“بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : خطاب مفتوح إلى العقيد معمر القذافى “

خطاب مفتوح إلى العقيد معمر القذافى
سيادة العقيد.
أكتب إليك من موقف ملتزم بمبادئ الثورة العربية، آثر صاحبه الصمت طويلاً، ولكنه الآن يعتبر أن الصمت خطأ، وربما جعله مستقبل الأيام خطيئة.
وقبل الدخول فى صميم ما أريد أن أحدثك فيه، فلقد تأذن لى أن أحدد ابتداءً موقفى من الثورة الليبية لكى تكون القاعدة التى أتحدث منها ظاهرة واضحة:
1- لقد شعرت بتعاطف عميق مع الثورة الليبية منذ أول يوم لقيامها فى الفاتح من سبتمبر 1969 وتحول هذا التعاطف إلى أكبر وأقوى بعد أن أتاحت لى الظروف غداة يوم الثورة مباشرة فرصة أن ألقاك وزملاء لك من أعضاء مجلس قيادة الثورة أذكر من بينهم الأخ الصديق “مصطفى الخروبى”، وعدت بعد لقائكم فى بنغازى إلى القاهرة أحاول بكل جهدى أن أشارك – مع جهود آخرين غيرى – فى بناء جسور للقاء الحتمى بين الثورتين والشعبين والدولتين فى مصر وليبيا.
2- إننى بعد عدة زيارات لليبيا فى السنة الأولى من عمر الثورة انقطعت تماماً عن زيارتها وتذكر أنك – وأخـوة لنا من أعضاء مجلس قيادة الثورة – وجهتم إلى دعوات كريمة ومتكررة لزيارة بلدكم الشقيق، ومتابعة تجربتكم الفوارة بالشباب، ولكنى فى كل مرة كنت أبدى العذر، وأتذكر أننى قلت لك فى لقاء بيننا فى القاهرة:
– إننى لا أريد أن أذهب إلى ليبيا حتى لا أصدم فى شىء. إن كل ثورة لها أخطاؤها التكتيكية فى الممارسة اليومية لعملها. ولست أريد لأى من هذه الأخطاء أن تؤثر على خيالى، وربما على حلمى فى الثورة.
إن الثورة رؤية استراتيجية. والثورات الأصيلة عادة تكبر فوق أخطائها التكتيكية إذا تمسكت دائماً بأصالتها واستهدت بضميرها، ولهذا فإننى أوثر المتابعة من بعيد.
3- إننى مؤمن بوحدة تقوم بين مصر وليبيا، وكنت ولا زلت على اعتقادى بأن ما بين الشعبين فكراً وجواراً ومصلحة وأمناً يجعل من الوحدة بينهما مثالاً نموذجياً للعمل الوحدوى، وكان رأيى وما يزال أن هذه الوحدة كفيلة بتغيير أوضاع كثيرة فى المنطقة العربية، وكفيلة بخلق حقائق جديدة فى الصراع العربى من أجل التحرير، وكفيلة بالتأثير على موازين القوى لصالحنا فى حوض البحر الأبيض كله.
ومن هذا كله فلقد كانت أحزانى – وأحزان غيرى – شديدة حين بدأت السحب تتجمع فى آفاقنا، ثم بدأت هذه السحب تتكاثف إلى غيوم، ثم تصبح هذه الغيوم شحنات متفجرة بالرعد والبرق!
ولقد فكرت فى وقت من الأوقات أن أعاود الاتصال بك بعد انقطاع طويل، وأن أزور ليبيا بعد غيبة عنها طالت أربع سنوات، ولكنى فى كل مرة كنت أتردد مؤثراً ترك الأمور لمجراها متباعداً بنفسى عن الدخول فى نزاعات عقيمة داعياً الله أن تراجع كل الأطراف مواقفها قبل أن يفوت الأوان وقبل تجاوز نقطة اللاعودة.
