بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : اغتيال وصفى التل.

اغتيال وصفى التل.
تستحق قضية اغتيال السيد وصفى التل على مدخل فندق شيراتون فى القاهرة، نظرة أخرى عليها.
نظرة تشمل السطح، وتنفذ – إذا استطاعت – تحته.
أى – بالفعل – نظرتين:
نظرة تلم بالعملية ذاتها – أولاً.
ثم نظرة تحاول استكشاف ما وراءها على حقيقته – ثانياً.
هذا مع العلم أن السطح، أو العملية ذاتها، مسألة سهلة، وأما ما تحتها أو وراءها، فأشياء بالغة التعقيد!
والسطح، أو العملية ذاتها، محصلة طبيعية لثلاثة عناصر تفاعلت معاً، وكان ما كان:
1- العنصر الأول: هو أن جماعات من شباب الثورة الفلسطينية دفعت دفعاً إلى حافة اليأس، ويبدو أن الأجيال المخضرمة بيننا، سواء بالسن أو بالعقلية، لم تعد قادرة على أن تفهم ما يمكن أن يجرى فى أعماق شباب يجد نفسه على الحافة المظلمة.
أحلام النهار الواسعة تتحول إلى كوابيس ليل خانقة، وآمال الانطلاق إلى بعيد، تجد نفسها تحت الحصار، ونزعات الرفض والغضب، وهى نزعات مشروعة فى الانتقال من جيل إلى جيل، أو من مرحلة فى النضال إلى مرحلة تليها، تشعر بقيود الحديد والسلاسل الصلب تمسك بها. لا تقيدها فحسب ولكن تريد عصرها أيضاً.
حين يرى الشباب – ملتاعاً – أن الأعلام تسقط، وأن القيم ترتج، وأن رفاق السلاح قتلى بالغدر على الأرض أو أسرى بالقمع وراء القضبان.
حين جرى هذا. ماذا ننتظر أن يكون رد الفعل؟
وليس فيما وصفت كله تصوير إنشائى، ولكنه صورة واقعية لأزمة جماعات كثيرة من الشباب العربى، فى الوسط منها، بحكم الظروف، شباب الشعب الفلسطينى، وشباب الثورة الفلسطينية بالذات.
2- العنصر الثانى: هو أن مجىء السيد وصفى التل إلى القاهرة، لحضور اجتماعات مجلس الدفاع العربى المشترك – مع كل الإجلال لحرمة الموت – كان استفزازاً لا مبرر له، بعد كل ما جرى فى الأردن من بداية شهر سبتمبر سنة 1970، إلى نهاية شهر نوفمبر سنة 1971.
كان الاستفزاز مرهقاً بأكثر مما يحتمله الموقف العربى العام وأوضاعه، ومضاعفاته المؤرقة.
– كان الاستفزاز موجهاً إلى الرأى العام العربى، وبأسلوب من يقول:
” لنفعل ما نريد ولا يعنينا شىء ولا يهمنا أحد!”
– وكان الاستفزاز موجهاً إلى المقاومة الفلسطينية، وبأسلوب من يقول:
“فعلنا ما فعلنا، وها نحن فى وسط المجموعة العربية، وعلى أرض الحليف الأكبر للثورة الفلسطينية – وهو مصر – وكأن شيئاً لم يكن”.
وكان الاستفزاز موجهاً إلى الهدف من اجتماع القاهرة نفسه وهو قومية المعركة.
فلم يكن معقولاً، بعد كل ما حدث فى الأردن وآثاره على الجبهة الشرقية المنهارة، أن يجىء الرجل الذى يتحمل – فى نظر الناس على الأقل – بالجزء الأكبر من مسئولية ما حدث، ليشارك فى اجتماع هدفه قومية المعركة.
