“بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : البترول العربى وإسرائيل 19- 5- 1961 “

البترول العربى وإسرائيل 19- 5- 1961
3 عقد تحكم البترول العربى وتشارك فى مسئولية الضياع الذى يذهب إليه
أين عائدات البترول العربى، وما هو دورها، فى معركة المصير العربى؟
فترة “الانقلاب” أما آن لها أن تنتهى؟!
منذ أسبوعين بدأت سلسلة من الأحاديث عن إسرائيل وعنا. وهذا هو الحديث الثالث فى الموضوع. والأخير فى هذه السلسلة.
فى المرة الأولى، كان محور البحث، هو إسرائيل نفسها وأحوالها الآن، ولحظة “مواجهة النفس” التى تبدت فيها من خلال الأزمات الكبرى التى تضغط على كيانها.
وفى المرة الثانية، كان محور البحث هو: نحن وإسرائيل، وكان الخط الأساسى فيه هو ضرورة خلق قوة ذاتية عربية شاملة قادرة على الفعل الإيجابى ضد إسرائيل وضد الذين وضعوا إسرائيل على أرضنا، مركزاً أمامياً لتهديدنا، وفاصلاً يعوق إعداد وطننا، وإسفنجة تمتص الطاقة الثورية لنضالنا الوطنى.
ولقد كان آخر ما وقفت عنده فى حديث الأسبوع الماضى هو أن الجمهورية العربية المتحدة تتحمل إزاء التاريخ العربى، والمصير العربى، مسئولية مواجهة إسرائيل وتصفية خطرها، لأن الجمهورية العربية المتحدة ليست مجرد دولة، وإنما هى مركز التجمع لكل ما حصلت عليه الأمة العربية حتى الآن – وما تتطلع للحصول عليه فى المستقبل – من أسباب القوة الذاتية العربية!
ولكن تبقى كلمة أخيرة – هى موضوع هذا الحديث الأخير فى السلسلة – يجب أن توضع على الورق.
كلمة عنوانها: البترول العربى وإسرائيل!
أو بمعنى أدق وأشمل: البترول العربى والقوة الذاتية العربية.
إن نظرة سريعة، مجردة عن الهوى ومنصفة، إلى العالم العربى اليوم تؤكد أن فيه إحتمالين للقوة الذاتية العربية.
الجمهورية العربية المتحدة – أولاً – بكل ما تمثله من الطاقات الثورية، التى تقوم الآن بجهد بطولى لتغيير شامل وأساسى يستهدف صنع مستقبل العالم على دعامتين من الوفرة والعدل.
ثم البترول العربى – ثانياً – بكل ما يمثله من إمكانيات قادرة على المساهمة العملية فى صنع القوة الذاتية العربية.
وبينما نجد الجمهورية العربية المتحدة مندفعة إلى أمام بكل جهدها، بل بما يزيد أحياناً عن كل جهدها.
فإن البترول العربى إحتمال القوة الثانى – لم يبدأ بعد فى تحمل مسئوليته. ومازال يبعثر طاقته هباء على رمال الصحراء.
ولكن مناقشة موضوع البترول العربى مشكلة، أشبه ما تكون برحلة أقدام حافية على طريق مزروع بالشوك مفروش بشظايا الزجاج.
لقد أتى البترول العربى، إلى الأرض العربية التى تفجر فيها، بعقد أكثر مما جاء إليها بحلول!
كان الفقر هو مشكلة الأرض العربية التى تفجر منها البترول فأصبح الغنى هو مشكلتها.
ذلك أن الإنتقال كان سريعاً، بل مفاجئاً، وكان محققاً، بل وكان طبيعياً، أن تمر فترة من الدوار قبل أن تستقر الموازين على الظروف الجديدة. وتبرز قيم تستطيع الوقوف على الأرض بثبات وصلابة.
ولكن الوصول إلى هذه القيم الثابتة الصلبة، كان يقتضى توجيها أميناً قادراً على فهم الطبيعية البشرية وواقعها الحى قدرته على تصور المستقبل ومستلزماته الأساسية.
ومن ناحية الطبيعة البشرية فلقد كان يجب أن نفهم الإندفاع الجديد إلى الإسراف على أنه رد فعل لا مفر منه ضد قيود الحرمان قبل إنفجار الثروة المفاجئ.