وحين كتب إلى البعض من أعضاء مجلس قيادة الثورة الليبى يطلبون تدخلى باعتبار ما كان من صداقتى لجمال عبدالناصر ولأنور السادات ولمعمر القذافى. فإن التردد ظل يغالبنى، فقد كنت أرى الوسطاء يعقدون من الأمور أكثر مما يحلون، ولم أكن أريد أن أنضم إلى هؤلاء الذين يعقدون سواء جاءت تعقيداتهم بسوء التقدير أو بسوء النية.
لكن المضاعفات الأخيرة فى العلاقات بين القاهرة وطرابلس جعلتنى أسائل نفسى عما إذا كان الصمت مجدياً، بل عما إذا كان الصمت ممكناً؟
سيادة العقيد.
قيل لى والقائلون أخوة لنا من قادة الشعب الفلسطينى أثق فيهم وأعرف أنك تثق فيهم، أن حالة من القلق تستبد بك وتطغى على فكرك وعلى شعورك خشية على مسار العمل القومى وعلى مستقبل قضايا أمتنا.
وربما قلت لك على الفور:
– نعم إن القلق وارد، وله ما يبرره.
ولكنى أضيف لك بعد ذلك:
– ولكن القلق وحده ليس كافياً، لأن القلق وحده قد يدفع بأصحابه إلى نوع من رد الفعل العصبى لا ينفع يقيناً، وإنما هو يقيناً يضر.
إن القلق وحده قد جرنا حتى الآن إلى مبارزة كلامية جارحة بينك وبين الرئيس السادات، وإلى صدام فى الظلام بين القاهرة وطرابلس، وإلى تعقيدات وعقد بين الناس على جانبى حدود كان لابد لها أن تزول من سنوات وتمحى آثارها.
مدافعنا جميعاً مصوبة فى الاتجاه الخطأ. وهذه كارثة كبرى.
سيادة العقيد.
قبل أن أستطرد، دعنا نحدد النقط التالية:
1- لعلك تتفق معى بأن لا سلم فى المنطقة العربية ولا حرب إلا بمصر، وأنا أعرف أنك أول من يقدر دور مصر المركزى فى صراع الأمة العربية ضد كل ما يواجهها من تحديات، وأولها التحدى الإسرائيلى المعزز – دون شك – بقوى السيطرة العالمية.
2- لعلك تتفق معى بأن الضمان الأكبر لاستمرار الدور القومى لمصر هو استمرار النظام الثورى الذى مثله جمال عبدالناصر قائداً لثورة 23 يوليو 1952، هذه الثورة التى غيرت صورة المنطقة وفتحت أبوابها لتيارات التحرر السياسى والاجتماعى على المستويين: الوطنى والقومى.
3- فى إطار النظام الذى أقامته ثورة 23 يوليو 1952 فإن أنور السادات هو القيادة الشرعية التى آلت إليها المسئولية والقيادة الشرعية ليست سلطة مطلقة تقول ولا يناقش قولها، وتقضى ولا يستأنف قضاؤها.
إن القيادة الشرعية – خصوصاً فى حالة الثورة – ليست تفويضاً على بياض للقائد “مهما كان إسهامه فى نضال أمته، ومهما علا مقامه فى نظرها”.
قلت ذلك لجمال عبدالناصر وكتبته فى حياته، وقلته وما زلت أقوله لأنور السادات.
إن لنا حق مناقشة القيادة الشرعية ولكن ليس لنا الحق – ببساطة – فى اتهامها، ثم إن لنا حق الاختلاف معها ولكن ليس لنا الحق – ببساطة – فى التأليب عليها والتحريض ضدها.
سيادة العقيد.
أصـل هنا إلى نقاط أختلف فيها معك، وأريد أن أطرح عليك وجهة نظرى فيها بكل إخلاص وتجرد.
ولكى يكون الطرح سهلاً فإننى أستأذنك فى تقسيم هذه النقاط إلى نوعين:
• نقاط تتعلق بإجراءات عملية اتخذها الرئيس أنور السادات وأثارت مخاوفك.
• ونقاط تتعلق بالأسلوب الذى اتبعته فى التعبير عن مخاوفك وقد أثار هذا الأسلوب مخاوف آخرين حرصاً منهم على مستقبل العمل العربى وعلى مستقبل الأمل العربى.
