” بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : حوار مع تيتو “

حوار مع تيتو
لقد قدر للسؤال الأخير، فى حوار طويل، أجريته مع الرئيس “جوزيف بروز تيتو”، فى “الفيلا البيضاء” – مقره الصيفى فى جزيرة “بريونى” – أن تكون الإجابة عليه أول ما يذاع من الحوار، وعلى نطاق عالمى لافت للنظر!
ذلك الصباح فى بريونى، ومع نهاية حديث ممتد وجهت للرئيس تيتو سؤالاً عن تطورات الحوادث فى “تشيكوسلوفاكيا”.
وكانت برقيات الفجر التى أطلعت عليها قبل ذهابى إلى “الفيلا البيضاء” لموعدى مع الرئيس اليوغوسلافى مليئة بأخبار تشيكوسلوفاكيا، وأبرزها أن زعماء المعسكر الشرقى يتوافدون تباعاً على عاصمة “بولندا” لبحث الموقف فى تشيكوسلوفاكيا، وإن القوات السوفيتية التى دخلت تشيكوسلوفاكيا للاشتراك فى المناورات السنوية لحلف وارسو تواصل انسحابها بعد انتهاء هذه المناورات.
ولم أكن أتصور أن سؤالى لتيتو عن تشيكوسلوفاكيا هو أهم، وأبرز ما دار خلال الحوار – الطويل الذى جرى بيننا على شرفة فى “الفيللا البيضاء” تطل على البحر الأدرياتيكى المرصع بالجزر الصغيرة الخضراء – لكنى بعد يوم واحد فى القاهرة، اكتشفت – أو لعلى اصطدمت – بالأهمية المضاعفة لذلك السؤال الذى طرحته فى بريونى عن أحداث تشيكوسلوفاكيا!
فجأة فى بداية الأسبوع، وبالتحديد مساء يوم السبت، تلقيت رسالة عاجلة من مدير وكالة تانيوج – وكالة الأنباء اليوغوسلافية الرسمية – يقول فيها، إنه حصل على نسخة من حديثى مع الرئيس اليوغوسلافى، وإن تانيوج سوف تذيعه صباح اليوم التالى – الأحد – على العالم!
ودهشت، وبعثت برسالة عاجلة إلى مدير الوكالة اليوغوسلافية أقول فيها “إننى أجريت الحديث مع الرئيس اليوغوسلافى للأهرام، وإن الرئيس اليوغوسلافى كان يعرف أننى سأنشر الحديث ضمن مقالى الأسبوعى يوم الجمعة، وبالتالى فإن إذاعته قبل ذلك سابقة لا مثيل لها فى التقاليد الصحفية، وإننى لا أجد تفسيراً مقنعاً لذلك”.
ومضت دقائق تلقيت بعدها من مدير تانيوج إشارة باستلامه لرسالتى، وبأنه سوف يبعث لى برد عليها بعد قليل. وبعد قليل جاءنى الرد فعلاً، وخلاصته إنه بعد الرجوع إلى أعلى المصادر فقد تقرر أن يذاع الحديث غداً، ودون انتظار.
وبدا الأمر كله غريباً، وعدت أبرق إلى مدير الوكالة اليوغوسلافية أرجوه فى عدم إذاعة الحديث قبل موعده فى الأهرام الذى يملك وحده كل حق عليه ثم قلت فى ختام هذه البرقية، إننى بعثت برسالة إلى الرئيس تيتو أحتكم إليه فى المشكلة كلها، ولهذا فإننا جميعاً – الوكالة اليوغوسلافية، والأهرام – يجب أن ننتظر قراره، ولا نتصرف قبله.
ومضت ساعة كاملة، ثم تلقيت من مدير الوكالة اليوغوسلافية رداً عاجلاً يقول فيه:
“نود أن نؤكد لك أننا لا ننوى إذاعة نص الحديث قبل الحصول على موافقتك، ولكننا بعد اتصال آخر بأعلى المصادر نرجوك أن تعيد النظر فى قرارك بالانتظار فى النشر حتى يوم الجمعة، وأن تضع فى اعتبارك الأهمية الزائدة لهذا الحديث، والعنصر الزمنى لبعض ما ورد فيه مما يقتضى النشر السريع بغير انتظار خصوصاً فيما يتعلق بالإجابة على السؤال الأخير لها أهميتها العالمية فى هذه اللحظات مع تعاقب الحوادث وتطوراتها المحتملة – ننتظر رداً سريعاً منك”.
وعدت إلى مسودة كنت قد كتبت فيها بعض النقط الهامة خلال الحوار مع “تيتو”.
