“بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل: الشرق أحمر السياسة الخارجية للصين “

الشرق أحمر السياسة الخارجية للصين
عندما تحدد موعد زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون للصين، اقترح عليه مستشاره لشئون الأمن القومى هنرى كيسنجر، أن يقابل بعض الشخصيات العالمية التى تعرف تاريخ وشخصية الصين وتستطيع بهذه المعرفة أن تعطى للرئيس الأمريكى بعض المفاتيح لعلها تنفعه فى دخول أبواب مغلقة.
وكان من بين الذين اقترح “كيسنجر” على “نيكسون” أن يقابلهم، أديب فرنسا ومفكرها العظيم “أندريه مالرو” وهو من دارسى الحضارة الصينية، فضلاً عن أنه استطاع توثيق صلات فكرية مع الثورة الصينية وواتته الفرصة لكى يقابل ويتحدث طويلاً مع “ماوتسى تونج”، قبل أن يبتعد هذا الرجل الأسطورى عن حياة كل يوم، ويتحول إلى ضوء يشع من بعيد سارياً فى أفلاك النجوم.
ودعى “أندريه مالرو” فعلاً إلى عشاء فى البيت الأبيض مع “ريتشارد نيكسون”، وجلس الرئيس الأمريكى تلميذاً أمام أستاذ يتلقى عنه ويحاول أن يفهم.
وكان من بين ما قاله أندريه مالرو لريتشارد نيكسون فى تلك الليلة:
أن أكبر خطأ يقع فيه أى طرف يتعامل مع الصين، هو أن يتصورها متلهفة على أى شىء.
إن الصين مثلاً ليست فى عجلة من أمرها بشأن حقها فى دخول الأمم المتحدة، كما أنها ليست متلهفة على شىء يغريها به الآخرون.
إن الصين بلد صبور.
بلد صبور جداً.
لقد انتظرت عشرين سنة خارج الأمم المتحدة، وهى على استعداد لأن تنتظر عشرين سنة أخرى.
ولقد أنكرتم على ثورتها الاعتراف بها عشرين سنة، وهى على استعداد أن تنتظر عشرين سنة أخرى.
“الصين كما قلت لك بلد صبور. صبور جداً”.
وأتذكر أننى سمعت الرئيس السوفيتى أليكسى كوسيجين يروى، ويعيد رواية حوار دار بينه وبين ماوتسى تونج فى آخر زيارة قام بها للصين فى فبراير سنة 1965.
كان أليكسى كوسيجين يقول:
“إننى ذهبت إلى ماوتسى تونج أقترح عليه أن نناقش خلافاتنا حتى نستطيع تصفيتها.
وفوجئت “بماو” يقول لى:
إننا نحتاج إلى عشرة آلاف سنة لكى نستطيع تصفية ما بيننا”.
وقلت له:
“وإذا بذلنا جهداً مكثفاً. ألا نستطيع أن نختصر هذه المدة المخيفة فى بعدها.
وسكت “ماو” قليلاً ثم قال لى (والمتحدث هنا هو كوسيجين):
ربما لو بذلنا جهدنا فإننا قد نتمكن بمعجزة من اختصار ألف سنة!”
وكان كوسيجين يضيف:
ماذا نفعل. لقد جعلونى شخصياً أشعر باليأس من إمكان تسوية نزاعنا معهم ومن الذى سيعيش عشرة آلاف سنة ومن الذى يريد أن يبذل كل جهده اليوم ليختصر ألف سنة تجىء بعد تسعة آلاف سنة؟
وكيف يمكن أن نفهم أناساً يفكرون على هذا النحو.
وكيف نستطيع أن نتعامل معهم؟!
وعندما خرجت من الصين راكباً القطار الشهير – فى كل القصص عن مغامرات الشرق – بين كانتون وهونج كونج، حرصت على أن ألتقى بعدد من الخبراء فى شئون الصين، الذين اتخذوا من هونج كونج قواعد يتسمعون فيها على ما يجرى فى ذلك البعد الشاسع أو يسترقون النظر عبر ما يسمونه ستار “البامبو”.