لقد كان طبيعياً فى تلك الفترة مهما كانت أمانينا الطيبة – أن نرى هذا الإندفاع إلى السيارات الفارهة، مصنوعة مقابضها من الذهب الخالص، مرصعة مقاعدها باللؤلؤ الحر. وكان طبيعياً أن نرى القصور تبرز على كثبان الرمل كأنما بناها السحر فى القصص الأسطورية. وكان طبيعياً أن نجد الشهوات العطشى الجائعة تبحث عن ريها وشبعها حيثما وجدته ميسراً، سواء على شاطئ البحر فى بيروت أو على ضفاف السين والراين أو عبر المحيط فى نيويورك أو سان فرانسسكو.
كل ذلك قد يبدو لنا من وجهة نظر الأخلاق، أمراً لا يجوز، خصوصاً فى هذه المرحلة الدقيقة الفاصلة من حياة الأمة العربية، ولكن هذا الحكم من وجهة نظر الطبيعة البشرية تعنت يفوق طاقة إحتمالها.
كان لابد – بحكم الطبيعة – من فترة إنفلات!
ولكن كان لابد بعد ذلك – بحكم الضرورة – من مرحلة أخرى، يبدأ فيها إستقرار الموازين، وتبرز القيم الجديدة بثبات وصلابة.
بذلك وحده يمكن أن تكون لهذه الثروة العربية، قيمه أبدية، فى معركة المصير العربى!
هل حدث هذا؟
الرد الصريح:
– لم يحدث ذلك حتى الآن!
فترة الإنفلات مازالت قائمة!
وإذا كان الإنصاف يقتضى أن نقول، إنه قد جرت محاولات أو شبه محاولات!
محاولة أو شبه محاولة منها جرت فى العراق قبل الثورة – مع الأسف – حين أنشئ مجلس الإعمار العراقى ووجه إليه دخل العراق من البترول على أمل توجيهه فى مشروعات إنتاجية.
وإذا كان الفساد السياسى فى العراق قبل الثورة، وظروف الحكم الملكى هنالك وتنازع المغانم بين الأحزاب الإقطاعية، قد أدى بالتجربة إلى الفشل، فلقد بقيت الفكرة وبقى العنوان بمجلس الأعمار العراقى، كلافتة تشير إلى الطريق الصحيح.
كذلك حدثت محاولة أو شبه محاولة فى الكويت، ولكن المحاولة بقيت محصورة فى نطاق عدد من المبانى الضخمة الكبيرة هناك على ذلك الشاطئ القصى من الخليج.
ولكن هل ذلك منتهى جهد البترول العربى؟
ولماذا عجزت هذه الثروة العربية عن أن تساهم إيجابياً فى تدعيم معركة المصير العربى؟!
لا مفر من الإعتراف بأن الأحوال السائدة فى العالم العربى من حول مناطق تفجر البترول، مسئولة فى الواقع عن هذا الضياع الذى إنتهى إليه البترول العربى، أو شريكة فى مسئوليته.
لقد بدأ البترول يتفجر والعالم العربى غارق فى إنتهازية ليست لها حدود.
وكانت الثروة الطارئة النابعة من قلب الصحراء، نداء لهذه الإنتهازية لا تقدر أن تغلق آذانها دونه.
هكذا، فى الوقت الذى كان ينبغى فيه على العواصم العربية خارج مناطق البترول، أن تشارك فى مسئولية التوجيه الرشيد للثروة الطارئة، حتى تمر فترة الإنفلات بسلام، وجدنا هذه العواصم – بتأثير الأوضاع الإنتهازية التى تحكمها – توجه المغامرين فيها والأفاقين إلى أرض الثورة الجديدة لا هم لهم إلا خطف ما تصل إليه أيديهم، ثم إذا بعض هذه العواصم تمضى إلى أبعد من ذلك فتكرس جهدها كله لتفيد من فترة الإنفلات، وتفتح أبوابها، كل أبوابها، للشهوات العطشى الجائعة!
هكذا فى وقت من الأوقات، وجدنا الملك فاروق ملك مصر السابق، الذى استطاع أن ُيهرب إلى الخارج أكثر من عشرين مليون جنيه، يتمادى فى إلحاحه لكى يتسول من الملك عبدالعزيز آل سعود مليون جنيه أخرى.