كنت أريد أن أبحث عن هذا السؤال الأخير، وعن أجابته التى لا تقبل الانتظار، والتى أصبحت لها فجأة – بتعاقب الحوادث، وتطوراتها المحتملة – أهمية عالمية.
وكان السؤال عن تشيكوسلوفاكيا.!
كنت قد قلت للرئيس تيتو:
– “ما هو رأيك فيما يجرى الآن فى تشيكوسلوفاكيا، وهل ترى فيه تكراراً لما حدث فى يوغوسلافيا سنة 1948، حين وقع الخلاف المشهور بينك وبين ستالين وتمسكت باستقلالك السياسى عن الكتلة الشرقية، وكان ذلك أول انقسام فى المعسكر الشيوعى؟”.
وكانت إجابة تيتو عليه:
– “إن التطورات فى تشيكوسلوفاكيا لها طابع مختلف، وفى رأيى، إنه لا يجب علينا أن نبالغ فيها، أو أن نصورها تصويراً مسرحياً مثيراً.
ولست أعتقد أنه يوجد فى الاتحاد السوفيتى أناس يبلغ بهم قصر النظر إلى حد يجعلهم يلجأون إلى سياسة القوة لحل مشاكل داخلية من شئون تشيكوسلوفاكيا، لقد كانت هناك تصرفات يمكن أن تصل إلى حد ممارسة الضغط، لكننا سمعنا اليوم أن القوات السوفيتية فى تشيكوسلوفاكيا تنسحب.
وليس هناك شك فى أن تدخل دولة واحدة، أو مجموعة من الدول فى الأمور الداخلية لدولة أخرى هو خطأٌ كبير.
وفوق ذلك، فإنى أتصور أن الموقف ليس فيه ما يعرض الاشتراكية فى تشيكوسلوفاكيا للخطر، وإذا حدث بعض التدخل، أو الضغط من جانب الغرب، مما يشكل، أو يمكن أن يشكل خطراً مباشراً على النظام الاشتراكى نفسه، فإن تشيكوسلوفاكيا لديها عندئذ ما تدافع به عن نفسها. لديها جيشها، وحزبها الشيوعى، والطبقة العاملة فيها.
وعلى نفس النهج، فإن لدينا فى يوغوسلافيا جيشنا، وحزبنا الشيوعى، وطبقتنا العاملة، ومن ثم فإن اشتراكيتنا يجب أن لا ينقذها لنا أحد لأن لدينا من القوة ما هو كافٍ لإنقاذها!”.
وأحسست بعد العودة إلى السؤال الأخير وإجابته الخطيرة، إن الرئيس اليوغوسلافى يتوقع أحداثاً كبيرة فى الشرق، وإنه يريد أن يؤثر عليها بإعلان رأيه فيها مقدماً.
وكانت هناك تصورات كثيرة تلح على ظنونى:
هل يتوقع تيتو تدخلاً بالقوة فى تشيكوسلوفاكيا؟
وماذا يكون أثر ذلك فى أوروبا شرقاً، وغرباً؟
ثم أية نتائج يمكن أن تترتب على ذلك بالنسبة للتفاهم المتزايد بين موسكو، وواشنطن؟
ولقد كنت واحداً من الذين دعوا الاتحاد السوفيتى إلى نظرة حازمة، قاطعة فى حزمها، بالنسبة لأزمة الشرق الأوسط مع الاعتراف الكامل بدوره الإيجابى الكبير فيها.
ولقد كتبت فعلاً أن ضغط الاستعمار على الدول غير المنحازة، وإصراره على ملاحقة القوى الوطنية، والتقدمية فى العالم الثالث – وأزمة الشرق الأوسط نموذج حى، وقائم لذلك – قد تعقبه محاولات مماثلة فى داخل المعسكر الاشتراكى ثم يواصل الاستعمار زحفه إلى حد التطلع إلى التأثير داخل الاتحاد السوفيتى نفسه بادئاً بالجمهوريات الآسيوية فيه!.
ومع ذلك فهل للاستعمار دخل فى هذا الذى نراه فى تشيكوسلوفاكيا اليوم؟
هاهو تيتو أمامى يقول: لا!
ولكن هناك غير تيتو من يقول نعم!
ومع ذلك، فهذا كله بالنسبة لى لم يكن معضلة الساعة.
وإنما المعضلة هذا الحوار مع تيتو، وموعد نشره فوراً كما يقترحون فى يوغوسلافيا، أو اليوم – الجمعة – كما نقترح فى الأهرام؟!
