محمد جمعة

أرادت والدته عدم الإحساس بالألم عند ولادته, فأعطاها الطبيب جرعة بنج زائدة, أثرت علي مخها وتنفسها, فتأثر الجنين, فولد مصابا بشلل رباعي تاما وعدم القدرة
علي النطق بسبب حدوث ضمور في مراكز الكلام والحركة بالجسم كله, وتوفيت الأم بعد مولده بـ3 أشهر .

 

وأعتبره الأطباء داخل مصر وخارجها من الحالات النادرة علي مستوي العالم, استخدموا معه كل أنواع أجهزة الحركة, ولكن دون جدوي.. فأراد المولي عز وجل أن يجعله
آية للأصحاء, فمنحه سبحانه وتعالي ذاكرة قوية جدا, وقدرة علي التحكم في أعصابه, أنه الشاب محمد جمعة.
في إحدي بنايات الحي الثامن بمدينة السادس من أكتوبر التقت صفحة صناع التحدي بمحمد جمعة- صانع التحدي الأكبر في حياة ذوي الإعاقة- الذي يبلغ من العمر30 عاما,
لتتعرف منه كيف استطاع بالصبر والإرادة والعزيمة الانتصار علي جميع الصعوبات التي واجهته في مسيرة حياته, وكيف جعل من أنفه أداة يرسم ويكتب بها ويتواصل مع زملائه
وأصدقائه من خلالها عبر الكمبيوتر.. وبمجرد دخولي عليه في غرفته, وشاهدته ملقي علي الأرض ينقر بأنفه علي لوحة مفاتيح الكمبيوتر لرسم أخر لوحاته, خيل لي أن الشخص
الذي كنت أحادثه عبر الفيس بوك مستحيل أن يكون هذا الشخص الذي أشاهده بعيني, فمن كنت أجري معه الحوار إنسان طبيعي, خفيف الدم, يمازحني وأمازحه, يطلب مني تعديل
أشياء في الحوار الذي استمر8 أيام- فأعدلها, يشكوا لي همه وكربه ومعاملة الناس له.. أما الذي أشاهده أمام عيني الآن فهو بالتأكيد شخص آخر, لا يستطيع الحركة
ولا الكلام ولا المزاح, فما كان مني غير الجلوس علي الأرض بجانبه وتصويره بالفيديو وهو يرسم.. لذلك هو آية من آيات الله علي الأرض.
يقول محمد: بعد أن توفيت والدتي رحمها الله, تركني والدي وتزوج من أخري لأعيش وأتربي مع أهل والدتي, لم أحصل علي مؤهلات علمية نتيجة ظروفي الصحية, ولكني تعلمت
القراءة بمساعدة جدتيسيادة التي كانت تحضر لي منذ الصغر المكعبات المرسوم عليها حروف اللغة العربية, حتي عرفت معني الحروف, كما ساعدني المصحف الشريف علي معرفة
الحروف أكثر, من خلال متابعة إذاعة القرآن الكريم ومطابقة الكلام بما هو في المصحف, واستمر هذا الحال حتي وصلت إلي25 عاما, حتي رجعت بنت خالتي فيروز من السفر
وشجعتني علي تعلم الكمبيوتر, كما شجعتني أيضا علي تعلم الرسم علي الكمبيوتر حتي أشغل وقت فراغي في أشياء مفيدة لأني أقضي أمامه أكثر من16 ساعة يوميا, حتي أصبحت
أجيد التعامل مع والرسم والكتابة عليه, ولا أنكر أنني وجدت صعوبات في بداية الأمر في التعامل مع الكمبيوتر, لأن الجزء الوحيد الذي أستخدمه في جسمي هو الأنف,
واخترت الرسم من دون الفنون الأخري لانني كنت أحبه منذ الصغر. ويضيف محمد: في أشياء كثيرة كنت أتمني عملها وأنا صغير, لكن أقاربي رفضوا في البداية أن أستخدمها
بنفسي, لذلك خضت أربع معارك معهم من أجل إثبات ذاتي, وكانت المعركة الأولي هي حاجة كان نفسي أعملها وأنا صغير تتمثل في تركيب( البازل) وهي قطع مفككة تتركب بجانب
بعضها البعض, وتعمل صورة متكاملة في النهاية, ولكن خالتي كانت ترفض أن أستخدمها بنفسي بحجة أنها( هتبوش) من فمي, وكانت خالتي تشتري لي قطعا عددها قليل علشان
حد تاني يركبها قدامي لما أشاور له علي القطعة التي من المفروض أن تركب في مكانها, ولكن بعد كده صممت اركب البازل بنفسي, وزعقت في جدتي بطريقتي, فقالت لي يومها:
