” بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : ثم ماذا بعد فى السودان؟ “

ثم ماذا بعد فى السودان؟
لا أعرف متى أستطيع أن أكتب مقالاً دون أن أمهد له بمقدمة!
دائماً مع كل بداية لابد عندى من وقفة قبل الموضوع.
وأنا أريد أن أتخلص من هذه العادة التى تبدو لى كلازمة عصبية، ومع ذلك فلو استطعت أن أستغنى عنها فى تناول أى موضوع، فما أظننى أقدر على ذلك فى حديث عن السودان، وعن التحركات التى كان ميداناً لها فى الأسبوعين الأخيرين، وعن معنى هذه التحركات ومقاصدها.
وفى مقدمة للموضوع – لا مفر منها – أريد أن أقول ما يلى:
“إن موضوع السودان أحاطت به، ولا تزال، من وجهة النظر المصرية شحنة من الانفعالات العاطفية المتشابكة والمعقدة، ولقد آن الأوان لكى تتبدد هذه الشحنة برواسبها الداكنة وأن تشرق على العلاقات بين البلدين شمس جديدة بغير ضباب من رواسب الماضى وبقاياه”.
ولقد كان هناك دائماً فى السنوات الأخيرة تحرج فى التعرض لأحداث السودان.
كان موضوع السودان قد مر بأدوار مختلفة ومتناقضة:
– فى مطلع الوعى السياسى لجيلنا، هذا الجيل فى مصر، كان الحديث دائماً عن أسطورة – أو خرافة – السيادة المصرية على السودان، يمثلها، ويرمز لها: التاج الملكى المصرى!.
– ثم تطور الحديث إلى وحدة وادى النيل فى الظروف التى تلت الحرب الكبرى الثانية والتى كانت فيها الثورة الوطنية العالمية من أجل الاستقلال تدق أبواب القارات بمطارق الفولاذ.
– وحين استقل السودان فى جو ملئ بالمناورات السياسية – وكان إعلان الاستقلال بواسطة الذين عاشوا حياتهم على شعار وحدة وادى النيل – بدا كما لو أن الشعب المصرى تلقى فى ظهره خنجراً.
وبدا كما لو كان الهرب وحده هو الطريق المفتوح.
ولسنوات ظهر وكأن مصر لا تريد أن تتحدث فى موضوع السودان، ولا أن تسمع حديثاً عنه، مع كل أمانيها الطيبة لأشقاء الجنوب.
ولقد كانت تلك كلها مواقف، وردود فعل عاطفية، نسيت الواقع وتاهت فى التصورات.
ولست أريد أن أدعى لنفسى ما ليس حقاً لى، ولكنى أشعر بإيمان – ولقد أكون مخطئاً – بأنى واحد من الذين يستطيعون الكلام فى موضوع السودان بغير تحرج.
لقد كنت منذ أول علاقة مباشرة لى بالسودان – فى الأربعينات – من أنصار استقلال السودان فى وقت كان فيه الحديث – فى القاهرة – عن استقلال السودان شبه جريمة وطنية، ولم أكن فى ذلك انفصالياً.
ولكنى كنت أعتبر أن استقلال السودان – وليس سيادة مصر على السودان – هو المنطلق الصحيح للوحدة، خصوصاً بعد كل الشباك والفخاخ، التى أحكم الاستعمار البريطانى إعدادها ونصبها فى الجنوب.
إن مصر فى عصور الضعف كانت قد تخاذلت عن طريق المقاومة الصلبة، ولجأت إلى أسلوب المساومة والتراضى مع المستعمر، وكان من المستحيل أن يحدث ذلك، بغير تأثيرات على السودان، وهكذا راحت عناصر كثيرة فيه ومؤثرة تبحث المصير مع من يملك المصير فعلاً، لا قولاً. وواقعاً، لا ادعاءً!
