منتدى شرم الشيخ .. قراءة من بعيد..للكاتب فاروق جويدة

وسط الحرائق التى تدور فى العالم العربى والانقسامات التى تعصف بالشعوب وفى قلب سيناء حيث تدور معركة دامية مع الإرهاب فى أرض الفيروز جاء منتدى شرم الشيخ لشباب العالم لكى ينقل صورة أخرى مختلفة تماما من حيث الشكل والمضمون والهدف, هذه الوفود التى تجمعت فى هذه التحفة الفنية الرائعة جاءت لكى تغير لون الأشياء ونجحت فى أن تقدم للعالم صورة مختلفة تماما عن كل ما يجرى فى عالمنا العربى بل وما يجرى فى العالم كله .. لقد تابعت معظم ما دار من الحوارات على شاشات الفضائيات وأعترف بأن الإعلام المصرى استطاع أن ينقل الحدث بكل الدقة والموضوعية وجعل كل مواطن يتابع الأنشطة وكأنه يعيش وسط المشاركين فى هذه المناسبة.. هناك عوامل كثيرة وأسباب كانت وراء نجاح هذا المنتدى ..

> إن فريق الإعداد استطاع أن يقدم نموذجا رائعا فى الترتيب والانضباط والدقة ولقد علمت أن هذا الفريق من شباب الفريق الرئاسى وهو بكل المقاييس قدم شيئا مدروسا ورائعا ..

> لاشك أن برنامج المنتدى كان على درجة عالية من الدقة فى إعداد الندوات ورءوس الموضوعات والقضايا والضيوف المشاركين فيها ..

> كان حرص الرئيس عبد الفتاح السيسى على حضور اللقاءات والمشاركة فى الحوارات من أهم الأسباب التى أعطت للمنتدى جوا من الجدية والانضباط خاصة أن الرئيس شارك برأيه فى عدد من الموضوعات الهامة ..

> كان اختيار شرم الشيخ المدينة والموقع والتميز من أهم أسباب نجاح المنتدى خاصة أننا نتحدث عن مدينة تتمتع الآن بسمعة دولية بما فيها من مظاهر الجمال والإبداع والتفرد ..هذه الأسباب كانت كافية لكى تعطى المنتدى مذاقا خاصا وصورة مبهرة أمام العالم كله .. ورغم أننى تابعت على الشاشات معظم ما دار من الحوارات فإننى توقفت عند عدد من القضايا هى فى تقديرى تحتاج إلى حوارات أوسع ..

> من أهم ما تحدث فيه الرئيس السيسى قضية الشباب والأحزاب وقد طالب الرئيس الأحزاب المصرية -وهى تزيد فى عددها على مائة حزب- أن تندمج مع بعضها حتى يكون لها تأثيرها فى الشارع المصرى, وفى تقديرى أن الدولة تأخرت كثيرا فى رعايتها واهتمامها بالأحزاب الجديدة, لقد تصورنا بعد ثورتي يناير ويونيه أن الساحة سوف تشهد ميلاد أحزاب حقيقية وليست مجرد لافتات أو صحيفة أو رجل أعمال يمول القصة كلها ولكن هذا الحلم تعثر كثيرا أمام الصراعات والخلافات والمعارك .. إن هناك بعض الآراء التى تطالب بإنشاء منظمة للشباب أو التنظيم الطليعى أسوة بما حدث فى عهد عبد الناصر وفى تقديرى أن مثل هذا الطرح لا يصلح الآن لأنه من الظلم أن نسعى لتكرار تجارب لم تحقق أهدافها, والمطلوب الآن أن نفتح الأبواب أمام أحزاب معارضة يكون من حقها أن تشارك فى الحوار حتى وإن اختلفت عن الآراء السائدة .. لقد عشنا زمنا فى منظومة الحزب الواحد, وفى ظل ديمقراطية كاذبة سمحت الدولة باقتسام السلطة مع الإخوان المسلمين واعتبرتهم المعارضة, وكان هذا خطأ تاريخيا ففى ظل العلاقة المريبة بين الإخوان والحزب الوطنى سادت منظومة من الفساد لم تشهدها مصر من قبل .. إننى أتمنى أن يشهد المنتدى القادم للشباب فى شرم الشيخ ميلاد حزب جديد معارض فى ظل دعم كامل من الدولة وأن تخرج من بين الأحزاب الحالية أصوات عاقلة تأخذ مكانها مع النظام بالرفض أو التأييد حتى تكتمل الصورة فى إطار ديمقراطية حقيقية بحيث يبقى منصب الرئيس بعيدا عن صراعات القوى وخلافات الأحزاب.

