشرق، ومؤلفين ومعلقين، وقراء من مصر ومن خارج مصر.
وكان آخر السائلين هذا الأسبوع عضو فى مجلس العموم البريطانى قابل القذافى فى طرابلس، وجاءنى فى القاهرة كصديق قديم يتحدث عن الواقع والمنتظر على الأرض العربية.
وفكرت فى السؤال طويلاً، وسألت نفسى.
صحيح. لماذا؟.
– هل هو غرام من أول لحظة لأنى كنت أول من قابل معمر القذافى فى بنغازى غداة قيام الثورة وبالتالى فإنى كنت أول من نقل صورته إلى العالم الخارجى؟.
ليس ذلك كافياً، فلقد حدث لى ذلك مع غيره من الذين قاموا بأدوار ظاهرة على مسرح السياسة العربية والدولية ولم تعش التجربة بعد ذلك معى إلا كما تعيش الذكريات.
– هل هو حلم بقيادة عربية جديدة تتقدم المسيرة القومية خصوصاً بعد رحيل عبدالناصر؟
لا أظن لأن هذه المسئولية لمصر بدورها ووزنها وحجمها التاريخى والحضارى والإنسانى، وحتى عبدالناصر نفسه لم يكن إلا عطاءً مصرياً ولو كان فى غير مصر لما استطاع مهما كانت عظمته كفرد.
هل هى مصلحة خاصة أرجوها أو أنتظرها فى ليبيا الثورة أو من معمر القذافى؟
بالتأكيد لا، فطرابلس ليست مصدر أخبار لا يمكن الاستغناء عنه، وليست سوقاً واسعة لبيع الأهرام أريدها مفتوحة باستمرار، وفيما يتعلق بى شخصياً فليس لى مطلب واحد فى ليبيا أو من معمر القذافى لأنى أومن أنه بعيداً عن حياة مصر ليست لى حياة، وبعيداً عن شواغلها ليس لى أى عمل، وخارج مصر ليس لى بيت، بل خارج تراب مصر ليس لى قبر!.
وإذن ماذا؟
ولقد جرت على الحماسة لليبيا الثورة ولمعمر القذافى مشاكل لا حصر لها وصلت إلى حد أن رئيس دولة عربية كان فى يوم من الأيام صديقاً خاصمنى وقال لى مرة أمام جمال عبدالناصر:
– يا أخى أنت لا تريد أن تعترف بحدث أو بأحد بعد سنة 1967، إلا بثورة ليبيا ومعمر القذافى!.
ومن ناحية أخرى فإن حماستى لليبيا الثورة ولمعمر القذافى تجعلنى دائماً فى مناقشات لا نهاية لها معه ومع غيره من رفاقه، وأجدنى بالساعات والساعات معه ومعهم فى أحاديث تقودنا إلى أطراف الأرض أو تغوص بنا إلى أعماق قضايا التاريخ والتطور والفلسفة. والفن أحياناً.
ولقد اقتص منى معمر القذافى بمواقف محرجة وضعنى فيها بغير قصد ولا أنسى منها مرة على مائدة الإفطار فى رمضان بعد أسابيع قليلة من رحيل جمال عبدالناصر.
كان الإفطار فى بيت السفير الليبى فى القاهرة وكان الداعى إليه هو معمر القذافى نفسه – وكان الحاضرون فيه هم كل أركان السلطة المصرية فى ذلك الوقت، وكانت علاقتى بمعظمهم حافية على شظايا زجاج مكسور، وكنت قد قدمت استقالتى من وزارة الإرشاد إلى الرئيس أنور السادات إيثاراً لمهنة لم أعرف لنفسى غيرها ثم نأياً عن صراعات وجدتها عقيمة – قائلاً للكل:
“إذا كان هناك صراع حول فكرة فإننى فيه بغير خشية، وأما أى صراع على سلطة فلست فيه كما أننى أخشى على مصر منه فى هذه الظروف”.
وحضرت الإفطار لأن معمر القذافى طلب إلى أن أحضر ولم يقبل منى عذراً.
وكان الجو فيما أحسست به من حولى شديد التوتر وكان الذين يعرفون موقفى وقتها اثنين:
الرئيس أنور السادات والدكتور محمود فوزى.
وفجأة بغير مقدمات على غير انتظار، إذا بمعمر القذافى يوجه لى الكلام قائلاً:
– “لماذا تركت مكانك فى وزارة الإرشاد؟”.
وفوجئت وتلعثمت فقد كان الجالس بجوارى مباشرةً هو الذى خلفنى فى وزارة الإرشاد!