وأذكر يوماً فى الخرطوم كنت أتحدث فيه مع السيد عبدالرحمن المهدى يرحمه الله وكان مما قاله لى وقتها، وبقى فى ذاكرتى إلى اليوم:
– لماذا يغضبون فى مصر لأننا نتحدث مع الإنجليز فى أمر مصيرنا. أليسوا هم أيضاً يتحدثون مع الإنجليز فى مصيرهم ومصيرنا؟!
واستطرد السيد عبدالرحمن المهدى يقول لى:
– ومع ذلك، أريد أن أسألك. كيف جاءنا السيد الإنجليزى هنا، فى الخرطوم؟
ومضى يرد على سؤاله:
– لقد جاءنا راكباً عربة مصرية، تجرها جياد مصرية.
ومع من كنت تريدنا أن نتكلم؟
مع العربة؟ أو مع الجياد التى تجرها؟ أو مع السيد راكب العربة؟.
وأعترف أننى – يومها – أحسست بالجرح يغوص فى كبريائى، ولكن إنكار الحقيقة لم يكن يجدى، فلقد كان ما قاله المهدى تصويراً صحيحاً لعملية إعادة فتح السودان، تحت قيادة “كتشنر”!.
ولقد تلقيت اتهامات كثيرة عندما كتبت فى ذلك الوقت – وكررت بعده فى كل وقت – تأييدى لاستقلال السودان!
واتُهِمت بالانفصالية، ولم يكن ذلك موقفى، بل كان موقفى:
“أن الوحدة باعتبارها إرادة المصير، لا يقررها، ولا يبرمها إلا الاستقلال، باعتباره إرادة الحرية”.
ومن يومها إلى الآن، عبرت من تحت جسور النيل مياه كثيرة، رمت إلى البحر بطمى كثير.
وليس معنى ذلك أنى أريد اليوم أن أطرح موضوع وحدة وادى النيل.
لا هو وقته الآن، ولا هى مناسبته.
شىء واحد أريد أن أطرحه الآن هو: أنه قد جاء الوقت لكى نتوقف عن الاستمرار فى طريق الهرب من كل ما يجرى فى السودان.
فات الوقت الذى كنا نستطيع فيه أن ندير عيوننا عما يجرى فى الجنوب، ونتظاهر بأنه لا يعنينا، أو أننا لا نهتم به.
هو موضوعنا أيضاً من غير حساسية أو تحرج. من غير إقحام أو تطفل.
وهو قدرنا، الذى لا نستطيع أن نفر منه، حتى بغير رباط سياسى خاص، أو دستورى، بجمع الشمال على الجنوب.
إن الحياة نفسها فى استمرارها الذى لا ينقطع من الأزل إلى الأبد رباط قبل أى رباط!.
هذه هى المقدمة، قلتها – وكان يجب أن أقولها – تمهيداً للحديث عن السودان، والتحركات التى كان ميداناً لها فى الأسبوعين الأخيرين، ومعنى هذه التحركات ومقاصدها.
وأول شىء يخطر على بالى اليوم، وأنظارى كلها على السودان، هو أن القصة فيه لم تبلغ ختامها بعد، وأن الرواية – كما يقولون – لم تتم فصولها.
والصورة كما أراها فى الخرطوم هى أن انتصاراً شعبياً هائلاً قد تحقق، ولكن هذا الانتصار ليس حاسماً، وإنما هو معلق بتوازن دقيق، وخطير فى نفس الوقت.
لماذا؟ نحدد – أولاً – ما حدث فى الخرطوم على حقيقته.
ملخصه – بدقة – كما يلى:
– لقد حدث صدام بين الجماهير السودانية. وبين المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذى كان يحكم فى السودان، وكانت النتيجة فى صالح الجماهير. حتى الآن.
إن الجماهير السودانية حققت مطالبها الأولية ولكنها حتى الآن لم تفرض سلطتها فوق كل سلطة غيرها.
إن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والجزء الذى يقف معه من الجيش السودانى تردد عند لحظة الصدام الحاسمة، وآثر أن يبتعد بغير أن يدخل الامتحان النهائى، ربما ليحتفظ بقواه إلى فرصة مواتية. أقول ربما!