> توقفت فى حديث الرئيس عند قضية لقاء الحضارات وصراع المصالح وقد أكد الرئيس أن الحضارات جميعها ينبغى أن تسعى لتقدم البشر وأن صراع المصالح هو الذى جنح بالبشرية نحو مواجهات وحروب ومعارك وأن على العالم أن يدرك أن الحضارات تعنى التقدم والتنمية والبناء لكل البشر .. إن طرح مثل هذه القضايا للحوار يعكس نموذجا رفيعا للتعاون والإخاء والبناء قدمته مصر عبر تاريخها باختلاف العصور فيه, وقد تعرضت مصر بسبب ذلك إلى مخاطر كثيرة فقد كانت دائما مطمعا للغزاة من كل لون وكل جنس ولكنها بقيت تمثل نموذجا حضاريا رفيعا قدم للإنسانية دروسا فى البناء والتعمير والحضارة, وعلينا أن نتمسك بهذا النموذج الذى قام دائما على الحوار والتعاون ولم يكن فى يوم من الأيام طامعا فى ثروات شعوب أخرى أو تهديد أمنها واستقرارها .. إن دعوة الرئيس السيسى لتأكيد حوار الحضارات تعنى أن يواجه العالم كل العالم مخاطر العصر الذى نعيش فيه من أجل إنقاذ البشرية وتحرير الشعوب من الفقر والجهل والتخلف.

> دافع الرئيس السيسى دفاعا شديدا عن دور المرأة مستندا إلى حقائق ثابتة فى الإسلام الدين والسلوك والرسالة, وانتقد بشدة أحوال المرأة المصرية التى تعانى ظروفا صعبة والمجتمع يحرمها من ابسط حقوقها وهو الميراث .. فى الريف المصرى ومنذ مئات السنين تحرم المرأة أما وإبنة وزوجة وشقيقة من ميراثها الذى شرعه الله ووضع له من الضوابط ما يضمن الحقوق .. والقضية أن هناك تراثا من التخلف وعلاقات اجتماعية مريضة ونماذج بشرية اختارت الباطل طريقا وهذه الأشياء تحتاج إلى إعادة التربية ونشر العدالة وتأكيد الحقوق بين الناس ولأن القوانين لا تحمى الحقوق ولأن المجتمع الظالم لا يعرف أصول العدالة تحدث هذه التجاوزات وهنا لابد من طرح أسس جديدة أكثر إنسانية للعلاقة بين المجتمع والمرأة بما يضمن لها الحقوق والمكانة التى تستحقها, وهذه مسئولية المؤسسات التعليمية والدينية والثقافية وقبل هذا كله الأسرة التى تزرع الخير أو الشر, كما إننا لا ينبغى أن نتجاهل مأساة الأمية خاصة إنها تنتشر كثيرا فى صفوف النساء.

> منذ فترة لم يتحدث الرئيس عن قضية المياه وسد النهضة وإن أرسل رسالة سريعة أن المياه أمن قومى وأن مصر قادرة على أن تحمى أمنها القومى, كان المصريون فى حاجة إلى هذه الرسالة وسط دخان كثيف يدور حول هذه القضية فى سراديب المفاوضات وهى لم تصل إلى نتائج ملموسة حتى الآن مما يثير الخوف والقلق بين المصريين.

بقيت عندى بعض الملاحظات أتمنى أن نعالجها فى منتدى العام القادم..

> كنت أتمنى أن أجد مشاركات اكبر من النخبة المصرية من السياسيين والمثقفين وأصحاب الرؤى فقد كانت مشاركاتهم محدودة للغاية وكنا نحتاج أن نقدم للشباب نماذج منها ومازال لدينا أسماء كثيرة مشرفة من العلماء والخبراء والمبدعين ..

> تمنيت حفلا فنيا مصريا راقيا حتى ولو كان أعمالا مسجلة من كنوز الفن المصرى العريق.

> تمنيت لو واكب المنتدى قرار عفو رئاسى بالإفراج عن عدد كبير من الشباب المسجونين الذين لم يشاركوا فى أعمال عنف أو إرهاب أو تخريب ومنهم من بقى فى السجون سنوات تحت شعار الحبس الاحتياطى وليتنا فى العام القادم نضم عددا من هؤلاء الشباب إلى فصائل الشباب المصرى المشارك فقد يكون ذلك ميلاد عمر جديد لهم بحيث يعودوا إلى المجتمع عناصر بناء ووعى وتقدم.

> أتصور فى العام القادم أن يزور شباب الدول المشاركون آثار مصر وهناك مناطق كثيرة سواء فى سيناء أو خارجها مثل سانت كاترين أو الأقصر أو القاهرة وأن توزع عليهم بعض الكتب والمنشورات باللغات التى يجيدونها.

> أقترح على اللجنة المنظمة للمنتدى أن ترسل لكل المشاركين الأجانب كل ما دار من الحوارات فى اللجان وأهم الموضوعات والقضايا التى ناقشها المنتدى وأن تنشر كل هذه المواد على المواقع الخاصة بالمنتدى فى وسائل التواصل الاجتماعى بحيث تتوافر لأجهزة الإعلام الأجنبية والعربية وأن تكون متاحة للباحثين وكل من له اهتمام بقضايا الشباب.

> فى هذا المنتدى درس للإعلام المصرى إنه يستطيع إذا أراد أن يكون جادا ومقنعا وقادرا على توصيل الحقيقة بكل التجرد والشفافية خاصة انه لم يحدث عطل فنى أو توقف الإرسال دقيقة واحدة رغم طول الجلسات والمناقشات.

