ما العمل 3- بقلم د.عماد جاد

مقال الوطن الثلاثاء ٢٦/٧/٢٠١٦
د. عماد جاد
ما العمل؟ (3)
توالت الاعتداءات الطائفية فى صعيد مصر، وتحديداً ريفه، شملت اعتداءات على البشر والمنشآت، وكان القاسم المشترك فى مبرر الاعتداء سريان إشاعة بأن الأقباط يستخدمون منزلاً من منازلهم فى الصلاة، أنهم ينوون تحويل منزل إلى كنيسة. تندفع مجموعات محتجة غاضبة تغزو المكان المستهدف، وتدمر ما تستطيع تدميره، وتجرح وربما تقتل من تصل أيديهم إليه. وكأنها خطة مدروسة، وجرى التدرب عليها، لا يحدث تدخل أمنى إلا بعد انتهاء الغزوة، القبض على عدد متكافئ من الجناة والمجنى عليهم، تهديد المجنى عليهم ما لم يتنازلوا عن شكاواهم، إجراء صلح عرفى خارج القانون من شروطه تعهُّد كتابى من أقباط القرية بعدم استخدام أى منزل من المنازل فى الصلاة، أى تعهد بعدم الصلاة جماعة فى أى منزل من منازل القرية. كانت هذه الأحداث تقع على فترات متباعدة فى السبعينات، زادت وتيرتها فى أواخر السبعينات، واستمرت طوال عهد مبارك، تراجعت قليلاً بعد ثورة 25 يناير، ثم استشرت بقوة بعد سيطرة الإخوان والسلفيين على المشهد، إلى أن وصلت إلى الذروة فى سنة حكم مرسى، تفاقمت بعد فض اعتصام رابعة، ودفع الأقباط ثمناً باهظاً من كنائسهم عن طيب خاطر فداء للوطن، وقال البابا تواضروس الثانى مقولته «وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن».

كان الأمل يحدو الأقباط بتوقف هذه الآليات المريرة بعد الإطاحة بحكم المرشد والجماعة بحيث يتم إرساء أسس المواطنة ودولة القانون، لا سيما بعد الوعود التى قطعها الرئيس عبدالفتاح السيسى، ما حدث هو أن تصاعدت وتيرة الاعتداءات بشكل غير مسبوق ووصلنا إلى مرحلة باتت الاعتداءات فيها شبه يومية، تقع لنفس الادعاءات والدوافع ويجرى التعامل معها وفق نفس الآليات التى تقهر الضحية وتجبره على التنازل عن شكواه.

إذا أردنا الإجابة عن سؤال: ما العمل، نبدأ بالتشديد على ضرورة وجود إرادة للحل أو التعامل الجدى مع هذه الظاهرة، وإذا ما توافرت الإرادة يجرى فقط تطبيق القانون على الجميع والتوقف عن التلاعب بالقانون وفق الأهواء، ما دفع الراحل العظيم جلال عامر إلى إطلاق مقولته «المتهم فى بلادى برىء إلى أن تثبت ديانته». نقطة الانطلاق تطبيق القانون، وما أكثر القوانين المستمدة من الدستور وتتحدث عن المساواة وعدم التمييز والتفرقة بين المواطنين وتضع عقوبات شديدة على المخالفين، الإسراع بتدشين مفوضية عدم التمييز التى نص عليها دستور البلاد، إصدار قانون بناء الكنائس والتوقف عن التلاعب بمواده، وكأن هناك تعمداً فى ذلك، مع الضغط بتصعيد الاعتداءات فى هذا التوقيت، محاسبة المسئولين الذين يميزون بين المواطنين، نأتى بعد ذلك إلى الشق الأكثر صعوبة والذى يتطلب عشرات السنين وهو استخدام أدوات التنشئة فى غرس قيم التسامح، قبول الآخر، قبول التنوع والتعدد والاختلاف، الإيمان بقيم المساواة بين الجميع، إعلاء قيمة المواطنة على ما عداها من اعتبارات وارتباطات، فتصبح شراكة الوطن أهم من أى شراكة أخرى، وتصبح الرابطة الوطنية أقوى من أى رابطة أخرى، نزع ما زُرع فى نفوس شباب مصرى من أن الوطن ما هو إلا حفنة من التراب العفن وأن الأساس هو الرابطة الدينية والطائفية. هى مهام ثقيلة، وتتطلب فترة زمنية طويلة، المهم فيها طلقة البداية ممثلة فى دولة القانون، تطبيق القانون على الجميع، القانون وفقط القانون، إذا تم إرساء هذا الأساس فإننا نكون بذلك وضعنا اللبنة الأولى على طريق بناء دولة مدنية حديثة تقوم على المواطنة، المساواة وعدم التمييز، وهى مهام لا يميزها سوى القادة الذين يتمتعون بسمات الكاريزما ويسجل التاريخ أسماءهم بحروف من نور، سبق للرئيس الراحل جمال عبدالناصر أن وضع أساس دولة المواطنة ولكن القدر لم يمهله وأطاح السادات بميراثه ووضع أساس دولة دينية تميز بين مواطنيها على أساس من الدين والطائفة، فهل يقدم الرئيس عبدالفتاح السيسى على هذه الخطوة التاريخية؟