لقد حدث فى السودان شىء يستوقف النظر:
“فجأة، وفى لحظة نفسية مواتية، استطاع الشارع السودانى بجماهيره أن يحقق وحدته، وفى نفس اللحظة بسبب صراع السلطة كان الجيش السودانى بغير وحدة تواجه وحدة الشارع، وتقمعها، بمزيد من الإرهاب إذا اقتضى الأمر.
ولقد تحققت وحدة الشارع السودانى تحت ضغوط نفسية قوية، وبغير قيادة تتولى التنظيم الدقيق، وكان حظها السعيد أن ذلك حدث فى ظروف انقسام السلطة المسلحة.
ولم تستطع السلطة المسلحة – بانقسامها – أن تضرب.
وتقدم الشارع – مندفعاً – ليملأ الفراغ الذى أحدثه الشلل الذى أصاب السلطة العسكرية وقيد حركتها، وأحدث التغيير الكبير الذى حدث فى السودان.
والسؤال الهام الآن:
– ولكن إلى متى؟
والرد عليه يرتبط بسؤالين آخرين:
1- هل يستطيع الشارع السودانى أن يحتفظ بوحدته التلقائية، التى وقعت فى لحظة نفسية مواتية وبغير قيادة تتولى التنظيم الدقيق؟
وبصيغة أدق: هل يمكن – استفادةً مما حدث – أن تقوم قيادة شعبية سودانية تحول هذه التلقائية الشعبية السودانية إلى قوة مستمرة ومنظمة، تحميها وتحرص عليها عناصر ثورية من الجيش السودانى.
2- هل يبقى هذا الانقسام فى السلطة العسكرية؟ هذا الانقسام الذى فاجأتها أثناءه الجماهير فى لحظة غير مناسبة، ولم تستطع أن تستجمع قواها لتضربها، فجمعت حطام حكمها وتوارت عن الأنظار. تلعق جراح خيلائها المضروبة، وتنتظر.
وبصيغة أدق: هل يستطيع المجلس الأعلى السابق للقوات المسلحة أو عناصر منه، أو عناصر غيره قريبة منه، أو قريبة من فكره أن يجمع صفوف القوة العسكرية، استعداداً لانقضاض جديد؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة عويصة، ومحاولة العثور عليها أشبه بالسباحة ضد اندفاع الفيضان وقت ارتفاع مناسيب النيل.
عند تدفق الحوادث دائماً. يكون أصعب شىء هو محاولة الوصول إلى المنابع!
نجرب مهما كان ذلك صعباً. بلوغ المنابع، أو على الأقل الوصول إلى حيث نستطيع أن نراها، ولو من بعيد.
إن التغيير الذى وقع فى الخرطوم فجر يوم 17 نوفمبر 1958 والذى سقطت به حكومة السيد عبدالله خليل وقامت به سلطة المجلس الأعلى للقوات المسلحة السودانية لم يكن ثورة. وإنما كان انقلاباً.
ولقد لمحت إلى ذلك أكثر من مرة فيما كتبت فى معرض التفريق بين الثورة والانقلاب.
إن الجيش، كجيش لا يصنع الثورة وهى ضد طبيعته من حيث هى ضد وظيفته.
مهمة الجيش، كجيش أن يحفظ الأمر الواقع، ويحميه، لأنه أداة القوة فى يد الطبقة الاجتماعية المسيطرة على الدولة، والحاكمة بها.
الجيش – كجيش – رمز للنظام وهو أداة الإجبار عليه حتى وإن لم يُستعمل ضد أى تحدٍ تواجهه الدولة فى الخارج، أو فى الداخل.
وفى تجارب من الذخيرة الغنية لحركة الثورة الوطنية العالمية. حدث أن قامت الثورة أو بدأت داخل الجيش، أو حدث أن شاركت فيها عناصر من داخل الجيش.
لكن ذلك شىء. وأن يقوم جيش بأكمله، أى جيش، وبقياداته الطبيعية المتسلسلة – بالثورة.
شىء آخر.
