بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : جاء الوقت لحديث عن المؤتمر “

جاء الوقت لحديث عن المؤتمر
ماذا حدث منذ مؤتمر القمة العربى الأول. إلى الآن ونحن نستعد للمؤتمر الثانى؟
من اليوم إلى مؤتمر القمة العربى الثانى، فى الخامس من شهر سبتمبر القادم، أسبوعان اثنان، وإذن فهو وقت العودة بالحديث إلى العالم العربى.
إلى المشاكل والصراعات فيه، إلى الأحداث والتيارات، إلى المخاطر والاحتمالات.
وينبغى أن أعترف أن الكتابة عن كل ذلك من أمور العالم العربى، كانت مسألة صعبة دائماً، لكنها زادت صعوبة منذ انعقاد مؤتمر القمة العربى الأول فى يناير الماضى.
وقبل ذلك المؤتمر – فى يناير الماضى – كان الموقف العربى – برغم التعقيدات والالتواءات – مكشوفاً وظاهراً.
كان هناك “فعل” واحد يحكم وإن تعددت مظاهر هذا الفعل الواحد.
كان “المحرك” الوحيد للحوادث هو الصدام فى العالم العربى، ما بين الجديد فيه وما بين القديم، ما بين المستقبل وما بين الماضى، بعبارة أصرح ما بين القوى الثورية الشعبية وما بين الرجعيات الإقطاعية.
وبصرف النظر عما كان يحدثه هذا الفعل، هذا الصدام المحرك للحوادث – من آلام ومن عذاب – فلقد كانت الحالة العربية العامة طبيعية، بل وصحية.
لعدة أسباب:
– لأن الثورة لا يمكن أن تحقق نفسها ليناً وطراوة، وإنما هى لابد أن تسلخ نفسها عن الأمر الواقع أولاً ثم أن تفرض إرادتها فوقه بعد ذلك.
– وإذا لم تستطع الثورة أن تفرض نفسها فوق الأمر الواقع فإنه سوف يحاصرها ثم يصفيها وإذن فهى لا تستطيع أن تحقق انتصارها فى صراعها معه إلا بمقدار ما تثبت أن قوتها المتقدمة أصلب من عنفه المعوِّق.
– ثم إن قوة الثورة فى وجه الأمر الواقع، الذى يملك بالوراثة كل أدوات السيطرة المادية – كالمال والسلاح مثلاً – لا مصدر لها إلا الجماهير صاحبة المصلحة فى التغيير الثورى، وإذن فمن المصلحة أن يخرج الصراع على أوسع نطاق لكى تتمكن هذه الجماهير من تحديد موقفها ومن إلقاء ثقلها فى الميزان على كفة الثورة.
ومن هنا، فإن ما يبدو خلافاً، أو حدة فى الخلاف، أو حتى تمزقاً، لا ينبغى له أن يشكك أو يخيف!
هو طبيعى – كما قلت – بل صحى.
حتى فى التطور العادى الفردى للحياة. لا يحدث الميلاد دون عذاب وألم.
فكيف إذا كان الميلاد الجديد للحياة على مستوى أمة بأسرها، وكيف إذا كان الميلاد الجديد ليس مجرد إرث مستمر للحياة القديمة وإنما هو انسلاخ منها وتمرد عليها!
كانت تلك هى الحالة العربية العامة قبل مؤتمر الأقطاب الأول فى يناير الماضى، شعاراتها القاطعة:
– لا مهادنة مع الرجعية.
– وحدة الهدف قبل وحدة الصف.
ثم جاءت الظروف التى وجه فيها جمال عبدالناصر دعوته التاريخية – من بورسعيد – إلى اجتماع عربى على مستوى القمة، ليواجه مؤامرة تحويل مياه الأردن.
ولم تكن هذه عودة إلى مهادنة الرجعية، ولا عودة إلى وحدة الصف على حساب وحدة الهدف.