وأظن أن “هونج كونج” تضم أكبر عدد من الخبراء فى شئون الصين والمتابعين لأمورها فلقد ظلت لسنوات طويلة أهم مراكز التصنت والمراقبة للتطورات، خصوصاً حينما كانت الصين مغلقة بالكامل أمام كل الزوار.
ولقد دعانى القنصل المصرى العام فى هونج كونج الأستاذ على برعى إلى فنجان شاى فى بيته مع عدد من هؤلاء الخبراء.
وفى شرفة مطلة من قمة جبل على المدينة التى تترامى وسط الخلجان الزرقاء، وتضىء أنوارها ببريق الماس والياقوت والزمرد، قال لى أحدهم:
– هناك حقيقتان يجب ألا تنساهما عن الصين.
– الأولى: أن كل صينى يعتقد أن الصين هى مركز العالم ولعلك تعرف أن الترجمة الحرفية فى الصينية لكلمة “الأجانب” تعنى بالضبط “البرابرة”!. وقد تتذكر خطاب الملك جورج الثانى ملك بريطانيا، حينما بعث إلى إمبراطور الصين “شين لونج” يعرب فيه عن رغبته فى إقامة علاقات تجارية بين بريطانيا والصين.
كان رد الإمبراطور الصينى بالحرف:
– “أن الصين لديها كل ما تحتاج إليه، وهى ليست فى حاجة للتجارة مع البرابرة!”
– الثانية: هى أن كل صينى يعتقد أن الحق معه، وأن هذا الحق سوف يصل إليه مهما طال الزمن، والمهم بالنسبة له هو أن يعطى للتاريخ فرصة كاملة.
ولعلك تتذكر المثل الصينى الشائع الذى يقول:
– “لا تنتقم. اجلس على حافة النهر وانتظر. وذات يوم سوف يجىء التيار حاملاً معه جثة عدوك!”
وقد يكون غريباً أن أبدأ حديثاً عن السياسة الخارجية للصين بهذه القصص الثلاث ودلالاتها وإشاراتها ولكنى وجدتها معبرة أكثر من غيرها عن القسمات البارزة فى سياسة الصين تجاه العالم الخارجى:
1- إن الصين صبورة، عملية جداً فى صبرها، لا يستفزها شىء، ولا حتى عواطفها وشعورها.
(من ذلك مثلاً أنها تقبل حتى الآن بوجود قطعة منها وهى هونج كونج مستعمرة من مستعمرات التاج البريطانى بينما هى قادرة على تحريرها بمجرد إبداء الرغبة فى ذلك.
خطاب واحد، من سطر واحد إلى الحاكم العام البريطانى فى هونج كونج، ويحمل الرجل حقائبه بعد أن يطوى فيها العلم البريطانى ويرحل.
وعندما سألتهم فى بكين:
– “لماذا تقبل الصين بقوتها الراهنة، ومركزها الدولى الحالى، ببقاء جزء من ترابها خارج سيادتها؟”.
كان ردهم ببساطة:
– هذا الأمر ليس مدرجاً الآن على جدول المهام العاجلة بالنسبة لنا.
وسألت نفس السؤال فى هونج كونج، وجهته إلى المستشار السياسى للحاكم البريطانى العام فى المستعمرة، وكان رده:
– هى الآن فيما يبدو لنا أنفع لهم.
– هى الطريق الأساسى لتجارتهم وكل ما يحصلون عليه من العملات الأجنبية.
– هى الآن معرض لكل منتجاتهم، يراها العالم دون أن يزعجهم بالذهاب إليهم.
– هى الآن ملتقى لكل منتجات العالم أمامهم يرون عن طريقها كل ما يريدون رؤيته من منجزات التكنولوجيا الحديثة، دون أن يذهب مندوبو الشركات إليهم ويقيمون فوق أرضهم.
وفى كل الأحوال فهم يعـتقدون – وهذا صحيح – أنها تحت تصرفهم. حين يريدونها يحصلون عليها).