ما الذى حدث فى مصر مثلاً لكى ندرس نموذجاً على الواقع؟
فى 23 يوليو سنة 1952 لم يتقدم الجيش كله ابتداءً ليكون أداة للثورة.
وإنما فى تلك الليلة حدث انقلابان مهّد أحدهما للآخر.
الانقلاب الأول: أن مجموعة من شباب الجيش تمثل فكراً اجتماعياً ثورياً، قامت بانقلاب فى الجيش واستولت عليه، وأسقطت قيادته التقليدية، التى هى – بالطبيعة – صنيعة الطبقة المسيطرة على الدولة.
الانقلاب الثانى: أن القيادة الثورية الجديدة التى قامت بالانقلاب التمهيدى فى الجيش قادته بأكمله، فى انقلاب جديد فى نفس الليلة ضد الدولة القائمة فى ذلك الوقت، والطبقة الاجتماعية المسيطرة عليها.
انقلابان فى نفس الليلة.
عند منتصف الليل انقلاب للاستيلاء على سلطة الجيش. سلطة الإجبار فى الدولة.
عند الفجر انقلاب للاستيلاء على سلطة الدولة. أداة الطبقة الاجتماعية المسيطرة.
ولو كان الفريق محمد حيدر، مثلاً – يرحمه الله – هو الذى أحدث التغيير صباح يوم 23 يوليو 1952 لكان ذلك أمراً آخر!
لكن ذلك لم يحدث.
ما حدث كان شيئاً يختلف عنه تماماً.
ما حدث كان تغييراً مشَبَّعاً بالاحتمالات الثورية، لأنه كان تعبيراً عن تحرك طبقة أخرى، غير الطبقة الحاكمة، خرجت من تحت هرم الطبقات الراسخ، وأحدثت بخروجها من القاعدة تصدعات فى بنيان الهرم الاجتماعى كله.
تصدعاً يمهد للتغيير الواسع، لو توفرت له الإدارة الثورية القادرة.
يختلف ذلك كل الاختلاف عن تغيير عند قمة الهرم يلون طرفها بلون آخر، لكنه لا يقِّدم إمكانيةً لإعادة البناء من جديد.
يضاف إلى ذلك شىء هام هو أن أى طلائع تخرج من الجيش – أى جيش فى العالم – لتشارك فى ثورة شعبية، يتعين عليها أن تواصل دورها من مواقع الثورة الشعبية، وليس من ثكنات الجيش ومواقعه.
وإلا فإنها تعانى ردة تعود بها إلى مجرد وضع الانقلاب حتى وإن كانت لها بداية الإمكانية الثورية.
ومثل هذا حدث فى العراق لثورة سنة 1958.
ذلك الوقت فى العراق تحركت عناصر من الجيش العراقى، أقرب إلى القاعدة منها إلى القمة، واستولت على الجيش، وخرجت به لإسقاط النظام القديم كله، بأمل إقامة نظام جديد.
لكن عبدالكريم قاسم بجنون السلطة المجرد عن أى هدف اجتماعى قبع فى وزارة الدفاع، يحكم بالقوة المسلحة.
وهكذا، فإن ثورة 14 يوليو التى بدأت كمشاركة فى ثورة شعبية تراجعت إلى الوراء لتمسخ نفسها، ردة إلى شكل الانقلاب العسكرى، متخلية عن الجموع التى وقفت وسطها فى شوارع بغداد متنكرة لهذه الجموع مهددة لها.
وإذن فهناك ظاهرتان للتأكد من سلامة أية مشاركة فى الثورة الشعبية من جانب عناصر عسكرية.
الظاهرة الأولى: أنه لا يمكن أن يكون التغيير من القمة ضد الطبيعة ذلك، ومن المستحيل حدوثه. وإلا فهو انقلاب.
الظاهرة الثانية: أن أية عناصر من الجيش تخرج للثورة لابد أن تمارس عملها مع الجموع الشعبية، وأن تذوب فى حياة مدنية أكبر منها، وأوسع. وإلا فهى ترتد إلى مواقع الانقلاب.