وأذكر أن الأعضاء الثلاثة من مجلس الثورة الليبى: أبو بكر يونس، ومصطفى الخروبى، وعبدالمنعم الهونى، وكانوا يحضرون اجتماع مجلس الدفاع المشترك ممثلين للجمهورية العربية الليبية، جلسوا أمامى يتساءلون، فى نفس واحد:
“كيف يمكن أن نناقش قومية المعركة فى هذا الجو؟”
أكاد أقول إنه كان هناك استفزاز موجه للقاهرة ذاتها، بغير داع، وبلا سبب.
إن عمان لم يكن لديها أدنى شك فى أن للقاهرة تحفظات على مجىء السيد وصفى التل إليها، والوقائع كلها معروفة فى دوائر الحكم الأردنى:
ومثلاً فإنه حين ترامى إلى أسماع القاهرة فى شهر سبتمبر سنة 1970، وفى وقت حدوث أعنف صدام للسلطة الأردنية مع المقاومة الفلسطينية، أن هناك اتجاهاً إلى تكليف السيد وصفى التل بتشكيل وزارة أردنية جديدة، فإن جمال عبدالناصر – وكان موجوداً أيامها ممسكاً بدفة النضال العربى يقوده وسط صخور الخطر – لم يخف رأيه وإنما قال بوضوح:
“إذا كلف وصفى التل بتشكيل وزارة فى الأردن، فسوف نوقف كل تنسيق – وربما كل علاقة – مع عمان، لأننا سوف نعرف لحظتها تماماً أنه لم تبق فائدة”.
وحين عاد السيد الباهى الأدغم رئيس وزراء الأردن وقتها ومبعوث مؤتمر القمة فى القاهرة من زيارة خاطفة لعمان، وقال لجمال عبدالناصر:
“إنه رأى وصفى التل بالقصر الملكى بالحمر، وعرف أنه هناك يساعد فى إدارة المعركة ضد المقاومة” – فإن جمال عبدالناصر بعث للملك حسين رسالة يقول له فيها:
“إننى أرجوك فى هذه اللحظات ألا تسمع من أحد، وأرجوك فى هذه اللحظات أن تسمع صوت شعبك، وصوت ضميرك القومى”.
– ثم حدث بعد رحيل جمال عبدالناصر أن شكل السيد وصفى التل وزارة أردنية. ومراعاةً لظروف العالم العربى بعد غياب جمال عبدالناصر فإن الرئيس أنور السادات اكتفى إزاء ذلك بسحب السفير المصرى من عمان، كعلامة تحفظ واضحة.
– وحين أراد الملك حسين بعد ذلك أن يجىء إلى القاهرة، فإن الرئيس أنور السادات رجاه فى المرتين، وبكل رقة، أن يجىء وحده، وفى المرتين شاء الملك حسين أن يلغى زيارته للقاهرة أصلاً.
– ثم جاء قرار السيد وصفى التل بأن يجىء إلى القاهرة مشاركاً فى اجتماعات مجلس الدفاع العربى المشترك، فى إطار الجامعة العربية، وحيث لا تملك القاهرة إبداء أى تحفظات.
3- وكان العنصر الثالث: ولابد من ذكره إذا أردنا الأمانة – هو التفاؤل الزائد لدى جهاز الأمن المصرى.
ولقد يقال بصفة عامة إن الاغتيال السياسى حافز لا يمكن أن تجرى له الحسابات بدقة ذلك أنه “إذا وجد رجل على استعداد أن يعطى حياته فى سبيل أن يأخذ حياة رجل آخر فلا شىء يمكن أن يوقفه”.
ولقد يقال فى الاستشهاد على ذلك أن جون كيندى، الرئيس الأمريكى سنة 1963، اغتيل فى دالاس، وسط كل جهاز الأمن الأمريكى وقدراته ووسائله.
ولقد يقال أيضاً إن رجلاً فى كندا قبل عدة أسابيع، وصل إلى حيث لف ذراعه حول عنق رئيس وزراء الاتحاد السوفيتى أليكسى كوسيجين، وحدث وسط إجراءات أمن لم تشهد كندا مثلها.
