” بصراحة بقلم محمد حسنين هيكل : إيدن يكشف مزيداً من أسرار السويس 7 أهداف للهجوم المسلح على مصر “

إيدن يكشف مزيداً من أسرار السويس 7 أهداف للهجوم المسلح على مصر
يتكلم إيدن اليوم للمرة السادسة ويواصل مذكراته عن السويس وأسرارها، هذه المذكرات التى ينشرها “الأهرام” قبل ثمان وأربعين ساعة من نشرها فى أى مكان فى العالم.
إن الفصل الجديد الفصل السادس، فصل عجيب.
إنه جزء من قصة العمليات الحربية. مقدماتها وتطوراتها.
إن إيدن يبدأ بكلامه فى مجلس العموم البريطانى، وإعلانه لإنذاره إلى مصر، وتصوره أن هناك احتمالاً لأن تقبل مصر هذا الإنذار!
ثم هو يتحدث عن مقابلة له مع تشرشل ذهب فيها ليستشيره، وكانت زوجته تحضر المقابلة بينهما وقال له تشرشل: – أريد أن أراجع خرائطى لأعرف فى أى بقعة من مصر نزل نابليون لغزو مصر.
وكان التلميح الذى فهمه إيدن – وكان سعيداً به – أن تشرشل يشبهه بنابليون.
ثم يتحدث إيدن صراحة عن أهداف العدوان. إنه يقول دون مواربة:
1- ضرب سلاح الطيران المصرى وتدميره.
2- ضرب الأسطول المصرى وتدميره.
3- ضرب المنشآت العسكرية كلها وتدمير قدرة مصر على القيام بأى دفاع منظم.
4- ضرب إذاعة القاهرة وإخماد صوتها.
5- فرض صلح بين العرب وإسرائيل على أساس مطالب إسرائيل.
6- تطهير! – منطقة الشرق الأوسط كلها من كل مقاومة وطيدة.
7- وضع المنطقة كلها تحت إشراف الأمم المتحدة، بما فيها قناة السويس.
إن إيدن يتحدث عن آماله فى قوة الطوارئ الدولية وكيف كان يريد لها شيئاً آخر غير الذى صار إليه فعلاً.
لم يكن يريدها قوة ملحقة بقوة الهدنة على خط الهدنة مع إسرائيل وإنما كان يريدها على قناة السويس وفى القاهرة وفى كل عواصم المقاومة العربية الوطنية، ثم يحاول إيدن أن يدس بين مصر والدول العربية، إنه يقول:
– بينما كانت الضجة فى الأمم المتحدة قائمة بسبب تدخلنا المسلح ضد مصر لم يحرك فأر واحد فى العالم العربى رأسه بمقاومة ضدنا وكان كل الحكام العرب ينتظرون تسليم مصر ليقيموا جنازة الأربعين ترحماً على روحها!
ثم راح إيدن يصور أن سوريا والأردن لم تتحرك لنجدة مصر بعد أن علمتا بتدخل بريطانيا وفرنسا، ناسياً أن مصر هى التى طلبت منهما عدم التدخل صراحة وذلك قبل تدخل بريطانيا وفرنسا – وهذه حقيقة ثابتة لم تعد فى حاجة إلى مزيد من الجدال.
ثم يقول إيدن إن خبراءه كانوا يخافون أن يشترك الخبراء الروس مع الجيش المصرى فى مقاومة العدوان، ثم يقول إيدن أنه دهش حينما علم وقت بدء العمليات أن الخبراء الروس جميعاً انسحبوا إلى الخرطوم.
ثم يتحدث إيدن ويسهب فى انسحاب الجيش المصرى من سيناء أمام إسرائيل دون أن يذكر أن هذا الجيش انسحب بالأمر من قيادته العليا وذلك لكى لا يعطى قوات العدوان فرصة تحقيق خططها وهى تدميره فى هذه المعركة باعتباره درعاً للقومية العربية ضد مطامع إسرائيل – دون أن يذكر أنه انسحب ليستطيع مع الشعب مواجهة العدوان فى جبهة واحدة.
تكلمت فى مجلس العموم:
ومهما يكن من أمر ففى الساعة الرابعة والنصف أبلغت مجلس العموم أن الحكومتين الفرنسية والبريطانية اتفقتا على ضرورة فعل كل ما يمكن فعله لإنهاء القتال بين مصر وإسرائيل بأسرع ما يمكن، ثم أعلنت الشروط التى وردت بالمذكرة التى أرسلناها إلى كل من إسرائيل ومصر ووصفت العمل الذى نقترح القيام به إذا لم تمتثل هاتان الدولتان لشروط تلك المذكرة. وكان غرضنا هو “الفصل بين الفريقين المتحاربين وضمان حرية المرور بالقناة لسفن كل الدول”.
وأكدت أنه إذا اضطرت القوات الإنجليزية والفرنسية إلى التحرك لاحتلال مراكز رئيسية فى منطقة القناة، فإن احتلالها لتلك المناطق سيكون عملا مؤقتاً، وفى الوقت ذاته أبلغت المجلس أن ممثلنا لدى الأمم المتحدة تلقى منا تعليمات تقضى بأن يتصل بالحكومة الأمريكية للعمل على عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن.
وفى المساء عدت إلى مجلس العموم مرة أخرى وقلت:
طبعا إننا نأمل أن يؤدى امتثال الفريقين لشروطنا إلى تحقيق الهدفين اللذين نسعى إليهما بسرعة، وفى تلك الحالة، فإن الأمر لن يستوجب إلا مجرد قوات رمزية للتأكد من أن ما قبله الفريقان جار تنفيذه بالفعل، وطبعاً ستسحب هذه القوات بمجرد الوصول إلى اتفاق وتسوية.
وسئلت فى هذه الجلسة عما علينا من التزامات بموجب البيان الثلاثى. الصادر فى سنة 1950 فقلت إن الحكومة المصرية لم تقبل بتاتاً ذلك البيان، ولم تعده مستوجباً لأية التزامات كما أوضحت أنه لا ينطبق عليها فى حالة حدوث نزاع بينها وبين إسرائيل.
ومهما يكن من أمر، فليس فى البيان الثلاثى، ولا فى ميثاق الأمم المتحدة ما يمنع حق أية حكومة فى اتخاذ أية خطوة ترى أن من الضرورى اتخاذها لحماية الحقوق الدولية الحيوية كالحقوق المعرضة الآن للخطر.
وفى تلك اللحظة بالذات كان مجلس الأمن مجتمعاً بنيويورك. ولما انفضّ اجتماع مجلس العموم فى الساعة العاشرة مساء، بعد أن حصلت على أغلبية 52 صوتاً مؤيدة لسياستنا وموقفنا، لم نكن ندرى ماذا سيقرر مجلس الأمن.
