بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : البحث عن فكر جديد فى دلهى”

البحث عن فكر جديد فى دلهى!
أمامى قبل موعد الطائرة المسافرة إلى “دلهى” بضع ساعات!
وهذه هى سفرتى السابعة إلى الهند، وهى الثانية فى بحر هذه السنة بالذات!
ومع ذلك أشعر أننى على أبواب تجربة مثيرة!
والسبب على وجه اليقين أننى أتصور، أو أتوقع، أن تتاح لى الفرصة فى دلهى لمتابعة مناقشة ممتعة ومفيدة، لها مقدرة الكشف وارتياد الآفاق الجديدة، فى ظروف يحتاج العالم فيها – واقعه ومستقبله – إلى مناقشة من هذا النوع، لا يمكن أن يديرها بالقدر المطلوب من النزاهة – غير الفكر اللامنحاز للدول التى آمنت وتمسكت به، وتوفرت لها برغم المصاعب اشتراطات الإخلاص له.
ذلك هو الذى يعطى الاجتماع الثلاثى – الذى يبدأ اليوم – الجمعة – فى عاصمة الهند، بين عبدالناصر وتيتو وأنديرا – ابنة صديقهما القديم نهرو – قيمته الخاصة ومعناه الكبير.
ولا أستطيع أن أقول إن هذه المناقشة تأتى فى وقتها تماماً، ولكنى أستطيع أن أقول إن وقتها لم يفت وفرصتها لا تزال متاحة.
أقصد أنه محتملاً – وربما مطلوباً – أن تدور مناقشة حول الفكر الجديد فى سياسة عدم الانحياز قبل سنتين أو ثلاث، لكن هذه المناقشة وإن تأخرت – مازالت ضرورية وحيوية.
وبتفصيل أكبر فلقد كنت واحداً من الذين تمنوا أن تدور هذه المناقشة فى اجتماع الدول غير المنحازة الذى عقد بالقاهرة سنة 1964.
وفى ذلك الوقت كانت التغييرات الهائلة التى طرأت على الأوضاع العالمية قد اتضحت واختلفت كثيراً عن الوضع العالمى الذى كان محكوماً بصراع الحرب الباردة بين الكتلة الغربية بوجه عام وبين الكتلة الشرقية بوجه خاص – والذى كان معرضاً لخطر الحرب الذرية ولو بخطأ فى الحساب!
فى ذلك الوقت – قبل اجتماع الدول غير المنحازة فى القاهرة سنة 1964 – كانت التغييرات الجديدة فى الأوضاع العالمية ظاهرة تقوم بفعلها وتحدث آثارها وأبرز هذه الآثار.
1- أن الحرب العالمية بين القوتين الأعظم فى عالمنا – الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى – قد استحالت بحكم التوازن الذرى، الذى أحدثته سلسلة من الاختراعات الكبيرة تبدأ بالصواريخ عابرة القارات وتصل إلى الغواصات القادرة على إطلاق رءوسها الذرية بينما هى تسرى فى الأعماق المظلمة للمحيطات والبحار.
2- أن الصراع العالمى لم يعد يدور بين مركزين. أو بين كتلتين. ذلك أن الكتل تفتت، وبالتالى فإن المراكز تعددت.
لم تعد موسكو تعبر ضمناً عن بكين، ولم تعد واشنطن تعبر ضمناً عن باريس.
وأكثر من ذلك فإن بكين وباريس راحت كل منهما تبحث لنفسها عن قوة نووية خاصة للضرب أو للردع.
– ونتيجة ذلك أن الدول غير المنحازة لم تعد تستطيع أن تبنى موقفها على أساس العمل بين الكتلتين على تجنب الحرب الذرية، ذلك أن الدولتين الأعظم فى الكتلتين، أصبحتا الآن أول من يدرك – بحكم القرب من الأسرار النووية الرهيبة واحتمالاتها – مخاطر الاندفاع أو التورط فى الحرب.