وخرجت بحل وسط أبرقت به إلى مدير الوكالة اليوغوسلافية أقول:
“إذا كانت المشكلة كلها فى السؤال الأخير وإجابة الرئيس تيتو عليه، فإننا نوافق على إذاعته وحده، فوراً، على أن نذكر صراحة أنه مقدمة لحوار طويل مع الرئيس تيتو سوف ينشر يوم الجمعة”.
وبعد دقائق تلقيت الرد بقبول الحل الوسط.
وبعد دقائق أخرى كان السؤال الأخير من الحوار مع تيتو يتردد من جميع الإذاعات جزءً من أخبار أزمة المعسكر الشرقى، ومشكلته مع تشيكوسلوفاكيا.
ثم لقد تركت هذه المقدمة تطول ليس لأنها تحكى حكاية صحفية، وإنما تركتها تطول لأنها ترسم جواً معيناً لكواليس المسرح الذى تجرى عليه الآن أحداث أوروبا الشرقية، وهى أحداث سوف تكون لها نتائج كبيرة، وأصداء واسعة. ليست بعيدة عنا بالقدر الذى يتبادر إلى أذهاننا للوهلة الأولى.
والآن إلى حوار ذلك الصباح فى شرفة الفيللا البيضاء المطلة من بريونى على الأدرياتيكى.
قلت للرئيس تيتو:
“إن لدى مجموعة من الأسئلة بعضها شخصى، وبعضها عام، وهو يستطيع أن يجيب، أو لا يجيب على أيها كما يشاء، كما أنه يستطيع أن يصرح بنشر إجابته، أو يستبقيها فى نطاق العلم المحدود وفق ما يرى، وإنى أوثر ذلك الأسلوب لكى يكون الحوار صريحاً، وبالتالى نافعاً”.
واستبق تيتو المترجم الذى كان يحاول أن ينقل إليه سؤالى باللغة الصربية – ورد باللغة الإنجليزية التى بدأ تقدمه فيها ملحوظاً عن أى مرة التقيت فيها معه من قبل. وقال:
– نعم. أنا أوافق على هذا الأسلوب.
قلت: إذن، فإن سؤالى الأول عن “يوغوسلافيا”.
ألا ترى أن يوغوسلافيا دولة صغيرة جغرافياً، واقتصادياً، ومع ذلك فإنها تمارس دوراً سياسياً أكبر من حجمها. أريد أن أسألك ما هو تفسيرك لهذه الظاهرة؟
وقال تيتو:
– من الصعب أن أحدد أسباب هذه الظاهرة، ومع ذلك فسوف أحاول.
أعتقد أن السبب الأول يرجع إلى بداية الحرب العالمية الثانية، عندما تعرضت بلادنا لهجوم ألمانيا النازية، فلم يحدث أن وقف شعب فى أوروبا ضد الغزاة فى مثل الظروف العسيرة التى وقفت فيها بلادنا.
كان جيشنا قد انهار أمام جيوش هتلر. مسح مسحاً!
ولم يكن الجيش وحده هو الذى ضاع، وإنما ضاع كل شىء بعد احتلال كل شبر من أرضنا.
ولكننا اخترنا سبيل الكفاح.وكان الكفاح صعباً، ولكى تعرف مدى صعوبته، فإنه يكفيك أن تتذكر أن عشر سكان يوغوسلافيا ماتوا خلال عملية المقاومة. بين كل عشرة من اليوغوسلاف واحد أعطى حياته فى الحرب ضد الغزاة.
ذلك جعل العالم ينظر إلينا باحترام.وتلك كانت البداية.
والسبب الثانى – بعد ذلك جاء سنة 1948.
كان ستالين يبذل ضغطاً هائلاً ضدنا.
وبدا للجميع أنه من الأمور المستحيلة أن تتمكن يوغوسلافيا من المقاومة، وأن تحفظ استقلالها.
وكانت المشكلة أننا نريد أن نبقى شيوعيين. كما أننا نريد أن نحتفظ بأوثق العلاقات مع الاتحاد السوفيتى.ولكننا لسنا على استعداد للخضوع.
وكان شعبنا بأسره على استعداد لكل التضحيات من أجل الحفاظ على الكرامة، وكانت معركتنا مع ستالين رهيبة، ولكننا صمدنا.
هذا هو السبب الثانى الذى جعل احترام العالم لنا يزداد.
والسبب الثالث أننا بعد الحرب بدأنا من الصفر.
كانت بلادنا كلها مخربة، وكان من اللازم علينا قبل كل شىء أن نقوم بمهمة تعمير الخراب الذى يحيط بنا من كل جانب.