قد يقال ذلك، وقد تذكر أمثلة غيره عديدة، ولكن يبقى فى ظنى أن جهاز الأمن المصرى كان عليه أن يحتاط أكثر، لكى لا يحدث ما حدث على التراب المصرى.
كان عنصر اليأس على الشباب الفلسطينى – موجوداً.
وكان عنصر الاستفزاز لأطراف متعددة أوسع من الشباب الفلسطينى – موجوداً.
لكن مسئولية الأمن على التراب المصرى. تبقى مسئولية مصرية، بصرف النظر عن أى شىء آخر.
بل إن وجود عنصر اليأس وعنصر الاستفزاز كان يقتضى من جهاز الأمن المصرى احتياطاً أشد، فقد كان مسئولاً عن رجل مطلوب، ومطلوب بشدة.
وصحيح أن السيد وصفى التل اصطحب معه خمسة عشر رجلاً من المخابرات الأردنية جاءوا معه لحمايته، لكن الحماية الأولى على الأرض المصرية. مصرية.
وليس هناك شك فى أنه كانت هناك احتياطات، لكن ما حدث يوحى بغير شك أيضاً أنه كانت فى الاحتياطات ثغرات لم يكن هناك تنبه كافٍ لها.
وإلا فكيف يدخل من مطار القاهرة أربعة. اثنان منهم بسلاحهما، كما جاء فى بعض محاضر التحقيق؟
ثم كيف يدخل أربعة بمسدسات وقنبلة إلى فندق يقيم فيه نصف وزراء الدفاع والخارجية فى العالم العربى، ثم يبقون فى ردهته من الساعة الثانية عشر ظهراً إلى الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر، دون أن يشك فى أمرهم أحد؟
وكان على جهاز الأمن المصرى – فيما أظن – أن ينصح بنزول السيد وصفى التل فى فندق آخر غير الشيراتون، لا يقتضيه – ذاهباً إلى مقر الجامعة العربية أو عائداً منها – أن يعبر كل يوم مرتين على الأقل فوق اثنين من أكثر كبارى القاهرة حركة وازدحاماً، وهما كوبرى قصر النيل وكوبرى الجلاء.
وكان على جهاز الأمن المصرى أن يكون أكثر يقظة من حول فندق الشيراتون وفى داخله.
إن سيادة القانون لا تعنى ترك مواده فى يد من يشاء، ولكن سيادة القانون فى مسئولية السلطة عن تنفيذه بغير تجاوز.
ثم إن الأمن ليس عملاً بوليسياً وإنما الأمن مهمة سياسية بالدرجة الأولى، تشمل: تطبيق القانون، والوعى بالحركة التاريخية ومسارها، والتحسب لكل الاحتمالات المفاجئة، التى يمكن أن تحدثها تفاعلات العملية التاريخية.
وبعد ذلك كله – وليس قبله – فإنه يجوز لنا أن نقول “إنه لا يمنع حذر من قدر”.
هذه هى العناصر الثلاث التى كانت محصلتها الطبيعية أن حدث ما حدث.
وهذه نظرة السطح.
نظرة على عملية الاغتيال ذاتها.
ولكن هذه النظرة هى شكل القضية. وأما القضية نفسها ففيها ما هو أعمق، عند النظرة الثانية إلى ما وراءها.
وحين نتعرض للقضية نفسها، أى لها تحت السطح، فإن عناصر الموضوع تصبح أكثر تعقيداً وتشابكاً.
وعلينا هنا أن نكون فى منتهى الصراحة، بل وفى منتهى الصرامة، ذلك أن مصارحة النفس أقسى درجات الصراحة.
ولعلى – بغير تجاوز – أعتبر نفسى واحداً من الذين مزجوا حياتهم بحياة الثورة الفلسطينية خصوصاً فى الحيز الذى تشغله منها حركة فتح.