نتيجة ذلك – أيضاً – أن حسابات الحركة فى المجتمع الدولى، اختلفت وكان حتماً أن تختلف، فهى الآن تواجه أربعة مراكز – على الأقل – بدلاً من مركزين.
كما أن العلاقات بين هذه المراكز المتعددة، لم تعد قاطعة وواضحة كما كانت العلاقات بين المركزين على أيام الكتلتين الغربية والشرقية.
لكن مؤتمر الدول غير المنحازة فى القاهرة سنة 1964، لم يخرج – وهذا رأيى – بالأفكار الجديدة المنتظرة. والمرجوة.
ربما لسبب أساسى فى تكوين هذا المؤتمر.
ذلك أن الاتجاه الذى ساد يومها هو توسيع الدائرة والتساهل فى معايير الدول غير المنحازة.
كان الرأى الغالب فى ذلك الوقت، هو أن فكرة عدم الانحياز تكسب من العدد، حتى إذا اتسعت الدائرة لتضم بعض الذين يصعب بالمنطق الطبيعى تصورهم فيها.
وبينما المنطق الطبيعى يقول بأن موقف عدم الانحياز لا يستطيعه إلا القادرون على الاستقلال السياسى وعلى الاستقلال الاقتصادى، فإن مؤتمر القاهرة شهد فى وسطه كثيراً من غير القادرين – بل وغير القابلين – للاستقلال السياسى والاستقلال الاقتصادى.
ويكفى أنه كانت هناك قرابة السبعين دولة فى هذا المؤتمر، ولو كان هؤلاء جميعاً من القادرين والقابلين للاستقلال السياسى والاستقلال الاقتصادى لكانت أحوال العالم أحسن كثيراً مما هى الآن، ولكنا جميعاً بقرب أحلام السلام العالمى والرخاء العالمى الموعود، وذلك مع الأسف ليس صحيحاً. كما أن المسافة إليه مازالت بعيدة.
– ونتيجة لهذه الدائرة الواسعة فى مؤتمر القاهرة سنة 1964 فإن هذا المؤتمر ظل على الأرض المعروفة لا يتجاوز حدودها إلى استكشاف أفق جديد.
وكانت قرارته فى النهاية ترديداً لأصداء الآراء والكلمات التى انطلقت فى الخمسينات تعبيراً عن أحوال وأوضاع الخمسينات، فيما خلا إشارات سريعة لمست الأحوال والأوضاع الجديدة فى الستينات، بينها للإنصاف – ذلك الاهتمام الواضح بقرارت مؤتمر التنمية والتجارة الذى كان قد عقد فى جنيف قبل مؤتمر الدول غير المنحازة.
مهما يكن فإن الحوادث لم تتوقف بعد مؤتمر القاهرة سنة 1964.
راحت التغييرات تجرى بسرعة متزايدة، كما أن التطورات راحت تتداعى باحتمالات حافلة.
ومنذ ذلك الوقت على سبيل المثال حدث ما يلى:
– خرج خروشوف من الكرملين وظهرت مكان زعامة الرجل الواحد قيادة جماعية مختلفة، كما أن نتائج الانتخابات الأمريكية فى نهاية 1964 كرست فى البيت الأبيض زعامة الرجل الواحد التى يمثلها جونسون، بدلاً من قيادة الصفوة المفكرة التى ظهرت أيام كيندى!
– لم تتوقف الكتل عند درجة التفتت، وإنما نشب الصراع حاداً وعنيفاً داخل حلفاء الكتل القديمة أنفسهم، وصل النزاع الصينى السوفيتى إلى حد الكراهية القاتلة، وطلبت فرنسا إلى حلف الأطلنطى أن يفك قواعده من فوق أرضها ويبحث لقيادته – التى كانت فى باريس – عن بيت آخر يؤويها!
– وفجرت الصين قنبلتها الذرية الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، وفى نفس الوقت بدا أن فرنسا قد أصبحت أخيراً فى أحضان حلمها المستبد بأن تكون لها قوة نووية ضاربة خاصة.
