محاسب كفيف

ممحمد الشعراوي محاسب كفيف
ينقلب النور إلى ظلام.. تختفي كل ملامح أحبابه التي اعتادها، ويتحول المستقبل الباهر إلى سراب بات في غياهب المجهول، ويسدل الستار على أعوام من حياته عاشها مبصرا بكل ما في الدنيا من أشكال وألوان وملامح. تعينه عيناه المفتوحتين على الذهاب هنا وهناك بكل حرية دون أن يرتكز إلى ذراع أحد رفقائه أو عصا يستند عليها لتحجب عنه أهوال الطريق.
محمد شعراوي.. فقد بصره قبل أن يكمل عامه الرابع والعشرين إثر تفاقم مرض “السكر” في جسده ليؤثر على شبكية العين ويتسبب له في دمورٍ كامل بالعصب البصري، ليتوقف قطار الأمل ويأتي بدلا منه تيار من اليأس كاد يعصف بالشاب العشريني إلى الانتحار: “لما تخرجت في كلية التجارة اشتغلت محاسب في شركة كبيرة لمدة 3 سنين، وصلت فيها لإني بقيت مدير فرع من فروعها في الغردقة، وفي عز كل ده فقدت البصر”.
يروي محمد، أنه استمر على هذا الحال سنين طويلة، ولم يجد غير التمسك بالله منجيا له من حالة الإحباط الشديدة التي تعرض لها: “في الوقت ده سمعت عن جمعية رسالة، وعرفت إنها بتشغل المكفوفين، ورحت لهم وبدأوا يساعدوني في تعلم الكمبيوتر باستخدام البرنامج الناطق”.
طاقة النور أعادت له الأمل من جديد، يغلق على نفسه باب غرفته أياما متتالية ويجلس مع جهازه يسمع الصوت المنبعث من سماعاته الفضية، ويدخل معه في مناورات مستمرة حتى يجيد التعامل معه باقتدار، ليتحول من بائس ظن أن فقد بصره أبعده آلاف السنين عن ركب التكنولوجيا إلى محترف يدرس الكمبيوتر لنظرائه المكفوفين بجمعية رسالة: “لما رحت للراجل اللي كنت باشتغل معاه قبل ما أفقد بصري، قالي ما ينفعش تشتغل معاية، أنت لا هاتعرف في الكومبيوتر ولا هاينفع تتعامل مع الحسابات”.
لم يكتف الشاب العشريني بتحدي نفسه في الكمبيوتر، وإنما صمم على استرجاع حلمه القديم، ليكون “أول محاسب كفيف”، ويبدأ الطريق باللجوء إلى أحد معارفه وطلب العمل محاسبا بشركته، فيقابله باستغراب شديد كاد يفقده الأمل، ولكنه يلملم أشلاء ثقته وينطلق: “لما بدأت أتعامل مع نظام الحسابات تعبني شوية في الأول، لكني قدرت أفهمه وأطلّع كتير من الأخطاء في الحسابات بالشركة، ولما عرضتها على المدير قالي أنت معاية مافيش كلام”.
مشوار “العسر واليسر” يستمر، يترك محمد شركته بمدينة الرحاب، لعدم قدرته على تحمل 5 مواصلات ذهابا وإيابا يوميا، “والمشوار من المعادي للرحاب رايح جاي صعب جدا”، وينتقل إلى شركة أخرى لإنتاج المصاعد، فيقوم بتأسيس نظام حسابي كامل للشركة، “بعد ما كانوا بيشتغلوا مانيوال”، فيكون جزاؤه هو عدم التزامهم ببنود تعاقدهم معه، “لما لقيت الشركة بتكبر ومشاريعها بتزيد، طالبت بحقي اللي سكتت عليه 6 أشهر، لكن ما رضوش يدوني حاجة ونصبوا عليّ في 2800 جنيه فقررت أسيبهم”.
يلفت محمد شعراوي إلى كارثة يمر بها كل المعاقين بالمجتمع، بحسب وصفه، حيث يروي أنه قرر التقدم للعمل تحت نسبة الـ5 % بالقطاع العام، الخاصة بالمعاقين، ولكنه فوجئ “بالتعيين في الشركة من غير ما يبصوا حتى في شغلي القديم، وماشغلونيش في الحسابات، وما لفتش نظرهم غير إني كفيف ما ينفعش أشتغل في أي حاجة ليها علاقة بالأرقام”.
ضائقة محمد جعلته يفكر في إنشاء كيان مستقل يعبر عن معاناة كل من في ظروفه، فكانت “النقابة المستقلة لذوي الاحتياجات الخاصة”، التي يؤكد أن إنشاءها يهدف إلى تسليط الضوء على كل الطاقات المهدرة من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتقديمها كأداة منتجة نافعة للمجتمع، “لازم الناس كلها تعرف إن ربنا لما بيسترد حاجة من الإنسان، ما بيستردش معاه عقله”.