بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : خروشتشيف قال لى

خروشتشيف قال لى
لقد أنذرنا بريطانيا قبل أن تبدأ هجومها عليكم ولكن إيدن لم يصدق أننا نملك الصواريخ
أمريكا نصحت تركيا بالهجوم على سوريا، ثم عادت ونصحتها بعدم الهجوم
علمت أنكم قلقتم فى مصر عندما خرج شبيلوف وزوكوف
لكى أكون فى جانب الأمان، سوف أنشر الحديث الذى دار بين الرفيق نيكيتا خروتشوف، القيصر الأحمر القوى فى روسيا الآن، وبينى، كما دار بالحرف الواحد.
أعنى أننى سوف أنشر النص الكامل لمحضر هذه المقابلة التى استغرقت ساعتين كاملتين. فى المقر الرئيسى للجنة المركزية للحزب الشيوعى، على الناحية الأخرى من الميدان الأحمر فى مواجهة الكرملين.
لقد سجلت هذا النص الكامل عقب انتهاء المقابلة على الفور.
عدت إلى غرفتى فى فندق “أوكرانيا” وسجلت الحديث، بينما صورته ما زالت فى ذهنى حـية، متحركة، دافئة.
وأنا أفعل ذلك لسبب هام: لقد كان خروشتشيفيتكلم، وأنا أساله، بينما هناك اثنان من السكرتيرين ينقلان بالاختزال، وحرفاً بحرف، كل كلمة. بل كل ضحكة!
وبعد انتهاء المقابلة. سألنى “اليشيف” رئيس قسم الصحافة فى وزارة الخارجية الروسية:
– متى ستنشر الحديث؟
قلت: فى القاهرة. يوم الجمعة.
قال: لقد سجلنا، وإذا أحببت، فإننا على استعداد لأن نرسل لك محضره كاملاً. حتى تسهل عليك مراجعة نصه كما سجلناه، على مذكراتك التى ستنقل منها ما دار بينكما!.
والآن. الساعة العاشرة مساء. ليلة الجمعة، والمحضر لم يصلنى بعد من “اليشيف”، وأغلب الظن أن برقية ستصل به بعد ساعة. أو ساعتين، هذا بينما يتعين على أن أفرغ من كتابته قبل منتصف الليل.
لهذا ألتزم جانب الأمان كما قلت: أنشر محضر المقابلة كما كتبته بعد انتهاء المقابلة فوراً معتمداً على المذكرات التى كنت أخطها بسرعة بينما خروتشوف يتكلم.
لا أغير ولا أبدل حتى مواضع الأسئلة، ولا أحاول أن أتصرف فى طريقة العرض، ذلك أنى أريد أن أنقل الصورة أمينة صادقة، وفى غيبة التسجيل الرسمى للحديث، الذى تأخر “اليشيف” فى إرساله إلى، لا أريد أن أترك احتمالاً واحداً، لخطأ، أو لسوء فهم!
وهذا هو نص ما حدث كله فى مكتب خروشتشيف، المكتب الذى كان يعمل منه ستالين قبل خروشتشيف، ولينين، قبل ستالين – فى مقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعى الروسى.
هذا هو النص:
وصف الجو أولاً، ثم محضر الحديث. كاملاً، وبالحرف الواحد.
فندق أوكرانيا – موسكو.
قابلت الآن نيكيتا خروشتشيف، أقوى رجل فى روسيا، بل أقوى رجل فى العالم وليس فى هذا مبالغة!
قبل أن أدخل مكتبه مررت بأطول إجراءات أمن رأيتها فى حياتى.
موظف من الخارجية الروسية صحبنى من الفندق حتى مقر اللجنة المركزية.
خلال الطريق فى شوارع موسكو الواسعة، لم يفتح فمه بكلمة، تبادلنا فى أول لقائنا عبارة مجاملة ثم أحسست أنه لا يريد أن يزيد بعدها فسكت، وظللت طوال الطريق أرقب الثلج المتساقط بغزارة ليكسو شوارع موسكو ببساط أبيض كثيف.
وقفت السيارة أمام المبنى الضخم، ونزل رفيقى ونزلت، وعبرنا الرصيف ودرجة الحرارة فى الشارع 14 تحت الصفر.