– وانطلقت سياسات القوة تضرب من الأمام ومن الخلف حسب ما تواتيها الفرصة.
وصلت القوات الأمريكية فى فيتنام الجنوبية الآن إلى أكثر من ثلاثمائة ألف مقاتل، واتصلت الغارات الجوية على فيتنام الشمالية ليل نهار.
ثم نزل جنود البحرية الأمريكية إلى الدومينيكان.
وكانت غارات الاستعمار الجديد على عدد من الدول حديثة الاستقلال فى أفريقيا لا تقل أثراً على المدى البعيد من ضرب فيتنام ومن غزو الدومينيكان.
– تزايد الضغط على الدول غير المنحازة – القادرة والقابلة – واستغل الضغط تكاثر مشاكل النمو الاقتصادى والاجتماعى وراح يشدد قبضته.
ولقد كان ضرورياً أن تتاح الفرصة لفكر جديد، وكان هناك دائماً الإحساس بأهمية ترتيب لقاء يتبلور فيه هذا الفكر تفاعلاً مع الأوضاع المتغيرة.
وربما من الإحساس بهذه الضرورة أن ظهر فى بداية هذا العام اقتراح بالدعوة إلى مؤتمر محدود للدول غير المنحازة كان التقدير وقتها أن تشترك فيه من عشر إلى خمس عشرة دولة.
ولقد ظهر الاقتراح بعد أحداث إندونيسيا وغانا فى بداية هذا العام، وكرد فعل لتوالى ضربات سياسة القوى وغارات الاستعمار الجديد، لكن ذلك الاقتراح لم يتحقق لأكثر من سبب.
ولربما كان أهم هذه الأسباب – وإن لم يكن أظهرها – أن سياسية عدم الانحياز فى هذه المرحلة تحتاج إلى تجديد فكرها وإلى ملاءمته مع الظروف المتغيرة أكثر مما تحتاج إلى الهرولة لمواجهة أية أزمات مفاجئة!
وربما من هذه الحاجة ومن متطلبات الاستجابة لها، أن يعقد هذا الاجتماع المنتظر فى دلهى بين عبدالناصر وتيتو وأنديرا غاندى – ابنة نهرو وخليفته فى رئاسة وزراء الهند.
اجتماع ثلاثى لا أكثر.
اتجاه إلى التركيز بدلاً من الاتساع.
وهو التركيز وصولاً إلى العمق قبل المغامرة بالانتشار.
يساعد عليه أنه يبقى دائماً اجتماعاً بين أصدقاء قدامى هم بأنفسهم تصوروا المرحلة السابقة من سياسة عدم الانحياز واستطاعوا تحقيقها، وهم الأقدر على تصور المرحلة الجديدة وإعداد منطلقاتها.
على الأقل يستطيع كل واحد منهم أن يفكر أمام الآخرين بصوتٍ عالٍ وأن يطرح ما عنده للمناقشة وللبحث حتى يلمس فكرهم حدود الأفق الجديد!
وليس معنى كل هذا الذى أقوله عن الأوضاع المتغيرة، والأفكار والآفاق الجديدة أننى أتصور أن المفهوم الأساسى لعدم الانحياز لم يعد صالحاً للمرحلة الجديدة كما كان صالحاً للمرحلة السابقة.
على العكس من ذلك رأيى، ففى ظنى أن التجارب المتعددة والمتنوعة أكدت جميعاً سلامة المفهوم الأساسى لعدم الانحياز وصلاحيته لكل الظروف.
إن أقرب تعريف للمفهوم الأساسى لعدم الانحياز كما يلى:
“أن نكون غير منحازين معناها أن نكون قادرين إزاء أية مشكلة دولية على أن نتخذ – بالقول والفعل – موقفاً صادراً عن المبادئ وحدها، غير متأثر بالتزام مسبق نتيجة الانتماء إلى حلف سياسى أو عسكرى تتزعمه قوة كبرى، أو نتيجة الخضوع لضغط من أى نوع يمارس ضدنا، أو نتيجة الخوف مما يمكن أن نتعرض له إذا خرجنا – قولاً أو فعلاً – لخدمة ما نؤمن به من المبادئ والمثل”.