وفى مساء يوم 30 أكتوبر تلقيت برقية أخرى من الرئيس أيزنهاور، وكان قد وقف على الشروط التى تضمنتها مذكرتنا لمصر وإسرائيل. وقد أوضح أنه يشعر بقلق بالغ لنتيجة القيام بإجراء حاسم، وأعرب عن اعتقاده بأن من الممكن إيجاد طرق سلمية.
وقال إنه لابد من العمل على تطبيق تلك الطرق السلمية. ولم أدهش لهذه العاطفة، ولم يكن ثمة ما يدعو إلى الظن أن الولايات المتحدة ستعارضنا فى الأمم المتحدة بشأن تلك النقطة بالذات.
وكانت رسالة الرئيس الأمريكى قد نشرت فى تلك الليلة بأمريكا فسألت إذا كنت أستطيع أن أذيع على مجلس العموم البرقيتين اللتين كنت قد أرسلتهما إليه من قبل فوافق على الفور، ولكنى فى الواقع لم أجد ما يدعو إلى الاقتباس من نص هاتين البرقيتين.
ووردت إلينا تقارير أخرى من واشنطن ونيويورك عن رد الفعل فى الحكومة الأمريكية، وتبين من هذه التقارير أن الحكومة الأمريكية لم تحبذ عملنا، وقد أخفى عدد قليل من الموظفين الاستياء الذى شعروا به لأننا نحن والفرنسيين قد قمنا فى النهاية بالعمل الذى كنا نتوقع منذ مدة طويلة أن نقوم به.
نيويورك تيمس تؤيدنى:
ولكن كل الرأى العام فى الولايات المتحدة لم يكن من أنصار هذا الرأى، ففى يوم أول نوفمبر كتبت جريدة “نيويورك تايمز” مقالاً انتقدت فيه عملنا، ولكنها فى الوقت ذاته طالبت بعدم الانخداع بأساليب ناصر فقالت:
“من المضحك تمكين عبدالناصر من الوقوف أمام الأمم المتحدة أو العالم كما لو كان الضحية البريئة للعدوان، ومن المضحك محاولة رفع الأيدى لحمايته إن الأمر بالعكس لأنه إذا كان ثمة رجل واحد قد ارتكب عدواناً فهذا الرجل هو الرئيس المصرى، لأنه شن حرباً على إسرائيل وبريطانيا وفرنسا بالدعاية وبحرب العصابات وبالسلاح بتسلل السفاكين، وبالتحريض على الثورة فى شمال أفريقيا، وبالاستيلاء على قناة السويس بالقوة وبتمزيق معاهدة بذات الكيفية التى زحف بها هتلر على بلاد الراين، ثم يمنع السفن الإسرائيلية من المرور بالقناة متحدياً بذلك أوامر الأمم المتحدة، وفى النهاية يعد هذا الرجل معتدياً بالبرنامج الذى أعلنه بصوت عال وأوضح فيه أنه سيلقى بإسرائيل فى البحر، متعاوناً فى ذلك مع الدول العربية الأخرى، وأنه سينشئ إمبراطورية عربية تنشر نفوذها فى أفريقيا وفى كل العالم الإسلامى”.
لا أحد يسمعنا فى مجلس الأمن:
وسواء كان الأمر مضحكاً أم لا، فهذا تماماً هو ما حدث، اجتمع مجلس الأمن فى صباح يوم 30 أكتوبر واستمرت مناقشاته ومباحثاته طوال اليوم، وكان الوفد الأمريكى مصمماً من البداية على التنديد بصراحة ووضوح بالعمل الذى قامت به إسرائيل، دون أن يضع الأسس اللازمة لإجراء تسوية عامة، وقد رفض الجانب الأمريكى تعديل صيغة الرسالة التى بها دعى مجلس الأمن للاجتماع ولو أنه قبل تعديلها لوقعنا عليها نحن والفرنسيين. أيضاً فإن السياسة الأمريكية كانت تقوم على أساس واحد هو التنديد دون تقديم أية مقترحات إنشائية ودون قبول أية اقتراحات إنشائية لتسويه المسألة.
وأوضحنا نحن والفرنسيين أنه لابد أن تدخل أمريكا فى اعتبارها تاريخ العلاقات بين إسرائيل ومصر. وكان من رأينا أنه يجب أن ننظر إلى العمل الإسرائيلى على ضوء تهديدات مصر للسلام والأمن فى الشرق الأوسط. وكانت هذه التهديدات تزداد بدرجة مزعجة فى السنوات الثلاث الماضية وقد أخفقت كل الجهود الدبلوماسية التى بذلناها فى الشهور الأخيرة لإصلاح الموقف الناجم عن الاستيلاء على قناة السويس. ولكن حججنا لم تجد آذاناً صاغية، وكانت أمريكا قد وضعت المسألة فى يدها فقدم ممثلها فى مجلس الأمن مشروعاً بقرار يقضى بمطالبة الفريقين بوقف إطلاق النيران فوراً وسحب القوات الإسرائيلية إلى ما وراء خط الهدنة. وطالب مشروع القرار الأمريكى أعضاء المجلس بالامتناع عن استخدام القوة وحتى عن التهديد باستخدامها فى المنطقة مع الامتناع عن تقديم أية مساعدة لإسرائيل ما لم تمتثل لهذا القرار وتنفذه.
المندوب الأمريكى يعمل ضدنا:
وكان هدف أمريكا من هذه الحركة هو أخذ الموضوع فى يدها من يد بريطانيا وفرنسا وجعل النداء المشترك الذى وجهناه إلى مصر وإسرائيل نداءً لا داعى له. وكانت الأمم المتحدة نفسها لا تملك الوسائل التى تمكنها من تنفيذ القرارات التى تصدرها أو جعل الدول تمتثل لها ولهذا كان أثر الاقتراح الأمريكى هو التنديد بالحركة الإنجليزية الفرنسية دون تقديم أى شىء آخر بدلاً منها. فطالبنا بمهلة قصيرة فى المجلس إلى أن تتاح الفرصة فى نيويورك لبحث البيان الذى كنت سألقيه فى لندن. وكان ممثلا أستراليا وبلجيكا يدركان حقيقة موقفنا وقد أفادانا كثيراً فى شرحه وإيضاحه فقد أعلن أولهما أن حكومته لا تقبل شيئاً من الاعتراضات الموجهة ضد العمل الذى قامت به بريطانيا وفرنسا وقال إنه يأمل أن يحقق هذا العمل الغرض منه.
