مرتزقة 25 يناير بقلم محمود الكردوسي

قلتها كثيراً، وأقولها مجدداً: ما حدث فى 25 يناير 2011 لم يكن «ثورة» على الإطلاق. كان «انتفاضة» شباب -لم يخلُ بعضهم من هوى موجّه، و«ممول» كما تبين فيما بعد- ضد داخلية حبيب العادلى.. ثأراً لـ«خالد سعيد». نجح هؤلاء الشباب -حماساً وعناداً- فى إنهاك الداخلية ثم إسقاطها، وتحولت مصر بين يوم وليلة إلى مشهد رخو، ليس فيه سوى «ثابتين»: الإخوان بـ«83» عاماً من التربص والمراوغة والغل و«الاستمناء»، والمجلس العسكرى بكل ما فيه من حياد أصيل وارتباك مفاجئ وحسابات خاطئة. أزاح الإخوان شباب الأيام الأربعة الأولى، وعضّوا على الغنيمة بالنواجذ، وأصبحت أوراق اللعبة فى أيديهم، واستخدموا كل «وساخة» السياسة للوصول إلى سدة الحكم. لعبوا بالجميع: ثواراً وبلطجية.. بسطاء ونخبة.. وحتى بالمجلس العسكرى نفسه، واختبأوا وراء كل ألاعيب «الميكيافيلية»: من الدين إلى كراتين السكر والزيت، وما إن وصلوا إلى الحكم حتى أطاحوا بالجميع وبدأوا «تمكينهم»، فأين «الثورة» فى كل ذلك؟.

الإخوان هم الذين سموا 25 يناير «ثورة»، وشحنوا «قرضاويهم» من الدوحة إلى منصة التحرير لتعميدها، وكانت «الجزيرة» قد استبقت الجميع وزادت فسمتها «ثورة الشعب المصرى»، وبعد ثوانى من إعلان تنحى مبارك سمته «مخلوعاً»، وفرحنا وصدقنا.. لأن غالبية جماهير 25 يناير لم تكن ذاقت طعم الثورات منذ ستين عاماً. الإخوان هم الذين اخترعوا كلمة «فلول» سعياً إلى عزل وإقصاء كل رجال مبارك -شرفاء ومفسدين- مع أنهم كانوا هم أنفسهم «فلول» هذا النظام وأحط حلفائه، ثم وسعوا نطاق الكلمة لتصبح «من ليس معنا فهو ضدنا». الإخوان هم الذين اخترعوا لـ«25 يناير» هذا.. شعاراً تبين لحلفائهم قبل خصومهم أنه كان كميناً: «عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية»، وهم الذين دوخونا ولخبطونا وتبين بعد ذلك أنهم هم «الطرف الثالث». الإخوان فى الحقيقة لم يسرقوا «25 يناير» من أحد، إذ لم يكن لهذا اليوم صاحب، بل أخذوه على مرأى ومسمع كل أطراف اللعبة وبكامل رضائها، وحولوه من «لعب عيال» إلى واقع سياسى واجتماعى تستطيع أن تسميه أى شىء.. إلا أن يكون «ثورة». وبعد سنة واحدة من حكمهم قرر المصريون أن يصححوا خطأهم وأن يصنعوا ثورتهم بأيديهم، وهكذا كان «30 يونيو».

أنجز المصريون وجيشهم وشرطتهم فى 30 يونيو «ثورة» حقيقية، متكاملة، وعلى سُنة الله ورسوله. أكثر من عشرين مليوناً ملأوا شوارع مصر وميادينها.. لا فضل لأحدهم على آخر إلا بـ«كراهية الإخوان». كل المصريين فى 30 يونيو كانوا سواسية، لا أحد ولا شىء يحركهم سوى إصرارهم على أن يستعيدوا بلدهم من كل الذين خدعوهم ونصبوا عليهم باسم الدين وباسم الديمقراطية. لا وائل غنيم ولا أسماء محفوظ ولا إسراء عبدالفتاح ولا شادى حرب ولا زياد العليمى ولا تميم البرغوتى ولا نوارة نجم ولا علاء عبد الفتاح ولا بلال فضل ولا أحمد ماهر ولا أحمد دومة ولا مصطفى النجار ولا عبد المنعم أبو الفتوح ولا معتز عبد الفتاح ولا حمزاوى ولا أسوانى ولا غيرهم ممن أسميهم -دون أن يطرف لى جفن- «مرتزقة 25 يناير».

هؤلاء جرفهم طوفان «30 يونيو» كما يجرف النهر حشائشه الطفيلية. خرجوا من هذا المشهد المهيب، المتماسك، واختبأ كل منهم وراء ساتر إلى أن يهدأ الغبار ويعرف من أين تؤكل الكتف. ومع أن الغبار لم يهدأ بعد، وبينما تخوض مصر -شعباً وجيشاً وشرطة- حرباً طاحنة ضد إرهاب الإخوان وحلفائهم، أطل «مرتزقة 25 يناير» برؤوسهم من جديد، وبدأوا يضربون فى كل اتجاه.. وبكل ما فى أعماقهم من «دناوة» وسوء تقدير و«نفسنة ثورية». بدأوا بإعادة تسمية ما جرى فى 30 يونيو: عز عليهم أن يقولوا «ثورة» لكى لا «يغلوشوا» على «دجاجة 25 يناير»، التى كانت تبيض لهم ذهباً، ونحتوا أسماء سخيفة، مغرضة، مثل «تسونامى» و«الموجة الثانية» و«انقلاب ناعم» وغيرها. وصدعوا رؤوسنا بالحديث عن ضرورة إعادة الإخوان إلى المشهد السياسى.. حتى بعد أن ثبتت خيانتهم لمصر وأصبح إرهابهم وقوداً يومياً لحرق المصريين وتقويض دولتهم. وهاجموا حكومة الببلاوى قبل أن تتشكل وتستقر، ومن دون أن يدعى أحد أنها ستكون حكومة ملائكة. وخلقوا حالة من الاستقطاب والتلاسن البغيض فى وسائل الإعلام، ووصفوا كل من يطالبهم بتغليب مصلحة مصر على أى استحقاقات ومصالح شخصية بأنه «فاشى». وأخيراً -وكعادتهم- استداروا إلى الجيش وبدأوا ينهشونه كما تنهشه كلاب الإخوان وحلفاؤهم من التكفيريين والمغرر بهم، وأصدر بعضهم بياناً إقصائياً مشبوهاً يطالب الجيش بالعودة إلى ثكناته، فضلاً عن المطالبة بانتخابات برلمانية ورئاسية قبل الدستور.

هكذا يحاول مرتزقة 25 يناير إفساد «ثورة 30 يونيو» بشتى الطرق. يبحثون لأنفسهم عن موطئ قدم فى مشهد لم يشاركوا فيه (بعضهم شارك ضيف شرف) وليس لديهم من التجرد وطهارة الذمة ما يجعل أحداً من أصحاب هذه الثورة الحقيقيين يصدق تخريجاتهم البائسة وادعاءاتهم الهدامة. هؤلاء المرتزقة فى رأيى لا يقلون خطراً وفساداً عن الإخوان «اللى صعبانين عليهم»، والأمانة تقتضى ملاحقتهم وفضح أغراضهم وألاعيبهم الدنيئة.

هؤلاء أقول لهم: من الآن فصاعداً، وأينما تولوا وجوهكم، ستجدون شرفاء يدافعون عن ثورتهم وعن جيشهم وعن مستقبل.. لا مكان لأمثالكم فيه.