وأعتقد أننا بذلنا جهوداً جبارة، وكان رجالنا، وشبابنا يقومون بكل ما تحتم عليهم القيام به متطوعين.وفى ذلك الوقت لم نكن نتلقى مساعدة من أحد.
وبعد الخلاف مع ستالين، فإننا تلقينا موارد على شكل قروض من الغرب ولكن الشرط الذى وضع علينا فى مقابل ذلك أن نعترف بجميع الديون التى كانت على يوغوسلافيا قبل الحرب، وأن نسددها.
وكانت يوغوسلافيا القديمة مدينة فى كل مكان. كانت علينا ديون للولايات المتحدة، ولبريطانيا، ولسويسرا، ولبلجيكا، وللسويد، ولفرنسا، ولغيرها.
وإلى جانب ذلك، فإن الصناعات القليلة التى كانت فى يوغوسلافيا قبل الحرب فى أيدى الأجانب، ولقد أممنا بالطبع ما سلم بينها من خراب الحرب لكنه فرض علينا أن ندفع التعويضات عنها.
وقد سددنا كل ما كان على يوغوسلافيا القديمة من ديون، ودفعنا ما كان على يوغوسلافيا الجديدة من تعويضات – فى عشر سنوات، واقتضانا ذلك شد الأحزمة على البطون كما استلزم قدراً كبيراً من إنكار الذات من جانب شعبنا الذى اضطر فى أحيان كثيرة إلى التخلى عن معظم حاجاته الضرورية.
وعندما شرعنا فى التنمية المخططة لبلادنا، حققنا نتائج هامة جداً فى وقت قصير جداً.
فقد أخذنا على عاتقنا – من بين أشياء أخرى – إنشاء الطرق الرئيسية الحديثة التى تصل بين المدن. ولم يكن فى يوغوسلافيا قبل الحرب، إلا 150 كيلو متراً من الطرق مرصوفة بالإسفلت.
أما اليوم فلدينا من هذه الطرق نحو 15 ألف كيلو متر. ونرصف كل عام نحو ألف كيلو متر.
إن هذا كله ترك انطباعاً قوياً فى العالم، أسهمت فى خلقة بوجه خاص حقيقة قائلة بأننا تمكنا من تنمية إنتاجنا بسرعة كبيرة.
ففيما يتعلق بنمو إنتاجنا كانت بلادنا من بين البلاد الأولى فى العالم، ووصل هذا النمو سنوياً إلى 13، و14، وحتى 18 فى المائة.
وقد كان هذا كله معروفاً بصفة عامة فى الأمم المتحدة وفى العالم، ومن ثم تعززت مكانة بلادنا.
ولابد أن نؤكد أننا أحكمنا إنتاج عدد من الآلات الحديثة الجديدة، وغيرها من الوسائل.
إن يوغوسلافيا مثلاً لم يكن لديها أسطول، فقد دمر أسطولها خلال الحرب ولم تكن لدينا صناعة بناء السفن.
أما اليوم، فإن لدينا أسطولاً تجارياً تتجاوز حمولته الإجمالية مليوناً و200 ألف طن كذلك أقمنا صناعة عسكرية هامة.
وكما قلت من قبل، فإن هذا تطلب جهوداً ضخمة، وإنكاراً للذات، وتخلياً من الشعب عما هو فى أشد الحاجة إليه، وأعطى بذلك تحسناً أسرع فى مستويات معيشته.
على أن العالم قد تأثر بحقيقة أخرى كذلك.
فقد كانت زراعتنا بالغة التخلف، فنميناها إلى مستوى عالٍ جداً خلال الأعوام القليلة الماضية، وأصبحت الآن فى بعض النواحى تفوق بعض الدول الأوروبية المتقدمة فى مضمار النمو.
فمثلاً، حققنا غلة مقدارها 82 متراً مكعباً للهكتار على مساحة 20 هكتاراً فى إحدى المزارع قرب “أوسييك”.
وليس ذلك على أساس تجريبى بل على أساس دائم.
ولقد حققنا ذلك حتى فى هذا العام حيث حدث الجفاف.
وفيما عدا ذلك، فإن متوسط الغلة فى المزارع الاشتراكية يتراوح بين 45 و50 متراً مكعباً للهكتار.
وإذا أخذنا فى الاعتبار غلة المنتجين الأفراد، فإن المتوسط العام يصل إلى ما يتراوح بين 25 و26 متراً للهكتار.
