” بصراحة بفلم محمد حسنين هيكل : هل هناك حرب”

هل هناك حرب؟!
سئلت أمس:
– هل أتوقع حرباً ذرية بسبب ما يحدث الآن حول كوبا؟
وقلت:
– لا أتصور أن تقع الحرب، إن الفائدة الوحيدة للأسلحة الذرية هى أنها قد جعلت الحرب عملية مستحيلة، ففى الحرب الذرية ليس هناك منتصر ومهزوم، وإنما فى الحرب الذرية نهاية الطرفين.
وفى مقاييس الحرب الذرية ليس هناك أقوى وأضعف، فإن هناك “نقطة تشبع” تصبح بعدها الكثرة العددية دون فائدة، أعنى أنه إذا كان لدى كل من الطرفين ما يمكنه من تغطية أرض الطرف الأخر بالتفجيرات الذرية، فليس مهماً أن يصل التفوق العددى بأحدهما إلى الحد الذى يمكنه من تغطية أرض خصمه مرتين. مرة واحدة فيها أكثر من الكفاية.
ومن ناحية أخرى فلست أتصور أنه فى قدرة إنسان، حتى لو كانت له القوة التى لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، أن يدفع العالم إلى حرب ذرية شاملة.
وحتى إذا تمكن من أن يوجه الضربة الأولى إلى روسيا مفاجأة، فإن الرد الروسى، أو ما يسمونه “الضربة الثانية” قادرة على أن تلحق بوطنه أضراراً لا سبيل إلى تعويضها بل بين الخبراء من يقدرها بحياة أربعين مليون إنسان أمريكى!
وسئلت:
– هل معنى ذلك أن الموقف مطمئن وأن ما شهدناه خلال الساعات الأخيرة الخطيرة هو حرب باردة ارتفعت حرارتها بعض الشيء؟
وقلت:
– بل كان أمامنا خطر حقيقى. هو خطر “الكبرياء”.
إن كبرياء الدول العظمى فى لحظات الأزمات يمكن أن تؤدى بالأمور إلى حيث لا يتصور الحساب العاقل لحظة أنها تصل.
والمشكلة الكبرى فى تصرف الرئيس جون كيندى رئيس الولايات المتحدة، فى تصورى ليست أنه تدخل فى شئون كوبا، ولا أنه هددها، ولا أنه فرض الحصار عليها.
كل ذلك لا يهم لحظة أمام الخطر الحقيقى، وهو أن كيندى بتصرفه قد وضع الولايات المتحدة بقوتها الهائلة فى “مأزق كبرياء” قد يصعب الخروج منه!
كذلك فإن كيندى وضع الاتحاد السوفيتى فى نفس “مأزق الكبرياء”، فإن كوبا خصوصاً بعد أخذها بالتطبيق الماركسى اللينينى أصبحت امتداداً – عقائدياً على الأقل – للكتلة الشرقية ومن ثم فهى على هذا النحو امتحان عسير لمدى تصميم روسيا على حماية المعسكر الذى تتزعمه.
ولربما كان هذا الاعتبار بالذات هو الذى دفع قادة كوبا إلى الماركسية – اللينينية، ليس فقط باعتبارها -كما يرون – حلاً نهائياً لمشكلة التطور، وإنما باعتبارها فى نفس الوقت -كما يتمنون- حلاً نهائياً لمشكلة الأمن خصوصاً فى مواجهة العداء الأمريكى العنيف.
وإذن كيندى وضع نفسه فى “مأزق كبرياء”.
ثم هو جر الاتحاد السوفيتى وراءه إلى “مأزق كبرياء” مواجه له.
وكبرياء الدول العظمى لا تهون بسهولة، وإذا هانت فالنتائج لا يمكن تقديرها.
ومن هنا الخطر الذى أخشى منه ولا أخشى من غيره هذه اللحظات.
ولقد أحسست أن الدول غير المنحازة فى موقفها الصلب دفاعاً عن السلام فى الأمم المتحدة، وضعت يدها على صميم الحقيقة، ولمست بأصابعها مكمن الخطر.
لقد كان “مأزق الكبرياء” هو عقدة الأزمة التى استحكمت.
وعلى أساس التشخيص الصحيح. كان العلاج صحيحاً.
إن الدول غير المنحازة، لم تتوقف طويلاً عند بحث الدوافع التى حدت بالرئيس الأمريكى جون كيندى إلى تأزيم الموقف. تلك مسألة ثانوية!.
كذلك لم تتوقف هذه الدول طويلاً عند محاولة إثبات تهمة العدوان على الولايات المتحدة الأمريكية. تلك أيضاً مسألة ثانوية!.
لقد كان المهم أن نجد مخرجاً من “مأزق الكبرياء”، حتى للذين حشروا أنفسهم – والدنيا معهم – فى الطريق المسدود!
وما فائدة الحصول من المحكمة على “حكم” أدبى ضد المتهم، إذا كان هناك “حكم” أبدى أقوى، سوف يطيح بالمتهم والمجنى عليه والشهود وقضاة المحكمة والمتفرجين كلهم. كلهم ولا يبقى لهم، ولا بعدهم، من أثر؟!.
المصدر:
http://www.ahramdigital.org.eg/heaklarticledetail.aspx?Serial=946