ولكن كبوت لودج ممثل أمريكا، ألح فى أخذ الأصوات بسرعة على مشروع القرار الأمريكى، وضمّن عمداً فى فقراته عبارات ضد العمل الإنجليزى الفرنسى. وكان رده الوحيد على الحجج التى أبداها له ممثل بريطانيا فى الاجتماعات العامة والخاصة، أنه يجب عليه أن يطلب إلى المجلس الاقتراع فوراً على المشروع الأمريكى. وكانت النتيجة أن استخدمت بريطانيا لأول مرة حق الفيتو. فحصل المشروع الأمريكى على سبعة أصوات، وقد عارضناه نحن وفرنسا، وامتنعت أستراليا وبلجيكا عن التصويت.
ثم قدم الروس مشروعاً بقرار كان فى مجموعه هو ذات مشروع القرار الأمريكى دون الفقرات المهينة الموجهة ضد فرنسا وإنجلترا. وكنا نريد الامتناع عن التصويت على ذلك المشروع الروسى، بأمل تهدئة الموقف بالمجلس نوعاً ما، تمهيداً لإتاحة الفرصة للتفكير فى المشاكل الكبرى المعرضة للخطر. ومن المؤكد أن هذا – لو حدث – لكان يفيد، ولكننا واجهنا صعوبة فيما يتعلق بالتشاور على عجل بين مختلف العواصم ونيويورك وكان مندوب أمريكا يلح ويصر على ضرورة اتخاذ قرار عاجل.
وكانت تعليمات الوفد الفرنسى تقضى بأن يستخدم “الفيتو” ولم يكن الوقت يسمح بأية مشاورات أخرى مع مختلف الحكومات. وقد عملنا سوياً حرصاً على التضامن ولكن التوتر ازداد فى الأمم المتحدة وانزعج أصدقاؤنا المنتمون إلى الدول الملاحية من الشقاق الذى حدث بيننا وبين الولايات المتحدة.
سكرتيرى فى مجلس الأمن:
وفى تلك الأثناء، كان البرلمان تقريباً فى جلسة مستمرة منذ ساعات. وفضلاً عن ذلك كنت مضطراً إلى عقد سلسلة من الاجتماعات مع الوزراء المختصين، ومع رؤساء أركان الحرب، بينما كانت العمليات الحربية تسير فى مجراها. ولهذا لم يكن من الممكن أن يسافر وزير الخارجية بنفسه إلى الأمم المتحدة. ومن حسن الحظ أن هذا فى حد ذاته لم يكن عيباً خطيراً، لأن ممثلنا فى نيويورك – سير بيرسون ديكسون – يعد من أقدر الدبلوماسيين الذين عرفتهم. ولقد قيل عنه بعد أن انتهت أزمة السويس أنه اهتم بتفاصيلها بكل دقة دون أن تفوته أية حيلة ودون أن يثير عداوة أحد.
وكنت أعرف سير بيرسون ديكسون منذ أن كان رئيس السكرتيرية الخاصة بى فى وزارة الخارجية. وقد برز فى كثير من الأحداث ووقت اتخاذ قرارات حاسمة وهو رجل دبلوماسى نابه وقد قام بدور هام فى المفاوضات التى جرت مع إيران والمفاوضات الخاصة بتريستا.
وقد حذر سير بيرسون ديكسون مجلس الأمن وقال إن خطر نشوب حرب كبرى بين إسرائيل وجيرانها العرب لم يكن فى وقت ما على وشك الوقوع كما هو فى الوقت الحاضر. وقال إن التدخل الإنجليزى الفرنسى أعد لمنع انتشار كارثة حربية. ثم قال “إننا نمارس حقنا فى الدفاع عن مصالحنا الحيوية فى القناة التى كانت مهددة بالحرب وإن تدخلنا ليس إلا إجراء مؤقت وليس الغرض منه فرض سيادتنا على مصر أو على جزء من أراضيها”.
لقد قضى مجلس الأمن 10 سنوات فى محاولة معالجة مشكلة فلسطين بلا جدوى تذكر. ونظراً لمعارضة روسيا المستمرة، لم يمكن توفير قوة مسلحة ثابتة للأمم المتحدة تعتمد عليها فى الإشراف على تنفيذ قرارات مجلس الأمن. وكان عدم وجود مثل هذه القوة من الدواعى التى استوجبت أن تقوم فرنسا وبريطانيا بالتدخل فى منطقة القناة.
يوغوسلافيا تخطو الخطوة الحاسمة:
وكانت الخطوة التالية من ناحية يوغوسلافيا. وكانت نتيجة هذه الخطوة حاسمة. فقد حاولت يوغوسلافيا نقل النزاع من مجلس الأمن إلى جلسة خاصة تعقدها الجمعية العامة، بموجب الإجراء المعروف باسم “الاتحاد فى سبيل السلام” وهو إجراء اتخذ فى الأصل أثناء الحرب الكورية. أيد ممثل الهند هذه الخطوة مع أن الفرصة لبحث مثل هذه الأحداث فى الجمعية العامة التى تضم 80 عضواً بحثاً مجرداً من العواطف. والوصول إلى تسوية لمشاكل الشرق الأوسط تعد فرصة أقل بلا شك من الفرصة المتاحة فى مجلس الأمن حيث عدد الأعضاء محدود.
وكان واضعو ميثاق الأمم المتحدة يعلمون ماذا يفعلون عندما خوّلوا الجمعية العامة الحق فى مناقشة أية مسألة والتقدم إلى مجلس الأمن بما ترى من توصيات بشأنها بينما خولوا مجلس الأمن الحق فى اتخاذ القرارات. ولكن ها هى الجمعية العامة تدعى لكى تصدر الأوامر.
وكان من الممكن الأخذ بمشروع القرار الخاص بالاقتراح اليوغوسلافى لو فاز بسبعة أصوات على الأقل فى مجلس الأمن، ولما كان هذا المشروع متعلقاً بمسألة الإجراءات، فإنه لم يكن معرضاً للفيتو، ولكن الامتناع عن التصويت يعد فى هذه الحالة كالتصويت ضد المشروع، وقد صوتنا نحن والفرنسيين ضده، وامتنعت أستراليا وبلجيكا عن التصويت، ولكن أيدته سبع دول أخرى هى الصين الوطنية وكوبا وإيران ويوغوسلافيا وبيرو والاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة. وكان صوت الولايات المتحدة هو الصوت المرجح.
أمر إلى القائد ببدء الهجوم:
وفى يوم 31 أكتوبر قررت الوزارة أنه ما دامت مصر قد رفضت المذكرة الإنجليزية الفرنسية، فإنه يجب الترخيص للقائد العام للقوات المتحالفة بأن ينفذ الخطة التى سبق أن تم إقرارها. وفى مغرب ذلك اليوم بدأ الهجوم على سلاح الطيران المصرى.
