سقطة مهنية لفهمى هويدي

بقلم   خالد السرجانى    ٢٨/ ٦/ ٢٠١٣

يتميز الأستاذ فهمى هويدى عن غيره من المتعاطفين مع أو المنتمين إلى جماعة الإخوان بأنه الأكثر مهنية، وأنه عندما ينقد خبراً أو تقريراً فى جريدة يعرف جيداً ما هو الخبر وقواعده. ولكن يوم الأربعاء قبل الماضى خاب ظنى فيه عندما كتب مقالاً يحاول فيه أن يبدو موضوعيا، لكنه كان فى الحقيقة ينتصر لأبوإسلام (أحمد عبدالله)، الذى حكم عليه بالسجن ١١ عاما لأنه ازدرى الدين المسيحى. وهو فى هذا المقال عقد مقارنة بين الحكم على «أبوإسلام» وابنه الذى أدين بالسجن ٨ سنوات، والحكم على دميانة عبدالنور، المدرسة بإحدى مدارس الأقصر التى قال إن المحكمة غرّمتها ١٠ آلاف جنيه، وقد استثمر الأستاذ فهمى المقارنة بين الحكمين لكى ينتقد القضاة باعتبار أن نقد القضاة أصبح الآن واجباً على كل إخوانى أو متحالف معهم.وكانت المهنية تفرض على الأستاذ فهمى أن يدقق المعلومات التى يوردها فى مقاله، كذلك فإن معرفة ظروف كل قضية من الأهمية بمكان، خاصة أنه يتناول موضوعاً غاية فى الحساسية فى الوقت الراهن. وأنا أعلم جيداً أن الأستاذ فهمى يسعى جاهداً إلى تدقيق المعلومات، عندما يكتب عن أى موضوع ويلجأ عادة إلى ذوى الاختصاص ليسألهم، وهو ما لم يفعله هذه المرة.وأنا هنا لا أريد أن أتهم الأستاذ فهمى بأنه يورد معلومات خاطئة متعمداً، لأنها تفيده فى التحليل النهائى، ولكننى سأفترض حسن النية، وأصحح للأستاذ معلومة خاطئة ذكرها فى مقاله وبناء عليها فقد قال إن الحكم كان بتغريم دميانة عبدالنور ١٠ آلاف جنيه، والحقيقة هى أن الغرامة كانت ١٠٠ ألف جنيه، وكلنا يعرف قيمة هذا المبلغ بالنسبة لمدرّسة فى الصعيد فى مدرسة حكومية، فهو قد يزيد على راتبها طوال مدة خدمتها فى التربية والتعليم، خاصة أنها مدرسة مواد اجتماعية، أى أنها لا يمكن أن تعطى دروساً خصوصية لتلاميذها.والمقارنة بين القضيتين يمكن أن تكون مفيدة للقراء، وهو ما تجنبه الأستاذ فهمى، فأبوإسلام وابنه تبوّلا على الإنجيل أمام شاشات التليفزيون، وأدلى المتهم بتصريحات تؤكد أنه قام بهذا العمل، بل توعد بحرق الإنجيل أمام الجميع، أى بصورة علنية.

أما القضية الأخرى، فحسب بيان صدر عن «مؤسسة حرية الفكر والتعبير» و«المبادرة المصرية للحقوق الشخصية»، فتعود وقائع القبض على دميانة عبدالنور، المُعلمة بمدرسة الشيخ سلطان الابتدائية بمحافظة الأقصر مركز العدسات، قرية طود، إلى قيام ولى أمر أحد طلاب المدرسة بتقديم بلاغ ضدها، اتهمها فيه بازدراء الدين الإسلامى أثناء تدريسها منهج الدراسات الاجتماعية للطلاب، وقد قامت إدارة المدرسة بإجراء تحقيق داخلى حول الواقعة، بسؤال العديد من الطلاب الذين أنكر أغلبهم قيامها بما هو منسوب إليها فى هذا البلاغ، كما أوضحت دميانة لمحامى مؤسسة حرية الفكر والتعبير، أن كل ما قامت به هو عرض مقارنة للأديان فى العصور القديمة والعصور الوسطى والعصر الحديث، على النحو الوارد بالمنهج المدرسى.

