ليمون بالنعناع! بقلم محمود عبد الشكور

مثلما كان عادل إمام يبدأ رحلة النصب فى مسلسله الظريف «العرّاف»، بعزومة الضحية على واحد ليمون بالنعناع، حاول الإخوان أن يقنعوا المصريين بأن المعزول كان مدافعًا عن الديقراطية والثورة معًا، المصريون عصروا الليمون لانتخاب مرشح الجماعة الفاشل، وها هم الإخوان يردّون العصير فى صورة ليمون بالنعناع، استكمالًا لرحلة الأكاذيب والخداع.

ربما يكون من المفيد، قبل أن تشرب عصير الإخوان، أن أذكّرك ببعض الخطوات «الديمقراطية» المشهودة، التى أثبت بها المعزول مدى ولائه واحترامه للقانون، ولقواعد الديمقراطية، وكلها كوارث، لو ارتكبها أى رئيس منتخب أو غير منتخب، لاستوجبت محاكمته.

فى ما يلى بعض من كرامات ديمقراطية المعزول، للذكرى فقط، ذلك أن «آفة حارتنا النسيان»، كما قال نجيب محفوظ:

(1) الحنث بالقسم الذى أقسمه محمد مرسى علنًا أمام العالم أربع مرات، والذى تعهد فيه باحترام الدستور والقانون، لا أعرف بالضبط كيف استساغ دينيًّا هذا الحنث، لكن يبدو أنه صام عدة أيام للتكفير عن الذنب.. ودمتم.

(2) أصدر المعزول الإعلان غير الدستورى اللجلج الذى منح لنفسه من خلاله سلطات فرعونية إلهية، ادّعى وقتها أنه أصدر الإعلان الباطل تحت مظلة «الشرعية الثورية» التى يرفضها الإخوان اليوم، هى فى الحقيقة مظلة خاصة للاستخدام الإخوانى، تظهر أو تختفى مع ظهور أو اختفاء المصلحة، وسبحان مغيّر الإخوان.

(3) فى عهد مرسى السعيد تم حصار المحكمة الدستورية العليا لأول مرة فى تاريخها، وتم الاعتداء الصارخ على استقلال القضاء بحجة التطهير، وذلك بعزل النائب العام، وتعيين نائب عام خصوصى، وكانت المظلة أيضًا فى هذه المرة: الاستجابة للشرعية الثورية، ومطالب الثوار، بينما الهدف التمكين للأهل والعشيرة.

(4) فى عهد المعزول تم التحقيق مع مقدم برنامج ساخر بتهمة إهانة الرئيس، مما جعلنا أضحوكة فى العالم كله، وتم حصار مدينة الإنتاج الإعلامى، قامت بالمهمة ذقون وجلاليب تمثّل الاحتياطى الاستراتيجى للجماعة، وقفوا أمام الأبواب، واعتدوا على بعض الإعلاميين بطريقة «ديمقراطية»، وفى الأيام الأخيرة للمعزول، هُددت الفضائيات المعارضة صراحةً، بسحب إشارة البث فى خطابات رسميّة مسجلة، وردّت هذه الفضائيات برفض التهديد فى بيان تاريخى منشور.

(5) وفى خطاب مرسى قبل الأخير (بتاع عاشور وفودة والواد بتاع الكهربا) هدّد جلالته، بعبارات صريحة، بالمحاكمة العسكرية لمنتقديه من الصحفيين، لأنه القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولم يكن لهذا التهديد «الديمقراطى» أى سابقة فى أى عصر من العصور أو الأزمان.

أستطيع أيضًا أن أذكّرك بالمزيد من إسهامات مرسى ومؤسساته الوهمية فى مجال الديمقراطية: مجلس الشورى الوهمى الذى انطلق فى إعداد قوانين خطيرة ومهمة، قانون الانتخابات الذى تم تفصيله على مقاس الجماعة، بكل عوراته وثغراته التى كشفتها المحكمة الدستورية، عمليات طبخ قانون للتظاهر، لو تم تمريره، لما استطاع مؤيدو المعزول أن يستبيحوا الميادين، ولا أن يحتلوا إشارة رابعة، ولا أن يزعجوا سكانًا آمنين دون حياء أو دين أو ضمير.