وذلك لأننا كما تعلم لم نلجأ إلى فرض الملكية الجماعية، ولا تزال المزارع الفردية هى الكثرة الغالبة.
وتحقق هذه المزارع الآن بدورها غلة أكبر من غلتها فى الماضى لأن شطراً كبيراً منها تتم فيه فلاحة الأرض بنظام التعاون.
وأهم من ذلك أننا حققنا الاكتفاء الذاتى فى الإنتاج الزراعى.
هذه بالإجمال هى العوامل الرئيسية التى أسهمت فى تعزيز مكانة يوغوسلافيا.
وقلت لتيتو:
– ما هو دورك أنت فى ذلك كله.؟
قد يبدو ذلك سؤالاً شخصياً، لكنه فى الحقيقة أهم من تلك الحدود، وأشمل. فهو يمس قضية القيادة. والدور الإنسانى لمن يتحمل المسئولية الأولى فى وطن من الأوطان؟
وقال تيتو:
– هناك مثل يوغوسلافى يقول:
“إن غناء بلبل واحد لا يكفى لكى يصنع الربيع” وإن كنت أسلم أن دور “الإنسان” فى مركز القيادة دور أساسى لا يمكن بغيره تحقيق النجاح.
إن قضية دور “الإنسان” فى مركز القيادة ترتبط بمسألة هامة تختلف فيها مقدرة البشر حتى بين الزعماء.
صميم المسألة أن يكون هناك الإنسان القادر فى لحظة من اللحظات أن يوجه نفسه توجيهاً صحيحاً على مسألة معينة من المسائل التى تعترض الكفاح.
أى الإحساس بالشىء الذى يجب عمله. فى ذات اللحظة التى تتطلب عمل هذا الشىء!
ويتبع ذلك مباشرة بالنسبة لدور “الإنسان” فى مركز القيادة أن يكون الجو مهيئاً لتوسيع نطاق القيادة الخلاقة.
ثم قبل ذلك كله يجب أن تكون الجماهير العريضة مستعدة لأن تتلقى، وتعى وتؤيد وتناضل.
وإذن فنحن أمام ثلاث مسائل.
الإنسان الذى يتحرك فى الاتجاه المناسب فى الوقت المناسب استلهاماً من المجموع، ومصالحه.
ثم نطاق القيادة المتسعة باستمرار لاستيعاب العناصر القادرة الجديدة.
وأخيراً الجماهير العريضة التى يكمن فى موقفها ورد فعلها إزاء الحوادث حد النجاح
أو الفشل.
قلت لك: إن غناء بلبل واحد لا يكفى لكى يصنع الربيع.
وهذا المثل اليوغوسلافى صحيح، وصادق فى كل الظروف، وأنا أومن به بناء على تجاربى.
فإذا حدث فى مجرى التطور، أن تراخى عدد من الرفاق فى مثابرتهم، أو استبد بهم التعب، أو لحقتهم الشيخوخة، فإن شخصاً واحداً – وأنا هنا أفكر فى نفسى أيضاً – لا يستطيع أن يحقق الكثير.
ولقد ظهر ذلك فى بلادنا خلال مرحلة تنفيذ الإصلاح الاقتصادى، أعنى أنه ظهرت من البداية ضرورة القيام بتعبئة سياسية جديدة، وعمل سياسى جديد.
لقد كان من الضرورى أن نشرح الأمور بلا توقف، حتى يفهم الشعب ماهيتها، بل أصبح من الضرورى إيقاظ البعض من النوم.
وعلى أية حال، فمن اللازم أن تستوعب الشباب بصفة مستمرة لأن الإنسان ليس إلا بشراً.
قلت لتيتو:
– ما دمنا نتحدث عنك. وعن “الإنسان” فى مركز القيادة ودوره، فإنى أريد أن أسألك عن أصعب اللحظات. وعن أسعد اللحظات فى حياتك.
قال الرئيس تيتو:
– إن اللحظات العصيبة فى حياتى كانت أكثر عدداً من اللحظات السعيدة.
لكن كان هناك قدر لا بأس به من اللحظات السعيدة أيضاً.
لقد ظللت أبذل نشاطاً مستمراً لأكثر من ستين عاماً، تتصل منذ شبابى، عندما بدأت أتعلم صنعتى كحداد حتى هذا اليوم الذى تقابلنى فيه كرئيس ليوغوسلافيا.
إن تجاربى غنية بالصعاب، حتى إنه ليس من السهل أن أقول أى لحظات حياتى كانت أشدها، وأعسرها.