أى أن أبوإسلام تبوّل على الإنجيل وهو كتاب مقدس لأقباط مصر متعمداً، وهو ما يعتبر ازدراء للدين المسيحى، أما دميانة فهى اجتهدت، وقد تكون أخطأت، فضلا عن أن الاتهام كان من قبل والد طالب لديها، وهو ما نفاه طلاب آخرون، ولكن ظروف الاحتقان الدينى فى صعيد مصر دفعت القضاء للحكم عليها بهذه العقوبة القاسية من أجل تهدئة نفوس المسلمين، أى أنها راحت ضحية لهذا الاحتقان، فى الوقت الذى قام فيه «أبوإسلام» بالعمل على زيادة الاحتقان، أو بمعنى أدق صب الزيت على النار لإشعال الفتنة الطائفية.

وعندما أقول عقوبة قاسية فإننى أعنيها تماما، لأن «نص المادة ١٦١ من قانون العقوبات الذى حوكمت بموجبه دميانة عبدالنور يحدد العقوبة بالحبس، وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تزيد على خمسمائة جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، إلا أن المحكمة خرجت على نص القانون وغلبت القسوة على حكمها، حيث عاقبتها بغرامة مائة ألف جنيه، وهو ما يجعل من الحكم الصادر ضدها باطلاً بطلانًا مطلقًا»، وذلك حسب ما ورد فى البيان الذى سبق الإشارة إليه.

والأستاذ فهمى سعى إلى توظيف هذه القضية، لكى يبدو فيها أبوإسلام مظلوماً وقضاء مصر يكيل بمكيالين، ولا يغرنك أنه فى نفس المقال سعى إلى نقد أبوإسلام والتشكيك فى دوره وفى من يقف وراءه، لكن كل ذلك لكى يجعل القارئ «يبلع» باقى الكلام، ومفاده هو أن الحكم على المتهم قاسٍ وأن نفس القضاء حكم فى قضية مشابهة بالتعويض فقط، وبالتالى فإن قضاء مصر هو الجانى، لأن عنوان المقال نفسه له دلالات لا تخفى على أحد «إدانة للقاضى مع المتهم».

وقد ذكر الأستاذ فهمى عنوان كتاب له هو «مواطنون لا ذميون» كدليل على أن أحداً لا يمكن أن يزايد عليه فيما يتعلق بالمسألة الطائفية، والحقيقة هى أن كتابه فعلا كتاب مهم فى طرح المسألة الطائفية فى مصر، ولكننى أتساءل دائما عن كتاب آخر للأستاذ فهمى يرفض إعادة نشره ويتجاهل دائماً الإشارة إليه هو كتاب «التدين المنقوص»، وهو كتاب يوضح فيه أن أبوإسلام وأمثاله يفهمون الإسلام فهماً خاطئاً، وأنهم يسيئون إليه وهم أشبه بالخوارج. أما عدم إشارة الأستاذ فهمى للكتاب أبداً فتفسيره هو قراءة مقالاته التى تلت هذا المقال، والتى كانت عن الجماعة الإسلامية وتعيين محافظ منها لأسيوط، فهؤلاء هم من كتب عنهم كتابه «التدين المنقوص» الذى يحاول أن ينساه الآن.

 

 