يمكن بوضوح أن تراجع تغيّر خطاب الإخوان من الدفاع عن مرسى إلى الدفاع عن ثورة يناير «المسروقة»، شاهد، لو كان لديك وقت، فيديو المذيع الإخوانى أحمد منصور وهو يطلب من معتصمى رابعة إعادة التمسح بالثورة، كان ذلك اعترافًا مسجلًا وصريحًا بأن المصريين لا يمكن أن ينزلوا للمطالبة بعودة رئيس فاشل ثاروا عليه، وكان الفيديو أيضًا تسجيلًا لاستغلال علنى جديد لثورة تنكّروا لها ولثوارها، بعد أن منحتهم الشرعية، وبعد أن حملتهم من السجون إلى القصور.

فى تاريخ مصر واقعة شهيرة: خروج ملايين المصريين يومى التاسع والعاشر من يونيو 1967، للمطالبة بعودة عبد الناصر إلى الحكم بعد خطاب التنحى الشهير، لم أكن ناصريًّا فى يوم من الأيام، كتاباتى عن أخطاء التجربة الناصرية مسجلة ومكتوبة ومنشورة، ولكنى لم أجادل يومًا فى أن رصيد عبد الناصر السابق لدى الجماهير هو الذى دفعها للنزول، وللتمسك به، قام المصريون بمساندة رئيسهم فى وقت هزيمته، بعد أن تذكّروا أنه حاول أن يساند الغلابة والفقراء من قبل، سلف ودين.

اعتقد الإخوان أن المصريين سيخرجون دفاعًا عن رجلهم الفاشل، طيب ما الذى فعله المعزول من أجل الغلابة حتى يدافعوا عنه؟ ما الذى قدّمه لشعبه خلال عام كامل سوى أيام بائسة لا تقل سوادًا وفوضى وعشوائية عن أيام مبارك؟ هل يوجد عاقل يطالب بعودة رئيس أغلق أبواب الأمل ودفع الملايين للخروج من جديد إلى الشوارع؟ رجل لم يكن يرى إلا أهله وناسه وعشيرته، يستيقظ كل صباح، وقبل أن يتناول إفطاره، يسأل نفسه عن الفئة أو المؤسسة التى لم يتعارك معها أو يجرّ شكلها، حتى ينولها جانب من القرف والبهدلة وخرق القانون وفرش الملاية والتهديد، وكله باسم الثورة والصناديق، وتحت راية الديمقراطية ودولة المؤسسات.

أزمة الإخوان ليست فقط فى التخبط وفقدان التوازن قبل وبعد 30 يونيو، حتى لقد أصبحوا مثل السائق الذى يشير إلى اليمين، ثم ينحرف إلى اليسار، أزمة الإخوان الحقيقية فى سقوط كل أقنعتهم، وفى انكشاف لعبة الدفاع عن الجماعة وعن الدين وعن الشريعة وعن الشرعية معًا، فى عدم القدرة على الإقناع بأنهم ضحايا، وليسوا مجرمين، قاموا بسرقة الثورة وشعاراتها، لتحقيق أهدافهم الضيقة، وفى انكشاف أن وجودهم فى السلطة، كجزء من تنظيم دولى معروف، كان أكبر خطر يهدد الأمن القومى المصرى.

أزمة الإخوان هى أزمة مصداقية شاملة، يقول الناس اليوم «كذب الإخوان وإن صدقوا»، أما أزمتهم الكبرى، فهى أن المصريين لا يكرهون اليوم أكثر من الليمون، ومن عصر الليمون بالنعناع.