وقلت:
“إننى آثرت عملى فى الصحافة، وكانت الوزارة حادثة عارضة فى حياتى فرضت على فرضاً حتى بغير علم منى”.
وواصل القذافى ضغطه، وببساطته المطلقة:
– “أنا لا أوافق على هذا. إنك لا تختار لنفسك. أنت جندى فى الميدان فى زمن الحرب وقد أختار لك القائد موقعاً قدر أنك تستطيع أن تحسن الخدمة فيه. وليس من حقك أن تترك هذا الموقع. هذه فى عرفى حالة فرار من الميدان”.
وقلت وشعورى بالحرج يزداد:
– “إننى لم أترك الميدان. وإنما أنا باق فى موقعى الأصلى لم أتركه وقد شرحت ظروفى كلها للرئيس السادات”.
وأضفت:
– “إن عمل الوزير كان غريباً على. وربما كان هناك من هم أكثر قدرة عليه منى”.
ولم يسكت معمر القذافى وإنما واصل هجومه:
– ليس لى دخل بهذا. أنا أعرف أن عبدالناصر كان قد أختارك انت وليس غيرك. وسوف تصبح المسألة فوضى لو أن كل جندى فى الميدان قدر لنفسه واختار موقعاً يختلف عن الموقع الذى وضعه فيه القائد. كيف يمكن أن نخوض معركة بهذا الشكل.
وقلت:
“ولكنى مدنى يؤدى مهمة وراء الجبهة”.
وقاطعنى القذافى على الفور:
– “لا. لا أقبل هذا إطلاقاً. فى حالة الحرب كلكم جنود. ليس هناك عسكريون ومدنيون وإنما كل قادر على الخدمة موجود فى الميدان وتحت أحكامه”.
وأحس القذافى بشكل ما أننى أتلوى من الحرج وراح يلتفت حول المائدة إلى وجوه بدا معظمها متجهما ويقول:
– “إذا كنت لا تريد العمل هنا. فتعال إلى ليبيا غداً وتسلم وزارة الإرشاد”.
ثم التفت إلى الرئيس السادات وقال:
– “والله قد تكون هذه وسيلة لتحقيق الوحدة بسرعة، نأخذ فى الوزارة الليبية وزراء من مصر. وتأخذون فى الوزارة المصرية وزراء من ليبيا”.
وقال الرئيس السادات بلهجته الودودة:
“ولا مانع!”.
ووجدت أننى سأقع فيما لم أتحسب له وقلت للقذافى وفى صوتى نبرة رجاء:
– “إننا سوف نلتقى فى الأهرام غداً كما اتفقنا. فهل أرجوك فى تأجيل هذا الموضوع إلى غد”.
وشعر القذافى بوجدانه اليقظ إننى فى مشكلة وقال لى:
– “نتكلم غداً. ولكنك لن تستطيع إقناعى. أمر الخدمة فى الميدان هو أمر الخدمة فى الميدان. وإلا فأنتم تريدونها فوضى إذا كان كل واحد سوف يختار لنفسه موقعه”.
تلك حكاية عابرة على أى حال وما كنت أتحدث فيه أصلاً هو حماستى لليبيا الثورة ولمعمر القذافى.
الغريب أن حماستى لليبيا الثورة ولمعمر القذافى جعلتنى أمتنع تماماً عن عبور الحدود الغربية ذاهباً إلى بنغازى أو طرابلس مكتفياً بأن ألقى من ألقاه من شباب الثورة الليبية وأولهم معمر القذافى هنا فى القاهرة وليس فى أى مكان آخر.
وبرغم دعوات عديدة وإلحاح كريم علىّ بأن أذهب وأرى ماذا حدث فى ليبيا منذ أول سبتمبر 1969 – فإنى كنت أقول:
– “إننى أريد أن أحتفظ بحماستى من بعيد”.
كنت أدرك أن التجربة هناك قد تتعثر فى مشاكل وقد تخطئ فى تطبيقات، ولم أكن أريد لشىء من ذلك – مع أنه فى طبيعة أى تجربة – أن يؤثر على نظرتى لأنى كنت أجد لليبيا الثورة ومعمر القذافى – وأنا أعتبر الاثنين شيئاً واحداً – دوراً آخر.
كان ذلك الدور – لليبيا الثورة ولمعمر القذافى – كما رأيته على ضوء تجارب مؤكدة هو: دور الضمير فى الكيان العربى الراهن.