خذها أنا ماليش دعوة هي خالتك لما تجي هتتصرف معاك, وكانت البازل الموجودة في المنزل عددها عشرين قطعة فقط, وبالفعل ركبتها بنفسي وبغير ما تبوش من فمي, ولما
شافتها خالتي شجعتني واشترت لي بازل عدد قطعها كتير, إلي أن وصلت إلي تركيب بازل تحتوي علي ألف قطعة, وهذه الحاجة الأولي التي وصلت إليها وعملتها في الآخر.
ويكمل محمد: أما المعركة الثانية التي خضتها فهي عندما كنت أكتب قصة عن سيدنا موسي, فطلبت المصحف لكي أقرأ فيه قصة سيدنا موسي عليه السلام علشان أكمل بقية القصة
منه, رفضت جدتي وقالت لي حرام تحط المصحف علي الأرض يا حبيبي وكذلك زوجة خالي قالت لي نفس الكلام, ولكن بعد كده انتهزت فرصة عدم وجودهم في الشقة وأنا قاعد وحدي
فيها فأخذت المصحف من المكتبة وكان في شنطة ووضعتها علي سريري وطلعت المصحف منها وبدأت أقرأ فيه مع إذاعة القرآن الكريم ولما شافوا كده أصبحوا يسلموني المصحف
بأيديهم, ولما ذهبت جدتي إلي السعودية جابت لي مصحف جديد من هناك, واستمررت في القراءة فيه إلي أن حفظته كاملا.
والمعركة الثالثة: هي موضوع استخدامي للكمبيوتر.. كلهم رفضوا في البداية بحجة أنه لا ينفع استخدمه بأنفي, وأن المفروض استخدم الكمبيوتر بيدي علشان يشتروه لي,
وبعد كده طنشت موضوع الكمبيوتر, لأنهم في الحقيقة كلهم كانوا ضدي فنسيته, ولكن لما أتت فيروز بنت خالتي من السفر أقنعت خالتي باحضار جهاز كمبيوتر لي, ولما روحت
في شقة خالتي مني وقعدت مع بنتها فيروز قدام الكمبيوتر بتاعها وتعلمت كيفية التعامل معه احضروا لي كمبيوتر, وكتبت عليه27 قصة واحدة منها عن فلسطين لكي يشعر
الناس بما يعانية أهل فلسطين, ورسمت عليه40 لوحة تقريبا, وبتواصل مع الناس من خلال الفيس بوك وكل ذلك عن طريق أنفي فقط.
ويسترسل محمد: أما المعركة الرابعة فهي انتصاري علي ذاتي وتحملي للمسئولية, فعندما شعرت باني أصبحت حملا ثقيلا علي خالي الذي كنت أعيش معه أنا وجدتي, أخذت قرارا
بالرحيل عنه حتي لا أكون عبئا زائدا عليه وعلي أبنائه, لذلك ذهبت إلي العيش مع خالي الثاني الذي يقدرني ويقدر خدمتي وما يفعله من أجلي.
ويوضح محمد: الله أعلم إذا كنت سأدخل معركة خامسة أو لا وهل سأنتصر فيها مثل المعارك السابقة.. أنا كتبت لك كلامي هذا علشان انت تعرف الناس من هو محمد جمعة,
وأني عندما أكون عايز حاجة بنفذها في الآخر سواء بالحرب أو بالسلام, إذا لم يكن فيها حاجة حرام أو خطأا أو عيب, ولكن في حاجات ممكن أتركها بمزاجي ومش ضعف مني
ولا حاجة وحاجات لا ينفع معاها الحرب.. أخبرهم بذلك يا أحمد.

 

وينصح محمد من في مثل حالته قائلا: أنصح ذوي الإعاقة جميعا بالصبر والإرادة والأمل
في الغد, وإذا أردت أن تفعل شيئا حاول أن تفعله, وإذا كنت تعلم أنك ستفعله في النهاية مهما رأيت الذين من حولك يحبطونك ويقفون ضد رغبتك في الشيء الذي تريد أن
تفعله, وهم لا يعرفون قدرتك التي أعطاها لك الله ووهبها إليك, أعمل الشيء الذي كانوا ضدك فيه حتي تغير نظرتهم إليك مثلي, أنصحك أن تحاول أن تفعل هذا وتحارب
لأجل تحقيقه بذكاء منك يا عزيزي.
ويختتم محمد كلامه قائلا: لي حلم واحد فقط, لا يهم أن يتحقق في الدنيا ولكني أرجو من الله أن يحققه لي في الجنة إذا دخلتها برحمته.. ولا تسألوني ما هو الحلم,
لأني لن أجيب, ولأنكم ستعرفونه عندما تفكرون.

 

 

المصدر :