2- إن الصين تحسب بدقة خطواتها، وتتعلم فى هدوء من تجاربها وتجارب غيرها.
(من ذلك مثلاً أنها حرصت على البقاء بعيداً عن الاشتراك المباشر فى حرب فيتنام التى دارت لأكثر من عشر سنوات على حدودها وكان كثيرون يهاجمونها. وكان كثيرون يتهمونها ولكنها لم تسمح لأحد بأن يستدرجها.
كانت تدرك أن الحـرب المسلحة فى العصـر الحديث محظور يجب تجنبه إلا فى حالة الضرورة القصوى. حالة الدفاع عن النفس فقط.
وعندما سألت فى بكين:
– ألم يكن صعباً عليكم أن تمسكوا بأعصابكم إزاء التصاعد الأمريكى المستمر بالقرب منكم، وعلى مرأى ومسمع.؟
كان الرد الذى قاله لى أحد كبار المسئولين الصينيين:
لقد تعلمنا الدرس فى حرب كوريا.
فى حرب كوريا تدخلنا بأنفسنا فى القتال.
وعندما تدخلنا وجدنا أنفسنا فى اضطرار إلى انتظار العون من الاتحاد السوفيتى.
وكان العون يتأخر أحياناً، وكنا نتمزق، ونعانى، وكنا أحياناً نغضب ونستجدى، ولكن كان علينا أن نتحمل، لأننا فى ميدان القتال، ولأن الأسلحة الحديثة تجيئنا من السوفيت.
الحكيم يتعلم الدرس من تجربة غيره.
والعاقل يتعلم الدرس من مرة واحدة.
وأما الذى يقع فى الفخ مرتين، فإنه ليس حكيماً، وليس عاقلاً.
وهكذا فإننا تعلمنا شيئاً مهماً.
لا يكفى أن يكون فى يدنا ما نطلق به الطلقة الأولى فى الحرب، وإنما يجب أن يكون فى يدنا ما نطلق به الطلقة الأخيرة فى الحرب. ويجب أن يكون ذلك فى يدنا وليس فى يد غيرنا، مهما كنا وكانوا.)
3- إن الصين تفهم حركة التاريخ وتعتمد عليها.
وعندما يجىء إليها تيار التاريخ – مفاجأة أمام الآخرين – فإنه بالنسبة لها لا يكون مفاجأة.
عندما يجىء إليها تيار التاريخ – فجأة فى رأى آخرين – فإنها تفتح له الباب فى هدوء، وكأنه زائر جاء فى موعده.
(وكان ذلك بالتقريب هو التعبير الذى استعمله “ماوتسى تونج” فى تبرير دعوته للرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون وكان قول ماوتسى تونج فى ذلك الوقت:
– “إننا سمعنا طارقاً يدق باب الصين.”
وسألنا:
– “من الطارق؟”
وجاء الرد:
– “ريتشارد نيكسون”
وفتحنا له الباب.
هكذا ذهب ريتشارد نيكسون رئيس الولايات المتحدة إلى الصين، حاملاً معه اعترافه.
وهكذا ذهب تاناكا رئيس وزراء اليابان إلى الصين، حاملاً معه اعتذاره!)
والصبر ليس موقفاً سلبياً، والاستفادة من التجربة يقظة مستمرة، كما أن انتظار تيار التاريخ لا يتحقق أثناء النوم!
إن الصين خلال ذلك كله حققت وحدتها، وبنت نفسها، وعززت قوتها، حتى وصلت إلى مصاف القوى الأعظم فى هذا العصر.
شوط طويل طويل قطعته.
وكانت صيحة “ماوتسى تونج” الشهيرة تدفعها إلى العمل، وإلى مزيد من العمل، وكانت الصيحة الشهيرة هى قوله:
“كم من الأعمال الكبيرة تصرخ وتنادى من يتحمل بمسئولياتها.
امسكوا بالساعة. امسكوا باليوم!.
وتغير وضع الصين.