وسط العذاب والآلام، وسط اليأس والظلام، وسط الغواية والإرهاب، كلها تمسك بخناق العالم العربى بعد سنة 1967 – فإن دور الضمير كان جوهراً لا يمكن تعويضه.
إن الضمير لا يقود. العقل يقود عادةً.
والضمير لا ينفذ. العضلات هى التى تنفذ.
والضمير لا يمسك بشىء. الأيدى لها قبضة القوة.
والضمير لا يسير على الأرض. الأقدام هى التى تدب على الشوك وعلى الصخر.
الضمير له دور آخر!
يهمس فى الأعماق ويصرخ، يسأل ويسأل باستمرار، يطرح المعقول واللامعقول أحياناً، يتحرك ويتمرد ويثور، وهو فى ذلك كله يضع أمام نفسه مثالاً لا يريد أن يحيد عنه ولا يقبل مهما كانت المصاعب أن يحيد عنه أو حتى يدور حوله!
والخطأ والصواب فى ذلك كله ليسا هما صميم الموضوع.
وإنما صميم الموضوع هو النبض والومض والحس.
هو القلق المقدس، والتوتر المرهف، والمعاناة الأصيلة.
هذا هو الصميم فى دور الضمير.كما أتصور!
إن نظرة عبر الحدود الغربية لمصر – ولا أقول وراء الحدود الغربية لمصر – سوف تكشف الكثير من ظواهر النبض والومض والحس. من مظاهر القلق والتوتر والمعاناة.
1- كانت الثورة فى ليبيا كما قلت مرة، ضرورية بالواقع ومستحيلة بالظروف، ومجرد قيامها فى حد ذاته كان تغييراً هائلاً وعميقاً فى الميدان فى الموازين الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، كان قيام ونجاح الثورة فى هذا المكان وفى هذه الظروف صرخة فى وجه الدنيا كلها مؤداها:
– “هيا. تنبهوا. هذه الأمة لم تمت ولم تتحول إلى كيان هامد أثخنته الجراح وأوشك قلبه أن يكف عن الدق والخفقان”.
2- رفعت الثورة الليبية شعارات الحرية والاشتراكية والوحدة فى وقت بدت فيه أعلام الحرية، والاشتراكية، والوحدة معفرة بتراب معارك الأيام الستة مخضبة بدم أريق بغير ثمن.
وكانت تلك إشارة مهمة لمعنى أصالة هذه الشعارات وثباتها رغم ما وجه إليها من هجمات وضربات.
3- فى شهور قليلة كانت قوات الاحتلال البريطانى تجلو عن قاعدة العضم التى أصبح اسمها فيما بعد قاعدة جمال عبدالناصر، وكانت قوات الاحتلال الأمريكية تجلو عن قاعدة هويلس التى أصبح اسمها فيما بعد قاعدة عقبة بن نافع.
كانت أهمية ذلك أن الأمر الواقع على الأرض العربية يتغير. هو قابل للتغيير أمام الإرادة العربية فى وقت بدت فيه كل إرادة عربية وكأنها أسيرة فى قبضة الأمر الواقع بعد سنة 1967.
4- عندما عقدت ليبيا بعد ذلك صفقة طائرات الميراج مع فرنسا لم يكن أهم ما فى الصفقة هو أنها قوة ردع لا يستهان بها تضاف إلى المقدرة العربية وإنما قبل ذلك وبعده كان المعنى هو أن المسالك أمامنا ليست مسدودة وإنما الطرق مفتوحة والوسائل قائمة إذا أحسنا توجيهها وإن الفرص المتاحة للحركة العربية لم تتجمد بعد، كأنها تماثيل من الحجر تحكى عن أيام سلفت لا علاقة لها تستطيع العين أن تراها وتقدر اليد أن تمسك بها.
5- عندما ركب معمر القذافى طائرته قاصداً إلى بغداد ثم دمشق وعمان والقاهرة والجزائر حاملاً معه الدعوة إلى قومية المعركة لم تكن المسألة هى أنه يشفق على مصر من أن تكون وحدها فى المعركة، وإنما كانت المسألة أنه يريد أن يقول للأمة العربية وللعالم:
إن المعركة هى معركة أمة بأسرها وليست معركة شعب واحد من شعوبها.
إذا كانت معركة شعب واحد فلنتركه بغير أن نزايد عليه، وإذا كانت معركة الجميع فإن المشاركة فيها ليست بالكلمات!
وليس مهماً أن الاستجابة إلى نداء قومية المعركة لم تكن كاملة، وإنما المهم أن الدعوة وجهت وأن النداء إليها كان مسموعاً لا تخطئه أذن.