ذلك التعريف العام لعدم الانحياز كان صحيحاً فى المرحلة السابقة، ولسوف يبقى صحيحاً فى المرحلة الجديدة وفى كل مرحلة بعده.
لكن الممارسة هى مجال البحث والأسلوب هو القابل للتغيير مع الأوضاع المتغيرة.
وقبل مؤتمر دلهى واستعداداً له فإن كثيرين أداروا فى رءوسهم أفكاراً جديدة طرحوها للمناقشة.
وعلى سبيل المثال فإن الدبلوماسى الممتاز “بانت” سفير الهند فى القاهرة أعد بحثاً عنوانه “خواطر قليلة عن عدم الانحياز” وبعث به إلى يوماً مع رسالة رقيقة يقترح فيها أن نناقشه معاً، وبالفعل فلقد جلسنا مرتين، واحدة فى مكتبى طيلة صباح، وثانية فى بيته طيلة سهرة، وحديثنا لا يتوقف حول “خواطره”!
وخواطره – ولا أظلمه بتلخيصها وإنما أشير إلى المعالم الرئيسية لها – تجرى على النحو التالى فى مجموعة من التساؤلات المتشابكة:
“إن مفهوم عدم الانحياز ظهر بشكل بدائى فى أوقات مختلفة من التاريخ الإنسانى حين أرادت بعض الشعوب أن تحمى نفسها من ضغوط من هم أقوى منها أو تنأى بنفسها عن صراعات لا تقدر عليها حتى استطاع نهرو وعبدالناصر وتيتو فى ظروف عالم ديناميكى أكثر، وفى مواجهة صراعات حافلة بأسباب التوتر خصوصاً بين الكتل الكبرى أن يستخلصوا موقفاً لعدم الانحياز يقوم على الرغبة فى صيانة السلام وتجنيب العالم مخاطر كارثة ذرية.
ولقد كنا نعتمد على التأثير المعنوى لموقفنا، ولكن هل بقيت للتأثير المعنوى فعاليته؟
ربما كان التأثير المعنوى كافياً فى عهد سيطرة الكتلتين، ولكن هل هو كاف فى عهد تعدد مراكز القوة؟
الراجح أننا نحتاج إلى تأثير أقوى من مجرد التأثير المعنوى.
لكى نكون مؤثرين، يجب أن نكون أقوياء، والقوة اقتصادية عسكرية إستراتيجية.
ولكى نحصل على القوى لابد من ثورة تعيد بناء أوطاننا مستفيدة من التقدم العلمى والتكنولوجى العالمى الضخم.
ولكى نفعل ذلك فإننا نحتاج إلى التعاون مع دول كبرى سبقتنا إلى التقدم.
ولكن الدول الكبرى تصوغ شروط التعاون وفق رغباتها.
وإذن لابد أن نكون فى وضع نشترك فيه – بالتكافؤ – فى وضع شروط التعاون.
وذلك لا يتحقق إلا عندما تكون لنا قوة مؤثرة.
ولكن أحداً منا بمفرده لا يملك هذه القوى المؤثرة خصوصاً فى مواجهة الدول الكبرى.
وإذن فلابد أن نقترب نحن غير المنحازين معاً لنكون قوة متحدة.
ولكن كيف نحول دون أن يصبح تعاوننا معاً. وحدة فى الفقر.
هل يمكن أن نتصور تعاوناً وثيقاً بين الدول غير المنحازة. الأسبق إلى التقدم، الجمهورية العربية المتحدة، والهند، ويوغوسلافيا.
هل نستطيع بجبهة واحدة بيننا أن نتقدم معاً وأن نضغط معاً. وهل نستطيع بعدها أن نساعد غيرنا.