تغير كثيراً منذ ذلك اليوم الذى جلس فيه “فرانكلين روزفلت” رئيس الولايات المتحدة الأمريكية فى الحرب العالمية الثانية، يناقش مشاكل ما بعد الحرب، ويتحدث عن إنشاء الأمم المتحدة، ويناقش بعض مستشاريه فى الدول التى يكون لها حق العضوية الدائمة فى مجلس الأمن، وكان بعض هؤلاء المستشارين يرشحون الصين لمقعد دائم فى مجلس الأمن، ولم يكن روزفلت مقتنعاً.
ثم قال أخيراً:
– أى مستقبل يمكن أن يكون للصين. وأى دور تستطيع أن تؤديه فى العالم الجديد؟
على كل حال سوف أوافق على أن يكون للصين مقعد دائم.
وسوف أوافق لغير الأسباب التى سمعتها منكم.
سوف أوافق حتى لا يقول العالم أن كل أصحاب المقاعد الدائمة فى مجلس الأمن من الشعوب البيضاء، من أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا.
سوف أعطى الصين مقعداً دائماً لمجرد أن يكون هناك مقعد دائم للملونين فى مجلس الأمن!”
تغير وضع الصين كثيراً منذ ذلك الوقت.
وتغيرت الصورة كلها، إلى درجة لم تكن تخطر على البال بفضل المقدرة على الصبر، والاستفادة من التجربة، والثقة بتيار التاريخ، وبناء القوة الذاتية.
وتنكر الصين حتى الآن، وبتواضع مثير، أنها أصبحت قوة عظمى.
لكن ما تراه العين لا تجدى الكلمة فى إنكاره!
و الذى تراه العـين هو أن العـالم الآن فيه خمس من القوى الأعظم: الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتى، فى المقدمة ووراءهما الصين، واليابان، ثم أوروبا الغربية المتجهة إلى الوحدة.
وأخال أنهم فى الصين – برغم كل ما ينكرون – يدركون هذه الحقيقة الهائلة فى العالم المعاصر ويرسمون على أساسها:
– وهم يدركون أن هذه القوى الخمس الأعظم على القمة العالمية، وإن تفاوتت الدرجات بينهم.
– وهم يدركون أن المستقبل المرئى – ما بين عشر سنوات وعشرين سنة – سوف يكون محكوماً بالتوازنات بين هذه القوى الخمس الأعظم.
– هم يدركون استحالة الحرب العالمية على القمة بين الكبار، مع تسليمهم بأن التفاعلات لن تتوقف، خصوصاً فى العالم النامى.
– وهم يدركون أن هذه التفاعلات سوف تكون ميادين الصراع الصامت بين الكبار على النفوذ السياسى وعلى المصالح الاقتصادية.
– وهم يدركون أن هذه التفاعلات يجب أن تكون مضبوطة ومحكومة بما لا يؤدى إلى صدام مباشر بين الكبار.
– وهم يدركون من ذلك كله أن حالة التوازن يجب أن تراعى بحذر ودقة، لأن اختلال حركة الموازين قد يأتى بما لا يريده أحد، لأنه قد يفتح الباب لما لا يطيق تحمله أحد.
ولقد كان “شوين لاى” رئيس وزراء الصين بارعاً فى وصفه لشكل المتغيرات الجديدة فى العالم حين سألته عنها، وكان رده:
– تحالفات جديدة، وانقسامات جديدة، وفوضى – أو تفاعلات عنيفة – فيما عدا ذلك كله من بقية العالم!
والآن كيف ترسم الصين وتمارس سياستها الخارجية تجاه غيرها من القوى الأعظم (تحالفات جديدة، وانقسامات جديدة)، ثم تجاه بقية العالم عدا الكبار (فوضى – أو تفاعلات عنيفة – فى كل مكان)؟
فى ظنى أن الصين، وبتشخيصها الحذر والدقيق لأحوال العالم المعاصر، تريد بالدرجة الأولى أن تكسب وقتاً تستكمل فيه بناء قوتها.