ماذا حدث فى السودان يوم 17 نوفمبر 1958؟
كل ما حدث كان ضد الظاهرتين الأساسيتين لأى إمكانية ثورية.
1- كان التغيير من قيادة الجيش التقليدية. وإذن فهو انقلاب فى حدود نفس الطبقة الاجتماعية المسيطرة على سلطة الدولة.
2- بقيت هذه القيادة التقليدية فى مواقعها فى الجيش باسم المجلس الأعلى للقوات المسلحة وإذن فهو تأكيد آخر لمعنى الانقلاب على القمة.
لا يلمس القواعد العريضة للجماهير بتغيير. بل ولا يلمس هذه الجماهير بصلة. وإنما يبقى دائماً منفصلاً عنها.
وفى يوم 17 نوفمبر 1958 نفسه لم تكن الحقيقة فى حاجة إلى قياس بالظواهر يحدد هويتها الصحيحة، وإنما كانت هناك ملابسات تثير الشكوك حتى من قبل قياس الظواهر وكان هناك من يقول صراحة إن السيد عبدالله خليل سلم الحكم تسليماً للجيش، وإن هناك جهات كثيرة كانت وراء هذه الصفقة. بل وكان هناك من حَدّد بالاسم وبالذات إدارة المخابرات المركزية الأمريكية.
كان هدف الجهات التى التقت على صفقة تسليم الحكم إلى القيادة التقليدية للجيش السودانى وقتها كما يلى:
1- كانت حكومة السيد عبدالله خليل قد دخلت فى مشكلات عنيفة بغير مبرر مع مصر، وبالتالى فقد أضعفت نفسها أمام جماهير سودانية غفيرة لديها إيمانها الثابت واعتقادها بصلات الحياة الأبدية والأزلية مع مصر.
2- كان السودان فى عزلة عن التيارات القومية والاجتماعية المتدافعة فى المنطقة العربية، وكان مستحيلاً أن تستمر هذه العزلة طويلة، وكان يمكن لهذه التيارات المتدافعة أن تكسر أسوار العزلة فى أى وقت.
3- كان التغيير هو طابع تلك الأيام، خصوصاً بعد 14 يوليو فى العراق، وسقوط حلف بغداد بهذا اليوم العظيم. وكان 14 يوليو يومها ما زال احتمالاً ثورياً، لم يرتدّ بعدُ إلى منحدرات الانقلابات العارية من أى مضمون اجتماعى.
هكذا كان فى السودان إغراء بإجراء تغيير فى الشكل. يبدو وكأنه يجارى وهو فى الحقيقة يجمد.
ومع ذلك، ففى أعقاب الانقلاب فى السودان كان هناك كثيرون يتصورون أنه برغم الملابسات – وحتى ضد الظواهر الأساسية اللازمة لتوفر إمكانية الثورة الأصيلة – فإن انقلاب السودان قد يستطيع تطوير نفسه وتغيير هويته، والتمرد على الشخصية المحددة له سلفاً!
وفيما يتعلق بى، فإننى أعترف بأنى فقدت الأمل تماماً فى إمكان حدوث مثل هذا الاحتمال بعد زيارة للسودان فى شتاء سنة 1960.
يومها على الطبيعة كانت صورة الحقيقة أمامى مفزعة.
جيش فى ناحية، بالسلطة العسكرية يحكم من أعلى.
وشعب على الناحية الأخرى أعزل من السلاح لكنه ليس أعزل من الإيمان وشجاعة إبداء الرأى.
وصحيح أن أعلى الأصوات بالمعارضة ضد حكم الجيش فى ذلك الوقت كان صوت القوى التقليدية فى السودان: من الختمية، والأنصار، ومن حزب الشعب التعبير السياسى عن الطائفة الختمية ومن حزب الأمة – التعبير السياسى عن الطائفة المهدية – إلا أن الجماهير العريضة للشعب السودانى، وبعيداً عن القوى التقليدية، لم تكن تحبس صوتها.
وأذكر مرةً حديثاً دار بين اللواء طلعت فريد وبينى، ونحن على ضفة النيل، أمام شلالات “مارشيزون” الهادرة.
