نص خطاب الرئيس الأسبق محمد مرسي إلى أعضاء “التأسيسية” أثناء مراسم تسليم الدستور ديسمبر 2012

وجَّه الدكتور محمد مرسي، رئيس الجمهورية، في بدء كلمته أمام أعضاء الجمعية التأسيسية أثناء استلام مسودة الدستور، حديثه إلى الشعب المصري، قائلا إنه “في هذا اليوم العظيم من أيام الوطن الكبير مصر، وفي هذا اليوم الأَغَرِّ من واقع مصرنا الحبيبة الذي نأمل أن نعبر منه إلى مستقبل زاهر لوطننا وبلدنا وأهلنا، نسطر فيه مع الشعب المصري العظيم بعد ثورته الكبيرة، ثورة 25 يناير 2011، صفحة ناصعة جديدة في تاريخ حضارته وكتاب مجده”.

وتحول إلى الجمعية التأسيسية، قائلا إن “هذه الجمعية هي أول جمعية تأسيسية منتخبة طوال التاريخ الحديث، فاللجان السابقة مع تقديرنا لجهودها كانت معينة، إما بإرادة ملكية أو رئاسية”.

وأضاف أن “المتتبع لمسار مصر الدستوري العريق، الذي بدأ منذ ما يزيد عن 175 عاما منذ أن أصدر محمد علي أول وثيقة شبه دستورية، يرى كفاح الشعب المصري من أجل دستور يحقق الكرامة والعدل والكرامة الإنسانية، ودائما ما كانت أهم اللحظات الدستورية تأتي في سياق ثورات شعبية ملهمة وموحية، ونحن أمام لحظة مهمة بعد ثورة 25 يناير، التي تعتبر تجربة فريدة وسط شعوب العالم أجمع، جغرافيا وفي التاريخ أيضا حضاريا”.

وتابع مرسي: “إن كنا نخطو اليوم خطوة أخرى في مسار استكمال الثورة، فلا يمكن لنا أن ننسى تضحيات شهدائنا الأبرار، ولا يمكن أن ننسى أيضا من أصيبوا في هذه الثورة، ولا ننسى أهلهم، أهل الشهداء وذويهم والمصابين”.

وأوضح أن “هؤلاء الشهداء والمصابين الذين لولا دماؤهم الزكية ما كنا لنصل إلى هذا المشهد المهيب الذي نحياه الآن، ورغم صعوبة المرحلة الانتقالية التي أوشكت على الانتهاء، إلا أن الشعب المصري قام جميعا ليرسم ملامح هذه المرحلة، ابتداء من 25 يناير بداية الثورة، ومرورا باستفتاء 19 مارس 2011 والانتخابات البرلمانية بمراحلها المختلفة والانتخابات الرئاسية بجولتيها، ليؤكدوا إصراره على إنجاح ثورته. المصريون مصرون على المضي قدما إلى الأمام للوصول إلى أهداف وغايات هذه الثورة”.

وخاطب مرسي مرة أخرى أعضاء التأسيسية، قائلا إنه تم اختيارهم خلال ثلاث محطات، مرت بانتخابات مجلسي الشعب والشورى التي شارك فيها أكثر من 32 مليون مصري، والانتخابات الداخلية في البرلمان بغرفتيه.

ثم تحدث عن حل الجمعية الأولى بحكم قضائي، وتكوين الثانية بعد أن قرر المجتمع معايير اختيار الأعضاء بها، ليشارك الأعضاء طوال الأشهر الستة بدرجات متفاوتة في صياغة الدستور، حيث كانت الجلسات المستفيضة التي نقلتها وسائل الإعلام على الهواء مباشرة لتشهد على المجهود الضخم.

ووجه الرئيس للأعضاء الشكر والتقدير، قائلا: “جزاكم الله خيرا”، موجها تحية خاصة للمستشار حسام الغرياني، رئيس الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، قائلا: “لك مني خالص الشكر والتقدير”. وأضاف: “عندما أقول إن التحية مني، فأنا أعني أنها مني بصفة شخصية ونيابة عن شعب مصر الذي انتخبني”.

وقال الدكتور محمد مرسي إن الكرامة بمقتضى مشروع الدستور أضحت حقا لكل إنسان يعيش على أرض مصر، والكرامة حق لكل إنسان يعيش على أرضها، حتى لو لم يكن مصريا.