كان ذلك واضحاً حتى فى نفس الخطاب، الذى احتوى دعوة عبدالناصر إلى مؤتمر القمة العربى.
فى هذا الخطاب، لم يخفِ عبدالناصر رأيه فى الأوضاع كما يراها فى عواصم العالم العربى، عاصمة بعد عاصمة.
كانت دعوته: دعوة إلى عمل واحد، محدد، لا يستطيع أن ينتظر، يلتقى من حوله كل الذين تؤثر فيهم عواقبه، كل منهم يجئ إليه من مكانه، ثم يعود بعده إلى مكانه.
أى أن اللقاء فى دائرة مرسومة من حول فلسطين لا يتسع عنها أو حول جزء من المشكلة الفلسطينية، هو تحويل مياه نهر الأردن، مع استعداد لأية مضاعفات محتملة!
وإذن هو لقاء طارئ لمواجهة عمل محدد.
لكن وراءه ذات الخلاف الواسع يواصل تفاعلاته بغير توقف.
موقف صعب، بالغ الصعوبة، ملئ بالتناقضات لكنه كان حكم الظروف التى لا يملك أحد من السلطة عليها ما يمكنه من وقف تطوراتها المتداعية والمتلاحقة.
ولربما بدا سهلاً لو أن الأمر كان عودة إلى المهادنة وإلى وحدة الصف.
لكن ذلك كان معناه تضييع الثورة.
ولربما بدا سهلاً أيضاً أن يمضى كل شىء فى العالم العربى كما كان قبل الدعوة إلى المؤتمر على مستوى القمة.
لكن ذلك كان معناه الغفلة عن تزايد الخطر.
ليست هناك حلول سهلة للمشاكل أبداً.
إذن فهو الطريق الصعب والوعر.
– لا عودة إلى المهادنة ولا إلى وحدة الصف على حساب وحدة الهدف!
وفى الوقت نفسه:
لقاء من حول عمل واحد محدد.
ذلك هو الضمان لأن تواصل الثورة مسيرها، ولأن يجد الخطر من يتصدى له! وكانت الكتابة عن أمور العالم العربى قبل مؤتمر القمة الأول – كما قلت – مسألة صعبة دائماً.
لكنها بعد المؤتمر زادت صعوبة!
1- من ناحية كان هناك التحرج عن كل ما من شأنه أن يعرقل اللقاء من حول العمل الواحد والعاجل!
2- ومن ناحية أخرى فإن الأوضاع القديمة فى العالم العربى حاولت أن تستغل الظروف الطارئة لتعزيز مواقفها.
فى تلك الفترة، منذ انعقد مؤتمر الأقطاب الأول حتى الآن، ونحن على أبواب المؤتمر الثانى، كانت الكتابة عن أمور العالم العربى مشياً على حقل من الشوك وأحياناً على حقل من الألغام!
– ومثلاً – من ناحية التحرج – جاءنى مرة من يبدى التخوف لأننى كتبت عن الملك عبدالله ملك الأردن الأسبق، ما كنت أكتب عنه دائماً، وحين قلت لمحدثى:
– لكن ذلك كان رأيى فيه طول عمرى؟
قال لى على الفور:
لكن ذلك، بعد مؤتمر الأقطاب العربى قد.
قلت مقاطعاً:
– إن الله وحده يستطيع أن يعطى براءات الغفران.
قال بحيرةٍ وهو يهرش ذقنه:
– لا أعرف. لكنى ظننت أن هناك صفحة جديدة.
قلت:
– ليكن أن هناك صفحة جديدة، لكن الصفحة الجديدة مع الحاضر، لأنه ما زال حياً وقابلاً للتطور، أما ما أصبح تاريخاً فلا يمكن الحكم عليه إلا من حيث انتهى!
قال:
– صحيح. لكنها مشكلة دقيقة.
قلت:
– بصرف النظر عن دقتها، فلا بد أن يكون الوضوح فيها قاطعاً!