هكذا وجدنا رؤساء الوزارات فى بلاد عربية كثيرة، لا هم لهم إلا أن يكونوا فى مطارات عواصمهم يستقبلون شيوخ البترول، أو يودعونهم بمثل ما استقبلوهم به من الحفاوة والتكريم.
بل وصل الإنحراف إلى الحد الذى أظهرته قضية ُنظرت أمام محاكم بغداد وثبت فيها أن عصابات تألفت لخطف الفتيات وتصديرهن إلى مناطق البترول.
رقيقاً. رقيقاً بالمعنى الحرفى للكلمة فى هذا العصر الذى وصل الإنسان فيه إلى حدود النجوم!
وامتلأ العالم العربى من حول البترول العربى بالعقد.
عقد الثروة المفاجئة عند الذين هبطت عليهم الثروة.
وعقد الإنتهازية التى إنطلقت تنهب من الثروة الجديدة قدر ما تستطيع.
– عند الذين هبطت عليهم الثروة المفاجئة كانت هناك عقد الإسراف، وعقد التباهى السطحى، وعقد الإستهتار، وفوقها جميعاً عقد إحتقارهم للذين يجدونهم من حولهم لا هم لهم إلا الركوع على أقدامهم فى إنتظار فيض الإحسان والإنعام!
– وعند الذين إنطلقوا ينهبون قدر ما يستطيعون، كانت هناك عقد الجشع، عقد الربح السريع، عقد الإستهانة بالكرامة، وفوقها جميعاً عقد إستخفافهم بالذين يملأ الذهب خزائنهم لغير ما جهد بذلوه إلا صدفة تدفق البترول من تحت أقدامهم.
ثم قامت عقدة جديدة ثالثة.
هنا فى الجمهورية العربية المتحدة.
عقدة الترفع، والإبتعاد عن مواطن الشبهة، والنأى بالنفس عن مزالق الإنتهاز!
كانت الجمهورية العربية المتحدة فى سعيها إلى قوة عربية ذاتية تحكم الطلائع الثورية المتقدمة فى العالم العربى، فى حاجة إلى إستثمارات ضخمة توجهها نحو تطوير الصناعة والزراعة والخدمات، بغية توسيع قاعدة الثروة الوطنية تمكيناً للعدالة القائمة على الكفاية فى التوزيع.
وكان فى وسع الجمهورية العربية المتحدة أن تطلب من أصحاب الثروة المفاجئة من شيوخ البترول وأمرائه، توجيه بعض الفائض من ثرواتهم لإستثماره فى عملية التطوير الجديدة، وهى – قبل كل شىء – وسيلة القوة الذاتية للعرب، لكل العرب.
ولكن الجمهورية العربية المتحدة – وبيدها الحق – آثرت أن تطرق كل سبيل إلا هذا السبيل بالذات!
ذهبت الجمهورية العربية المتحدة إلى روسيا فحصلت على قروض للتصنيع ولبناء السد العالى.
وبحثت الجمهورية العربية عن التسهيلات الإئتمانية فى كل عواصم الدنيا، فى واشنطن، فى بون، فى طوكيو، فى بلجراد، فى روما، فى لندن، فى برن، فى أمستردام، فى كل مكان إلا هناك فى مناطق البترول!
بل خاضت الجمهورية العربية معركة القتال المسلح من أجل إسترداد قناة السويس بغية توجيه دخلها السنوى وقدره خمسون مليون جنيه تزيد كل عام – إلى مشروعات التطوير.
حتى إستطاعت الجمهورية العربية المتحدة، أن توفر كل إحتياجات النقد اللازم لخطة مضاعفة الدخل القومى، دون أن تتجه بنظرة واحدة إلى الثروات الهائلة المبددة على رمال الصحراء.
وفى هذا كله كانت عقدة الترفع، والإبتعاد عن مواطن الشبهة، والنأى بالنفس عن مزالق الإنتهاز، هى الدافع والمحرك!
ولقد كان من آثار هذه العقد جميعاً.
عقد الثروة المفاجئة عند أصحابها.
عقد الطمع المذل عند طلاب الثروة.
عقد التعالى والإبتعاد والنأى.
كان من آثار هذه العقد جميعاً أن نزل ستار من الصمت الشامل على البترول العربى، والهباء الذى يضيع إليه، والدور الإيجابى الذى كان يستطيع أداءه فى صنع القوة العربية الذاتية، ولكنه لا يتقدم خطوة نحوه.