إن لديها قوة نووية، ولكن الولايات المتحدة لديها أكثر والاتحاد السوفيتى لديه أكثر.
ثم أن طاقتها الاقتصادية تنمو، ولكن نمو اليابان أسرع، كما أن نمو أوروبا الغربية أعمق. هذا فضلاً عن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى اقتصادياً.
لذلك تريد الصين أن تكسب وقتاً تحقق فيه المساواة الكاملة بينها وبين غيرها.
وتدرك الصين – فيما أتصور – أن حالة التوازن على القمة الدولية حالة طارئة، مؤقتة، تفرضها ظروف تاريخية بعينها، ولكنها – أى حالة التوازن الراهنة – ليست دائمة.
وفى ذلك يقول ماوتسى تونج:
– أن بعض الناس يتصورون خطأ أن التوازن هو القاعدة، وأن اختلال التوازن هو الاستثناء وليس ذلك حقيقياً، والحقيقى هو العكس.
خلل التوازن – بالصراع – هو القاعدة.
والتوازن – بتعادل القوى – هو الاستثناء.
حالة التوازن ثبات، وذلك معاد للحركة وهى قانون الوجود!.
انظروا إلى القمر: ما هى المدة التى يتوازن فيها ويصبح بدراً، أى دائرة كاملة تماماً.؟
ليلة واحدة فى الشهر!
وفى غير هذه الليلة، فإن خلل التوازن هو القاعدة.
هكذا تتصور الصين – فيما أظن – أن حالة التوازن الدولى الراهنة هى فرصتها لكسب الوقت ولتحقيق المساواة الكاملة مع غيرها من الكبار، وعلى هذا الأساس تمارس سياستها:
1- عـداؤها الأول موجه ضد الاتحاد السوفيتى، والأسباب كثيرة شرحتها من قبل، وأفاض فيها غيرى: صراع وطنيتين. نزاع حدود. خلاف عقائدى مستحكم، وخلاف العقائد أقسى وأعنف ما يكون عندما تنقسم العقيدة الواحدة، لأن الانقسام يتعدى درجة الاختلاف، ويصل إلى درجة الخيانة!
والمبارزات بين الصين والاتحاد السوفيتى مستمرة، وصلت إلى حد السلاح يوماً، ثم نزلت إلى تبادل الاتهامات الفلسفية، وتواضعت أحياناً إلى لذعات السخرية.
وكنت أصعد سور الصين العظيم ذات يوم، وإلى جانبى “بنج هوا” مدير الصحافة الأجنبية بوزارة الخارجية الصينية، وهو من ألمع سفراء الصين.
وقال لى:
– “لقد وصل بهم الحال يوماً – يقصد السوفيت – إلى درجة أن قالوا لنا أن حدود الصين الطبيعية لا يجب أن تتعدى سور الصين العظيم!”
وقلت:
“وماذا كان ردكم؟”
قال:
– “كان ردنا عليهم إذا كان ذلك صحيحاً فإن حدود روسيا الطبيعية لا يجب أن تتعدى أسوار الكرملين!”
وأضاف “بنج هوا” بغير ابتسامة:
– “سور الصين العظيم كان يحيط بدولة على أى حال. وأما سور الكرملين فليس فى داخله إلا قصر!”
وكانت الصين فى يوم من الأيام تخشى ضربة إجهاض لقوتها الذرية النامية، تشترك فيها الولايات المتحدة وروسيا، تحت دعوى وقف “الخطر الأصفر” وقتل التنين قبل أن ينفث نيرانه، هكذا قالوا لى فى الصين.
ثم كانت الصين فى وقت من الأوقات تخشى ضربة إجهاض من روسيا وحدها لحل كل المشاكل دفعة واحدة، ولكى تكفى نفسها عناء حشد أربعين فرقة مدرعة طوال الوقت على حدود الصين.
وكانت خشية الصين على أشدها أثناء تسوية مشكلة الأمن الأوروبى، وقلقها من أن يطمئن الاتحاد السوفيتى إلى علاقاته فى الغرب، ومن ثم يتفرغ بالكامل إلى تسوية مشاكله فى الشرق!