لابد أن نخلق معاً قوة مؤثرة، سياسية واقتصادية، وعسكرية.
وهل نفكر فى “القنبلة”؟ وهل هذا مقبول، وإذا كان مقبولاً فكيف وأين ومتى؟
كنا دائماً نخشى من التعاون الوثيق المتعدد الجوانب بين الدول غير المنحازة مخافة أن يصبح ذلك كتلة أخرى. ولنفس السبب كنا نخشى من إقامة أجهزة دائمة لقوى عدم الانحياز. هل ترغمنا الظروف الجديدة على أن نتغلب على الخشية السابقة ونتصرف لكى نجعل قوتنا مؤثرة، ومستمرة.؟
هل يعنى ذلك أننا نضيف إلى مراكز القوة المتعددة، مركزاً جديداً؟
ماذا يخيفنا فى تعدد المراكز، إن العالم أكبر من أن يتحكم فيه مركزان، ولابد أن ينتهى التحكم والسيطرة وما قد يكون سهلاً باتفاق اثنين يصبح صعباً بالنسبة لثلاثة. أربعة. خمسة.
وتعدد المراكز قد يخلق ديمقراطية عالمية من موقف التساوى”.
خواطر متداعية حشدها الدبلوماسى الممتاز فى بحثه وفى حديثه وطرحها للمناقشة لم يقطع بصحتها جميعاً، لكنها وردت على فكره وأراد اختبارها مع فكر الآخرين ولو كرياضة عقلية قبل اجتماع على مستوى القمة يستطيع أن يكون منطلقاً فكرياً لبلوغ أفق جديد.
وعلى سبيل المثال فإن الاقتصادى المصرى البارز الدكتور على الجريتلى الذى استعاره الآن صندوق التنمية التابع للأمم المتحدة، طرح هو الآخر، قبل مؤتمر دلهى واستعداداً له، اقتراحاً جديداً للمناقشة، ولقد قدمه بنفسه للرئيس جمال عبدالناصر فى اجتماع أخير معه، ضمن الاجتماعات التى يعقدها الرئيس فى بيته عادة ويناقش فيها ما يراه من المسائل والقضايا.
ولقد طرح على الجريتلى اقتراحه على الرئيس عبدالناصر خارج الاجتماع الذى حضره معه وبعده ثم قدم عنه بحثاً مفصلاً إلى رئيس الوزراء صدقى سليمان.
ويقول على الجريتلى فى اقتراحه:
“إنه يقترح أن يتضمن اجتماع دلهى دراسة مشتركة لمشكلة الديون الخارجية للدول النامية، وأن يطلق قادة الدول غير المنحازة صيحة يطالبون فيها بتجميد هذه الديون وتقسيطها على آجال طويلة مع خفض أسعار الفائدة إلى اثنين ونصف فى المائة على الأكثر، وإلغاء القيود على صادرات الدول النامية”.
ويقول على الجريتلى بعد دراسة اعتمد فيها على أرقام البنك الدولى ومؤسسة التنمية الدولية:
“إن آمال التقدم دفعت عدداً من الدول النامية إلى الاقتراض الخارجى لتحقيق نسبة نمو أسرع”.
وبينما كانت الديون الخارجية على الدول النامية فى حدود 9 بلايين دولار – فإنها زادت سنة 1965 إلى 33 بليون دولار أى بمعدل زيادة سنوية قدره 17%.
ومن المؤكد أن عدداً كبيراً من هذه الدول لا يستطيع سداد كل هذه الديون بأقساطها وفوائدها العالية، ثم يواصل فى نفس الوقت نسبة النمو المطلوبة لتحقيق التقدم.
وأشار الدكتور على الجريتلى إلى تقرير أخير للبنك الدولى عن الديون الخارجية لإحدى عشرة دولة من الدول الأعضاء فى صندوق النقد الدولى على النحو التالى:
الهند دينها 4 بلايين دولار.
البرازيل 2.3 بليون دولار.