وسوف أبدأ أولاً بالإجراءات العملية التى اتخذها الرئيس أنور السادات وأثارت مخاوفك:
1- قيل لى أنك تظن الظنون بفتح قناة السويس، وقد تأذن لى أن أسألك لماذا؟
إننى أسلم مقدماً أننا لم نخض حرب أكتوبر لمجرد فتح قناة السويس، لكن كل حرب تنتج آثاراً رئيسية وآثاراً أخرى فرعية.
وكان الأثر الرئيسى الأكبر لحرب أكتوبر هو تحدى نظرية الأمن الإسرائيلى وقد تم ذلك، بغير شك.
وكان من الآثار الفرعية لحرب أكتوبر أن فتح قناة السويس أصبح ممكناً.
وإذا كان فتح القناة قد أصبح ممكناً فلماذا نصر على إبقائها مسدودة أمام الملاحة الدولية، مع ما فى ذلك من مزايا لا شك فيها لمصر ولأمتها العربية.
وإذا قيل أن الملاحة فى القناة يمكن أن تكون عائقاً ضد احتمال استئناف العمليات العسكرية إذا دعا الأمر – فإننى أختلف.
كان خط بارليف عائقاً وقد استطاع رجالنا اقتحامه. والملاحة ليست عائقاً لأن كلمة واحدة تقال للقوافل العابرة تستطيع إيقافها.
2- قيل لى أنك تظن الظنون باجتماع سالزبورج وقد تأذن لى أن أسألك لماذا؟
لعلى أقول لك إننى واحد من الذين لم يروا فائدة كبيرة لاجتماع سالزبورج لكنى أعترف أننى لم أجد فيه ضرراً.
كنت أرى أنه ليس هناك فائدة كبيرة لاجتماع سالزبورج لأن شيئاً لم يتغير فى قوة الضغط الأمريكى – على فرض استعدادها – وأن شيئاً لم يتغير فى الموقف الإسرائيلى – على فرض قابليته للتغيير – منذ اجتماعات أسوان بين الرئيس السادات والدكتور كيسنجر فى شهر مارس الماضى.
كنت أرى أن أى اجتماع لا يستطيع إلا أن يعكس موازين القوى الحقيقية خارجه، ولم أكن أرى أن شيئاً تغير فى هذه الموازين منذ الأسبوع الثالث من مارس فى أسوان إلى الأسبوع الأول من يونيو فى سالزبورج.
ومع ذلك فأى ضرر فى الاجتماع ضمن عملية استكشاف المواقف حتى نهايتها وضمن عملية لإبقاء أزمة الشرق الأوسط فى دائرة الضوء العالمى؟ أى ضرر؟
ومع ذلك فلعلى أضيف لمجرد أن أطمئنك أنه لم يحدث فى سالزبورج ما يستدعى تخوفك أو تخوف غيرك.
ومن أعلى المصادر فى عواصم أوروبية كنت فيها خلال الأسبوع الماضى، فإن ما حدث فى سالزبورج كما يلى:
عرض الرئيس أنور السادات وجهة نظره فى أزمة الشرق الأوسط فى الخطوط العريضة التى نعرفها جميعاً، ونبه إلى خطورة الجمود.
وحين جاء الدور على الرئيس الأمريكى “جيرالد فورد” كان قوله:
إنه هو الآخر يخشى الجمود ويريد استمرار الحركة ويتصور لهذه الحركة واحداً من ثلاثة احتمالات:
– محاولة الوصول إلى حل شامل.
[وهو يرى أن ذلك صعب فى ظل الوضع الحالى].
– محاولة الذهاب إلى مؤتمر جنيف.
[وهو يرى أن ذلك قد لا يحل شيئاً فى الوضع الحالى].
– محاولة العودة إلى تجربة خطوة أخرى من فك الارتباط على الجبهة المصرية.
[وهو يؤثر انتظار اجتماعه المقبل مع رابين رئيس الوزارة الإسرائيلية قبل أن يقول شيئاً محدداً بشأن مثل هذه المحاولة].
هكذا كان الاجتماع مجرد تعارف ومجرد استكشاف لمختلف الاحتمالات.