وفى ذلك اليوم نفسه أوضحت لمجلس العموم لماذا لم يكن فى مقدور حكومة صاحبة الجلالة أن توافق فى الأمم المتحدة على مشروع القرار الخاص بإدانة إسرائيل بالعدوان على مصر، وبالتنديد بها.
لم يكن من الممكن اتخاذ قرار بهذه الكيفية ضد أحد الطرفين المشتركين فى النزاع دون مراعاة أثر ذلك القرار. إن قرار مجلس الأمن طالب إسرائيل بالانسحاب إلى حدودها، وفى نظرنا أن هذا الطلب طلب قاس إذا ما راعينا كل الظروف التى سبقت العمل الذى قامت به إسرائيل ضد مصر. ولا يمكن القول أن قرار المجلس كان يحقق الضمانات المتعلقة بأمن إسرائيل، وهى ضمانات طالب بها عدد كبير من أعضاء مجلس العموم فى المناقشات التى جرت أمس بذلك المجلس.
وأعلنت أن إسرائيل قبلت الشروط الواردة بالمذكرة الإنجليزية الفرنسية وأن مصر رفضتها.
ولم تكن لنا رغبة، ولا لفرنسا، فى أن تطول مدة العمل العسكرى الذى كان علينا أن نقوم به فقد كنا نود أن تكون العملية مؤقتة، ولكن كان فى نيتنا أن ينجم عن هذا العمل ما يكفل حماية القناة من ناحية والفصل بين المتحاربين من ناحية أخرى، وكان فى نيتنا كذلك أن يتحقق هذان الغرضان الوصول إلى تسوية لمنع حدوث مثل هذه الحالة فى المستقبل، فإذا استطعنا أن نحقق كل هذا فإننا نكون قد أدينا خدمة لإنجلترا ولكل الدول التى تستخدم القناة.
الفرق بيننا وبين أمريكا:
وكان بعض النواب قد أعربوا أثناء المناقشات التى جرت فى مجلس العموم عن قلقهم على حالة العلاقات بيننا وبين الولايات المتحدة، فأحطت المجلس علما بفحوى الرسائل التى كنت قد بعثت بها فى اليوم السابق إلى الرئيس أيزنهاور وكان زملائى قد أجروا عدة مشاورات بشأن مشاكل الشرق الأوسط مع وزير خارجية أمريكا وغيره من رجال الحكومة الأمريكية خلال الأشهر الأخيرة، وذلك فضلاً عن الرسائل التى تبادلتها مع الرئيس أيزنهاور بشأن تلك المشاكل. وكنا قد وصلنا إلى نتيجة فأعلنت فى المجلس ما يلى: “من الواضح أن مسألة سلامة المرور بقناة السويس، وإن كانت موضع اهتمام الولايات المتحدة بشكل واضح، لا تعد بالنسبة للولايات المتحدة مسألة حياة أو موت كما هى بالنسبة لنا ولأوروبا وغيرها. ولقد أوضح دالاس نفسه هذه الحقيقة عندما صرح يوم 28 أغسطس بأن اقتصاديات الولايات المتحدة لا تعتمد على قناة السويس. وهذا صحيح طبعاً. ويجب أن نقبله، وألا نشكو، ولكن الحقيقة هى أن هذا الرأى كان له تأثير على موقف الولايات المتحدة من تلك المشكلة إذا ما قورن موقفها بموقفنا نحن وفرنسا.
فإذا قال قائل أنه كان يجب أن نوقف عملنا إلى أن نصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة على ما يجب أن نفعله، فإنى أرد على ذلك بأن معنى هذا الكلام تجاهل لما يعرفه كل إنسان هنا وفى الولايات المتحدة عن اختلاف وجهات النظر بيننا وبين الولايات المتحدة إزاء بعض مشاكل الشرق الأوسط الحيوية. وأمريكا تعرف هذه الحقيقة كما نعرفها نحن. وطبعاً نأسف لهذا ولهذا لست أرى أنه يجب علينا دائماً وفى كل الظروف أن نحصل على موافقة حليفتنا أمريكا قبل أن نقوم بأى عمل نرى أنه ضرورى للإبقاء على مصالحنا الحيوية.
وكنا أثناء أزمة السويس قد طلبنا من العسكريين أن يعدوا خطة عسكرية تقضى بالتدخل المسلح ضد مصر إذا لزم الأمر وكانت الخطة التى اقترحوها تقضى بحشد قوة فى إنجلترا نفسها وفى البحر الأبيض المتوسط خلال ستة أسابيع. وتحدد منتصف سبتمبر على أنه أقرب موعد يمكن أن تنفذ فيه هذه الخطة.
وقد ظلت قواتنا واقفة مستعدة منذ منتصف سبتمبر حتى نهاية أكتوبر. وفى خلال تلك المدة كان الوزراء يبحثون من حين إلى حين حالة الاستعدادات التى اتخذناها للاحتياط وكانوا يبحثون هذه المسألة مع العسكريين ومع الجنرال سير تشارلس كيتلى القائد العام لقواتنا البرية بالشرق الأوسط، وكان قد عين قائداً عاماً للقوات الإنجليزية والفرنسية التى اختيرت للقيام بالعملية العسكرية ضد مصر.
وبعد تفكير طويل وضعت خطة تكفل تحقيق أهدافنا بأقصى سرعة وبأقل قدر ممكن من الخسائر فى أرواح العسكريين والمدنيين.
أخبرت تشرشل بالتفاصيل:
وفى يوم من أيام الآحاد من شهر أكتوبر زارنى تشرشل فى منزلى الريفى فى “تشيكرز” وتناول الغداء معى. وتحدثنا سوياً حديثاً طويلاً، ووجه عدة أسئلة وعرض عدة اقتراحات بشأن العملية العسكرية ضد مصر. وعندما غادر منزلى، قال لى: “يجب أن أراجع كتبى لأعرف بالتأكيد فى أية منطقة بمصر أنزل نابليون قواته”.