لقد صادفت زمناً شاقاً عندما وقعت أسيراً فى الحرب العالمية الأولى، وكذلك وأنا أقضى فترة فى السجن فى يوغوسلافيا القديمة.
ولقد صادفت زمناً شاقاً خلال عملى السرى، لاسيما خلال الحرب عندما كان الناس يلقون حتفهم أمام عينى، والأطفال والشباب يقتلون، فقد كنت أنا المسئول عن حياتهم، وأرواحهم.
وكان أمراً عسيراً رؤية هذه المذابح الرهيبة التى يرتكبها الغزاة والخونة المحليون.
ولقد عشت لحظات سعيدة عندما كسبنا الحرب، وعندما نجحنا فى تطهير البلاد من العدو، بقواتنا إجمالاً.
ولقد تلقينا بالطبع، قرب النهاية مساعدة من الاتحاد السوفيتى.
إننى أقولها فى كلمة واحدة:
عندما ننجح، فإننا نعيش اللحظات السعيدة، ونبتهج.
على أنه يمكننى القول أن أصعب لحظات حياتى كانت فى عام 1948.
ذلك أنه كان يتعين على وقتئذ أن أخوض صراعاً داخل ذاتى لأقهر أموراً كان يقتضى قهرها ذلك النظام الذى نما فى نفسى، بوصفى شيوعياً.
إن الشيوعية تعلم نوعاً من الانضباط والنظام إلى جانب الولاء للعقيدة، والإيمان المطلق بها، وفى سنة 1948، وفى خلافنا الشديد مع ستالين فقد كان على مهما كان العذاب أن أقف، وأن أقول: لا!
ولقد تبينت أن تلك كانت أصعب اللحظات.
ولم يكن الأمر فى هذه الصعوبة أبان الحرب.
فإن متطلباتها فى ذلك الوقت، كانت بذل جهود بدنية أكبر، بينما كان هذا الأمر يصل فى أبعاده إلى جهد روحى مخيف.
قلت لتيتو:
– هل نتحول الآن إلى مشكلة أخرى أصبحت فيما يبدو مشكلة عالمية، وأعنى بها مشكلة الشباب.
لقد كانت هناك أخيراً فى يوغوسلافيا مشاكل بين شباب الجامعات، وشهدت السنة الحالية فورات شباب فى بلاد كثيرة.
أكاد أقول من وجهة نظرى أن هناك فجوة بين الأجيال.
إن الشباب فى العالم الآن جيل يختلف، وطبيعة العصر الثورية خصوصاً من الناحية التكنولوجية زودت الشباب بأحلام، ورؤى كثيرة لم تكن متاحة لأجيال سبقته.
كيف ترى أنت هذه المشكلة؟
وقال تيتو:
– لا تراودنى مخاوف فيما يتعلق بالشباب.
إن شبابنا يعيش فى جو من التحول الثورى.
وقد ألم إلماماً حسناً بما سبق ذلك.
إنه يعرف كيف أنجزنا ما هو لدينا اليوم، ويقدر التضحيات التى بذلت، وهو مستعد فى سواده الأعظم لأن يستجيب لكل نداء من نداءاتنا، ويشترك فى تنفيذ المهام التى وضعناها لأنفسنا.
إن الشباب نفسه يطلب ذلك.
لقد تعلم على هذا النحو، وهو يعيش تحولاً ثورياً.
وإذا كان لا يرضى عن أشياء معينة، فهو ليس سلبياً.
وكثيراً ما كان على حق فى استيائه من أن بعض المسائل لم تحل، أو تحل ببطىء، لذا ينبغى على المرء ألا ينتهى من ثورة الجامعة إلى نتيجة مؤداها إن قضية شبابنا هى ذات قضية الشباب فى الدول الأخرى، أى أن الشباب لا يرى بعداً واضحاً يمضى إليه، وأن هذا هو سبب ثورته.
إن شبابنا يقف بثبات على مراكز التنمية الاشتراكية، على أسس الماركسية اللينينية، ولقد أظهر ذلك خلال الأحداث الأخيرة أيضاً.
إننى – كما ذكرت لك – لا تراودنى مخاوف فيما يتعلق بشبابنا، وليس على المرء، إلا أن يتخذ المسلك المناسب إزاءه، ذلك لأنه لم يعد فى الإمكان مخاطبة الشباب بنفس الطريقة القديمة.
إن هذه أجيال غير التى سبقتها.
وكثيراً ما يدهشنا أن نلحظ مقدار ما تعلمه هذه الأجيال فى طفولتها، ونتساءل فى عجب من أين تسنى لها الحصول على هذه المعلومات كلها، هذا مع إننا ندرك أن مما يسهم فى ذلك تأثير التليفزيون، وسائر وسائل الأعلام التى تتغلغل بعمق بين جموع الشعب، بما فى ذلك الشباب.