وقد يشهد لى زعماء فتح أننى عملت معهم أيامهم، وسهرت معهم لياليهم حينما احتاجوا إلى جهد سياسى أو دعم مادى أو مدد عسكرى داخل مصر وخارج مصر، ولا حاجة بى هنا إلى إضافة بالتفاصيل.
وإذن – ومن هذا الموقع الذى يعرفونه – فإنى أقول:
“إن هناك محظوراً لا يجب أن تقع فيه الثورة الفلسطينية هذه اللحظات، بأن تتصور أن اغتيال وصفى التل، الذى خلصها من أحد أعدائها، يمكن أن يكون انتصاراً”.
إن صياغة العقل العربى تغرى أحياناً بمثل هذه التصورات.
وإذا كنا نقول:
“إن الكلمة لا تغنى عن الفعل”.
فإننا يجب أن نقول أيضاً:
“إن الدوى لا يعنى التأثير”.
ولقد كان لعملية اغتيال السيد وصفى التل صدى عال، ولكن السؤال المطروح الآن هو: “هل هذا الدوى إعلان بتحقيق انتصار ضد أعداء الثورة الفلسطينية؟”.
أكاد أقول، وقد أكون مخطئاً:
“إن هذا الدوى – بصرف النظر عن فوران لحظة عابرة – هو إعلان بوجود أزمة داخل الثورة الفلسطينية نفسها. أكثر منه إعلاناً بتحقيق انتصار لها ضد واحد من أعدائها”.
لماذا أقول ذلك؟
“أقوله لأن انعطاف أى حركة ثورية إلى طريق الاغتيال الفردى هو دليل على وجود خلل ما فى الكيان الثورى!”.
لماذا مرة أخرى؟
لأن الثورة ليست يأس فرد وليست يأس مجموعة من الأفراد تعاهدت معاً فى عصبة ضيقة ترسم وتدبر عملية اغتيال شخص أو حفنة أشخاص.
الثورة بالطبيعة هى حركة شعب. فكر جماعى يناضل إلى الأمام دائماً لتغيير أوضاع قائمة سياسية أو اجتماعية، تسد الطريق فى وجه آمال حقه ومشروعه.
والثورة الفلسطينية بهذا المعيار، هى حركة الشعب الفلسطينى لاسترداد وطن ضائع. أرضه ومجتمعه.
وإذن فهو النضال الشامل وليس الاغتيال الفردى.
وكان خيار الاغتيال السياسى مطروحاً على كل الثورات، فى الشرق وفى الغرب، بل وفى ثوراتنا القومية المشهورة، ولكن هذا الخيار نحى جانباً.
وكان خيار الاغتيال – مثلاً – مطروحاً أمام جمال عبدالناصر فى قيادته التاريخية لثورة 23 يوليو، بل وجرى التفكير فيه فعلاً، ولكن جمال عبدالناصر رفض، وكان رأيه “أن ما هو مطلوب ليس إزاحة أفراد، وإنما تغيير أوضاع”.
وكان معمر القذافى – مثلاً – يستطيع أن يرتب هو ورفاقه فى الثورة عملية لاغتيال الملك إدريس السنوسى، ولكن ذلك الخيار أيضاً نحى جانباً لصالح تغيير أعمق.
ولقد كانت الثورة الفلسطينية – برغم كل ما يحيط بها من مشاكل مخيفة – فى وضع أفضل بكثير مما واجه ثورات أخرى غيرها:
لقد انفجرت مرة واحدة فى وسط محنة قاسية.
وعبرت فى سرعة خاطفة عن آمال شعب.
بل إنها فى بعض اللحظات جسدت روح التحدى فى أمة كان شعورها بالمهانة دامياً.