وكانت ثمة عدة عوامل تعرّض خطتنا للتعقيدات. فقد كان عدد جنود المظلات محدوداً وكذا عدد الطائرات المخصصة لنقلهم. والسبب هو أنه كان قد صدر قبل سنوات قرار بتحديد عدد أولئك الجنود وبالتالى عدد طائراتهم. يضاف إلى هذا أننا كنا نعانى نقصاً فظيعاً فى السفن الخاصة بإنزال القوات والعتاد إلى البر. واستقر الرأى على أن نعتمد على الفرقة الفرنسية العاشرة من جنود المظلات بعد إدماج الآلاى السادس عشر من جنود مظلاتنا معها، كما استقر الرأى على مصادرة عدد من السفن التى تصلح لإنزال الجنود والمعدات. وقد صادرنا بالفعل عدداً من تلك السفن التى كانت تستخدم كمعديات فى بعض المناطق بشمال أيرلندا. وبالرغم من هذا اضطررنا إلى استبعاد نقل أنواع معينة من المعدات الثقيلة التى كانت لازمة للعملية، وبالتالى استبعدنا العمليات التى كانت ستستخدم فيها تلك الأنواع.
وعملية إنزال القوات والمعدات الثقيلة دون الاعتماد على ميناء عميق تستوجب الاعتماد على عدد كبير من سفن الإنزال ولا سيما السفن الخاصة بإنزال الدبابات. ولهذا رأى الخبراء العسكريون أنه لا بد من الاستيلاء أولاً على ميناء عميق حتى يمكن إنزال بقية القوات والمعدات.
وكنا كذلك فى حاجة إلى ميناء عميق لترسو فيه سفننا بما تحمل من قوات وعتاد ولم يكن بقبرص أى ميناء يفى بهذا الغرض. وكان معنى هذا أنه يجب أن تبدأ العمليات من مالطة، التى تبعد عن بور سعيد بحوالى 900 ميل، وهذا يعنى أنه يجب أن تظل السفن فى البحر ستة أيام قبل أن تصل إلى بورسعيد. وكان يجب إرسال نجدات بعد ذلك من القوات المرابطة فى إنجلترا وفى ليبيا وفى الجزائر.
كل هذه حقائق إستراتيجية لا سبيل لإنكارها ولابد من النظر إليها بعين الاعتبار.
وكانت الخطة موضوعة بحيث يمكن أن يبدأ تنفيذها بعد وقت قصير من صدور الأمر بذلك، كما يمكن وقفها لفترة من الوقت دون أن تفقد عملياتها مقدرتها على تنفيذ الأغراض المطلوبة.
وكانت المرحلة الأولى تقضى بالقضاء على سلاح الطيران المصرى وإبعاده عن جو المعركة على أن يتم تدميره على الأرض إن أمكن، وذلك بطائرات من قاذفات القنابل تقوم لتحقيق هذا الغرض من قبرص ومالطة وعدن ثم بطائرات مقاتلة تقوم من حاملات الطائرات ومن قاعدة قبرص. وكنا نأمل أن نتمكن أثناء تنفيذ هذه المرحلة من إسكات راديو القاهرة وتعطيله ومن إغراق أكبر عدد من السفن المصرية عن طريق ضربها بالقنابل قبل تمكينها من الاتجاه إلى قناة السويس واتخاذ مواقع بها لمنع الملاحة هناك.
تدمير كل قوة مصر:
وكانت المرحلة الثانية تقضى بأن يركز سلاحنا الجوى نشاطه على الأهداف والمنشآت العسكرية المصرية بقصد تدمير إمكانيات مصر على تكوين أى دفاع منظم. وكان من المقرر أصلاً أن هاتين المرحلتين قد تستغرقان ما بين 10 أيام و14 يوماً.
وقد حدث أثناء بحث خطتنا العسكرية أن خفّضنا إلى مدة ستة أيام فقط الفترة اللازمة لضرب الأهداف العسكرية المصرية بالقنابل من الجو.
وتقرر أن تكون المرحلة الثالثة هى مرحلة إنزال جنود المظلات فوق بورسعيد بعد نقلهم بالطائرات من قبرص على أن تلحق بهم بعد 24 ساعة القوات التى تنقلها السفن من مالطة. ولم يكن من الممكن التأكد من إمكان نجاح المرحلتين الأولى والثانية فى تحقيق الأغراض المنشودة، ولهذا استعدت القيادة العامة لاحتمال اضطرارها إلى خوض معركة شديدة متعبة أثناء تنفيذ المرحلة الثالثة.
موقف الخبراء الروس:
وكان ثمة عنصر واحد لا سبيل لتجاهله وهذا العنصر هو الدور الذى يمكن للخبراء والفنيين الأجانب العاملين فى مصر أن يقوم به، فهل سيبقون “كخبراء وفنيين” أم سيتحولون إلى “متطوعين” كما جرت العادة على تسميتهم فى البلاد الشيوعية.
وكان لابد أن نتوقع أنهم سيقدمون لمصر النصائح فيما يتعلق بما ينبغى أن تكون عليه تصرفاتها العسكرية فى بادئ الأمر، كذلك كان لابد أن نتوقع أن يكون قيامهم بتدريب المصريين قد جعل المصريين يحسنون استخدام الأسلحة التى حصلوا عليها. وعلى كل حال، لم يكن فى مقدورنا أن نحدد تماماً الدور الذى يمكن أن يقوم به أولئك الخبراء والفنيون الأجانب فى مصر، ولكننا كنا نعرف ما حدث فى كوريا، وكيف أقبل “المتطوعون” الصينيون لنجدة الكوريين الشماليين بعد أن ساء حالهم. إن من الممكن أن يتكرر هذا فى مصر. وعلى فرض ألا يحدث هذا على نطاق واسع، فمن الممكن أن يقوم أولئك الفنيون بقيادة الطائرات وربما بقيادة بعض الدبابات، فإذا حدث هذا فإن المقاومة التى ينتظر أن نلقاها ستكون أعظم مما تستطيع القوات المصرية نفسها أن تفعل.
وكان ثمة عنصر آخر، فقد وصلتنا أنباء فى سبتمبر تفيد أن مصر تلقت تعزيزات بحرية ومع أنه لم تكن لتلك التعزيزات قيمة فى حد ذاتها، فإنه كان من الممكن أن تتخذ كدليل على أن مصر ستلقى مساعدات فى الجو والبر، وفى هذه الحالة سيكون الموقف أشد خطورة.
وكانت غواصتان قد أبحرتا إلى الإسكندرية وهما ترفعان علم بولندا، وعليهما عدد من الخبراء الروس والضباط البحريين المصريين. وكان الظن أنه ربما تلقت مصر تعزيزات أخرى مماثلة بالجو.
وحدث وقت أن تم التدخل الإنجليزى الفرنسى فى منطقة قناة السويس، أن انسحب الخبراء والفنيون الروس الى الخرطوم.
ضجة فى مجلس العموم:
وفى يوم أول نوفمبر قدم أنطونى هيد وزير الدفاع إلى مجلس العموم بياناً مفصلاً عن الغارات الجوية الأولى على المطارات المصرية، وحدثت فى الجلسة ضجة كبيرة ومقاطعات عديدة حتى اضطر رئيس المجلس إلى وقف المجلس نصف ساعة ولما استؤنفت قدمت المعارضة اقتراحاً بطرح الثقة بالوزارة.