لم نعد نسمع عن شيوخ البترول وأمرائه، غير المنتفعين، أو إلحاح الطالبين، أو التشهير والسباب الشخصى صادراً من الساخطين الذين حرموا ويرون غيرهم يتمرغون فى العطاء!
ثم، من ناحية الجمهورية العربية المتحدة، صمت وسكون، وسلبية تبدو وكأن الأمر لا يهمها فى شىء أو يعنيها.
وليس ذلك هو الحق، ولا ينبغى أن يكون!
إن الجمهورية العربية إستطاعت أن توفر لنفسها إحتياجاتها من الإستثمار، ولكن أجزاء كثيرة من العالم العربى تئن تحت وطأة الحاجة من بينها أجزاء تفجر فيها البترول.
فإن الأمر الواقع الذى يحكم أجزاء كثيرة من العالم العربى إعتبر أن الكنز الذى تفتحت طلاسمه، لا يخص غير الأمراء الكبار، أما جماهير الشعب فليس لها منه شىء، كان الجنى المرصود لحراسة سر الكنز منذ الأزل لا يعرف وجوهها ومن ثم لا يسمح لها بالدخول!
أجزاء كثيرة من العالم العربى – خارج الجمهورية العربية المتحدة – تئن تحت الحرمان.
أجزاء كثيرة عليها جماهير يسيل البترول تحت أقدامها، ولا تستطيع غير أن تكون وقوداً له، وكان المنطق أن يكون البترول هو الوقود الذى يضىء طريقها إلى الأمن المرتجى.
ولقد كان يمكن للجمهورية العربية المتحدة، وهى مرتكزة فى اطمئنان على إستغنائها، أن تتكلم لصالح الشعوب العربية الباقية.
تتكلم دون ضغط، وتوجه دون إحراج.
ولكن الجمهورية العربية المتحدة تقبع وراء السلبية.
مثال وحيد فى حركتها الثورية، وثغرة واضحة فى منطقها المنادى بالوحدة.
ولكنها تلزم الصمت حتى الآن من فرط الحساسية.
وتضيع ثروات طائلة تتشربها رمال الصحراء، وتضيع سنوات غالية حاسمة فى النضال العربى، وتزداد الأعباء على شعوب عربية محرومة ومحتاجة.
كل هذا وطليعة الدفع الثورى العربى، الجمهورية العربية المتحدة، تكتفى بأنها إستغنت ناسية أن هناك شعوباً عربية تعيش خارج حدودها، وأنها مسئولة عن مستقبل هذه الشعوب فى معركة المصير الواحد!
لا شىء يظهر المشكلة فى حدودها وأبعادها الحقيقية – فى رأيى – إلا نظرة على الأرقام.
وأمامى الآن وأنا أكتب هذه السطور، دراسة مبنية على تقرير لأكبر البنوك الأمريكية، وهو بنك The First National City Bank of New York، موضوع التقرير هو دخل البلاد العربية من عوائد البترول العربى وهو صادر عن البنك بتاريخ إبريل سنة 1959، وعلى أساسه فإن دراسة الموقف تظهر النتيجة التالية:
1- يحصل العراق من دخل بتروله على 300.000.000 دولار سنوياً.
2- تحصل الكويت من دخل بترولها على 500.000.000 دولار سنوياً.
3- تحصل السعودية من دخل بترولها على 350.000.000 دولار سنوياً.
4- تحصل قطر من دخل بترولها على 100.000.000 دولار سنوياً.
ومعنى ذلك – دون حساب بترول البحرين لأنه قليل ودون حساب بترول ليبيا لأن أرقامه لم تتضح بعد – أن أربعة من البلاد العربية تحصل سنوياً على 1.250.000.000 دولار – أى ما يقرب من خمسمائة مليون جنيه إسترلينى سنوياً!
أين تذهب هذه المبالغ الخيالية كل سنة، وما هو دورها فى توفير القوة الذاتية العربية حتى داخل حدود بلادها. داخل العراق، وداخل الكويت وداخل السعودية وداخل قطر؟
لو حسبنا المدارس والمستشفيات، والمصانع والحقول الجديدة والإستثمارات الحقيقية البناءة التى إستطاعت عائدات البترول العربى أن تضيفها إلى القوة الذاتية العربية لهالتنا النتيجة؟
ومن عجب أن البترول العربى يصنع لأوروبا رخاءها الحقيقى، فإن ثمانين فى المائة من قوتها المحركة كلها مستمدة منه، أما نصيب الأمة العربية من هذا البترول فلا يصنع لها شيئا!