فى مرة أخرى تلقيت رسالة من سيد عزيز من خارج الجمهورية العربية المتحدة يقول لى فيها:
“أن الأمير فيصل نائب الملك فى السعودية قال لسفيرنا هناك، أنه كان يفكر فى زيارة للقاهرة ثم وجد هجوماً فى “الأهرام” عليه جعله يتردد”.
وكتبت للسيد العزيز رداً قلت فيه:
لقد بحثت فى “الأهرام” عن هجوم موجه إلى الأمير فيصل نائب الملك فى السعودية فلم أجد فى الفترة الأخيرة كلها أى تعرض على الإطلاق له أو لحكومته فى الرياض.
كان هناك خبر واحد عن حملة اعتقالات فى السعودية وهى حملة مستمرة يوشك عدد المقبوض عليهم فيها أن يتجاوز الألف.
وأخبار هذه الحملة تنقلها كل وكالات الأنباء والصحف، ولا يستطيع “الأهرام” أن يتجاهلها.
وصميم المسألة هو صحة الخبر أو عدم صحته، ونائب الملك فى السعودية يستطيع إذا لم يكن الخبر صحيحاً أن يصدر تكذيباً له.
ومع ذلك فلنفرض أن “الأهرام” تعرض لحكم نائب الملك فى السعودية، فما شأن ذلك فى الصلات بين حكومة المملكة السعودية وحكومة الجمهورية العربية المتحدة.
إن الصحافة فى مصر تكتب ما تشاء بغير قيد عليها.
أى أنها تعبر عن نفسها.
هناك التزام واحد ترتبط به أمام الاتحاد الاشتراكى، هو التزام “الميثاق” لا شىء غيره.
وكل منا، ومن خلال الميثاق، يشق طريقه قدر ما يبدو له من ضوء، وحتى المدى الذى يحمله إليه اجتهاده الخاص!
وإذن، فلماذا يرتب نائب الملك على ما نشر فى الأهرام – أو ما ينشر فيه – قراره بزيارة القاهرة أو تردده فى الزيارة؟ “.
مقدمة تجاوزت ما قدرته لها.
لكنى أردت أن أشرح، كيف ولماذا كانت الكتابة فى أمور العالم العربى صعبة قبل مؤتمر القمة الأول، وكيف ولماذا زادت صعوبة بعده؟
برغم ذلك كله، فليس هناك مفر من الكتابة، خصوصاً والمؤتمر الثانى على مستوى القمة يقترب موعده، بعد أسبوعين من اليوم!
ومهما كان الحرج فلابد من المحاولة.
ومهما كانت المشقة فإن المحاولة يجب أن تكون صريحة.
لقد تعودت الجماهير العربية منذ حملت الثورة المصرية مسئوليتها النضالية التاريخية – أن تبحث عن اقتناع عقلها وليس من حق أية مظاهر أو شكليات مبهمة أن تحجب عنها الرؤية ولو وراء غلالات الحرير!
نبدأ. وكان يجب أن تكون تلك هى البداية من أول سطر فى هذا الحديث:
– ماذا تحقق منذ مؤتمر القمة العربى فى يناير الماضى، وحتى اليوم؟
أى شىء تم فى الموضوع الوحيد، الذى دعا إليه العمل الواحد؟
ما الذى وصلنا إليه. ما الذى يمكن أن نصل إليه؟
“ما هى محصلة الحساب، وأين هى من النتيجة التى استهدفتها الدعوة إلى مؤتمر عربى على مستوى القمة”.
لقد صدرت عن المؤتمر الأول – يوم 17 يناير الماضى – قرارات أبرزها ما يلى:
1- تنفيذ مشروعات عربية تكفل استغلال روافد الأردن لصالح الأرض العربية وبالتالى حجزها عن الأرض المحتلة.
2- إنشاء قيادة عربية واحدة تنظم وتقود القوة التى تحمى المشروعات العربية، ثم تقدر على مواجهة أية مضاعفات متسعة بعد ذلك.