ودخلنا المبنى وكان هناك ضابط برتبة كولونيل فى انتظارى.
وأخرج الضابط مفتاحاً من جيبه فتح به باب مصعد.
وحين صعدنا إلى الدور العاشر. أدركت أن المصعد الذى أركبه، هو المصعد الوحيد الذى يصل إلى الدور العاشر، وليست هنالك سلالم تصل إلى هذا الدور، ومفتاح المصعد الوحيد إليه فى جيب الكولونيل دائماً.
ووقفت فى مكتب سكرتير خروشتشيف، أقل من دقيقة، ودقت الساعة الثانية عشرة ظـهراً، وقام سكرتير خروشتشيف ففتح لى الباب المؤدى إلى مكتب رجل روسيا القوى. قيصرها الأحمر الجديد!
وكان خروشتشيف واقفاً فى منتصف القاعة الواسعة.
ولم يضيع وقتاً طويلاً فى المقدمات.
التفت إلى مائدة اجتماعات كبيرة وسط القاعة ثم قال لى على الفور:
– أين تحب أن تجلس؟ فى هذه الناحية من المائدة أو فى الناحية الأخرى؟
قلت:
– كما تشاء.
وأشار إلى ناحية من المائدة جلست عليها، ثم جلس فى مواجهتى.
ثم بدا عليه كأنه تذكر شيئاً، فنهض من مقعده، واتجه إلى مائدة صغيرة بجوار مكتبه الضخـم، وكانت عليها صينية رصت فوقها بضع زجاجات غطيت بفوطة بيضاء.
وسحب خروشتشيف زجاجة، بينما كنت أدير بصرى عنه، لألقى على القاعة الكبيرة، نظرة سريعة.
خريطة ملونة للعالم وراء المكتب.
تمثال لغاندى على المكتب.
تمثال للينين بجانب تمثال غاندى.
صورة لكارل ماركس على الجدار المواجه لمائدة الاجتماع.
نموذج للطائرة الروسية النفاثة الجديدة الكبيرة طراز 114 على المائدة.
نموذج للهليوكوبتر الكبير الذى يتسع لستين راكباً على مائدة صغيرة.
أربعة تليفونات بجوار المقعد الذى سيجلس عليه. اثنان لونهما أبيض، واثنان لونهما أخضـر.
وتوقفت النظرة السريعة. لقد عاد خروشتشيف، وفى يده زجاجة ماء معدنى، وفى اليد الثانية كوبتان.
وفتح خروشتشيف زجاجة الماء.
ثم دحرج إلى كوبة فارغة عبر المائدة.
ثم وضع كوبة أمامه، ملأها.
ثم دفع الزجاجة عبر المائدة إلى وقال:
– املأ كوبتك. سوف نحتاج إلى الماء أثناء المناقشة.
قلت:
– حاضر.
وبدأت أملأ كوبتى ماء، بينما وضع خروشتشيف نظارته على عينيه الصغيرتين البراقتين وراح يتطلع إلى بضع أوراق أمامه، ثم خلع نظارته وقال:
– هذه أسئلتك. فهل هناك أسئلة أخرى غيرها تنوى توجيهها.
قلت: أجل.
قال: هل ستقولها لى قبل أن نبدأ.
قلت: لا. أفضل أن نبدأ وسيجىء دورها أثناء الحديث.
قال: إذن نبدأ.
وبدأنا. بدأنا حديثاً كنت أقدر له نصف ساعة فإذا هو يمتد إلى ساعتين!
هذا هو المحضر الحرفى له:
خروشتشيف: هذا هو السؤال الأول؟
هيكل: أجل. إننى أريد أن أسألك عن سياسة روسيا فى الشرق الأوسط، إن أسئلتى كلها ستكون عن الشرق الأوسط، والشرق العربى على وجه الخصوص، هذه هى المنطقة التى نعيش فيها، وهى تهمنا أكثر من غيرها. مستر خروشتشيف، هل تستطيع أن تحدد لى أهداف السياسة الروسية فى الشرق الأوسط؟
خروشتشيف: إن سياستنا فى الشرق الأوسط، وأهدافها، لا تختلف عن سياستنا وأهدافنا فى أى منطقة أخرى غير الشرق الأوسط.
