موقعة سامية صادق بقلم حمدي عبد الرحيم

عندما كنتُ طالبًا بجامعة الأزهر رأت إدارة المدن الجامعية أن تنعم على نزلائها بنسخ من «الأهرام» و«الأخبار» و«الجمهورية»، كانت الإدارة تضع النسخ فى إطار من السلك ذى الثقوب الواسعة بما يكفى للقراءة.

صباح أحد الأيام وقفت مع زملاء لإلقاء نظرة على عناوين الجرائد، باغتنى الزميل «ع» عندما أخرج قلمه من جيب قميصه ومده قاصدًا صورة صغيرة «بالأبيض والأسود» للإذاعية الرائدة سامية صادق.

سألته بهدوء: «ماذا ستفعل؟». أجاب: «سأظلل الصورة» عدت أسأله مندهشا: لماذا؟ أجاب وهو يرمينى بنظرة نارية: تسأل لماذا؟ دعنى أنا أسألك: هل أنت رجل أم لا؟ وهل هذه امرأة أم لا؟ وهل هذه المرأة سافرة أم لا؟ وهل يجوز لك أن تنظر لشعرها أم لا؟

لحظتها تأكدتُ أن سؤاله «البيولوجى» سيهزمنى شر هزيمة، وتأكدت أيضًا أن سؤالى «الإنسانى» حول كيفية هياج شاب من صورة لسيدة فى عمر أمه لا مجال له هنا.

لم يكن هناك مجال لكى أحدثه عن سامية صادق التى تربينا على صوتها وهى تقدم برامجها «من الشاشة للميكروفون – حول الأسرّة البيضاء – فنجان شاى و..».

الزميل وإن كان قادمًا من الطبقة المتوسطة التى أنتمى إليها فإنه كان مشبعًا بفكر تنظيم ما يسمى بالجماعة الإسلامية، حيث صورة لسيدة وقور تستطيع فتنة شاب فى العشرين من عمره!

كنا قد وصلنا إلى طريق مسدود هو يريد تظليل الصورة وأنا أرفض، وبعد تشابك بسيط بين ذراعينا سيطرت على قلمه وكسرته وألقيت به أرضًا. حاول الزملاء إصلاح الموقف ولكنه هشهم بغطرسة ونظر لى قائلًا: «بتكسر القلم.. ماشى.. بكرة تشوف».

كنتُ مغرورًا، لدرجة جعلتنى أهز كتفىّ سخرية من تهديده الطائش، فى استراحة بين محاضرتين، جاءنى أصدقائى مرتبكين يسألوننى عن حقيقة صدامى مع «ع». غاظنى ارتباكهم من موضوع كنت أراه تافهًا. لم يعجب الأصدقاء تقليلى من شأن «ع» وجماعته.

انفرد بى صديق من نفس محافظة «ع»، وقال إنه لا يستبعد أبدًا أن يحصل هذا الولد على فتوى من جماعته بأننى مرتد وأستحل الحرام، وساعتها سيكون دمى حلالًا له.

ثم همس صديقى: «مسجد المدينة الجامعية يقع فى بقعة تحفها الأشجار وإضاءتها خافتة، وليس بعيدًا أن يخرج عليك أحدهم من بين الأشجار ويطعنك طعنة واحدة تكون فيها نهايتك، ولذا فسنذهب للمسجد فى جماعة لكى لا ينفردوا بك».

كان لدىّ شعور بأن الصديق يبالغ حتى جاءت صلاة عشاء ذلك اليوم، ما إن دخلت وأصدقائى المسجد حتى أشار «ع» إلى جماعته إشارة جعلتهم يتفرقون صانعين مربعًا محكمًا لا يمكن النفاذ منه، نظر إلىّ الصديق الناصح كأنه يقول: «ألم أقل لك؟».

أمام جدية الموقف وخطورته تخليت مرغمًا عن أوهامى «السلمية» ووقفت مخاطبًا الإمام شرحت له الأمر كله وزدت «كاذبًا» بأننى قد هاتفت أهلى الصعايدة وأبلغتهم بأسماء الذين يتربصون بى.

شن الإمام هجومًا كاسحًا على المتنطعين بليدى الحس وعديمى الذوق الذين تهيجهم صورة لسيدة فى عمر أمهاتهم، ولم يكتف الإمام بذلك بل شجعنى على أن أبلغ إدارة المدينة بأسماء الذين يهددونى.

لم ينطق أحد منهم بكلمة وإن كانت وجوههم محتقنة بغضب مكتوم.

عندما علمت إدارة المدينة الجامعية بما حدث عاقبت الجميع وكفت عن عرض نسخ الجرائد!

ثم أمضيت باقى العام الدراسى «من حسن حظى أنه كان الأخير» متوترًا أتحرك بين جماعة من الأصدقاء خوفًا من مدية تهاجمنى من بين الأشجار، لأننى اعترضت على تظليل صورة بالأبيض والأسود لسامية صادق!!!!!

سأكذب لو قلت إننى لا أفتش جوانب صور الفضائيات بحثًا عن وجه «ع» بين المتمترسين فى إشارة رابعة، أولئك الذين لا يريدون تظليل صورة سامية صادق فحسب بل يريدون شطب و«كشط» صورة مصر ذاتها.