وفى الرد الذى أجبت به أثناء المناقشات عرضت اقتراحاً قلت فيه إن قوة تابعة للأمم المتحدة ستشترك فى “العمل البوليسى” الإنجليزى الفرنسى.
وفيما يلى الكيفية التى عرضت أنا بها هذه الفكرة فى مجلس العموم:
إن الأفضل لنا أن نتجنب حروباً كبرى بالقيام بأعمال طبيعية عملية لوقف حروب صغيرة. إن كل إنسان يعلم أن الأمم المتحدة ليست فى مركز يسمح لها بأن تقوم بمثل هذه الأعمال. ولكننا نحن والفرنسيين نملك القوات اللازمة، فيجب أن نواجه الحقيقة، وهى أن الأمم المتحدة ليست حتى الآن فى مركز يجعلها تساوى من الناحية الدولية نظامنا القانونى وحكم القانون.
إن القيام بعمل له مفعول فى سبيل إعادة السلام يسهّل وجود حل دولى لكثير من المشاكل القائمة فى منطقة الشرق الأوسط. وطبعاً نحن لا ننسب إلى أنفسنا أى مركز خاص فيما يتعلق بهذه المسألة، إذ بالعكس نرحب، بل ونتطلع باشتراك دول كثيرة فى الجهود الخاصة بإيجاد تسوية، والإبقاء على هذه التسوية.
إن إسرائيل ومصر مقيدتان بنزاع هناك وأول واجب عاجل هو الفصل بين المتحاربين وتثبيت الموقف، هذا هو غرضنا، فإذا كانت الأمم المتحدة تريد أن تستلم مهمة المحافظة على السلام فى تلك المنطقة، فلن يسر لهذا أحد أكثر منا ولكن لابد من العمل البوليسى للفصل بين المتحاربين ولمنع استئناف الأعمال العدوانية.
ولم تكن هذه الفكرة اقتراحاً وليد الصدفة، فكثيراً ما فكرت فيما حل بعصبة الأمم من نكسات بسبب افتقارها إلى قوة دولية تساندها فى قراراتها. وقد كنت كوزير للخارجية منذ أن بدأ التفكير لأول مرة فى إنشاء “الأمم المتحدة” من أنصار إنشاء مثل هذه القوة. وقد بحثنا هذه المسألة مع مولوتوف فى سان فرانسيسكو فى سنة 1945 ولكنه قابل الفكرة بفتور. على كل حال، فقد سرنا مع الفرنسيين بالأمور إلى الدرجة التى تم عندها الاتفاق على تكوين جيش دولى ووضعه تحت تصرف الأمم المتحدة. إن تنظيم مثل هذه القوة يجب أن يكون من أولى واجبات الأمم المتحدة وفقاً لشروط الميثاق ما دامت المادتان 43 و48 تنصان على ذلك. ولكن معارضة روسيا هى السبب الأول فى عدم تنفيذ تلك الفكرة فى الأصل.
وكنت أنا وسلوين لويد مهتمين بتعزيز القوات الموضوعة تحت قيادة الجنرال بيرتر حتى يمكنها مواجهة الأخطار الظاهرة التى كانت تكمن فى مناطق الحدود بين إسرائيل والدول العربية ولكن هذه الفكرة لم تقابل بحماس، وهكذا لم يكن من المنتظر الفوز بأى تأييد لفكرة إنشاء قوة دولية تابعة للأمم المتحدة لو عرضت هذه الفكرة قبل نشوب الأعمال العدوانية الحربية. أما الآن، فالفرصة متهيئة، ليس فقط لإنشاء هذه القوة، بل وللعمل على الوصول إلى تسوية دائمة فى الشرق الأوسط.
وحصلت الحكومة عند الاقتراع على الثقة بها على أغلبية 69 صوتاً. ولكن الأهم من هذا هو أن فكرة إنشاء قوه بوليسية تابعة للأمم المتحدة قد عرضت أثناء المناقشات.
معارك سيناء:
وفى تلك الأثناء كانت إسرائيل قد تقدمت فى سيناء ولم يكن هدفها الاستيلاء على الأراضى، وإنما منع العدوان عليها، إذ كانت نيتها إنزال الهزيمة بالجيش المصرى وتدمير معداته وأسلحته.
وكان للهجوم الإسرائيلى 4 شعب. وكان أول عمل تم عند غروب الشمس يوم 29 أكتوبر هو إنزال فصيلة من جنود المظلات فوق منطقة “ميتلا” الجبلية التى تبعد 40 ميلاً من شرق السويس. وقد تعززت هذه الطليعة بآلاى من الجنود اجتاز الحدود الإسرائيلية، وسار حوالى 130 ميلاً إلى وسط سيناء وكان يتخذ لنفسه مراكز محصنة على طول الطريق.
وفى الشمال تغلب آلايان آخران من الجيش الإسرائيلى على القوات المصرية فى أبو عجيلة. ثم تقدمت هذه القوة نحو الإسماعيلية الواقعة على قناة السويس.
وفى شمال شبة جزيرة سيناء، وبالقرب من ساحل البحر الأبيض المتوسط، قامت قوة إسرائيلية بهجوم شديد على القواعد المصرية فى رفح والعريش، وهى قواعد محصنة تحصيناً قوياً وكان من المنتظر أن تتمكن من إبداء مقاومة شديدة.
وفى تلك القواعد وجد الإسرائيليون ورشاً ومخازن وأفنية مساحتها عدة أميال مربعة. ما سبب كل هذا؟
وهكذا حوصر قطاع غزة واستسلم بعد مقاومة وكفاح لم يدوما طويلاً. ثم اتجهت فصائل من القوة الشمالية نحو الغرب فى اتجاه القنطرة الواقعة على قناة السويس.
ولما أعلنت الحكومة الإسرائيلية قبولها المذكرة الإنجليزية الفرنسية بما فيها من شروط، انسحبت تلك القوات الإسرائيلية من غرب قناة السويس.
وبينما كانت القوات الإسرائيلية تشن هجماتها هذه على القوات المصرية، كانت القاهرة تصرخ مستنجدة وطالبة المساعدة من عمّان ومن دمشق، ولكن هذه الطلبات قوبلت بشىء من الحرص والحذر وبالتذرع بشتى الأعذار لتبرير عدم المقدرة على التدخل فى الوقت الحاضر، وبالوعد بتقديم المعونة فيها بعد.