قلت لتيتو:
– هناك مشكلة أخرى لا أعرف كيف نظرتك إليها، وهى ارتباط الحرية الاقتصادية بالحرية السياسية.
إن هناك دعاوى كثيرة، ومتضاربة فى هذا الصدد.
بعض الذين ينادون بالحرية الاقتصادية يغفلون الحرية السياسية، وفى نفس الوقت، فإن بعض الذين ينادون بالحرية السياسية يغفلون الجانب الاقتصادى فيها.
وأنا شخصياً مقتنع بأنه ليست بغير الخبز حرية، ولكن فى نفس الوقت أقول أنه ليست بالخبز وحده الحرية.
وبشكل ما، فإنى لا أرى حتى الآن أن النظم الاشتراكية قد وصلت إلى صيغة توفيق كامل بين المطلبين الأساسيين للحرية. الاقتصادى والسياسى.
وقال تيتو:
– إن مسألة العدالة الاجتماعية، والحرية السياسية تتصل بما هو مفهوم من كلمة الديمقراطية.
فالاشتراكية الديمقراطية يجب أن تخدم أعرض الجموع، وهنا يكمن جوهرها.
فهى لا تتألف من صيغ، أو شعارات خطابية، ولكن لها كذلك قاعدتها المادية، وتنطوى على حق الاشتراك فى الإدارة. إلخ. وفى هذا يكمن جوهر الديمقراطية الاشتراكية.
ويجب النظر إلى مسألة الحرية السياسية فى الديمقراطية الاشتراكية فى ضوء علاقتها بالجهود المبذولة لإقامة مجتمع جديد على أكثر الأسس مساواة، يكون لكل فرد فيه الحق فى أن تكون له حياة تليق ببشر، يعيشها وينظمها، إن الديمقراطية فى المجتمع البورجوازى مادة خطابية، إنها تقوم على الورق، لكن إذا ارتكب شخص ما “جريمة” ضد المجتمع، فإنهم يضعونه فى السجن.
إننا فى بلادنا نتجنب استخدام الأساليب البوليسية، فالمسألة عندنا تتعلق أكثر بتعليم الجماهير العريضة من الشعب، لكى تكافح هى نفسها العناصر التى تعوق التنمية الطبيعية للاشتراكية.
إن الحرية متاحة لمن يقبل المجتمع الاشتراكى، لمن يكافح فى سبيله، لكن لا يمكن أن تكون هناك حرية التدمير، إنها لم توجد أبداً ولن توجد.
قلت لتيتو:
– هل قرأت كتاب “شريبر” الأخير عن “التحدى الأمريكى”، إنه يقول فى هذا الكتاب الذى أحدث ضجة كبرى فى أوروبا وأمريكا، إنه بعد سنوات سوف تكون القوة الإنتاجية الأولى فى العالم هى الولايات المتحدة الأمريكية. وبعدها فإن العملاق الثانى سوف يكون رأس المال الأمريكى خارج أمريكا. ثم يجئ الاتحاد السوفيتى فى المرتبة التالية. كما أن “شريبر” يورد أرقاماً تظهر أن ثورة التكنولوجيا سوف تخلق فوارق لا يصدقها العقل.
عندما قرأت كتابه خرجت منه بنتيجة مؤداها أن مسافة التخلف بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتى من جانب، وبين أوروبا الغربية من جانب آخر تكاد أن توازى مسافة التخلف القائم بيننا نحن. دول آسيا، وأفريقيا. وبين أوروبا الغربية الآن.
إذا كان الأمر كذلك إذن، فإن الفجوة بين الأغنياء، والفقراء سوف تزداد اتساعاً. مهما فعلنا، ومهما بذلنا من الجهود فلسوف نبقى بالقياس إلى المتقدمين أشد تخلفاً. إن ثورة العقول الإلكترونية تهز المجتمع الإنسانى كله هزاً من الأساس. وما لم نستطع صنع معجزة، فإن جهودنا فى مجال التنمية سوف تبدو مهما فعلنا – وبالمقارنة كما قلت – تقهقراً إلى الوراء!
وقال تيتو:
– إننى لم أقرأ كتاب شريبر عن “التحدى الأمريكى” ولكننى سمعت عنه، ومهما يكن، فإن التنمية سوف تعتمد كذلك بالطبع على نوع النظام الاجتماعى القائم فى دولة معينة.