بقلم   سوسن الدويك    ٢٨/ ٦/ ٢٠١٣

■ مصر فى محنة، ومعادلة الوطن تحتاج خبيراً كيميائياً يفك شفرة أزمتها.. ربما بدأت طلاسم هذه المؤامرة تتفكك واحدة تلو الأخرى، خاصة بعد الحكم التاريخى الصادر عن محكمة جنح مستأنف الإسماعيلية الذى تضمن اتهامات خطيرة، توجه لأول مرة إلى رئيس الدولة والنظام الذى يحكم البلاد.. ووضع الجيش المصرى فى هذه المعادلة يذكرنى بكلمات المبدع الراحل كامل الشناوى: «كنت فى صمتك مرغماً.. كنت فى صبرك مكرهاً.. فتكلم وتألم.. وتعلم كيف تكره.. عرضك الغالى على الظالم هان».■ وجاء الكلم بعد الألم، على لسان قائد الجيش الفريق أول عبدالفتاح السيسى.. واثق القوة يتحدى حسماً.. ظالم الحُس.. شهى الكبرياء.. عبق السحر كأنفاس الربى.. وهو يتحدث كالفارس النبيل عن مصر وشعبها، ويقول: «أنهى مروءة اللى نقدر نعيش بيها كضباط، أو ضباط صف، والشعب المصرى.. أهالينا.. مروع وخايف، داحنا نروح نموت أحسن».. منتهى الغضب، منتهى الحسم، منتهى المحبة للوطن.■ بعد غد ٣٠ يونيو، وهناك بعض الفتاوى من الجماعة المحظورة.. بأن ٢٩ يونيو هو المتمم للشهر الساخن شهر الثورة، وجلاء الاحتلال البريطانى عن مصر فى ١٨ منه، عقبال جلاء الاحتلال الإخوانى فى ٣٠ منه.. الجماعة وحبايبها يدعون على الشعب الكافر بالموت والسحق، كما يدعون بألا يأتى هذا اليوم الـ٣٠، وربنا يأخذه من كل نتائج الحيط والمكتب. ولأن ٣٠ يونيو يوم ينتظره الشعب المصرى، يوم استعادة الثورة المخطوفة، يوم فك الشفرة التى كتبها الجواسيس بالحبر السرى، يوم حل معادلة الوطن التى جمعت كل المتناقضات.. الثورة أمام الرجعية والخيانة.. الوطنية ضد الخلافة.. الثوار فى مواجهة الإخوان.. التجارة بالدين أمام دماء شهداء حقيقيين.. مصر العربية الكبرى، ضد ولاية مصر الصغرى، مصر الزعيمة القائدة أمام مصر التابعة، باختصار هى معادلة حياة الوطن.. نكون أو لا نكون؟■ وبعد أن انفجر الكلام، فالجيش لن يسكت على الإهانات الحقيرة التى توجه له من بعض الكيانات المتخلفة التى لابد أن تحاكم بتهمة الخيانة العظمى، فإهانة جيش مصر هى خيانة للوطن وللشعب وللأرض وللعرض، هى بمثابة هجوم خسيس من بعض الفئران المذعورة على عمود الخيمة الأخير الذى يستر مصر، كل ذلك لصالح خزعبلات استعادة دولة الخلافة الإسلامية، التى تتحول فيها الجيوش إلى أدوات باطشة فى أيدى الخليفة، ولا تكون جيوشاً وطنية، انتماؤها لشعبها، فهؤلاء يسعون لإفراغ الجيش من عقيدته العسكرية وعزله عن شعبه بهذه المحاولات الحقيرة فى إهانة الجيش والحط من قدره، كل ذلك تمهيداً لأخونة الجيش ليصبح جيش المرشد، أو الحرس الخاص لأطماع هذه العقول المريضة التى تطلق على نفسها تيارات الإسلام السياسى الساعية للسلطة والتى لا تخطط ولا تنفذ إلا ما يخدم على مصالحها المغرضة.■ ٣٠ يونيو يفصل بين الخيط الأبيض والخيط الأسود فى فجر مصر الحرة ويؤذن فيه بنداء الوطن:يا شعب يا واقف على باب النهار

قربت بصمودك طريق الانتصار

وزرعت من تانى الأمل فى كل دار

واتجمعت كل الأيادى

من كل بيت طلعت تنادى

على الطريق وتقول: بلادى..