وربما كان ذلك الاعتبار من أهم عوامل التقارب الصينى الأمريكى.
2- إن العلاقات المتزايدة بين الولايات المتحدة والصين هى أغرب العلاقات بين القوى فى هذا العصر، وربما فى التاريخ.
عقائد مختلفة أشد الاختلاف.
حضارات متباعدة أشد التباعد.
مصالح متصارعة حتى الأمس القريب، حين كان الخط الأساسى الأول فى سياسة الولايات المتحدة هو حصر الصين واحتواءها وإسقاط النظام الثورى فيها بأى وسيلة ولو بالقوة إذا سنحت لذلك فرصة مأمونة.
ومع ذلك فإن الأبواب لم تفتح فقط بين البلدين، وإنما تجرى الآن عملية إزالة الأسوار أيضاً.
ولقد عرفت على سبيل المثال أن الصحفى الأمريكى الشهير جوزيف إلسوب كان يزور الصين قبلى، وسألتهم فى بكين:
كيف سمحتم له أن يجىء وقد بنى تاريخه الصحفى كله على العداء للثورة الصينية، وكان من أعنف الصقور فى الولايات المتحدة الأمريكية تحريضاً على غزو الصين؟ وقلت:
– “أن “إلسوب” صديقى، وأنا بالطبع لا أحرض عليه، كما أننى لا أحرض على أى رفيق فى مهنة القلم. ولكنى فقط أريد أن أفهم!
وكان الرد:
– أن الخط الجديد للرئيس ماو يقول:
افتحوا كل الأبواب.
إن الذين كانوا أعداءنا قد يتخذون موقفاً أكثر اعتدالاً.
والذين كانوا معتدلين قد يصبحون أصدقاء.
والذين كانوا أصدقاء سوف يتأكد ويتقرر موقفهم معنا وتثبت رجاحة رأيهم.”
وعلى وجه اليقين فإن أهداف كل من الصين والولايات المتحدة الأمريكية تبدو واضحة فى هذا التقارب.
الصين تريد تعزيز موقفها تجاه الاتحاد السوفيتى بالتقارب مع الولايات المتحدة الأمريكية.
– والولايات المتحدة تريد أن تمارس لعبتها الدولية، خصوصاً فى آسيا، على الصراع بين الاتحاد السوفيتى والصين.
3- وتجاه اليابان، فإن سياسة الصين بالقطع تغيرت.
وأتذكر عندما قابلت الرئيس ماوتسى تونج فى موسكو فى نوفمبر سنة 1957، وكانت هذه آخر زيارة له إليها، أنه قال ضمن ما قال خلال مناقشة طويلة فى قاعة المرمر بقصر الكرملين:
“أن الخطر المخيف فى العالم الآن هو عودة العسكرية اليابانية!”
وأضاف ماو وقتها:
– “وعودة العسكرية الألمانية” ثم قال:
– “أن الرأسماليين يبعثون إلى الحياة مرة أخرى بكل قوى العسكرية الفاشستية”.
فى هذه المرة فى بكين، فإننى لم أسمع أحداً يشير إلى خطر العسكرية اليابانية وتاريخها القريب مع الصين مشهور ومذكور.
وكان الاتحاد السوفيتى يتصور – فيما قدرت من بعيد – فى بداية سنة 1972، أن بمقدوره أن يلعب على الخلفية التاريخية القريبة لعلاقات اليابان مع الصين، ولكن الصين تحركت فى نهاية العام بسرعة، واستقبل تاناكا رئيس وزراء اليابان – فى بكين – استقبالاً حافلاً، نقلته الاقمار الصناعية طوال الوقت إلى طوكيو، وكان قادماً فيما يقول الصينيون: فيقدم اعتذاره عن مساوئ العسكرية اليابانية.