6- عندما كسر معمر القذافى كل قواعد البروتوكول الملكى فى مؤتمر القمة بالرباط وراح ينادى الملك الحسن ملك المغرب:
“يا أخ حسن”. والملك وسط حاشيته ينظر إليه مندهشاً، والحاشية مأخوذة بالارتياع، ولم يكن الأمر مجرد تجاوز لقواعد السلوك فى حضرة الملوك وإنما كان هناك ما هو أعمق.
كان هناك أن الخيمة ما زالت قادرة على أن تتعامل على قدم المساواة مع القصر، وأن الشارع ما زال قادراً على الوقوف أمام القلعة.
وليكن أننا قلنا بأن المرحلة هى مرحلة التضامن العربى من أجل المعركة، ولكن التضامن لا ينبغى له ولا يحق له أن يغطى على المواقف المبدئية.
وليكن أننا الآن نتحفظ فى استعمال وصف الرجعية، لكن ذلك لا يعنى العودة إلى ألوهية الأفراد والسلطة الموهومة لأى رجل بأنه ظل الله على الأرض.
7- عندما اندفع معمر القذافى إلى طلب الوحدة مع مصر وعندما شارك فى إقامة اتحاد الجمهوريات العربية فلقد كان فى ذلك يعبر عن وعى بحقيقة مخططات يجرى – من قديم – رسمها والتمهيد لها فى المنطقة.
كان اقتناعه أن الوحدة العربية لا تكون طبيعية إلا مع الدولة النواة فى تقديره التاريخى – وهو صحيح – هى مصر.
أى وحدة بعيدة عن تلك المواقع مشبوهة أو ملغومة لأنها سوف تجرى بعيداً عن جبهة المواجهة الشاملة وهى مصر، وبالتالى فمثل هذه الوحدة ليس لها تأثير على التحدى الحقيقى، الحضارى والإنسانى الذى يقابله العرب، وإذن فإن أى وحدة من هذا النوع هى شبه سيطرة إقليمية لدولة تشعر أن لها دوراً ممتازاً فى ركن من أركان العالم العربى.
وكانت خشيته بالغة من المشاريع القديمة التى تحاول اتخاذ أوصاف جديدة.
وكان فى خشيته على حق!.
– كانت هناك عناصر فى الرياض يمكن أن يغريها شعار الوحدة فى الجزيرة العربية وحدها.
– وكانت هناك عناصر فى بغداد لا تفكر إلا فى سوريا والأردن سواء كان الاسم هو سوريا الكبرى – كما كان على عهد الملك عبدالله جد الملك حسين – أو كان الاسم هو دولة البعث الكبرى كما خطر للبعض قبل سنوات.
– وكانت هناك عناصر فى الغرب تحلم بالمغرب العربى الكبير يضم الجزائر والمغرب وتونس وليبيا إذا أمكن.
ومن شأن ذلك كله أن يؤدى إلى عزلة مصر وهذا ما يريده الاستعمار.
ومن شأنه أيضاً – وبالتالى – أن يؤدى إلى تفتيت أى فاعلية للأمة العربية وهذا مطلب الاستعمار النهائى.
8- وفى أزمة احتلال إيران للجزر الثلاث عند مدخل الخليج العربى فإن البعض لم يتابع بالقدر المطلوب تحركات معمر القذافى.
لقد أعد فعلاً سرية ليبية لكى يضعها على هذه الجزر الثلاث قبل أن يحل موعد جلاء القوات البريطانية عنها وتتقدم إيران إلى احتلالها.
لكن إيران سارعت قبل موعد الجلاء وأرسلت قواتها إلى هذه الجزر.
ولم يكن معمر القذافى يتصور أن السرية الليبية سوف تصمد طويلاً أمام التفوق الإيرانى البحرى فى الخليج.
ولكن هدفه لم يكن معركة مع إيران وإنما كان هدفه إثبات الحق ولو حتى بقطرات الدم.
وعندما قرر أن يرد على بريطانيا لسماحها بدخول القوات الإيرانية إلى الجزر قبل موعد جلائها الرسمى عنها – وذلك بتأميم نصيب شركة “البترول البريطانية” من نفط ليبيا – لم تكن القضية قضية تأميم فحسب، ولكنها كانت ممارسة عربية فى القدرة على المنح والمنع وعلى الثواب والعقاب.
