ما العمل2 – الفتنة صناعة نظام – بقلم د.عماد جاد

ما العمل (٢)
الفتنة صناعة نظام
د/ عماد جاد
الاثنين ٢٥/٧/٢٠١٦
تنتمي الغالبية الساحقة من المصريين إلى نفس العرق وذات الأصل، والأقلية منهم تنتمي لأعراق متباينة وفدت إلى مصر في ظروف متباينة ما بين قوات غازية ذاب أحفاها في المجتمع أو باحثين عن أمن وأمان في أزمان فقدت فيها مواطنهم الأمن. ومن بين أبرز السمات التي يتمتع بها الشعب المصري أنه شعب خفيف الظل يعشق الحياة، وفي نفس الوقت فهو متدين من قبل أن تأتي الديانات الابراهيمية، فالشعب المصري كان متدينا في زمن الفراعنة وعرف التوحيد على يد أخناتون من قبل أن تعرفه الشعوب الأخرى أو تأتي به الديانات الإبراهيمية. وربما تعبر مقولة ” ساعة لربك وساعة لقلبك ” عن جوهر الشعب المصري الذي أضفى طابعه الخاص على كل ما ومن وفد إليه. الشعب المصري يكره الدم والعنف لذلك لم يدخل في دوامة الدماء والعنف التي دخلت فيها شعوب أخرى مجاورة لنا، ثار مرتان في ثلاثون شهرا وأطاح بنظامين بالحد الأدنى من الخسائر البشرية، دفع أقل من ألف وخمسمائة شهيد مقابل مئات الآلاف دفعتها ولا تزال شعوب العراق وسوريا وليبيا، وإذا كان البعض يهدد بحمامات دم أو بحرب أهلية فهو واهم وكاذب لاعتبارات عديدة أبرزها سمات الشعب المصري الرافضة للعنف والدم والتي تتصدى بحسم لكل محاولات نشر الفوضى ونثر الدماء، ومنها أيضا طبيعة الجيش المصري كجيش وطني شعبي، فالجيش المصري لا يستند إلى أساس ديني أو طائفي أو عرقي أو جغرافي ( جهوي) بل هو جيش وطني شعبي يمثل كافة شرائح المجتمع المصري ولذلك كان وسيظل الجيش بعيدا عن محاولات العبث التي قامت بها الجماعة من أجل مد حلم الأخونة لضمان السيطرة عليه. ويمكن أعتبار محاولات الجماعة لأخونة مؤسسات الدولة بمثابة امتداد لمحاولات النظم منذ رحيل عبد الناصر لزرع الفتن في المجتمع المصري جريا على المبدأ الاستعماري القديم ” فرق تسد ” الذي حولته الى ” فرق تحكم”. فقد جاء السادات فاقدا للكاريزما وسمات الزعامة، بحث عنها فوجدها في رفع الشعارات الدينية والتفرقة بين المصريين على أساس ديني/ طائفي. من جانبه قاوم المجتمع المصري محاولات زرع الفتن عبر تصدير المشترك الوطني، لكن النظام نجح عبر حزمة من السياسات في زرع بذور الفتن الدينية والطائفية، ففد عمل نظام السادات على استخدام التعليم والاعلام ورجال الدين في نشر التشدد والطائفية، تحالف مع جماعة الإخوان، أفرج عن رجالها الذين كانوا في السجون، سمح بعودة قيادات الجماعة. الخليج وتحديدا السعودية ليحكموا السيطرة على نظام التعليم، انتشروا في بيروقراطية الدولة، نشروا أكاذيب حول توجه الكنيسة المصرية لإنشاء دولة مستقلة، صدق السادات الكذبة وأمر بوضع خانة للديانة في كل عقود البيع والشراء حتى يراقب عمليات التعامل على الأراضي والعقارات ويرصد توجهات المسيحيين المصريين للشراء والإقامة. زرع السادات بذور التعصب والطائفية في المجتمع المصري فنضجت ثمارها المرة وكان الحصاد دمويا ودفع السادات حياته ثمنا لتلاعبه بهذه القضية. من بعده جاء مبارك ولم يتعلم الدرس، واصل رعاية شجر التعصب والطائفية فجنت مصر وشعبها ثمارا مرة عشرات المرات تحت حكم مبارك وأوصل المجتمع المصري الى شفا الانفجار الديني والطائفي وقد توقف بفعل ثورة الخامس والعشرين من يناير. وكأن قدر مصر أن تواصل المعاناة من سياسات التعصب والطائفية لذلك خطف الاخوان الثورة وأقاموا نظاما متعصبا دينيا وطائفيا ووضعوا دستورا لدولة تميز بين مواطنيها على أساس من الدين والطائفة، لكن الشعب المصري ثار مرة ثانية وخلع حكم الجماعة وبدأ يتطلع إلى ارساء أساس لدولة مدنية حديثة تنهض على حكم القانون وعلى مبادئ المواطنة، المساواة وعدم التمييز.
يمكننا أن نقول أن الفتن في مصر هي صناعة حكومية أو صناعة نظام، فهل يمكن وقف هذه الصناعة ؟