ولكن الشرق الأوسط، بسبب ظروفه، يمثل جزءاً هاماً حساساً من أحداث العالم الآن، ذلك أن شعوب هذه المنطقة تكافح فى سبيل استقلالها. بعضها استطاع تحرير نفسه، وبعضها ما زال يواصل معارك التحرير، وبعضها نال استقلالاً ظاهرياً تدعيه حكومات لا تمثل فى الواقع أمانى شعوبها، وتمارس هذه الحكومات سياسة هى فى الواقع سياسة الاستعمار.
بسبب هذه الظروف كلها، فى هذا المكان، فى هذا الوقت من التاريخ، يعلق الاتحاد السوفيتى أهمية كبرى على كفاح شعوب المنطقة، وسياسته فى هذا هى أن يساهم فى تدعيم الاستقلال السياسى والاقتصادى للدول المستقلة حتى يصان استقلالهم، وأن يناصر الذين يكافحون من أجل استقلالهم حتى يصلوا إلى هذا الاستقلال كاملاً.
هيكل: هل هناك قاعدة معينة تحكم علاقاتكم مع هذه الدول، ودعنى أكن صريحاً معك: إن دول الشرق الأوسط معظمها إن لم تكن كلها، تتبع أنظمة اجتماعية وسياسية تختلف عن أنظـمتكم؟
خروشتشيف: صدقنى إن الاتحاد السوفيتى يرتب سياسته على أساس العقيدة “اللينينية” فى التعايش السلمى، ونحن نعتقد أن تعزيز التعايش السلمى بيننا وبين الآخرين، مهما اختلفت نظمهم الاجتماعية والسياسية هو الطريق الوحيد لصيانة السلام.
هيكل: هل أستطيع أن أسمع رأيك فى الأسباب الحقيقية للتوتر فى الشرق الأوسط؟
خروشتشيف: إن إجابتى على هذا السؤال سوف تكون طويلة بعض الشىء.
إن الأسباب الحقيقية للتوتر كما نراها أن الاستعمار اضطر تحت ضغط شعوب المنطقة إلى التسليم بامتيازات لهذه الشعوب ولكنه ما زال يحاول إبقاء زمام السيطرة الحقيقية فى يده.
خذ بريطانيا مثلاً، وبريطانيا فى هذا الموضوع لها تجربة كبيرة.
إن بريطانيا تدعى أن سياستها هى منح المستعمرات استقلالها تمشياً مع أمانى الشعوب ولكن هذه تصريحات مكشوفة، والحقيقة أنها اضطرت إلى التراجع بعض الشىء، لأنها لم تستطع أن تستمر فى فرض سيطرتها بالوسائل التقليدية.
ولكن بريطانيا لا تريد أن تسلم، لهذا فهى تلجأ إلى وسائل أخرى، أولها على سبيل المثال تبدو فى الظاهر كمن يحاول أن يستجيب للشعوب بينما تعمل فى الواقع على استبقاء مركزها ونفوذهـا.
وأجدى الوسائل فى هذا السبيل هو خلق الحكومات الخائنة لشعوبها، المرتشية من المستعـمرين، يريد الاستعمار بذلك أن يوهم الشعوب أنها تحكم نفسها بأبنائها، بينما الوضع القائم أن الاستعمار هو الذى يحكم.
إن الاستعمار يريد أن يبقى لكى يواصل استغلاله للموارد الطبيعية فى المنطقة، والشعوب تريده أن يخرج، وقوة الاستعمار وقوة الشعوب فى معركة حقيقية من أجل هذا السبب.
إن الشعوب تريد حكومات تعكس إرادتها، وهذا آخر ما يريده الاستعمار بدليل أنه عندما قامت فى بعض هذه الدول حكومات تمثل شعوبها تمثيلاً حقيقياً كما حدث فى مصر وسوريا فإن حقد الاستعمار عليها وحربه ضدها لا يعرفان حداً يقفان بعده.
إن الاستعمار فى حقده يلجأ إلى كل سبيل، يلجأ إلى الشتم، إلى إرسال الجواسيس، إلى نشر الإشاعات. بل يلجأ إلى القتل. وصدقنى أن ترسانة الاستعمار مليئة بأنواع كثيرة من هذه السموم.