3- إقامة كيان فلسطينى يكون طليعة العودة، باعتبار أن قضية العودة هى الأصل والأساس. وهى صميم المعركة الممتدة.
4- القيام بجهود سياسية مشتركة لشرح القضية الفلسطينية أمام الرأى العام العالمى.
هذه هى القرارات الأربعة المحددة، ولقد كان هناك قبلها وبعدها ما لا يقل أهمية عنها.
قبلها كان هناك تمهيد لضمان نجاح أى قرار.
وبعدها كانت هناك إشارة خطر من كل قرار.
قبلها كان هناك قرار بالعمل على تنقية الجو العربى، أى تخفيف الحدة التى سادته من أثر الصدام التاريخى الواقع فى قلب المجتمع العربى والذى وصل إلى حد إشهار السلاح.
لم يكن القرار هو حل المتناقضات الاجتماعية فى العالم العربى. لأن ذلك أمر لا يحله قرار مهما كان مصدره، وإنما كان القرار هو تنقية الجو العربى من المظاهر المتوترة لعمليات الانقضاض الدموية، التى اندفعت إليها القوى المعادية للثورة العربية منذ مؤامرة الانفصال فى سوريا وحتى المؤامرة ضد الثورة فى اليمن.
بعدها كانت هناك إشارة يمتد أثرها إلى ما بعد كل القرارات المحددة التى اتخذها المؤتمر وهى “التعهد بأن الدول العربية سوف ترتب علاقاتها السياسية والاقتصادية مع غيرها من الدول، على أساس موقف هذه الدول من الحقوق العادلة والمشروعة لشعب فلسطين”.
فى ذلك كله: ماذا تحقق؟
وأى شىء تم، وإلى ماذا وصلنا، وما هى محصلة الحساب؟
التمهيد بالطبع يفرض نفسه كنقطة أولى.
التمهيد الذى سبق القرارات الأربعة، وسبق الإشارة التى تلى ما بعد القرارات الأربعة هو النقطة التى لابد من الوقوف أمامها مدخلاً إلى البحث والتحقيق.
التمهيد بتنقية الجو العربى. ماذا تم فيه؟
والرد بأمانة هو:
– فى بعض المواقع تحقق نجاح له قيمته. وفى مواقع أخرى لم يتحقق شىء.
– فى جانب النجاح – مثلاً – توقف الصدام الذى كان مندفعاً إلى حرب مسلحة بين المغرب وبين الجزائر.
– فى جانب النجاح مثلاً أثبت موقف اللقاء على العمل الواحد قدرته على التحرك والاتساع.
أبرز نموذج لهذا موقف تونس.
لقد كانت هناك أحكام سابقة صنعتها الملابسات التى أحاطت بالنضال الوطنى التونسى، الذى قاده، ويقوده: الحبيب بورقيبة.
كان الحبيب بورقيبة يعتنق سياسة “خذ وطالب” وكانت هناك قوى ثورية متعددة تعتبر هذه السياسة موقف مساومة.
وكان الحبيب بورقيبة يرى من حوله خطر العسكرية الفرنسية الفاشية فاقدة الأعصاب بعد هزائمها من “ديان بيان فو” إلى “الجزائر” ويخشى ضربة جنون تنقض على تونس.
ثم واتته الفرصة الضخمة للاحتفال بالجلاء الكامل فى بنزرت.
وحضر معه جمال عبدالناصر “يوم بنزرت الكبير”. ثم جاء بورقيبة وحضر مؤتمر القاهرة العربى.
خلال هذا المؤتمر، كان بورقيبة قطعة من الحيوية ذاتها.
بعد المؤتمر، كانت خطوته الاشتراكية الضخمة بتأميم أراضى المستوطنين الفرنسيين.
فى مؤتمر القمة الأفريقى كان بورقيبة فى مقدمة الذين تصدوا للقضية الفلسطينية بالشرح أمام الجمع الأفريقى على مستوى القمة.
