يا أخى إنت جبلتك إيه؟

بقلم   حمدى رزق    ٢٧/ ٦/ ٢٠١٣

الجبلة هى الخليقة. وجُبِلَ فلان على كذا أى خُلِقَ، فالخُلُق جِبِلَّة وجُبُلَّة وجِبْلة وجُبْلة وجَبْلة، وإنت جبلتك إيه، يعنى على أى خلقة خلقت، معلوم الإحساس نعمة، وإنت جبلتك إيه، فيها تعبير شعبوى استنكافا للتبلد وعدم الإحساس، وسايب الدنيا تضرب تقلب، وهو ولا هنا، سادر فى غيه، تعبير صارخ عن عدم المسؤولية، سايب كلابها على ديابها، وعايش فى نفسه، ولنفسه، متقوقع حول ذاته، لا يؤثر ولا يتأثر، كل هذا العالم من حولى لا أحد.

وفى وصف الجبلة أن جلده تخين، أى لا يحس ولا يشعر بفرح أو بغضب، منبت الصلة بالواقع المعاش، أنا من ضيع فى الأوهام عمره، والجبلة يعيش كامناً كالفيروس تحت جلده، غاطساً فى ذاته لا يرى من فوق الماء، باطنه ظلامى، يغشاه ظلام حالك، يتخبط فى ظلام نفسه، إنه اليأس بعينه، ويخرج على الناس فاغراً فاه، كعبيط القرية يقهقه فى المأتم، ويصفق طرباً فى الجنازة، ويتحفنا بمفاجآت صارخة، مفارقات يندى لها الجبين، مثال منصور ابن الناظر وهو يصفق فرحاص: أبوى اتحرق.

الجبلة لديه رد فعل ثابت، جامد، عنده لا مبالاة تنقط، ولون أصفراوى يلون سحنته، لون كالح، ودم مالح، يقرش الليمون الأخضر على فكيه بتلذذ غريب، ويلعق شفتيه حمضاً، لا تنتظر منه حزنا فى حزن، ولا فرحا فى فرح، لا تهزه الأعاصير الطبيعية أو البشرية، متمترس فى مكانه كجزع نخل خاو، فاضى من جوه، من بره هلا هلا ومن جوه يعلم الله.

يتكلم بيقين الجاهل، ويتصرف بغباء منقطع النظير، يرتدى حلة زاهية، ينتفش كالطاووس، وهو من داخله تصفر فى أحشائه الريح عاتية، يتحلل ذاتيا ويحافظ على قشرته الخارجية المتبلدة، والجبلة المجردة التى يتشكل منها جسده بيولوجيا عبارة عن خلايا تمت إزالة جدارها الخلوى طبيعيا، خلاياه معطوبة، عارية كنفسه تماما من الأحاسيس والمشاعر بلا ضفائر عصبية، تهزه هزا، تورثه الإحساس، حرمه الله من نعمة الإحساس فصار نقمة على الحساسين، ينقِط الغاضبين، ويشل الثائرين، ويستفز الحالمين، ويستخرج فيمن حوله أسوأ ما فيهم نقمة عليه.

والجبلة كمصطلح بيولوجى يطلق للدلالة على الجزء من الخلية الحيوية المكون من النواة وما يحيط بها من سيتوبلاسم ومكونات سيتوبلاسمية، وهو كمصطلح يدل على أول الأجسام المتعضية فى الأنواع، أى أنه أول شىء تتشكل منه باقى الأعضاء والأشكال، شكله أستغفر الله غريب، وسمته يا حول الله عجيب، فيه ثبات البومة على الشجر الناشف، نذير شؤم على شجر الحياة، وفيه سواد غراب بين ينعق فى الخراب، غير آسف على شىء، لا يلوى على شىء، لا يرعوى لشىء، فقط على قيد الحياة.

الجبلة من الرجال مكروه ومذموم، ومفارق للجماعة، يأنفونه، يهملونه، وإن تعطف عليه أحد بالسؤال التاريخى إنت جبلتك إيه؟.. يخرج عليهم بخطاب تصدر عنه أصوات قولون متعب، مثقل بالدهنيات التى يزدردها ليل نهار، يأكل كمن يأكل فى آخر زاده، وزاده وزواده الكلاحة، والبلادة، والسخافة، فى الهايفة ويتصدر، قادر على تتفيه عظائم الأمور بلفظ يخرج من فراغ فمه، ويمحق الحق بباطل يعتوره، والحق أبلج والباطل لجلج، ويتلجلج عندما تصدمه سيارة الحقيقة فى عرض الطريق، تقول له ارحل مع كارت أحمر.. يتشبث، قاعد على قلبكم، امشى.. يتغابى، مش ماشى، مشش فى ركبكم، غور فى داهية، لا يأبه، يضع قدما على قدم فى وجه الناس المحترمين، ويرد: أصل أنا جلدى تخين.. يا أخى إنت جبلتك إيه؟ قبر لما يلمك.