خذ مصر.
إن مصر تملك فى أرضها قناة: هى قناة السويس، تعتبر أهم نقطة فى المواصلات بين أوروبا وآسيا وأفريقيا.
والاستعمار يريد إبقاء سيطرته على هذه القناة، لهذا يريد الاستعمار أن تكون الحكومة فى مصر حكومة موالية، يختارها وينتقيها على هواه.
ويصل الأمر إلى حد أن تتكاتف دول الاستعمار جميعها فى الهجوم على مصر.
حتى الولايات المتحدة الأمريكية التى أعلنت فى الظاهر عدم رضائها عن هجوم حلفائها على مصر كانت معهم فى المؤامرة، ولقد كان موقفها الظاهرى زيفاً لأننى لا أصدق أن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل التى تعتمد على الولايات المتحدة اعتماداً كاملاً، كانت تستطيع أن تفعل ما فعلته لو لم تضمن مقدماً رضاء الولايات المتحدة.
ولكن الأمر كان من قبيل توزيع أدوار الرواية على الممثلين.
ولقد فشلت الرواية. فشلت المؤامرة، وبقيت الحكومة المصرية الوطنية التى كان الاستعمار يريد الخلاص منها.
ولقد كانت الخطة أن يتم القضاء على هذه الحكومة الوطنية بينما الأمم المتحدة تناقشه، وكان المقدر أن لا تنتهى هذه المناقشة إلا وتكون فى مصر حكومة موالية للتسليم.
ولا بد أن أقول هنا أن مقاومة الشعب المصرى وحكومته كانت العامل الأول فى إحباط المؤامرة.
ولكنى أيضاً لا أريد أن أكون متواضعاً إلى الحد الذى أنسى معه الدور الذى قام به الاتحاد السوفيتى فى سبيل إحباط خطة العدوان.
ولقد كان قصدنا أن نكشف أمريكا حين عرضنا عليها – قبل أن نوجه إنذارنا للمعتدين – أن تشترك معنا فى عمل مسلح لوقف العدوان على مصر.
لقد رفضت أمريكا، وكنا نعرف أنها سوف ترفض، ولكن قصدنا كان أن نكشف حـيلتها، ونفضح دورها فى المؤامرة.
ولقد افتضح هذا الدور وانكشف كل ما كان خافياً من أمره بعد أن فشل العدوان على مصـر.
فلقد خرجت الولايات المتحدة علنا تحاول أن تساعد حلفاءها على ما لم يستطيعوا وحدهم القيام به. ولكنها كانت تساعدهم بطريقة غريبة. كانت تساعدهم على طريقة حبل المشنقة حين يساعد المشنوق!
أعلنت الولايات المتحدة مبدأ أيزنهاور الذى يقوم على أساس نظرية ملء الفراغ فى الشرق الأوسط.
ولقد كنت فى دهشة من حكاية هذا الفراغ الذى يريدون ملأه فى الشرق الأوسط! أين هو هذا الفراغ؟
إن الشرق الأوسط منطقة مزدحمة بالسكان ثم هو المنطقة التى نشأ فيها الجنس البشرى وحبا إلى الحضارة، ثم هو منبت الثقافات!
ولقد كان المعنى الوحيد لإعلان هذا المبدأ هو أن أمريكا لا تعترف بأن من حق الشعوب أن تقرر مصيرها بنفسها، وتعتقد أن هذه الشعوب يجب أن تظل تحت الوصاية. وصايتها طبعاً.
ولجأت الولايات المتحدة إلى أساليب حديثة وجديدة ومبتكرة.
ولكن القفازات البيضاء فى يد القاتل، لا تستطيع تخفيف الألم عن الضحية!
وهنا لم تكن الولايات المتحدة تعمل لضمان مصالح بريطانيا وفرنسا، وإنما كانت تعمل لصالح احتكارات البترول.
إنهم يريدون الغنى بأى شكل وأى وسيلة، ورائحة البترول، بما تحمله وراءها من أحلام الغنى تفقدهم أعصابهم.