ومع ذلك وكما قلت لك فربما لم يكن فى هذا كله نفع كبير ولكن يبقى السؤال: أى ضرر؟
3- وقيل لى إنك ترى فى الصورة العامة لأزمة الشرق الأوسط ملامح مؤامرة: وهنا فإننى على اتفاق كامل معك.
هناك بالتأكيد ملامح مؤامرة، ولكن من الذى يتآمر؟
الولايات المتحدة تريد أن تكسب وقتاً. وإسرائيل تريد أن تكسب وقتاً.
بل ولقد أجدنى مستعداً للوصول معك إلى أبعد من ذلك فأقول:
“إن الولايات المتحدة تريد أن تكسب وقتاً لإسرائيل”.
ولو وصلنا إلى ذلك لقلنا بعده:
“إن الوقت المكسوب لحساب إسرائيل هو وقت مسلوب من حساب العرب”.
وهذا صحيح.
ولكن كيف يمكن لنا استرداد وقتنا وتعويضه؟
وهل يكون ذلك إلا بمضاعفة الجهد العربى العام استعداداً وتأهباً؟
ومضاعفة الجهد العربى العام ليست مجرد صفقات سلاح – بل لعلى أكثر الناس تطيراً من بعض صفقات السلاح التى تجرى الآن – وإنما مضاعفة الجهد العربى العام تبدأ بتعميق الفهم المشترك وتنتهى باستراتيجية مشتركة.
والفهم المشترك يتم بالحوار ولا يتم بالاتهام.
والاسـتراتيجية المشتركة لا تصنعها الشكوك ولكن تصنعها الثقة حتى مع اختلاف الآراء والاجتهادات.
ولو حاولت أن أتحدث عن تجربة خاصة لقلت إننى اختلفت مع الطريقة التى تم بها فك الارتباط الأول فى أعقاب حرب أكتوبر سنة 1973.
ولقد أبديت رأيى وتحملت راضياً عواقبه، ثم قلت بعد ذلك:
– لقـد كتبت ما رأيته صواباً من وجهة نظرى. وتصرف غيرى بما رأوه صواباً من وجهة نظرهم.
ولكن مسئوليتى مجرد الكلمة.
وأما غيرى فمسئوليته أكبر لأنها مسئولية العمل. بل هى مسئولية المصير فضلاً عن أن التفويض من الأمة ممنوح له وليس ممنوحاً لغيره.
ولست – معاذ الله – أقول – يا سيادة العقيد أن مسئوليتك تتساوى مع مسئوليتى مثلاً، وإنما الفارق فى المسئوليات شاسع. بعد المسافة ما بين رجل لا يحمل غير أمانة القلم وحده ورجل آخر – هو أنت يحمل أمانة قيادة وزعامة شعب من أنبل شعوب الأمة العربية.
سيادة العقيد.
أنتقل الآن إلى نقاط تتعلق بالأسلوب الذى اتبعته فى التعبير عن مخاوفك إزاء إجراءات عملية اتخذها الرئيس أنور السادات وأثارت مخاوفك.
وأستأذنك هنا فى أن تعطى انتباهك كاملاً لما أقول لأنك هنا وقعت فى خطأ كبير. وربما أخطاء كبيرة:
1- إنك حاولت أن تتحدث إلى الشعب المصرى من فوق رأس قيادته الشرعية والرسمية، وهذا محظور لم يكن لك أن تصطدم به، وربما كان عذرك فيه أنك تحب مصر ولكنك لا تعرفها بما فيه الكفاية.
وهناك مفاتيح كثيرة لمصر ولكن أهمها على الإطلاق مفتاحان:
• أولهما وحدة الشعب المصرى فهو شعب لا قبائل فيه ولا طوائف ولا فرق ولا شيع وإنما هو منذ الزمان البعيد أقدم “أمة دولة” فى التاريخ.
• وثانيهما أن الشرعية فى مصر لها قوة غير عادية، قوتها فى الحقيقة مستمدة من طبيعة مجتمع نهرى لابد له حتى يعيش ويكفى نفسه فى واديه أن تقوم عليه سلطة مركزية قوية تنظم عملية اقتسام المياه.