الأرجنتين 2.1 بليون دولار.
المكسيك 1.6 بليون دولار.
الباكستان 1.3 بليون دولار.
مصر 1.3 بليون دولار.
تركيا 1.1 بليون دولار.
يوغوسلافيا 1.1 بليون دولار.
شيلى 0.9 بليون دولار.
كولومبيا 0.7 بليون دولار.
ولقد حذفت من هذه الدول إسرائيل للظروف الخاصة المحيطة بها، ومع أنها أكثر دول العالم إطلاقاً فى مديونيتها الخارجية – حتى بغير حساب التبرعات والهبات – فإن إسرائيل تجد دائماً من يسهل لها ويخفف عنها!
فكرة أخرى قدمها اقتصادى مصرى بارز يخدم الآن فى الأمم المتحدة، وهى اقتراح – على أى حال – يقبل المناقشة ويستحقها باهتمام.
ومهما يكن فإن هذا الاقتراح الصادر عن الدكتور الجريتلى يثير تساؤلات متعددة.
تساؤلات عن الأسعار التى تفرضها الدول المتقدمة على المواد الخام التى تحصل عليها، ثم على السلع المصنوعة التى تبيعها؟.
وعن استقرار العالم وكيف يمكن أن يتحقق باستمرار وجود واتساع المسافة بين مستويات الحياة فى الدول المتقدمة وفى الدول المتخلفة.؟
وعن الظروف التى تستطيع فيها الدول النامية أن تحقق نسبة تقدم أسرع تعوض بها ما فاتها وتلحق بمن سبقها.؟
وعن الشروط التى تستطيع بها هذه الدول أن تحقق بها ذلك؟
ولقد أثبتت تجربة الهند ذاتها أن المديونية الخارجية للدول النامية تستغل فى بعض الأحيان سياسياً للضغط على هذه الدول.
ولقد تعرضت دلهى هذا العام لهجمة من الدائنين أرغموها خلالها على تخفيض سعر الروبية، فإذا النتائج لا تساعد الهند وإنما تزيد موقفها تعقيداً وتجعل قدرتها على السداد بعد كل ما قبلت به أقل مما كانت قبل القبول.
وهذه وغيرها أفكار مطروحة للمناقشة. ولقد يصلح بعضها ولقد يظهر غيرها!
لكن اجتماع دلهى المثير لا تنتظره القضايا الفكرية وحدها وإنما المواقف المحددة فى انتظاره أيضاً.
وربما كان أكثرها إلحاحاً مشكلة فيتنام التى يعقد المؤتمر قريباً منها على ناحية الغرب فى دلهى، وفى نفس الوقت يعقد مؤتمر آخر يتصل بها اتصالاً مباشر على الناحية الأخرى ناحية الشرق، فى مانيلا عاصمة الفلبين.
إن ليندون جونسون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يعبر المحيط الهادى الآن إلى مانيلا لاجتماع مع رؤساء الدول المشتركة معه فى حرب فيتنام.
ولقد كان موعد اجتماع مانيلا هو السابع عشر من هذا الشهر، وكان يمكن له أن ينعقد وينفض قبل اجتماع دلهى.
لكن الرئيس الأمريكى رأى تأخير الموعد بضعة أيام، فإذا هو فى نفس الوقت تقريباً مع اجتماع دلهى.
ولقد يكون الأمر مقصوداً. ولقد يكون مجرد مصادفة.
لكن مؤتمر دلهى، يجتمع فى نفس الوقت، فى عاصمة الهند، وأمامه عبر مسالك بحرية قريبة ومباشرة يجتمع مؤتمر مانيلا فى عاصمة الفلبين.
وفى المسافة ما بين الاجتماعين تتهاوى القنابل، المتفجرة والحارقة وقنابل الغازات والميكروبات فوق الشعب الشهيد فى فيتنام.
ثم. ألحق على عجل بالطائرة المسافرة إلى دلهى!.
المصدر
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=427