ولما وجدوا أن الخطة ضد الهدف الأول، وهو مصر، لم تنجح. تحولوا إلى التجربة فى هدف ثان. وهكذا بدأت عملية سوريا.
هيكل: لقد بدا من كلامك فى عملية سوريا، إبان اشتداد الأزمة، أن الاتحاد السوفيتى يملك وثائق خطيرة تثبت المؤامرة على سوريا؟
خروشتشيف: أجل. وأؤكد لك أننى واثق من معلوماتنا، ودعنى أرو لك ما حدث.
لقد بدأت العملية بأن رأت الولايات المتحدة، أن تدفع الأردن والعراق، إلى مهاجمة سـوريا، وكان هذا لو حدث، يبقى الولايات المتحدة بعيداً ويجعل الأمر محصوراً فى نطاق دول عربية تتقاتل مع بعضها.
ولقد تبين أن تنفيذ المؤامرة ضد سوريا على هذا النحو مستحيل.
ودعنى أحدد لك هنا شيئاً هاماً:
إن مبعث الاستحالة هنا، لم يكن رفض حكومة الأردن وحكومة العراق، القيام بما طلب منهما، ولكن كان مبعث الاستحالة أن كلا من الحكومتين وجدت أنها لا تستطيع ضمان جيشها فى مثل هذه الحالة.
ولقد قالت الحكومتان هذا الكلام بصراحة للولايات المتحدة، وقالتا: أنهما تخشيان فى هذه الظروف أن تنضم قواتهما إلى الناحية الأخرى!
وفى هذا الوقت كانت إسرائيل على استعداد للقيام بهذه المحاولة.
ولكن الولايات المتحدة منعت إسرائيل من الهجوم لأنها وجدت أن ظهور إسرائيل على المسرح سيكون دافعاً إلى تكتيل جميع الشعوب العربية.
وهنا اتجه تفكير الولايات المتحدة إلى تركيا، وكانت وجهة نظرها أن تركيا دولة مسلمة، وسوريا دولة مسلمة، وهكذا أيضاً كانت الولايات المتحدة تضمن بعدها عن خشبه المسرح، بينما الدول الإسلامية تتقاتل مع بعضها.
وهنا أيضاً ظهرت القوة الحقيقية للقومية العربية. فظهر تماسك الشعوب ووقوفها جبهة واحدة ضد المؤامرة مهما كان من رأى حكومات بعضها.
وخرج الاتحاد السوفيتى يوجه تحذيراته إلى تركيا والولايات المتحدة.
ولقد سارعنا إلى العمل فى الأمم المتحدة، كما اتصلنا بجميع الأحزاب الاشتراكية فى دول حلف الأطلنطى.
ثم أوضحنا صراحة أننا لن نقف مكتوفى اليدين إذا هوجمت سوريا.
هيكل: مستر خروشتشيف لدى هنا سؤال، وكما قلت لك أنا أريد أن أكون صريحاً معـك، وسؤالى هو:
“إن بعض الناس فى مصر يحسون أن إنذاركم النهائى لبريطانيا وفرنسا وإسرائيل تأخر بعض الوقت، ولو كان هذا الإنذار متقدماً عن موعده، لو كان قبل العدوان الفعلى، كما حدث فى سـوريا، لكان هذا العدوان أوقف قبل أن يبدأ”.
دعنى أوضح لك ما أريد أن أقول:
إننا نقدر ظروفكم، ثم نحن أسعد الناس للذى قمتم به من أجل سوريا، وكذلك نحن لم نكن نريد منكم أن تحاربوا معركتنا بينما نحن نتفرج.
ولهذا فإن سؤالى إليك، من باب حب الاستطلاع. أو الفضول إذا شئت لا أكثر ولا أقـل!
خروشتشيف: هل قرأت الرسائل التى بعث بها بولجانين إلى السير أنتونى إيدن، رئيس وزراء بريطانيا وقتها، وإلى المسيو جى موليه رئيس وزراء فرنسا فى نفس الوقت؟
لقد كان تحذيرنا لهم فى هذه الرسائل واضحاً وضوحاً كاملاً قبل أن يبدأ العدوان بزمن طويل.