> كنا فى حاجة إلى هذا العمل الناجح الذى يؤكد لنا أن النجاح ممكن وأن التفوق ليس أمراً مستحيلا ولكن كل هذا يتطلب تشجيع القدرات وتوفير الفرص والحرص على الإجادة .. هناك أفكار كثيرة تناولها المنتدى ابتداء بما يخص العلاقات بين الشعوب والحضارات من الأفكار والرؤى وما يعانيه العالم اليوم من انقسامات وحروب ومعارك ويكفى أن قضية الإرهاب أصبحت قضية العصر وهى تهدد شعوبا كثيرة وإن على العالم أن يبحث عن أسبابها وطرق علاجها وأن القضية فى الأساس هى تلك الصراعات الفكرية والدينية والسلوكية التى غيرت المفاهيم واختلقت الأزمات والمشاكل وإن على العالم أن يواجه كل الحقائق ولا يتهرب أحد من المسئولية.

> كانت شرم الشيخ لوحة حضارية وإنسانية جميلة ورفيعة ومؤثرة وإذا كان قد شارك فيها عدد من شباب مصر والعالم فإننى أتمنى أن يزداد عدد الشباب المصريين الذين يحملون فى المنتديات القادمة أسماء أحزاب سياسية جديدة ومؤسسات اجتماعية جادة وأفكار تحملنا إلى مستقبل يليق بنا فى التقدم والرخاء والحياة الكريمة.

..ويبقى الشعر

فى كـُلّ عام ٍ ..

تشْرقينَ على ضِفافِ العُمر ..

تـَنبتُ فى ظلام الكون ِ شَمسٌ

يَحتوينى ألفُ وجْهٍ للقمرْ

فِى كـُلّ عام ٍ ..

تـُشْرقينَ علـَى خَريفِ القلبِ

يَصْدَحُ فِى عُيُونِى صَوْتُ عصفور ٍ..

وَيسْرى فِى دِمائى نـَبضُ أغنيةٍ

وَيغزلُ شَوقـُنا المْجنونُ أوراقَ الشـَّجَرْ

فى كـُلّ عام ٍ ..

تـُشرقينَ فراشة ً بَيْضَاءَ

فوقَ بَرَاعِم الأيَّام

تـَلـْهُو فوْقَ أجنحةِ الزَّهرْ

فِى كلّ عَام ٍ ..

أنتِ فِى قلبى حَنينٌ صَاخبٌ ..

وَدُموعُ قـَلبٍ ذابَ شوْقـًا .. وانـْكـَسرْ

فِى كـُلّ عام ٍ..

أنتِ يَا قدرَى طريقٌ شائكٌ

أمْضى إليْكِ عَلى جَنـَاح الرّيح ِ

يُسْكرُنِى عَبيُركِ ..

ثمَّ يترُكنى وَحِيدًا فى مَتـَاهاتِ السَّفرْ

فِى كـُلّ عام ٍ..

أنتِ فى عُمرى شِتاءُ زوَابع ٍ

وَربيعُ وَصْـل ٍ..

وارتعاشاتٌ .. يدنـْدنـُهَا وَترْ

فِى كـُلّ عام ٍ..

أنتِ يَا قدرى مَواسِمُ فـَرْحةٍ

تـَهْفـُو الطـُّيورُ إلى الجَدَاول ..

تنتشى بالضوءِ أجْفانُ النـَّخيل ٍ

وترتوى بالشَّوقِ أطـْلالُ العُمُرْ

فِى كـُلّ عام ٍ ..

كـَنتُ أنـَتظِر المواسمَ

قد تجىءُ .. وقـَدْ تـُسَافِر بَعدَمَا

تـُلـْقِى فـُؤَادِى للحنِين ..

وللظـُّنِون .. وللضَّجَرْ

فِى كـُلّ عام ٍ..

كـَانَ يَحْمِلنى الحَنِينُ إليْكِ

أغفـُو فِى عُيونِك سَاعة ً

وَتـُطلُّ أشبَاح الوَادع

نـَقـُومُ فى فـَزَع ٍ..

وَفِى صَمْتِ التوحُّدِ نـَنـْشَطِرْ

أنـَتِ الفـُصولُ جَميعُهَا

وَأنـَا الغَريبُ على رُبُوعِكِ ..

أحملُ الأشواقَ بينَ حَقائـِبـِى ..

وَأمامَ بَابكِ أنتظِرْ

أنتِ الزمَانُ جَميعُه

وَأنا المسَافرُ فى فصُول العَام ِ..

تحْملـُنى دُروبُ العِشق ِ..

يَجْذبنى الحنـَين ُ..

فأشـْتـَهى وجَهَ القمرْ

وَأظلُّ أنتظرُ الرَّحيل مَعَ السَّحابِ ..

وَأسْألُ الأيامَ فى شوْق ٍ:

مَتـَى .. يَأتى المطـْر ؟

قدرٌ بأنْ نـَمْضى مع الأيَّام ِ أغْرابًا

نـُطاردُ حُلمَنـَا

وَيضيعُ منـَّا العمْرُ .. يا عُمْرى ..

ونحْنُ .. علىَ سَفرْ