يومها سألت اللواء – وكان نائباً لرئيس الوزراء، ووزيراً للإعلام – إذا كان ممكناً أن أتحدث إليه فى الأحوال السياسية ورد بالإيجاب، وقلت له:
– وأتحدث بصراحة؟
وقال بحدة:
– ما نخشى الصراحة.
وعلى كثرة ما قابلت من الساسة فى حياتى وعلى كثرة ما سمعت من العجب، فإنى أشهد أن ذلك الحديث مع نائب رئيس الوزراء السودانى كان تجربة مدهشة!
قلت له:
– لقد علمت أن المعارضة تُعِدّ عريضةً سوف توجهها إلى حكومتكم تطالبها بالتنحى؟
قال:
– ما هى العريضة. أليست قطعة ورق. أليست كل قطعة ورق قابلة للتمزيق؟!
قلت:
– لكن العريضة سوف يحملها إليكم بشر. ووراءهم بشر آخرون؟
قال:
– هل سمعت عن قدمى الشمال؟
وأدهشنى السؤال وحقيقة. لم أكن قد سمعت شيئاً عن القدم الشمال للواء طلعت فريد. وبدا لى سؤاله – لأول وهلة – قفزة خارج المناقشة، واستطرد على أى حال يقول:
– كنت لاعب كرة قدم مشهوراً فى أيامى فى إنجلترا. وكان المتفرجون يعرفون أن وقوع الكرة فى قدمى الشمال. يعنى إصابة محققة.
ولقد أحسست بعدم جدوى المناقشة على هذا النحو، ومن ثم واجهت المشكلة التى كانت تشغلنى مباشرة، وقلت للواء طلعت فريد:
– أريد أن أستأذنك فى سؤال: لماذا تسمون ما قمتم به فى السودان ثورة؟
الثورة فى تقديرى تعنى تغييراً اجتماعياً شاملاً. وأنا لا أشعر أن ذلك قد حدث فى السودان، وهناك تغيير بلا شك فى شكل الحكم. ولكنه أقرب إلى تأثير الانقلاسب، منه إلى تأثير الثورة. ومع ذلك تصرون على استعمال كلمة الثورة. لماذا؟
وأشهد مرة أخرى أننى توقعت كل رد من اللواء طلعت فريد إلا الرد الذى تلقيته فعلاً.
سألنى بعد أن فرغت من سؤالى:
– ما هو اسمك الشخصى؟
قلت متردداً وأنا لا أفهم قصده:
– محمد. إذا لم تخنى الذاكرة، فهذا هو اسمى؟!
قال:
– من أطلقه عليك؟
قلت:
– إذا لم أكن مخطئاً، فأظنه أبى هو الذى اختار لى اسمى!
قال:
– حسناً. نحن آباء ذلك الشىء الذى حدث فى السودان يوم 17 نوفمبر، ونحن أحرار نطلق عليه أى اسم نشاء. وقد اخترنا له اسم الثورة.
ولم أواصل المناقشة بعدها. مقتنعاً بأن تأمل شلالات مارشيزون الهادرة – فى صمت – أجمل من المناقشة – وبالتأكيد – أنفع!
وأحب أن أضيف أننى لم أظلم اللواء طلعت فريد، ولا ظلمت غيره ممن أتيح لى التحدث إليهم من أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
لقد كانوا يتكلمون بمنطقهم، وبمفهوم للأشياء، فى حدود هذا المنطق.
وكان كل خطأ فى الموضوع خطئى، أننى حاولت افتراض ما لم يكن موجوداً، ورحت أتفلسف بغير طائل.
وبعد شتاء سنة 1960 آخر تجربة لى فى السودان فإن تحرك الحوادث لم يتوقف.
المجلس الأعلى مضى يتحرك فى اتجاهه المرسوم والمقدر. للنظام.
والشعب السودانى مضى يتحرك فى اتجاهه المرسوم والمقدر. للحرية.