بل أننى أذكر أننى بنفسى تحدثت فى هذا الموضوع إلى السير أنتونى إيدن، وإلى المستر سلوين لويد، عندما زرنا بريطانيا، بولجانين وأنا، بدعوة من حكومتها.
لقد قلت للاثنين: أن فى مصر، وفى البلاد العربية، تياراً تحررياً قوياً، وعليكم أن تلتقوا بهذا التيار، ولا تقاوموه.
وقلت للاثنين: إن الاتحاد السوفيتى لن يسكت على أى عمل عنيف تقوم به بريطانيا ضد هذا التيار.
ولكن يظهر أن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل فى لهفتها على الخلاص من الحكومة الوطنية فى مصر تناست هذه التحذيرات وقامت بهجومها الوحشى على مصر.
وعلى أى حال فتأكد أن الضرر الحقيقى فى كل هذه العملية وقع على الدول المعتدية، ولم يقع على مصر، فلقد أثبتت المعركة الفاشلة ضد مصر عجز الدول الاستعمارية وضعفها. وكان ذلك إنهاءً لوجود الدول المعتدية، كقوى كبرى يحسب حسابها فى الميزان.
ولقد قمنا بواجبنا لمنع استمرار الحرب، وأظن أنكم إذا كنتم استطعتم صد العدوان، فإننا أيضاً استطعنا وضع حد سريع له.
هذا فى حالة مصر.
أما فى حالة سوريا فقد استفدنا بتجربة ما حدث فى مصر حيث ظهر أن الاستعمار، لا يستمع عادة إلى النصائح الطيبة.
وهكذا أعلنا موقفنا قبل أن تندلع شرارة الحرب.
ولقد تراجعت تركيا عما كانت قد همت به، ولم يكن هذا التراجع مجرد رجوع إلى العقل ولكن لأسباب أخرى عديدة. منها أن الولايات المتحدة الأمريكية التى دفعتها فى بادئ الأمر إلى الإقدام، كانت هى التى عادت بعد ذلك ونصحتها بالإحجام!
كانت الولايات المتحدة تشجع تركيا ضد سوريا.
فلما تبين أن سوريا لن تكون وحدها، وتحقق أن الأمر لن يكون مجرد نزهة عسكرية، سارعت الولايات المتحدة فنصحت تركيا بأن تلزم السكوت.
وأنا سعيد بما حدث.
فإن الفرصة الآن أمام الأتراك كاملة ليروا أن الآراء التى تجيئهم من أصدقائهم عبر الأطلنطى ليست دائماً آراء ناضجة.
ولعل الحكومة التركية تكتشف أن الإله الأمريكى الذى تعبده، ليس قوياً إلى الحد الذى كانت تتصوره، وأن هناك قوى أخرى، لا يملك هذا الإله، إلا أن يقف أمامها عاجزاً ضعيفاً!
هيكل: يظهر أنهم أيام العدوان علينا لم يكونوا واثقين من وجود الصواريخ عابرة المحيطات لديكم.
خروشتشيف: لقد قلنا للبريطانيين عن هذه الصواريخ ولكنهم لم يصدقوا، وربما لأنهم لم يتصوروا. لقد ظنوا أنه تفاخر أو تهويش.
هيكل: أظنهم الآن يصدقون. ويتصورون!
خروشتشيف: ما زالت لديهم بعض الشكوك!
هيكل: حتى بعد الأقمار الصناعية؟
خروشتشيف: إن عيب الأقمار الصناعية أن الناس يرونها بعيونهم، ولا يحسون بها بأجسادهم. وعلى أى حال فنحن على استعداد لأن نجعلهم يحسون، وإذا كان هناك من يشك حتى الآن فى وجود الصواريخ عابرة القارات عندنا، فإننا على استعداد للتجربة العملية، إذا كان هناك من هو على استعداد للتجربة.
لسنا طلاب مشاكل، ولكننا نريد أن يعرف كل واحد حده ويلزمه.
إن تركيا مثلاً، جار لنا، ونحن نريد أن نعيش معها فى صداقة وهدوء، كذلك فنحن نريد من تركيا أن تعيش مع باقى جيرانها فى صداقة وهدوء. إن تركيا تؤكد كل يوم أنها لا تريد عداء الاتحاد السوفيتى، ونحن نعلم أنها لا تريد هذا العداء لسبب يتقدم جميع الأسباب هو أن تركيا لا تقوى على عدائنا فإن الفارق بين قوتنا وقوتهم ضخم كبير.