والواقع أن العلم بأن قوات إنجلترا وفرنسا كانت فى طريقها إلى منطقة القناة بعد السرعة التى أحرزت بها إسرائيل انتصاراتها قد جعل المسئولين فى الأردن وسوريا يفضلون بحكمة الامتناع عن المبادرة بنجدة القاهرة.
وقد كانت الدول المجاورة لمصر ترقب كل هذا عن كثب وباهتمام.
الموقف يتحرج فى الأمم المتحدة:
اجتمعت الجمعية العامة للأمم المتحدة فى صباح يوم 2 نوفمبر. واستعرض سير بيرسون ديكسون مسألة قيامنا بالعمل البوليسى بالوضوح والقوة المعهودتين فيه – ولكن الجمعية كانت فى حالة ملتهبة العاطفة، وتردد بعض الكلام عن اتخاذ تدابير جماعية ضد فرنسا وضدنا، وقلق أصدقاؤنا من احتمال تعلق البعض برأى قد يؤدى بالجمعية إلى موقف نضطر فيه نحن وفرنسا إما إلى التخلى عن أهدافنا أو أن نترك الأمم المتحدة. وكان هذا هو الجو المتوتر السائد فى نيويورك. أما فى لندن فلم يكن فى نيتها أن تفعل أياً من هذين الأمرين.
والواقع أنه لم تكن روسيا، أو أية دولة عربية، هى التى اتخذت مركز القيادة فى الجمعية ضد إسرائيل وفرنسا وبريطانيا وإنما كانت حكومة الولايات المتحدة هى التى فعلت ذلك. وقال وزير خارجيتها أنه تقدم بالاقتراح بقلب مغموم وفى هذا القرار، لم تأخذ أمريكا بعين الاعتبار أى شىء مما حدث قبل العمل الذى قامت به إسرائيل وفرنسا وبريطانيا بل ولم تقترح أية سياسة للأمم المتحدة لإصلاح الأحوال الخطرة التى كانت سائدة فى المنطقة منذ وقت طويل. ولم تتقدم بأى اقتراح خاص بالوصول إلى جذور المشكلة أو استخدام التدخل الإنجليزى الفرنسى لتحقيق غرض صالح، سواء لخلق قوة دولية فعالة، أو للمفاوضة من أجل الحصول على تسوية سليمة لمشاكل المنطقة وعقد اتفاقية دولية للقناة. ولم تبذل أية محاولة لانتهاز فرصة المتاعب القائمة وهى علامة الحنكة فى السياسة، وهو ما فعلناه نحن عندما كادت مشكلة تريستا أن تؤدى بإيطاليا ويوغوسلافيا إلى الحرب، وعندما انهارت منظمة الدفاع الأوروبى وهددت بتفتيت وحدة أوروبا.
ووضع هذا القرار السلام فى “قميص أصفر” فضلاً عن أنه كان موجهاً ضد التدخل الإنجليزى الفرنسى فقد أعلن القرار أنه على جميع الدول المشتركة الآن فى أعمال عدوانية فى الشرق الأوسط أن توافق على وقف إطلاق النار فوراً، وناشد جميع الأعضاء الامتناع عن شحن الأسلحة العسكرية إلى المنطقة وطالب بأن تظل الجمعية العامة منعقدة فى جلسة طارئة حتى يتم تنفيذ القرار. وأدرك دالاس أن أى قرار من شأنه إعادة الوضع على ما كان عليه قبل الهجوم الإسرائيلى ليس قراراً غير كاف وحسب بل وليس فيه أى اعتبار لكل وجوه المشكلة. وكان يرجو أن تسعى الأمم المتحدة إلى تحسين تلك الأحوال التى أدت إلى ما وصفه هو بأنه “مأساة” ولكنه لم يقترح أية طريقة لتنفيذ ذلك.
مجرى التاريخ:
ولو كانت الولايات المتحدة أبدت استعداداً لأن تلعب دوراً متوازناً كدور كندا، لتغير مجرى التاريخ، ولكنها لم تشأ ذلك، فقد كانت الجمعية فى حالة نفسية قوامها الرغبة فى العقاب، وكان المطلوب عقابه هو إسرائيل والدول “الاستعمارية” فقد أعلن نيكسون، نائب الرئيس الأمريكى فى خطبة له:
– هذه هى أول مرة فى التاريخ نبين فيها للعالم استقلالنا عن السياسات الإنجليزية الفرنسية تجاه آسيا وأفريقيا، تلك السياسات التى نعتقد أنها تتمشى مع التقاليد الاستعمارية، إن إعلاننا هذا باستقلال سياستنا كان له تأثير كهربائى فى جميع أنحاء العالم.
ووافقت الجمعية على قرار دالاس بأغلبية 64 صوتاً ضد 5، فقد صوتت أستراليا، ونيوزيلنـدة، وإسرائيل فى جانب بريطانيا وفرنسا وامتنعت كندا، وجنوب أفريقيا، وبلجيكا ولاوس وهولندا والبرتغال عن التصويت.
ولم يكن هناك أى تردد فى الرد الذى كان لدى حكومة جلالة الملكة، فإننا لم نكن مستعدين للتوقف عن عملنا ما دام القتال مستمراً، واتفقنا مع بيتر على صيغة هذه المذكرة فى اليوم ذاته، ووافق عليها مجلس الوزراء فى مساء ذلك اليوم.
وفى 3 نوفمبر أعلنت هذه المذكرة على مجلس العموم:
أولت الحكومتان البريطانية والفرنسية اهتمامهما وعنايتهما بالقرار الذى أقرته الجمعية العامة فى 2 نوفمبر وهما لا تزالان عند رأيهما بأنه يجب الاستمرار فى العملية البوليسية بسرعة لوقف الاشتباكات العدوانية التى تهدد قناة السويس فى الوقت الحاضر، ولمنع استئناف هذه المعارك ولتمهيد الطريق لتسويه نهائية للحرب الإسرائيلية العربية التى تهدد المصالح المشروعة لعديد من الدول.
وإنهما لمستعدتان لوقف عملياتهما الحربية عندما تتحقق الشروط التالية:
1- أن تقبل كل من الحكومتين المصرية والإسرائيلية وجود قوة تابعة للأمم المتحدة للمحافظة على السلام.
2- أن تقرر الأمم المتحدة إنشاء وإبقاء قوة تابعة لها لحين الوصول إلى تسوية سلمية بين العرب وإسرائيل، وإلى حين الاتفاق على ترتيبات مرضية فيما يختص بقناة السويس، وأن تضمن الأمم المتحدة هذين الاتفاقين.