وأصبحت العزلة شاسعة وضاعفت من خطورتها اعتبارات كثيرة:
– الحكم فى السودان يجاهد قدر استطاعته أن يبتعد عن المجرى التاريخى الذى يتدافع عليه المد الثورى الاجتماعى والسياسى فى المنطقة كلها. والشعب السودانى يريد أن يقترب.
– الحكم فى السودان يمكّن للاستغلال الأجنبى بغير حساب، حتى عتاة المغامرين الأجانب الذين طُرِدوا من مصر، لم يجدوا ملجأ لمضارباتهم خصوصاً فى القطن إلا فى السودان. والشعب السودانى يبحث عن قيم اجتماعية جديدة تقيم الكفاية والعدل.
– الحكم فى السودان يعالج مشكلة الجنوب – كما يعالج تململ الشمال – بالقمع والضرب لكن القمع والضرب فى الجنوب خير دعوة إلى الانفصال، والقمع والضرب فى الشمال خير دعوة إلى الثورة.
وهكذا كان.
بغير تقدير من أحد، ومن غير تخطيط. وبلا قيادة: حدث كل شىء.
التقدير، والتخطيط، والقيادة. لحقت بالحوادث فيما بعد، ولم تسبقها.
بدأ التمرد من جامعة الخرطوم، فى رغبة لمناقشة مشكلة الجنوب، ومنعت السلطة العسكرية اجتماع المناقشة بالقوة، وسقط أحد الشهداء وأَضربت الجامعة، وسرى نداء الإضراب كالنار، تندلع فجأة فى الحطب الجاف.
وكان صراع السلطة داخل المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد أوقف المواجهة الحازمة التى طلبها رجل كاللواء حسن بشير من أنصار الانقضاض السريع.
وفى مهلة التردد كان الشارع السودانى قد حقق وحدة تلقائية مذهلة فى وجه مقاومة من الجيش، لم تستجمع بعد طاقتها الكاملة على القهر، وإن كانت فى صدام واحد أمام القصر الجمهورى، قد صرعت أكثر من ثلاثين شهيداً. أكثر من عدد الضحايا الذين قدمهم السودان، ليحصل على الاستقلال!
أى أن الشعب السودانى دفع من ضريبة الدم ليتخلص من الحكم العسكرى بأكثر ما دفع من ضريبة الدم، ليتخلص من الإنجليز.
ومع ذلك، فإن التردد فى المجلس الأعلى للقوات المسلحة عن توجيه ضربة القهر الكاملة إلى الشارع السودانى قد حقن دماً غزيراً.
لكن لون الدم كان يظلل الأفق كله انتظاراً للقرار الأخير.
وعندما كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد تغلب على تردده، وقرر مساء يوم الاثنين الأسبق – والحاسم – أن يضرب بيَدٍ من حديد، لم تكن الوحدة فى الجيش متماسكة، وجاءت مجموعة من الضباط إلى الفريق إبراهيم عبود ينقلون إليه رسالة من بضع مئات من ضباط الجيش، تجمعوا فى نادى الطيران فى الخرطوم.
وقال حملة الرسالة – وبينهم الأمير آلاى إدريس عبدالله:
– إن قسما كبيراً من ضباط الجيش ليسوا على استعداد لضرب الجماهير!
وتطورت الحوادث إلى صيغة التوازن الدقيق والخطير، الذى يحكم السودان الآن:
– جيش لا تريد الأغلبية فيه أن تضرب الشعب، لكن العناصر المؤثرة منه لم تقتنع بمبدأ عودة الجيش إلى ثكناته، بمعناها الحقيقى.
– شارع حقق وحدة تلقائية فى لحظة نفسية ملائمة، إزاء انقسام فى الجيش ومن ثم استطاع أن يتقدم فى شلل السلاح إلى الوزارة، يضع فيها القيادات التى ظهرت بعد المواجهة الحاسمة وليس قبلها، فى خليط من القوى التقليدية، والقوى الجديدة.
لكن السؤال الحاسم يبقى يباشر إلحاحه:
– ثم ماذا بعد؟!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=628