كيف نتصرف نحن – نحن العرب – فى عائدات بترولنا؟
الواضح أن دخل البترول العربى ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
– قسم يصرف منه على التعمير فى البلاد المنتجة للبترول، وهو لا يزيد على عشرة فى المائة من هذا الدخل، والقصور أو الطرق المؤدية للقصور تحتل الجزء الأكبر من هذه النسبة.
– قسم آخر يصرف منه إدارة الحكم فى البلاد المنتجة للبترول، وهو لا يزيد على عشرين فى المائة، والرشوة والفساد يبتلعان الجزء الأكبر من هذه النسبة.
– ثم يبقى القسم الأخير، القسم الأكبر من عائدات البترول العربى، وهو يعتبر ملكاً شخصياً للأمراء والمشايخ، يصرفون منه ما يشاءون والباقى فى الخارج مودع بأسمائهم.
والأموال المودعة الآن بأسماء الشيوخ والأمراء من بلاد البترول خارج بلادهم، تبدو فى غرابتها كرحلة جاجارين إلى الفضاء من حول الأرض فى أقل من ساعة واحدة.
مئات الملايين من الجنيهات. مئات الملايين، لا خيال ولا مبالغة، مكدسة بأسماء عربية، فى بنوك بريطانيا وسويسرا وإيطاليا وأمريكا.
مئات الملايين. ليست نائمة وليست عاطلة.
وإنما هى متحركة ومنتجة.
ولكنها مع الأسف – فى حركتها وإنتاجها تصنع قوة غير عربية.
إنها تساهم فى الإستثمار، وفى التطوير، فى بلاد أخرى بعيدة، بينما هنا على ضفاف الأردن ودجلة، وفى وديان الجزيرة العربية وفوق قمم الجبال فى اليمن، تنقطع أنفاس الحياة. وتكاد حركتها تكف عن النبض.
أين تذهب عائدات البترول العربى كل سنة. وما هو دورها فى توفير القوة الذاتية العربية؟
هذا هو السؤال الهام الذى لا ينبغى أن يواجه بالصمت بعد اليوم فى العالم العربى بتأثير أية عقدة من العقد.
عقد الثراء. أو عقد الطمع. أو حتى عقد الترفع والزهد؟
هذا السؤال ملك الجماهير العربية كلها.
ولا يملك أحد أن يلزم الصمت أمامها مهما كانت دوافعه.
هل بقيت قصور لم تبن.
هل بقيت ألوان من الجمال وأشكال لم تدخل وراء أسوار الحريم؟
هل بقيت سيارات؟ هل بقيت طيارات؟ هل بقيت مجوهرات لم ُتشتر بعد؟
هل بقى ترف. هل بقى نعيم. هل بقيت متع ومسرات، لم تمارس دون ما قيد أوحد؟
لقد آن “للإنفلات” أن يملك نفسه.
آن للشهوات الظامئة الجائعة أن ترتوى وأن تشبع فقد مضت من الزمان مدة كافية أخذت فيها الطبيعة البشرية حصتها من “الإنفلات”.
لقد أصبح حقا على الجماهير العربية – خصوصاً هنا فى هذه الجمهورية العربية المتحدة – أن تهتم.
لم يعد من الجائز أن يكون “إستغناؤنا” سبباً “لتحرجنا”.
آن أن يكون هذا “الإستغناء” سنداً لإهتمام إيجابى، نزيه ومجرد، يدعو إلى الحفاظ على إمكانيات الثروة العربية، وعلى توجيهها فى بلادها لصنع قوة ذاتية عربية تصمد مع الجمهورية العربية فى معركة المصير العربى وتنتزع النصر أمام كل التحديات أمام تحدى الإستعمار أمام تحدى إسرائيل صنيعه هذا الإستعمار وأداته، ثم أصلا وأساساً أمام التحدى التاريخى لما ينبغى أن يكون عليه المواطن العربى الحر، فى وطنه العربى الحر!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=425