– فى جانب النجاح – مثلاً – اعتراف المملكة الأردنية بالجمهورية اليمنية، وثمة اعتبارات خاصة تجعل للأردن وضعاً يتحتم معه تشجيع كل بارقة أمل تبدو فيه.
1- الأردن يملك أطول خط مع العدو الإسرائيلى.
2- ثم هو يضم أكبر كتلة من الشعب الفلسطينى على الضفة الغربية للأردن التى هى فى الوقت نفسه أكبر مساحة من الأرض الفلسطينية الحرة.
3- وهو أخيراً أقرب بقعة من الأرض العربية إلى مواضع الحساسية القاتلة فى إسرائيل.
فى هذه المواقع كلها تحقق نجاح له قيمته، بل إن قيمته تجاوزت فى بعض الأحيان مجرد تنقية الجو العربى، واللقاء على عمل واحد محدد. وإنما اتسعت وأفسحت مكاناً لمحاولات أبعد وأرحب.
ماذا عن المواقع الأخرى التى لم يتحقق فيها شىء؟
أبرز مثال لها على الفور علاقات حكومة المملكة العربية السعودية بحكومة الجمهورية العربية اليمنية.
منذ اللحظة الأولى، اختارت العناصر الحاكمة فى الأسرة المالكة السعودية موقف عداء من ثورة اليمن، وصل إلى حد أن أصبحت السعودية قاعدة للعمل العسكرى ضد ثورة اليمن، بأموال سعودية، بسلاح مما تقدمه المعونة الأمريكية للسعودية، بقوات مسلحة سعودية أو قوات مرتزقة تمولها السعودية.
ولم يشترك الأمير فيصل فى اجتماع القاهرة الأول، ومع ذلك فإن المؤتمر بعث إليه بممثلين عن العراق وعن الجزائر، وكان فيصل يملك – بهذه البعثة إليه – فرصة لبداية سليمة وصحيحة، مع الثورة اليمنية، وبادرت الجمهورية العربية المتحدة بتعزيز هذه البعثة، ببعثة أخرى تمثلها رأسها المشير عبدالحكيم عامر، وكان المفروض أن يقوم الأمير فيصل بزيارة للقاهرة – حدد بنفسه موعدها فى شهر إبريل الماضى – لكنه لم يجئ، وبدأت صحف معروفة باتصالاتها بالسعودية تقول إنه لن يجئ.ثم بدأت تصريحات منسوبة لنائب الملك تظهر فى الصحف البريطانية فى لندن وفى بيروت!
وفى نفس الوقت فإن العمل ضد الثورة اليمنية لم يهدأ. وأكثر من ذلك، تكشفت له أبعاد خطيرة حين ظهر أن الجزء الأكبر من النشاط المعادى لثورة اليمن تقوم عليه وتوجهه وزارة المستعمرات البريطانية وأن هناك مجموعة من الضباط الإنجليز يتولون قيادة جيش من المرتزقة يضم عناصر فرنسية وألمانيا من بقايا الفرقة الأجنبية الشهيرة فى الجيش الفرنسى، والتى حلها الجنرال ديجول، وتبعثر أفرادها يبحثون عن مشترٍ أو مستأجر لسلاحهم!
ولقد كان أبسط ما أدى إليه ذلك كله مضافاً إلى بعضه هو التساؤل:
– ما الذى يريده نائب الملك فى السعودية. وأين يقف بالضبط؟!
موقع آخر لم يتحقق عليه أى تقدم، هو موقف الحكومة السورية الحالية القائمة على تحالف السلامة المشتركة بين بعض العناصر العسكرية، وبين بقايا البعثيين.
ولقد كان يمكن – بعد المؤتمر الأول فى القاهرة – ترك هذه الحكومة للمقاومة الوطنية، التى لا تهدأ داخل سوريا ولا تستكين، لولا أن العناصر الحاكمة فيها اندفعت – بعُقَدها – إلى حيث يصعب السكوت عليها والإشاحة عنها بالنظر!