بقلم   مدحت بشاى    ٢٨/ ٦/ ٢٠١٣

كم أنت رائع يا مصرى فى فرحك وحزنك.. وفى قبولك ورفضك.. فى حلمك وغضبك، وأعتقد أن أكثرما يبهرنا ما نتابعه هذه الأيام من إبداعات أهالينا فى القرى والمدن الصغيرة بعفوية ووطنية وحماس، فهم من لم تلوثهم ميكروبات التحضر المُزيفة لبراءة النفوس ونقاوتها فتذهب بهم مرة إلى «فيرمونت»، أو تجعلهم يتقافزون لدخول بلاط السلطان،أما البسطاء من أهل بلدى، فنراهم عند تعاظم الكرب ذوى بأس وضمير يقظ «ليس بمنظور حبايبنا فى جبهة الضمير وتعريفهم العكسى الفريد لماهية الضمير».. لقد انتهيت لتوى من رؤية مقطع فيديو تم نشره على صفحات الفيسبوك لمظاهرة نسائية رائعة لمجموعة لا بأس بها من حيث العدد تناهض زمن حكم الإخوان، وغالبيتهن من الموظفات المتوسطات فى المرتبة الإدارية، وانضمت لهن ربات بيوت، والمظاهرة وقعت فى محافظة المنوفية بعنوان رئيسى «من المنوفية اسمعها قوية»، ولكن لأول مرة تقود المظاهرة سيدة من طراز خاص فريد، فقد ارتجلت مجموعة هائلة من الهتافات فى تدفق متصاعد درامياً للتأثير الإيجابى فى الزميلات، والأهم أن القائدة استطاعت بتلقائية بديعة أن توجز مآسى النظام بترتيب وقوع الأحداث على مدى العام الذى صعد فيه الإخوان لكراسى الحكم بهتافات بديعة لغوياً ومن حيث طرافتها، وبإيقاع مصرى جديد جذاب، وهى فى مجملها تحليل سياسى نقدى علمى، وكأننا بصدد مقال لسياسى محترف يتناول قضايا اقتصادية واجتماعية وإنسانية تتعلق بالكرامة ومشاكل البطالة وأكل العيش وغيرها، بينما أولادهن من الشباب يشكلون سلسلة دائرية تتحلق حول المتظاهرات لحمايتهن فى مشهد مؤثر، أظنهم لن يدركوا روعة إبداعاته ومقاصده فى سلطانية المقطم لسماكة جلودهم..وفى القاهرة، كانت جماهير أخرى تتجمع أمام وزارة الدفاع، يستغيثون بقواتهم المسلحة من عسف نظام جائر يتناوب رموزه توجيه التهديدات إليهم، ويمارس هوايته الاستعمارية الاستبدادية التى تؤكد أن أمان وجوده واستمرار كيانه غير الشرعى مرهون بمزيد من إنشاء صراعات بين الناس، وفى «جمعة نصرة سوريا» كان هذا السيل من غثاء التهديدات المفزعة لمن ينوون المشاركة فى تظاهرة ٣٠ يونيو إلى حد ترديدهم «قتلاهم فى النار وقتلانا فى الجنة»، فيكون رد مكوجى الحتة فَكيك إخواته «بالذمة اللى بيخوفونا دول، مش الريس اللى أقسم أن يحافظ على النظام الجمهورى.. فين بقى والمباريات دلوقتى بدون جماهير»..وعليه قرر فلاح وطنى متحمس أن يخطف العلم من أحد الوقوف فى مظاهرة وزارة الدفاع والصعود لأعلى نخلة، بعد أن شمر «جلابيته» حتى بدت ساقاه السمراوان المخيفتان لفرط نحالة الفقر، وأخذ يتسلق النخلة، راح يتشبث بالزوائد التى تشكل سلم الصعود، فتشبثت به الأعين والأنفاس؛ لأنه إن فلتت قدمه لروع قلوب الحضور.. فما إن وصل إلى قمتها حتى استوى قائما، وأشار لنا بالعلم منفرج الأسارير، وموجهاً نظره ورايته صوب الوزارة، كأنه يلفت نظر الفريق السيسى، وبدأ فى مناجاة وحث القوات المسلحة لإنقاذ البلاد والثورة من الضياع، وكأنه يبحث عن المخلّص.نعم، لقد كان فلاحنا النبيل يبحث عن المخلص على طريقة المواطن اليهودى القصير «زكا» فى زمن السيد المسيح عندما صعد إلى أعلى شجرة لكى يرى المخلص السيد المسيح، تقول الحدوتة الدينية نصاً «اسْمُهُ زَكَّا، وَهُوَ رَئِيسٌ لِلْعَشَّارِينَ وَكَانَ غَنِيًّا، وَطَلَبَ أَنْ يَرَى يَسُوعَ مَنْ هُوَ، وَلَمْ يَقْدِرْ مِنَ الْجَمْعِ، لأَنَّهُ كَانَ قَصِيرَ الْقَامَةِ. فَرَكَضَ مُتَقَدِّمًا وَصَعِدَ إِلَى جُمَّيْزَةٍ لِكَى يَرَاهُ، لأَنَّهُ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يَمُرَّ مِنْ هُنَاكَ. فَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى الْمَكَانِ، نَظَرَ إِلَى فَوْقُ فَرَآهُ، وَقَالَ لَهُ: «يَا زَكَّا، أَسْرِعْ وَانْزِلْ، لأَنَّهُ يَنْبَغِى أَنْ أَمْكُثَ الْيَوْمَ فِى بَيْتِكَ. فَأَسْرَعَ وَنَزَلَ وَقَبِلَهُ فَرِحًا»..هل هناك ثمة علاقة بين «طلوع الشجرة» و«عقم الحوار مع الإخوان» فالمأثور الشعبى يقول «يا طالع الشجرة. هات لى معاك بقرة. تحلب وتسقينى. بالمعلقة الصينى»، لكن المأثور الذى يقبل بوجود افتراضى لبقرة فوق الشجرة سرعان ما يكتمل بالقول «والمعلقة انكسرت. يا مين يغدينى»، فالحلم كله إذن ينتهى إلى لا شىء!لكننى أرى وأحلم بصعود ثوارنا يحملهم الشعب العظيم إلى أشجار مثمرة تتساقط ثمارها الناضجة يوم ٣٠ يونيو بإذن الله لتتدافع حولها أجيالنا الطالعة لجمعها بحب وبشر فى بلد نأمله «وطناً للسعادة المشتركة» كما صوره الرائع «رفاعة رافع الطهطاوى»..