وإذن ماذا حدث؟
ولماذا يتراجع العمل الثورى – وهو جماعى بطبيعته – إلى العمل الفردى كالاغتيال السياسى، مع أنه – كما يقول التاريخ – سلاح من أسلحة الثورة المضادة، أكثر منه سلاحاً فى يد الثورة؟
الثورة المضادة قد تحتاج إليه تظن أنها به توقف التقدم.
وأما الثورة، فإنها ليست بحاجة إليه، لأنها هى نفسها التقدم الذى لا يمكن وقفه!
هل يمكن أن يقال إن الثورة الفلسطينية أخطأت، وهذه هى النتيجة؟
ورأيى أن المشكلة ليست نتيجة للخطأ لأن طريق الثورات مفروش بالأخطاء، بل لعل الثوار والثورات يستفيدون من أخطائهم أكثر مما يخسرون بها.
إن تشى جيفارا – مثلاً – أخطأ فى التطبيق، ووصل إلى حد الفشل عملياً فى كوبا.
وتشى جيفارا – مثلاً – أخطأ فى التحليل، وفشل إلى حد الموت جسدياً فى بوليفيا.
ومع ذلك فإن تشى جيفارا رمز عالمى حى للثورية، لأن أخطاءه كلها كانت على طريق الإخلاص لقضية الثورة وأحلامها العظمى.
وإذن ماذا عن الثورة الفلسطينية؟
هذا سؤال.
جوابه:
أنه لابد أن يكون شىء آخر غير مجرد الخطأ!
وسؤال آخر:
هل يمكن أن يكون ذلك من أثر نوع الحياة التى عاشتها الثورة: ظروف اليأس التى ولدت فيها – الأجواء المسمومة التى تحركت فيها – الضغوط التى تعرضت لها؟
سؤال معقد.
ولكن جوابه:
ذلك كله كان من أسباب قوة الثورة الفلسطينية:
– ظروف اليأس جعلتها تدرك مبكراً أنه ليس وراءها مجال تتراجع إليه. وحركتها – إذا تحركت – لا يمكن أن تكون إلا إلى الأمام.
– الأجواء المسمومة كانت حولها طول الوقت، بل وقد ساعدتها هذه الأجواء المسمومة على النمو السريع، لأنها كانت نقيضاً ظاهراً لها.
– الضغوط؟. كانت الضغوط موجودة طوال الوقت لأن معظم الدول العربية – وهذا هو الواقع مع الأسف – حاولت ترويض المقاومة الفلسطينية، وتحويلها إلى مجرد أداة من أدوات السلطة الإقليمية المتصارعة على الساحة القومية.
يبقى السؤال الأصلى مطروحاً.
ولربما كان رحيل جمال عبدالناصر جزءً من الإجابة عليه، فلقد كان وجود جمال عبدالناصر، بمركزه التاريخى الفريد، يعطى للثورة الفلسطينية – وحتى لفصائلها التى اختلفت معه – حماية أبعد بكثير من حدود أى ظن.
ولكن هذه الإجابة على هذا السؤال الأصلى المطروح هى – كما قلت – جزئية – ذلك لأن جمال عبدالناصر ترك الثورة الفلسطينية فى أفضل وضع سياسى طول عمرها كله.
كانت مضروبة بالمدافع والدبابات فى عمان.
ولكنها كانت على قمة انتصار سياسى هائل فى القاهرة.
وكان عليها أن تستغل هذا الانتصار إلى مداه، خصوصاً بعد رحيله، وفى رصيدها أنه أعطاها نفسه الأخير.
قد يكون مناسباً – وحتى نصل إلى إجابة صحيحة، أو شبه صحيحة على السؤال الأصلى المطروح – أن نتابع بعض القسمات البارزة من حياة الثورة الفلسطينية وعملها.
كانت هناك القسمات البارزة التالية:
1- بدأت الثورة بمصادمات مع العدو الإسرائيلى، وفى أوضاع غير متكافئة، وكانت تلك الأيام هى التى أعطتها قيمتها الأسطورية.
