نور الدين شرابي

ربما لم يعد أمرا غريبا أن نشاهد أشخاصا يرسمون بأصابع أقدامهم أو أفواههم نتيجة وجود إعاقة طبيعية أو مكتسبة، غير أن قلة منهم استطاعوا ان يفرضوا حضورا قويا ومؤثرا في عالم الفن التشكيلي، ومن هؤلاء الجزائري نور الدين شرابي الذي يتميز بموهبة فنية كبيرة شهد له بها كبار الفنانين التشكيليين في الجزائر بعد أن خبروا قدرته على التعبير بالرسم بدرجة مقتنه وكبيرة تجعل من يرى لوحاته يشعر أنه أمام فنان مخضرم.
ويعيش نور الدين في شارع لافيجي بحي رايس حميدو بالجزائر العاصمة مع أسرة مكونة من 12 فردا، وقد بدأ الرسم في سن الطفولة ” إنها موهبة وهبنيها الله، فهو العمل الوحيد الذي يمكنني القيام به بسبب نوع إعاقتي. لقد ولدت دون كتفين ولا ذراعين، فقط بعض أطراف الأصابع..عمري الآن 34 عاما، ومستواي التعليمي الصف الثامن من التعليم الأساسي. كان الرسم غايتي ووسيلتي للتعامل مع الإعاقة”.
ويقول نور الدين أنه اجبر على التوقف عن الدراسة بسبب عدة صعوبات اعترضته، “منها بعد المدرسة عن منزلنا؛ إذ تفصل بينهما مسافة كيلومترين. هذا من جهة، ومن جهة ثانية القرار الذي أصدرته إدارة المدرسة التي رأت أنه ليس بمقدوري مواصلة الدراسة”.
يضيف نورالدين: “كنت أعاني دوما من ثقل المحفظة، حيث كان يشق علي حملها لأنني بلا يدين ولا كتفين.. كان شقيقي وشقيقتي يساعدانني؛ لكن مع مرور الوقت أضحى ذلك مستحيلا أيضا. أستطيع القول أن توقفي أو بالأحرى توقيفي عن الدراسة آلمني كثيرا، غير أنه فجر بداخلي مكنونات داخلية سمحت لي بالتعبير عما كان يختلج بداخلي بالألوان والمناظر الطبيعية التي أعشقها. لم أدخل قط معهد الفنون الجميلة، وأنا حاليا عضو بالجمعية السويسرية للفنانين الرسامين بواسطة الفم والقدم، إذ تقوم الجمعية بتزويدي بمواد الرسم الضرورية التي نادرا ما أجدها في السوق الجزائرية”.
ورغم ابتعاده عن المدرسة إلا أن نور الدين واصل المطالعة والقراءة في المنزل،”وقد ساعدني في ذلك الجو العائلي الرائع الذي أحظى به، لقد صرت مع مرور السنوات أتقن العربية وشيئا من اللغة الفرنسية.. بحيث أفهمها وأتكلمها بسهولة. وحتى الآن ما زلت أتعلم قواعد اللغة والنحو ويساعدني في ذلك أشقائي”.
ولا يعتبر نور الدين نفسه فنانا:”لا أستطيع منح نفسي هذه الشهادة لو لم أكن كذلك.. لقد أسعدتني رسائل كبار الفنانين الجزائريين وتشجيعهم لي، لأنه يواسيني ويقطع حبل اليأس الذي قد يتملك الانسان بسبب اعاقة يعاني منها، لكنني والحمد لله وجدت في علاقتي بالله سبحانه وتعالى ملاذا وملجأ آمنا أتغلب به على ما قد يعاني منه أناس مثلي أو أقل مني إعاقة”.
وعن أول لوحة رسمها يقول نور الدين، “كان عنوانها (الوحيد).. لقد استخدمت فيها اللون الأزرق في تلوين خلفيتها وتوسطها جبل يقع بمنطقة الهقار في أقصى الجنوب الجزائري (الصحراء الكبرى)، لقد رسمتها بطريقة جيدة للغاية، وكنت وأنا بصدد الرسم، أشعر أنني أفجر شيئا كان محبوسا بداخلي.. باختصار عبرت بها عن حالي لذا أطلقت عليها ”الوحيد” عنوانا”.
وقد باع نور الدين اللوحة لسيدة جزائرية شاهدتها في معرض للفنانة الجزائرية المشهورة سهيلة بلبحار، بقصر الثقافة مفدي زكريا (الجزائر العاصمة)، وقفت تلك السيدة، كما يقول، إلى جانبه وقدمت له مساعدات كبيرة سمحت له بالتعريف بلوحاته في عدة معارض”.
أما أول معرض شارك فيه نورالدين شرابي فقد كان في فبراير/ شباط 1995م، “هذا التاريخ أذكره جيدا لأنه كان بمثابة خروجي الى الجمهور. لقد استضاف قصر رياس البحر، بوسط العاصمة الجزائرية، معرضا للفن التشكيلي وكنت من بين الرسامين غير المعروفين الذين وجهت لهم الدعوة للمشاركة. لقد عرضت 16 لوحة آنذاك، ومن خلال وقوف كبار الفنانين أمامها مثل الفنان نورالدين شقراني، والفنان محجوبي والراحل حمدون عليه رحمة الله”.
ويردف شرابي، ” أدركت أنني نلت إعجاب الزوار الذين كانوا لا يصدقون أن صاحب هذه اللوحات هو شاب معاق بلا يدين ويرسم برجله.. لقد شعرت بسعادة كبيرة جدا ولا زلت لحد الآن أتذكر الكلمات الجميلة التي سمعتها من الزوار والفنانين، كانت تلك تجربة ناجحة”.
وقد شارك نور الدين شرابي في فعاليات مهرجان ”عام الجزائر” الذي احتضنها فرنسا سنة 2003، واعتبر هذه المشاركة فرصة ثمينة له، “سمحت لي بالاحتكاك بفنانين جزائريين وفرنسيين كبار، كما أنها شرف عظيم لي أن تعرض لوحاتي خارج الوطن. وأستطيع القول أنه حلم ظل يراودني منذ أول مشاركة لي خارج الجزائر من خلال معرض نظم في عاصمة البرتغال لشبونة عام 1998، حيث بيعت فيه خمس من لوحاتي. وأتوقع أن تزداد معلوماتي عن فن الرسم من خلال هذه المشاركة”.
وفي الختام يقول شرابي أن هواياته واهتماماته بسيطة، “اهتماماتي قليلة، هي حضور حلقات الوعظ في مسجد حي لا فيجي القريب من منزلنا ومشاهدة مباريات كرة القدم فأنا مناصر مثابر لنادي مولودية العاصمة، متابعة وقائع نقل الصلوات بالمسجد الحرام مباشرة على الهواء ومشاهدة بعض البرامج الدينية..أما أمنياتي فهي ليست كثيرة، فقط أتمنى التعريف برسوماتي هنا في الجزائر وفي الوطن العربي الذي أسمع عن العديد من أقطاره مثل: السعودية وقطر والإمارات والكويت”.

 

المصدر

http://www.alarabiya.net/articles/2005/01/24/9766.html