مجتمع النهر يختلف كثيراً عن مجتمع المطر.
مجتمع المطر ينتظر رزقه من السماء، وأما مجتمع النهر فحياته كلها مرتبطة بعدالة تكفل لكل إنسان وكل حقل نصيبه من فيض الخصيب الذى يتدفق على مجرى النهر.
إن المفتاحين: وحدة الشعب واستقرار الشرعية هما جزء من تكوين مصر الجغرافى والتاريخى والنفسى لا يحق لأحد أن ينساه.
ومن هنا فإن أى محاولة لمخاطبة الشعب المصرى من فوق رأس قيادته الشرعية خطأ كبير.
إن الشعب المصرى يقبل أن تناقش قيادته الشرعية بشدة، ويقبل أن تجادل هذه القيادة بقسوة، وربما ناقشها مع الذين يناقشونها وجادلها مع الذين يجادلونها، ولكنه يجفل وينفر من أى محاولة لعزله عنها أو عزلها عنه.
وأتذكر أننى قلت ذلك يوم 14 مايو 1971 يوم كان البعض يتصور أن مراكز القوى تملك فى يدها كل مفاتيح السلطة، فى ذلك اليوم قلت:
“ربما لم تكن فى يد أنور السادات غير عصاة من شجرة جميز عتيقة، ولكن ما وراءه شىء كبير لا يمكن تحديه، وراءه الشرعية، وهى تقليد راسخ فى الوجدان المصرى”.
وليس معنى ما أقوله الآن أن الشعب المصرى لا يثور.
إن الشعب المصرى يثور ولكنه عندما يفعل، يفعل ذلك من داخله وبقناعاته، وليس بدافع أو قناعات آخرين من وراء الحدود.
ولقد يقال لى: “أليست هذه حالة إقليمية حادة”؟
وأقول: “ربما ولكن ذلك هو التكوين الجغرافى والتاريخى والنفسى للشعب المصرى”.
2- إن شيئاً من ذلك موجود لدى كل شعب عربى، شىء من ذلك حتى فى مجتمع المطر أيضاً فضلاً عن مجتمع النهر، وهنا خطأ آخر.
وربما أحاول أن أشرح ذلك أكثر:
أقول إنه إذا حاولت قوة من القوى عزل شعب عن قيادته فإن هذه العملية تمر عادة فى مرحلتين:
مرحلة يقف فيها الشعب بالحافز الوطنى مع قيادته مخطئة أو مصيبة ويصبح عزل القيادة فى هذه الحالة عزلاً للشعب نفسه عن دوره فى الحركة القومية العامة.
مرحلة ثانية ينجذب فيها الشعب داخل وطن معين إلى التيار القومى الأقوى ويبدأ فى الابتعاد رويداً رويداً عن قيادته، ولقد رأينا ذلك يحدث عملياً على الساحة العربية فى أكثر من حالة وأكثر من مثال.
حاولنا مثلاً – بعد حلف بغداد – عزل قيادة “نورى السعيد” عن الشعب العراقى وتحقق العزل فى النهاية ولكن بعد مرحلتين:
مرحلة وقفت فيها غالبية الشعب العراقى بحافز الوطنية وحدها بجوار قيادتها الرسمية.
ثم مرحلة أخرى أصبح فيها صوت النداء القومى أقوى من الحماسة الوطنية وتحقق عزل قيادة نورى السعيد.
ما هو معنى ذلك؟
معناه أنه فى المرحلة الأولى من محاولة عزل قيادة نورى السعيد فى العراق، تعطل دور العراق كله، ولو لعدة سنوات.
والسؤال الآن:
على فرض أن منطق العزل يجوز بين قيادة مصر وبين شعبها – وهو فى رأيى منطق لا يجوز – فهل يمكن تعطيل الدور المصرى فى الحركة القومية العامة ولو لعدة سنوات؟
أخشى أن ذلك ليس خطأً كبيراً فحسب ولكنه خطر كبير يتعدى كل خطر.