2- بعد ومضات النجاح الأولى، أطلقت الثورة شعارات أكبر مما تستطيع تنفيذه، بينما المستطاع والمتاح لها هائل فى نتائجه سياسياً وعسكرياً، عربياً وعالمياً.
3- مع قصور الجهد عن تحقيق الشعار المعلن أو الاقتراب منه – رغم تحذيرات موضوعية عديدة – فإن المحاولة انساقت إلى تعويض الفجوة بالمبالغة، وهو أخطر ما تقع فيه الحركات الثورية.
4- مع تكشف المصاعب، فإن الحركة الثورية ارتدت من الخطوط الى المدن وكثفت عملها السياسى فى المؤخرة على حساب مواجهتها للعدو عند المقدمة.
5- حدثت خلال هذه الفترة من حياة الثورة الفلسطينية تجاوزات خطيرة انتهزها أعداؤها فرصة للانقضاض.
6- أصبح التيار الثورى الفلسطينى فى مواجهة سدين من الصخور. سد على نهر الأردن فى المقدمة وسد فى المؤخرة يمتد من الزرقا إلى عمان إلى السلط إلى أربد.
وهنا يبرز سؤال يرد عليه علم “الهيدروليكا” – علم حركة المياه – بأوضح مما ترد عليه علوم السياسة:
ماذا يحدث لتيار ماء يجد سداً أمامه؟
تقول مبادئ الهيدروليكا عندما يصل الماء إلى سد لا يمكنه النفاذ منه فإنه يرتد إلى الوراء.
أمام سد المقدمة بدأ التيار يرتد فى اتجاه المؤخرة.
وأمام سد المؤخرة بدأ التيار يرتد فى اتجاه المقدمة.
ومع وجود سدين واستمرار روافد ثورية تصب فى المجرى المسدود من ناحيتيه: ماذا يحدث؟
الرد العلمى:
يحدث أن تعلو المياه المحاصرة ثم تنسكب، ثم تتسرب، وتتسيب.
تتشبع حركتها إلى حيث تجد ثغرات تتبدد من خلالها إلى كل ناحية، إلا إذا كانت هناك قوة قادرة على أن تفتح للماء مجرى آخر يندفع إليه التيار الثورى بنظام يجعله يدور حول ما يواجهه، ويصل به إلى النهاية إلى حيث يريد.
قلت لبعض الأصدقاء من قادة الثورة الفلسطينية، وكانوا معى كالعادة لحديث ليل طويل فى مكتبى:
“أخشى على الثورة الفلسطينية من ذلك. أو شىء قريب منه.
هناك الآن أعراض أزمة، وهناك الآن محاذير مما تشرحه لنا علوم حركة المياه.
والآن، إما أن تكون هناك على رأس العمل الثورى الفلسطينى قوة قادرة على أن تفتح للمياه المحبوسة مجرى رئيسياً يعطيها منطلقاً جديداً إلى نفس أهدافها. وإما أن نشهد عملية تسرب وتسيب وضياع.
يتبدد التيار الرئيسى للثورة كحركة جماعية. ثم تظهر بالضياع واليأس فروع تائهة، تنسكب منها إلى كل قطرات ضاقت بالحبس والكبت.
الآن هناك سبيلان:
إما تعزيز وتأكيد منطق الثورة.
وإما إهدار النفس فى غياهب الانفلات”.
ولم يكن الأصدقاء من قادة الثورة الفلسطينية على خلاف معى فى تشخيص الحالة، وربما وجدنى بعضهم متخوفاً بأكثر مما ينبغى.
ثم كان سؤالنا جميعاً فى النهاية:
“ما العمل؟”
وكان رأيى أنه لابد من لقاء لكل قوى الثورة الفلسطينية، يجرى فيه البحث فى أعماق النفس، على ضوء التجربة والواقع والأمل معاً.
ولم تفت الفرصة بعد!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=407