ولكن المسألة ليست مسألة الاتحاد السوفيتى وعلى تركيا أن تتعلم أن تقول لغيرنا ممن هم أضعف منا أنها لا تريد عداءهم وتنشد الصداقة معهم.
إن صداقة القوى عقل، أما صداقة الضعيف ففيها وحدها يبدو الخلق الكريم والنية السليمة.
هيكل: هناك سؤال هام، أو على الأقل هكذا يبدو لنا فى الشرق الأوسط، لقد كان فى موسكو أخيراً أنيورين بيفان الزعيم العمالى البريطانى، ولقد خرج بيفان من موسكو إلى لندن، ثم من لندن إلى واشنطن حيث التقى بأيزنهاور، وأعلن فى لندن وفى واشنطن أنك أبديت له استعدادك لاجتماع على مستوى عال لبحث الموقف فى الشرق الأوسط!
هنا مسألة هامة بالنسبة لنا هل يقبل الاتحاد السوفيتى أن يجلس مع الولايات المتحدة ليبحث مشاكل الشرق الأوسط فى غيبة من حكومات هذا الشرق، أعنى هل ستعود عقلية “يالتا” ويوضع العالم أمام الكبار يقتسمونه فيما بينهم كما لو كان فطيرة مثلاً أو بطيخة؟!
خروشتشيف: إن بياناتى فى عيد الثورة السوفيتية واضحة.
نحن نرغب فى إزالة التوتر فى العالم. ونعتقد أن الأمر أكثر من مجرد رغبة. إنه ضـرورة.
إن الحرب الباردة لابد أن تنتهى، وأن تبدأ سياسة التعايش السلمى وأن تتحول المنافسة بين النظامين – الشيوعى، والرأسمالى – إلى منافسة سلمية.
إن الناس فى كل مكان سئموا من هذا التوتر. ذلك أن الحرب الباردة عبء مادى ومعنوى مرهق.
إن الناس يريدون الذهاب إلى أسرتهم كل ليلة واثقين أنهم لن يستيقظوا على هدير انفجارات القنابل، أو أنهم قد لا يستيقظون أبداً، وتهلكهم الإشعاعات بينما هم مستغرقون فى النوم.
ولكى نحقق لهم هذا لابد كما قلت لك من تعايش سلمى.
ولتحقيق التعايش السلمى لابد أن تنتهى السياسات القائمة على القوة، وسياسات دفع العالم إلى شفا الحرب.
ولتحقيق هذا بدوره لابد من أن تتلاقى الأفعال مع الأقوال ونحن من ناحيتنا فعلنا ما نقدر عليه.
وأنا أعد لك الآن ثمانى خطوات قام بها الاتحاد السوفيتى فى اتجاهات التعايش السلمى وتخفيف حدة التوتر.
المعاهدة مع النمسا – التخلى عن القاعدة العسكرية فى فنلندا – تخفيض عدد قواتنا المسلحة بمليون وثمانمائة ألف جندى – التخلى عن قواعد فى الصين – سحب قوات من الصين – الاتفاق على إنهاء حالة الحرب مع اليابان – إنشاء العلاقات السياسية مع ألمانيا الغربية – تصفية الخلاف مع يوغوسلافيا.
هذا غير اقتراحاتنا لمنع استخدام الأسلحة الذرية، ووقف تجاربها وغرضنا من هذا كله تعايش سلمى.
ولقد قلت لبيفان ولغيره أننا من أجل هذا على استعداد لمؤتمر على مستوى عال.
ولكن ما هى جدية احتمال مثل هذا الاجتماع؟
لا أعرف!
لقد صدرت عن حكومات الغرب تصريحات سلبية بشأن احتمال عقد مثل هذا الاجتماع، وبعضها طالب الاتحاد السوفيتى بأن يقدم الأدلة على إخلاصنا. ولست أعرف ماذا نستطيع أن نقدم من الأدلة غير ما قدمناه فعلاً. وأظن أنه لم يعد فى طاقتنا شىء جديد نقدمه. فلقد أصبحنا نعتقد أنه لن يرضيهم إلا أن نتخلى عن نظامنا. ولكنهم لن يروا هذا اليوم. إلا كما يستطيع الإنسان أن يرى أذنه!