والتنمية فى المجتمع الاشتراكى ترتهن أيضاً بالقاعدة المادية القائمة مع النص بأن تكون الثروات التى تنشأ تكون تحت تصرف الشعب العامل جميعاً.
وفى المرحلة الأولى بالطبع يجرى التوزيع طبقاً للقدرة، والمساهمة.
وفى المرحلة الثانية يجرى طبقاً للحاجة.
وكلما زاد عدد العقول الإلكترونية التى ذكرتها، وكذلك سائر الوسائل، تدعمت القاعدة المادية للمجتمع.
وهنا لن يكون ثمة متعطلون بالمفهوم الكلاسيكى، لأن وسائل العيش سوف تكون مضمونة للمجتمع.
ومن ثم فإن المسألة تتعلق أيضاً بطريقة خلق الثروات المادية، ونوع النظام الاجتماعى.
إن الدول الأقل نمواً لن تكون فى مركز يتيح لها اللحاق سريعاً بالدول المتقدمة فى مضمار النمو، وهذا يرتهن كذلك بسياسة الدول الأكثر تقدماً.
وهو السبب الذى يجعلنا نبذل الجهود – مع سائر الدول غير المنحازة – من أجل تمكين الدول المتخلفة فى أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية من التنمية بسرعة أكبر، حتى يتسنى لها أن تكون على قدم المساواة مع الدول المتقدمة فى مضمار النمو.
وإلا فإنها ستبقى فقيرة أبداً، بينما لن يكون ذلك مجزياً أيضاً للدول المتقدمة.
قلت لتيتو:
– لقد جاء الدور على أزمة الشرق الأوسط؟
وقال تيتو:
– موقفنا فيها معروف، ونحن فيها إلى جانبكم بغير تحفظات، ونحن نقدر كل جهودكم من أجل الوصول إلى حل سلمى لكنه إذا استحال الحل السلمى فنحن نقول بغير تردد أن الحرب فى سبيل الدفاع عن الوطن حق مشروع.
إن العدوان الذى تعرضتم له ليس حادثة قائمة وحدها، وإنما هى جزء من الهجوم الاستعمارى العام ضد الاتجاه الوطنى، والتقدمى الذى هو مضمون الثورة العربية المعاصرة.
وهذه حقيقة يجب أن يدركها كل الذين يقفون فى المعسكر المعادى للاستعمار، وأن يتصرفوا وفقاً لها.
واتجه الحوار مع تيتو إلى جوانب متعددة فى أزمة الشرق الأوسط، وتخللت الحوار فى هذا الجزء من الحديث إشارات إلى التنمية فى مصر، ونجاحها وكان تيتو مبهوراً بالذات بعمليات استصلاح الأراضى التى شاهدها فى الصحراء:
– لقد رأيت منطقة واحدة فيها عشرات الألوف من الأفدنة انبعثت عليها الخضرة وسط الرمال الجرداء كأنها ينبوع تدفق بالحياة وسط الجفاف المخيف.
وتحدث تيتو فى هذا الصدد عن مشاكل التنمية فى مصر، وعن ضرورة تخطى الزيادة الكبيرة فى عدد السكان ثم روى حديثاً دار بينه، وبين الرئيس جمال عبدالناصر عندما كان يزور مصر فى مرة من المرات.
فقال:
“كنت مع صديقى ناصر فى سيارة تخترق جموع الجماهير، وتلفت من حولى وقلت له:
أطفال. أطفال فى كل مكان.
وقال لى صديقى ناصر:
إن قرابة أربعين فى المائة من سكان مصر تحت سن الخامسة عشرة.
وقلت له:
– ما أصعب الجهد الذى تحتاجون إليه”.
وضحك تيتو فى جزء من هذا الحوار، وهو يذكر أن عين الماء قد تفجرت قرب سيراجيفو، وإن الأقاويل تشيع أن مياهها تحوى عنصراً فيه قوة للرجال. لدرجة أنهم يسمونها “ينبوع الرجال”.
واستغرق فى الضحك وهو يقول:
– يظهر أنكم فى مصر لا تحتاجون إلى “ينبوع الرجال”!
ثم مضى الحديث طويلاً.
ووصلنا فى النهاية إلى السؤال الأخير. عن تشيكوسلوفاكيا.
سؤال انتهى به الحوار ذات صباح فى بريونى.
ومع ذلك بدأت به قصة هذا الحوار عند النشر فى القاهرة.
بل وسبقت به الأخبار العالمية قبل أن أخط على الورق سطراً واحداً منه!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=663