3- نجىء إلى الخطأ الثالث فى الأسلوب، والعبرة فيه أن الخلافات بين دول متجاورة على حدود مشتركة لابد لها من ضوابط وقيود.
ذلك أن عواقب الانفلات قد تكون وخيمة وقد تصل إلى مالا يريده أحد، وقبل أن يتنبه أحد.
وما هى النهاية لانفعالات فوق انفعالات على حدود مشتركة؟
وما هى النهاية لتراكمات الغضب فوق الغضب على حدود مشتركة؟
وما هى النهاية لزيت يسكب على النار دواماً على حدود مشتركة؟
بين بلدين تتباعد بينهما الحدود فإن ساريات الإذاعات حتى وإن كانت لها قوة المدافع والكلمات المكتوبة وإن كان لها دوى القنابل – تبقى كلها قصفاً متبادلاً فى الهواء.
وأما بين جيران فما هو الضمان؟
ما هو الضمان أن لا تفلت أعصاب وأن لا تجمح مشاعر فإذا شرارة الاحتكاك حريق؟
4- ثم أصل أخيراً إلى خطأ الأسلوب فى الأسلوب. أى خطأ اللغة المستعملة فى التعبير.
ومن الإنصاف أن أقول أن البعض من القاهرة وطرابلس على السواء عاد إلى أسلوب عصر يختلف.
كان هناك أسلوب يصلح لعصر الحرب الباردة فى منطقتنا وفى العالم.
وهناك الآن أسلوب يختلف، يعبر عن عصر الوفاق فى منطقتنا وفى العالم.
والوفاق – إذا لم نكن نسينا – لا يلغى التناقضات بين قوى متصارعة، ولكنه يعطى هذه المتناقضات تعبيرات عن نفسها جديدة.
ولربما كان استحقاق اللوم على بعض المتكلمين فى طرابلس أشد فى حالتين اثنين:
الأولى حالة تجاوزت فيها الأمر ما لا ينبغى تجاوزه، وأتذكر يومها أننى لقيت الرئيس أنور السادات وكان الجرح فى مشاعره نزيفاً حقيقياً، وقال لى:
– “لقد كان معمر يدخل بيتى كأحد أبنائى. وأسمعه اليوم أو أسمع من يتحدثون باسمه يجترئون على حرمة هذا البيت”.
والثانية: حالة ترددت فيها كلمة “الخيانة” بغير تدبر ولا تروٍ وذلك بالقطع يتعدى كل ما هو مقبول، وكل ما هو معقول.
ولقد تختلف بيننا الآراء والاجتهادات.
ولقد نرى أخطاء كان يمكن تفاديها.
ولقد نرى فرصاً تضيع ما كان يحق لها أن تضيع.
ولكن كلمة “الخيانة” مرفوضة تماماً من قاموس الحوار خصوصاً إذا اقتربت من رجل قاد حرب الأمة العربية يوم السادس من أكتوبر وكان صاحب القرار فيه.
سيادة العقيد.
لقد أطلت.
ولكن يعلم الله مدى حرصى على هذه الأمة وإحساسى بالولاء لها.
ولعلى أقول لك فى النهاية إننى لا أعرض وساطة، فأنا أعرف حدودى وألزمها.
لا أعرض وساطة.
ولكنى أوجه نداء لكى يعود العقل ويسود فى العلاقات ما بين القاهرة وطرابلس، وتنتهى محنة عربية ما كان لها أن تحدث، وما كان لأحد أن يسمح بحدوثها فى وقت تتعلق فيه المصائر والأقدار بموازين حرجة وحسابات أكثرها مجهولة وأقلها معلوم.
وأين هو السلام؟ وما هى احتمالاته؟
ليست هناك مع الأسف بشائر وإنما هناك مع الأسف نذر!
إن السلام العربى – أحببنا ذلك أو كرهناه – متعارض تماماً مع السلام الإسرائيلى. هكذا تقول كل الشواهد.
ومع ذلك فنحن ما زلنا نطحن الهواء فى معظم الوقت، ونطحن أنفسنا فى بعضه!
ولتعبر ببصرك على أرض الأمة العربية كلها.
أليس مرهقاً ومضنياً ما نراه؟!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=675