إن الذى لابد من التسليم به الآن أن يكون واضحاً أن هناك نظامين فى الدنيا، وأن على هذين النظامين أن يتعلما الحياة جنباً إلى جنب على أساس المبادئ التى أعلنتها الصين والهند والمشهورة باسم “البانتاشيلا” والتى كانت قرارات باندونج تنفيذاً عملياً لها.
بقى تأثير هذا كله على الشرق الأوسط، وأحب أن تعرف أننا لن نستثنى أى جزء فى العالم من سياسة التعايش السلمى. لا الشرق، ولا الغرب، لا الشمال، ولا الجنوب، إن الشعوب كلها تريد السلام.
أما حكاية الاجتماع لتقسيم مناطق النفوذ فهذه دعاية الغرب. وذلك منطوق الألفاظ لديه. بل ذلك منطق جلادى العبيد، أنهم يتصورون أنه إذا كان هناك أقوياء، فلابد لهؤلاء الأقوياء أن يعيشوا على استغلالهم للضعفاء.
أما نحن فإن مبادئنا لا تسمح لنا بالدخول فى اتفاقات على حساب أمم أصغر منا. هذه أسس سياستنا الخارجية.
هيكل: على ذكر سياستكم الخارجية، دعنى أسألك سؤالاً قد لا يكون من حقى أن أوجهه لك، وعلى كل حال فإذا أردت أن لا تجيب عليه فهذا حقك.
خروشتشيف: ما هو السؤال؟
هيكل: السؤال عن شبيلوف إن كثيرين فى مصر أقلقهم خروج شبيلوف من وزارة الخارجية الروسية ومن دائرة الحكم فى روسيا كلها. لقد كان شبيلوف صديقاً لنا، وكان فى رأينا يرمز إلى التقارب المصرى الروسى.
خروشتشيف: أنا أعلم أنكم فى مصر قلقتم عندما خرج شبيلوف بل أنا أعلم أن نفس الشىء حدث عندما خرج زوكوف، ولكننا نريدكم أن تعلموا أن سياسة الاتحاد السوفيتى لا ترتكز على الأشخاص، إن الخطوط العريضة لهذه السياسة أكبر من الأفراد، وإذا كان شبيلوف قد ابتعد فإن التقارب المصرى الروسى باق بعده، لأنه سياسة الحكومة السوفيتية وشعب الاتحاد السوفيتى.
هذا هو الواقع.
هيكل: أننى أحس أننى أخذت من وقتكم أكثر مما يجب. ما هو الوقت المحدد لهذا الحديث.
خروشتشيف: هذه مسالة متروكة لضميرك.
هيكل: ضميرى كصحفى مطاط فى مثل هذه الظروف.
ولكن لقد أوشكت الساعة أن تكون الثانية. معنى ذلك أننى هنا منذ ساعتين. ولهذا سأضغط على ضميرى وأقوم.
خروشتشيف: (يبتسم).
هيكل: سؤال واحد قبل أن أقوم. هل أستطيع أن أعرف متى تصلون إلى القمر الطبيعى.
خروشتشيف: لا أعرف بالتحديد. ولكنى أتمنى أن نحل مشاكل الأرض قبل أن نصل إلى القمر.
هيكل: هل أستطيع أن أطلب منك أن تساعدنى فى أن أحجز مقعداً فى أول صاروخ يتجه إلى القمر. أننى أريد أن أكون أول صحفى يصل إليه؟
خروتشوف: لا. لا تركب أول صاروخ. لنترك المقاعد فى هذا الصاروخ لليائسين من حياتهم. هل أنت يائس من حياتك؟
هيكل: لا. أنا على العكس أحبها.
خروشتشيف: إذن لا تذهب. هناك كثيرون غيرك أولى بأن يذهبوا.
هيكل: دالاس مثلاً؟
خروتشوف: فكرة. هل تستطيع إقناعه؟!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=669