9- والذى قام به معمر القذافى فى أفريقيا – أوغندا مثلاً – وفى البحر الأبيض – مالطة مثلاً – يبرز كدلالة على أن العالم العربى لم تحصره النكسة ولم يحصر نفسه بشعوره بها ويتحول إلى عملاق فى قفص!
وعندما يتابع أى مهتم بما يجرى – ذلك المشهد الرائع – لرحيل إسرائيل المزرى من أوغندا فلسوف يكتشف أن هناك سببين:
مؤامرة إسرائيل.
ومبادرة ليبيا.
وعندما يقرأ أى مهتم بما يجرى – تفاصيل اتفاق مالطة مع حلف الأطلنطى ويعثر فيه على المادة التى تحظر استعمال قواعد الجزيرة ضد أى بلد عربى فلا مفر أمامه من الاعتراف بأن هذا النص كان رسالة من طرابلس وإليها!
إذن فنحن لم نتوقع.
وإذن فإن ذلك الطائر على أعلامنا – سواء كان نسر صلاح الدين أو صقر قريش – ما زال قادراً على التحليق فوق غابات الجنوب وفوق أمواج الشمال.
10- وتبدو النبرة الإسلامية واضحة فيما يصدر عن ليبيا، وتسمع النبرة العربية بحدةٍ لها رنين، ولست أعتبر ذلك تعصباً وإنما الذى يسمع من ليبيا هو رد يضغط للتأكيد على الأصالة.
تلك كلها أصوات تريد أن تقول:
– “إننا لسنا قادمين من الفراغ. وإلا فنحن ذاهبون إلى الفراغ!”.
11- وأعترف أننى لا أضيق ولا أشعر بالحرج عندما أسمع معمر القذافى يهاجم الاتحاد السوفيتى نفسه وهو فى تقديرى أقرب وأخلص الأصدقاء للقضية العربية.
ومهما كان خلافى مع معمر القذافى فى هذه النقطة فإننى كما قلت لكثيرين ناقشوها معى – أجد فى ناحية منها جانباً إيجابياً.
هذا الجانب الإيجابى هو أن يظل بيننا من يستطيع أن يقول “لا” حتى لأصدق الأصدقاء.
إن هناك فى العالم العربى كثيرين يقولون “لا” للاتحاد السوفيتى أو يتمنون أن يقولوها.
لكنهم جميعاً من الجانب التقليدى فى العالم العربى.
وقولهم “لا” للاتحاد السوفيتى انحياز ضده لصالح غيره فى الصراع الدولى.
وليست هكذا تلك “اللا” التى يقولها معمر القذافى للاتحاد السوفيتى أحياناً.
هى من الجانب الجديد فى العالم العربى. من الجانب التقدمى وهذا يعطيها رنيناً خاصاً ولقد تفرض الظروف على عواصم عربية تقدمية أن تختلف مع الاتحاد السوفيتى فى بعض التفاصيل دون أن تعلن عن خلافها.
ولكن يبقى مهماً لمعانٍ كثيرة أن يظل هناك صوت عربى من المواقع الجديدة فى المنطقة لا يتحرج عن هذه الكلمة حتى لأصدق الأصدقاء. ولا يتحرج عنها علناً!
12- وأخيراً فلقد كانت إشارة المؤتمر الوطنى الأخير فى ليبيا إلى الناصرية باعتبارها منهاج التطور العربى الوحيد والأصيل – إشارة لها قيمتها فى وقت تحاول فيه الرياح والعواصف أن تغطى على الناصرية وتطمس معالمها.
إن الحرب التى وجهت لجمال عبدالناصر فى حياته كانت حرباً ضد مبادئه ولم تكن ضده كفرد.
والحرب ما زالت مستمرة، ولعلها أكثر ضراوة لأنه كفرد ذهب إلى رحاب ربه وأما مبادئه – وهى الأصل والأساس والهدف من الحرب – فإن جذورها ضاربة فى هذه الأرض.
وأن يوضع زيت جديد فى شعلة الناصرية فى ليبيا فى هذا الوقت بالذات وأمام الرياح والعواصف – فذلك مشهد جليل ومضىء فى أوقات أزمة قاتمة.
ذلك هو الدور الذى تقوم به الثورة الليبية ومعمر القذافى – فى هذه المرحلة.
هو دور الضمير لا أكثر ولا أقل.
وأينما كان العقل فهو بغير الضمير ضياع.
وكيفما كانت القوة فإنها بغير الضمير دمار.
من هنا فإنه لا يعدل حماستى لليبيا المعاصرة إلا خشيتى عليها طول الوقت!
ومن بعيد!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=685