3- وفى هذه الأثناء، ولحين إنشاء قوات الأمم المتحدة، توافق القوتان المتحاربتان على بقاء وحدات محدودة من القوات الإنجليزية الفرنسية للفصل بينهما. وتضمن ردنا على الجمعية العامة أيضا رأينا فى مستقبل قناة السويس. وقد فعلنا هذا لأننا كنا نعتقد أنه يمكن استغلال الموقف لحل المشاكل الأساسية للمنطقة وحددنا موقفنا طبقاً لذلك.
تصورنا لدور الأمم المتحدة:
وكان ينبغى أن يكون واضحاً أنه لا يمكن تحقيق السلام بين إسرائيل والبلاد العربية، إلا إذا لعبت الأمم المتحدة دوراً حيوياً ملموساً فى المنطقة، وأنه لن يتوفر الأمن للتجارة العالمية فى القناة إلا إذا قبل مبدأ حرية الملاحة فى القناة، كالتزام دولى. فإذا أمكن ضمان ذلك بواسطة قوة دولية، فيمكن توفر الثقة فى المستقبل وكان يمكن استبدال “الرهن” الذى كنا نبغى نحن والفرنسيين وضعه فى بورسعيد وعلى طول القناة بإدارة فعالة تابعة للأمم المتحدة. أما من الناحية الاقتصادية، فإن ترتيباً كهذا قد يروق للحكومة المصرية التى مرغ مركزها فى الوحل ذل الهزيمة فى الميدان. وكانت هذه فرصة يمكن استغلالها للتفاوض من أجل الوصول إلى ترتيب لضمان مستقبل حرية المرور فى القناة للتجارة العالمية.
وقد مضت ثلاث سنوات على هذه الأحداث، ولعلنى الآن أكثر اقتناعاً من ذى قبل بأن استغلال هذه الفرص استغلالاً ذكياً كان لا بد أن يؤتى ثمرته فى شكل اتفاقية دائمة للشرق الأوسط. فلو أنه تم عقب العمليات الإنجليزية الفرنسية إنشاء قوة دولية فعالة تابعة للأمم المتحدة، لتحول ما كنا نصبو إليه من إقرار النظام الدولى إلى حقيقة. ومن شأن هذا أنه كان سيجعل الوضع بالمنطقة كلها سليماً كما كان سيثبط هزيمة ذوى المطامع الاستعمارية ويضع حداً للتدخل فى شئون الدول الأخرى عن طريق الراديو والوسائل الهدامة الأخرى. كما كان سيؤدى إلى تجنب كثير من المآسى التى وقعت بعد ذلك، مثل المذابح التى جرت فى بغداد.
لماذا سكت العرب؟:
وفى الوقت الذى كانت فيه غالبية الدول فى الأمم المتحدة تتسابق لتكتيف فرنسا وبريطانيا وإسرائيل والتشهير بها جميعاً لم يحرك فأر واحد ساكناً فى البلاد العربية، وبينما كانت الفيالق تشق سيناء منتصرة، وبريطانيا وفرنسا تمخران فى البحر الأبيض المتوسط، كان الهدوء سائداً من مرّاكش إلى الخليج الفارسى. وكان راديو القاهرة قد أوقف عن العمل بعد توجيه إنذار سابق لتجنب الإصابات فإننا سننسفه بالقنابل.
ولم يتحقق ما تردد عن توقع انتشار كراهية فى مختلف أنحاء العالم ضد بريطانيا وفرنسا لقيامهما بعمل عسكرى ضد مصر إذ كان الكثيرون مترددين فى موقفهم والبعض مقدرين لموقف بريطانيا وفرنسا.
وقد أثبت الغرب أنه أبطأ فى الاطلاع على الكتاب الذى وضعه عبدالناصر تحت عنوان “فلسفة الثورة”، تماماً كما كان بطيئاً فى قراءة كتاب “كفاحى” لهتلر، وليس للغرب أى عذر فى عدم الاطلاع على كتاب عبدالناصر هذه المرة لأن الكتاب أقصر من الأول وأقل منه مبالغة. ولكن حكام الشرق قرءوه، وكان الكثيرون منهم يعتقدون أنه إذا انتصر المصريون دون كبح جماحهم، فإنه سيزداد استعدادهم للغزو والزحف على نطاق واسع، ولجاء الدور فى هذا الغزو والزحف على سوريا، والسعودية وبقية البلاد العربية الأخرى، لأن عبدالناصر كان يطمع فى ثروة تلك البلاد بل فى تلك البلاد ذاتها لتكوين إمبراطورية بزعامته. وهكذا كان حكام تلك البلاد يشعرون بأنهم سيخسرون فى النهاية إذا انتصر عبدالناصر سواء أكانوا يكرّسون جهودهم لتحقيق مصالحهم الشخصية أم لتنفيذ مشروعات لرفع مستوى معيشة شعوبهم.
وفى ذلك الوقت كانت الأحداث التى وقعت بالمجر قد اتخذت شكلاً بشعاً، وبالرغم من أننا أعلنا تضامننا مع الحلفاء فى إثارة مشكلة المجر أمام الأمم المتحدة فإن الجانب الأمريكى وقف موقف المستمع وأعرب عن شكه فى جدية اهتمامنا بمسألة المجر، وألمح إلى أنه يعتقد أن سر اهتمامنا الظاهر بتلك المسألة هو رغبتنا فى تحويل اهتمام الرأى العام عن أزمة السويس.
موقف الهند:
وبدا أن الحكومة الأمريكية ليست متعجلة فيما يتعلق باتخاذ إجراء بشأن مشكلة المجر، بخلاف ما فعلته أثناء أزمة السويس، إذ أبدت اهتماماً عاجلاً بها كما أبدت نشاطاً متزايداً بدرجة مخزية وراحت تشكونا نحن والفرنسيين وتلقى علينا مختلف التهم.
ولما أحيلت مشكلة المجر على الجمعية العامة بعد أن شل الروس بالفيتو مجلس الأمن ومنعوه من اتخاذ أى قرار، قررت الجمعية أن تسحب روسيا قواتها من المجر فوراً. ولوحظ أن الهند كانت الدولة الوحيدة التى صوتت مع الكتلة السوفيتية.
وكان موقف الهند غريباً حقاً. فقد أعلن نهرو فى خطاب له أنه بينما يمكن فى مصر “تتبع كل صغيرة وكبيرة تحدث هناك فى وضوح كضوء النهار” فإنه لم يستطع تتبع “الموقف المربك تماماً” فى المجر. ثم مضى يقرأ الأعذار التى أرسلها إليه الماريشال بولجانين بخصوص التدخل الروسى، وكان وصف نهرو لهذه الأعذار بأنها “حقائق”. وبين نهرو نفس الاستعداد لقبول تفسيرات روسيا بنفس الطريقة التى قبل بها تفسيرات ناصر!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=588