ويبدو أن الاعتذار كان مقبولاً والأغرب أن “تاناكا” ذهب إلى الصين مستعداً لدفع بلايين الدولارات على شكل تعويضات عن الماضى للصين، وإذا به يفاجأ بشوين لاى رئيس وزراء الصين يقول له:
– نحن لا نريد تعويضات. نريد أن نفتح صفحة جديدة فى علاقاتنا، وليذهب الماضى إلى النسيان.
وربما تعتقد الصين أن بمقدور إمكانياتها الذرية الحالية أن تردع اليابان، خصوصاً بقربها منها، وتعرضها كمجموعة جزر كثيفة لخطر داهم من أى تعرض ذرى. فضلاً عن أن تجربة هيروشيما مازالت فى أعماق الضمير اليابانى، كأنها كابوس داهم فى كل ليلة.
وتحاول الصين أن تقفز عبر الاتحاد السوفيتى إلى أوروبا الغربية، وتعتقد الصين أن ديجول كان ببصيرته التاريخية أول من اكتشف بوضوح، ودعا بأعلى صوت – إلى ضرورة فتح باب الشرعية الدولية أمامها.
وفضـلاً عن ذلك فإن الصين تعتقد أن أوروبا الغربية الموحدة يمكن أن تساعدها فى حركتها المرنة، وداً مع الولايات المتحدة الأمريكية وجفاء مع الاتحاد السوفيتى.
وأكثر من ذلك، فإن بعض العارفين بشئون الصين يرون أنها تعتقد أن أوروبا الغربية الموحدة تملك قوة جذب خاصة بالنسبة لأوروبا الشرقية الموالية للاتحاد السوفيتى.
ومن ثم فإن أوروبا الغربية الموحدة تستطيع التأثير على الاتحاد السوفيتى عندما تشد أوروبا الشرقية إليها بأقرب مما هى الآن بالنسبة للاتحاد السوفيتى.
وقد تشعر الصين فى قرارة نفسها باحترام حضارى تجاه أوروبا لا تستطيع قبوله بالنسبة للولايات المتحدة، أو بالنسبة للاتحاد السوفيتى.
وقد تشعر الصين أن التكنولوجيا الأوروبية يمكن أن تصبح متاحة لها بحرية أكبر وأوسع.
ذلك كله فى فترة التوازن الدولى الحالى الاستثنائية – فى التقدير الصينى – والمؤقتة، وعبرها فإن الصين لابد أن تكون على قدم المساواة مع غيرها. تكسب الآن وقتاً لكى تستعد للأوقات المتغيرة!
ونصل الآن إلى ما وراء القوى العظمى (إلى ما وراء التحالفات الجديدة والانقسامات الجديدة) ونتقدم إلى بقية العـالم خارج هذا النطاق، خصوصاً العالم النامى (حيث الفوضى – والتفاعلات العنيفة – فى كل مكان).
وفى هذا المجال، فهم هناك للإنصاف لا يخدعون أحداً.
يقولون وقد قالوها لى:
– “اعتمدوا على قواكم الذاتية واستلهموا الحكمة من شعوبكم”
ويقولون وقد قالوها لى:
– “إننا على استعداد الآن ان نساعدهم بما نستطيع، ولكن طاقاتنا ما زالت محدودة، واهتماماتنا العملية فى حدود آسيا حتى الآن، والماء القادم من بعيد لا يطفئ الحريق القريب”.
ويقولون وقد قالوها لى:
– “ادرسوا بوعى متغيرات العالم واستخلصوا لأنفسكم منها ما تشاءون”.
وتبقى فى مذكراتى صورة لوحة مكتوبة بالحروف الصينية وبخط ماوتسى تونج، رأيتها فى قيادة الفرقة 198، وقد دعانى قائدها لحضور مناورة عسكرية قامت بها فرقته.
وسألته: “ماذا تقول هذه اللوحة؟”
وقال لى:
تحمـل توجيهاً من ماوتسى تونج إلى الجيش الأحمر. تعلمه القتال وتعلمه السياسة وفيها يقول ماو:
“احملوا السلاح دفاعاً عن حدودكم، وتأملوا فى نفس الوقت أحوال العالم وراء هذه الحدود. وافهموا”.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=495