– من ناحية راحت العناصر الحاكمة تتحرش بثورة 18 نوفمبر فى العراق.
والذين كانوا أسرى هذه الثورة يوم وقوعها فى بغداد لم ينسوا مهانة الأسر برغم الكرم العراقى الذى أطلق سراحهم وأعادهم إلى حيث يحكمون!
والتحالف الحاكم من العناصر العسكرية ومن بقايا البعثيين بدأ يشعر أن بقاء ثورة 18 نوفمبر فى العراق حكم معلق فوق رأسه بتشابه الظروف بل وتماثلها الكامل.
وبالتالى بدأت ثورة 18 نوفمبر فى العراق تتعرض – فى أعقاب مؤتمر القمة الأول – لعواصف من رياح الكراهية ساخنة وسوداء.
– من ناحية أخرى فإن عقدة حزب البعث، التى سببت مأساته المدمرة ما زالت تباشر دورها فى الأشلاء المتبقية، من بعد انفجار الحزب فى بغداد يوم 13 نوفمبر.
صميم العقدة أن حزب البعث يريد أن يقحم نفسه على عالم لا ينتمى إليه.
يريد الحزب أن يحشر نفسه فى جانب الحركة الثورية الجديدة، بينما هو بتاريخه كله فكرياً وعملياً، ينتمى إلى النظام القديم فى العالم العربى.
وحين يجد الحزب أن الحركة الثورية العربية – بعد الاختبار والتجربة – ترفضه شريكاً أو حليفاً، فإنه يفقد أعصابه صياحاً وصراخاً وعويلاً!
وحتى مع الجزائر فقد حزب البعث أعصابه.
وذات يوم، فوجئت الجزائر بأن حزب البعث أرسل وفداً يرأسه أمينه العام السيد ميشيل عفلق لكى ينسق النواحى العقائدية بينه وبين حزب جبهة التحرير.
واعتذرت الجزائر رسمياً، بأنها ليست مستعدة فى الوقت الحاضر لتنسيق مع حزب البعث.
وكان وفد الحزب قد وصل إلى باريس، فى طريقه إلى الجزائر حين واجهه الرفض فأصدر بياناً عصبياً أذاعته دمشق، وتفرق أعضاؤه، واختار رئيسه السيد ميشيل عفلق منفىً له فى أوروبا يائساً – حتى هو أيضاً – من كل ما تركه وراءه فى دمشق.
وذات يوم أيضاً، فوجئت الجزائر بوصول السيد على صالح السعدى مسئول الحزب فى بغداد، ونائب رئيس الوزراء السابق حين كان الحزب حاكماً فى العراق.
وطلب صالح السعدى حق اللجوء السياسى فى الجزائر وأدلى هناك بتصريحات مدهشة – ولو أنه صدق فيها ربما للمرة الأولى فى حياته – قال بالحرف:
“إن الحزب أصبح أداة من أدوات الاستعمار الجديد فى المنطقة”.
ولما لم يجد السعدى استجابة إلى طلبه غادر الجزائر إلى أوروبا يواصل صرف المبالغ الهائلة التى خرج بها بعد عشرة شهور فى حكم العراق، يعيش عليها ليالى مضيئة فى عواصم أوروبا، بعد أن دفعت بغداد ثمنها ليالى كثيرة ملطخة بالسواد وبالدم!
هكذا تحقق تقدم نحو تنقية الجو العربى فى بعض المواقع. ولم يتحقق شىء فى مواقع أخرى.
ذلك على أى حال – يجعل الحصيلة العامة إيجابية فيما يتعلق بالتمهيد الذى أراده المؤتمر الماضى مقدمة لقراراته، وسابقاً لإشارته النهائية لما بعد القرارات.
والآن ماذا عن القرارات نفسها؟
من هذه النقطة نبدأ بالحديث القادم!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=634