وأكد أن المواطنة اعتُمِدَتْ مبدأً رئيسيا حاكما لكل مواد الدستور، وهو المساواة بين كل المصريين بسبب المعتقد أو النوع، مضيفا أنه لأول مرة في تاريخ مصر تقلصت في هذا المشروع صلاحيات رئيس الجمهورية، فلم يعد يستطيع حل البرلمان إلا باستفتاء، وإذا كانت النتيجة بالرفض وجب عليه أن يستقيل، إضافة لتوسيع السلطات التشريعية لتشمل آلية تعديل الدستور وتمكين خُمس أعضاء البرلمان من اقتراح التعديلات عليه.

وأضاف: “كم كنا نحلم نحن المصريون، عقود طويلة، بأن يكون الشعب بحقٍ مصدر السلطات، وهذا ما تابعته وأراه في نصوص الدستور، أن الشعب بحق هو مصر السلطة، كما أحسب أن مشروع الدستور جاء معبرا عن دستور الثورة العظيم، ثورة 25 يناير، لضمان حد أدنى للأجور والمعاشات، كما عمل على محاربة الفساد والاستبداد والانتصار لحرية الاعتقاد والفكر والرأي والإبداع بأشكاله المختلفة، والحق في الحصول على المعلومات وحرية التعبير والصحافة والنشر”.

ووجه خطابه للمنسحبين من الجمعية، قائلا: “أما الرموز الوطنية التي فضلت عدم الاشتراك في الجلسات الختامية، فلهم أقول: لا شك أنكم أبليتم بلاء حسنا في صياغة المواد وإنجاح أعمال الجمعية، حتى لو اختلفتْ رؤيتكم في نهاية هذا المشروع، فجهدكم لن يذهب هدرا”.

وقال إنه يطمح إلى تخطي مرحلة التجاذب لأن التحديات الموجودة كبيرة، مضيفا أنه يجدد الدعوة لفتح حوار وطني جاد بكل صراحة وتجرد لإنهاء المرحلة الانتقالية لحماية الديموقراطية الوليدة.

وأكد أن الدستور هو نجاح جديد لثورة الخامس العشرين من يناير، وأنه سيكون لبنة لبناء نظام ديموقراطي أيًّا كان رأي الشعب بالقبول أو الرفض، متابعا أن الديموقراطية ثقافة تتجذر وتتراكم بالممارسة.

وتابع أنه لن ينسى “الدور العظيم للقضاء المصري الجديد في الإشراف على الانتخابات والاستفتاءات التي سبق إجراؤها بكل حياد ونزاهة، ولا أغفل دوره الشجاع يوم أعلن رجاله تزوير الانتخابات في النظام السابق، متحدين بذلك قوى البطش والإرهاب، ويقيني بثقة كاملة أن هذا القضاء العظيم سيمنح كل حق لصاحبه، وشعاره دائما أن القوي عنده ضعيف حتى يأخذ الحق منه، والضعيف عنده قوي حتى يأخذ الحق له”.

وأوضح أن “هذا الوطن يقوم على نزول جميع مؤسسات الدولة عند أحكام القضاء التي هي عنوان الحقيقية، وأن قضاة مصر سيكونون عونا للوطن، وأن أحدا منهم لا يمكن أن يخرج عن الشرعية القانونية”.

وأضاف: “العالم من حولنا كله، العربي والإسلامي، ينظر إلى تجربتنا منذ اللحظة الأولى للثورة المصرية، بتفاني شبابها، شدت أنظار العالم إليها ولا زالت، ويستمر عطاء المصريين الحضاري ملهما للعالم أجمع، خاصة لثورات الربيع العربي”.

وأكد أنه “الآن بعد تسلم، بكل حب وتقدير، مشروع الدستور هذا منكم، من رئيس الجمعية، وحرصا مني على بناء مؤسسات الوطن دون تراجع أو تباطؤ، فسأصدر قرارا اليوم بدعوة الشعب المصري إلى الاستفتاء على مشروع الدستور”.

وقال إنه سيدعو الشعب للاستفتاء على الدستور 15 ديسمبر الجاري، مضيفا: “أدعو المؤيدين والمعارضين للدستور إلى اختيار ما يرضي ضمائرهم، وما يحقق للأجيال القادمة الاستقرار والعدالة الاجتماعية”.

وأنهى الرئيس كلمته بالآية الكريم “إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت”، ثم وجه التحية مرة ثانية للمستشار حسام الغرياني وأعضاء الجمعية وكل الحضور، متمنيا للشعب والوطن “الاستقرار والأمن والخير، قل عسى أن يكون قريبا إن شاء الله”.

 

:المصدر

http://www.elwatannews.com/news/details/88218