“بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : السر الحقيقى فى مشكلة عُمان “

السر الحقيقى فى مشكلة عُمان
السر الحقيقى فى مشكلة عُمان، التى انطلقت أحداثها فجأة من الربع الخالى فى أقصى الصحراء العربية لتصبح مشكلة عالمية دامية هو:
الصراع بين شركتين من شركات البترول:
شركة البترول العراقية – وهى شركة بريطانية تقف وراء سلطان مسقط.
وشركة أرامكو – وهى شركة أمريكية تنظر بعين العطف، أو الطمع على الأقل – إلى إمام عُمان.
هذا هو السر الحقيقى!
ولكن، قبل أن نمضى فى الحديث إلى أكثر من ذلك، يجب أن نقف دقيقة واحدة.
دقيقة واحدة نؤكد فيها أن ذلك السر لا يثنينا عن الحماسة لإمام عُمان، ولا يغير رأينا فى ضرورة تأييده وشد أزره. بالمال. بالسلاح. بأى شىء تستطيع أيدينا أن تقدمه له.
ذلك أننا نحب أن تكون حماستنا لإمام عُمان حماسة واعية مستنيرة، تنطلق من القلب، ولكن لا تصطدم مع العقل، ونحب أيضاً أن يكون اندفاعنا إلى نصرة إمام عُمان وقفة فى صف متماسك متفاهم، وليست وقفة فى حلقة ذكر تائهة ذاهلة تقيمها جماعة من الدراويش.
لهذا نواجه الحقيقة كما هى، لا نخدع أنفسنا فيها، ولا ندير عيوننا عنها ونعلقها بالأوهام والأحلام!
إن أبرز المعالم فى أحداث جنوب شبه الجزيرة العربية، هو فى الواقع ذلك الصراع بين شركة البترول العراقية – البريطانية من ناحية، وبين شركة أرامكو الأمريكية من الناحية الثانية.
وليس ذلك الصراع جديداً. بل أن الذى لا مفر من الاعتراف به هو أن مشكلة عُمان التى تطورت أخيراً إلى قتال مسلح ليست إلا حلقة فى سلسلة طويلة ممتدة ؟
المعارك المسلحة القديمة بين بعثات الكشف عن البترول تحت رمال الصحراء فى هذه المنطقة. حلقة فى السلسلة.
حادثة خطف معدات أمريكية، تملكها الأرامكو ويقدر ثمنها بثلاثة أرباع مليون دولار، وهى حادثة أثارت ضجة فى وقتها. حلقة ثانية فى السلسلة.
هجوم سعيد بن تيمور سلطان مسقط الموالى للإنجليز على إمامة عُمان، واستيلاؤه على “نزوى” عاصمتها المعلقة فى الجبال. حلقة ثالثة فى السلسلة.
بل إن المشكلة المشهورة لواحة “البوريمى” ليست بعيدة عن حلقات السلسلة.
ولقد تسربت الآن تفاصيل مثيرة عن اجتماع الرئيس الأمريكى أيزنهاور، مع أنتونى إيدن رئيس وزراء بريطانيا السابق. ذلك الاجتماع الذى عقد فى واشنطن منذ ما يقرب من عام.
فى هذا الاجتماع دخل إيدن مكتب أيزنهاور، فإذا على المكتب خريطة كبيرة لجنوب شبه الجزيرة العربية.
ثم إذا بأيزنهاور يحفظ عن ظهر قلب اسم إمام عُمان، واسم سلطان مسقط، ليس هذا فحسـب، وإنما أسماء زعماء القبائل فى المنطقة واحداً واحداً، وعلاقات النسب التى تربط بينهم.
ثم كان أن تحول الحديث فى مشكلة الشرق الأوسط التى كان مقرراً بحثها فى ذلك الاجتماع. فأصبح حديثاً عن مشكلة جنوب شبه الجزيرة العربية أولاً وأخيراً.
وأخذ أيزنهاور يهاجم سعيد بن تيمور سلطان مسقط الموالى للإنجليز بينما أنتونى إيدن يتفانى فى الدفاع عن سعيد بن تيمور!
وهدأت المشكلة قليلاً بعد اجتماع واشنطن ولكنها لم تنته، ولم يكن ما جرى فى هذا الاجتماع على أى حال إلا حلقة جديدة فى السلسلة الطويلة.
ثم كان أن استجمع إمام عُمان قواه فاتخذ جانب الهجوم يحاول أن يسترد أرضه الضائعة تحت سلطان سعيد بن تيمور.
ووقفت بريطانيا وراء سلطان مسقط، بل أمامه، لا دفاعاً عنه، وإنما دفاعاً عن البترول الخبىء تحت رمال عُمان، والبترول المتفجر من حولها فى جنوب شبه الجزيرة والذى لم يبق للإمبراطورية البريطانية من مصدر للقوة فى العالم غيره، فإن دخل بريطانيا السنوى من بترول المنطقة، ألف مليون جنيه هى العمود الفقرى لقوة الإسترلينى.
ثم إذا ببريطانيا التى لم تتخلص بعد من عار استعمال القوة فى السويس، تلجأ إلى القوة مرة أخرى فى عُمان.
و فجأة طار دالاس من واشنطن إلى لندن يبحث مشكلة عُمان.
ثم إذا بتصريحات دالاس فى لندن لا تزيد ولا تنقص عن تكراره كل يوم لعبارة مريبة هى:
“أبداً. إن أمريكا لا تريد أن تسلب بريطانيا مصالحها فى جنوب شبه الجزيرة العربية. و لا تريد أن ترثها وهى على قيد الحياة”.
ثم إذا بالأسئلة التى توجه لدالاس فى لندن، علناً و فى مؤتمر صحفى، هى أشد مدعاة للريبة من تصريحاته. بينها مثلاً سؤال يقول:
– “هل يستعمل ثوار عُمان أسلحة أمريكية؟”.
واللجنة السياسية للجامعة العربية تجتمع اليوم لتبحث مشكلة عُمان ونحن بقلوبنا مع إمام عُمـان.
ونريد أيضاً أن نكون بعقولنا مع إمام عُمان.
لهذا ننظر إلى المشكلة بعيون مفتوحة.
ولهذا نفهم أن معركة عُمان ضد بريطانيا اليوم مقدمة لمعركة أخرى لا تتسلم فيها أمريكا ما ربحه إمام عُمان من بريطانيا.
ولهذا أيضاً نحرض إمام عُمان على أن يستعين قدر استطاعته بأمريكا ضد بريطانيا.
استعانة بشيطان ضد شيطان آخر.
ومن غير هذا فإن المعركة لا تساوى ما يراق على أرضها من دم.
وليس فينا من يريد أن يقاتل كى تنتقل الغنيمة من يد بريطانية إلى يد أمريكية.
هذا هو الحق. حتى لا تكون حركتنا قفزة فى الظلام!.

المصدر:

http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=168