كلمة الرئيس جمال عبد الناصر من رئاسة مجلس الوزراء بعد عودته من مؤتمر باندونج ٢/٥/١٩٥٥

أيها المواطنون:

لا أستطيع مهما تكلمت أن أعبر لكم عن شعورى اليوم حينما التقيت بكم من مطار القاهرة الدولى حتى مبنى رياسة مجلس الوزراء.

يا إخوانى.. يا إخوانى.. هذا الشعور؛ الشعور اللى عبر عن عواطفكم، كل اللى أقدر أقوله لكم ان أنا شعورى نحوكم جميعاً ونحو كل فرد فيكم يتماثل مع هذا الشعور، ويتماثل مع هذه العاطفة.

وأنا كانت أسعد لحظة فى المدة الطويلة اللى فاتت هى اللحظة اللى حطيت رجلى فيها فى مطار القاهرة وشفتكم.

يا إخوانى .. يا إخوانى .. فى الـ ٢٥ يوم اللى فاتوا.. الـ ٢٥ يوم اللى فاتوا كنت دائماً أفكر فيكم، أفكر فى مصر وفى مستقبل مصر، وكنت دائماً أشعر بالحنين إلى مصر وإلى أهل مصر، وحقاً لم أترك هذا الوطن ولم أغادر هذا الوطن إلى المناطق البعيدة فى آسيا إلا من أجل تحقيق أهدافكم، ومن أجل تثبيت مبادئكم، ومن أجل إشعار العالم أجمع أن مصر اليوم لها كيان مستقل ولها شخصية مستقلة، وأنها حينما تتصرف إنما تتصرف من وحى هذا الاستقلال.. حينما تتصرف فى الداخل تتصرف وهى تشعر بأنها كاملة الاستقلال، وحينما تتصرف فى الخارج تتصرف وهى تشعر أنها كاملة الاستقلال.

من أجل هذا يا إخوانى.. من أجل هذا يا أبناء مصر سافرت إلى باندونج إلى المؤتمر الآسيوى – الإفريقى؛ لأظهر باسمكم للعالم أجمع أن مصر اليوم قد استقلت حقاً، أن مصر اليوم إذا تكلمت فإنما تتكلم عن إرادتها، وإنما تتكلم عن ضميرها. من أجل هذا – يا إخوانى – سافرت إلى أقصى البلاد لأعلن باسمكم أن مصر اليوم بعد أن ذاقت طعم الحرية ستعلن دائماً رأيها مستقلاً فى سبيل الحق وفى سبيل الحرية، فى سبيل تحرير الشعوب وفى سبيل تحرير الإنسان.

أيها المواطنون:

من أجل هذا غادرت أرض مصر، ومن أجل هذا ذهبت إلى أقصى البلاد، وقد اجتمع فى إندونيسيا المؤتمر الآسيوى – الإفريقى. وكان هذا المؤتمر يعتبر أخطر مؤتمر فى العصر الحديث، لقد اجتمعت فيه دول آسيا مع دول إفريقيا، ولأول مرة تجتمع دول آسيا مع دول إفريقيا بدون أن تشترك معها القوى التى تحكمت فى آسيا والقوى التى تحكمت فى إفريقيا. لقد اجتمعت الدول الآسيوية والدول الإفريقية لتعلن للعالم أجمع أن قد آن لها أن تتحرر، وأن قد آن لشعوبها أن تتحرر، وأنها لن تبقى بعد اليوم تحت سيطرة الاستعمار ولا أعوان الاستعمار.

من أجل هذا اجتمعنا فى باندونج، اجتمعت الدول الآسيوية – الإفريقية وكانت تختلف فى المذاهب وكانت تختلف فى السياسة، ولكنها.. ولكنها من أجل الشعوب؛ شعوب آسيا وشعوب إفريقيا، قد اتفقت بالإجماع على تحرير الشعوب، على حق تقرير المصير، على حق إقامة السلام والتعاون بين الشعوب. اتفقت أيضاً على منع الحرب، ومنع استخدام القنبلة الذرية واستخدامها فى سبيل السلام من أجل صالح شعوبها. من أجل هذا – يا إخوانى – سافرت إلى باندونج، وقد رأيت هناك.. رأيت هناك اسم مصر وشعور العالم نحو مصر، لقد كان العالم أجمع ينظر إلى مصر اليوم نظرته إلى الدولة الحرة المستقلة، الدولة التى تعلن رأيها عن ضميرها وعن استقلالها، الدولة التى تعلن رأيها من أجل الحق ومن أجل الحق وحده. من أجل هذا – يا إخوانى – سافرت لأعلن باسمكم للعالم أجمع أن مصر اليوم قد تحررت، أن مصر اليوم قد استقلت، وأنها إذا تكلمت فإنها تتكلم وهى تشعر أنها مستقلة تمام الاستقلال، وأنها إذا تكلمت فإنها تتكلم لتحمى الشعوب، تتكلم من أجل تقرير مصير الشعوب، من أجل حرية الشعوب، من أجل القضاء على الاستعمار، من أجل إقامة دول مستقلة فى جميع أنحاء العالم، حتى يسير العالم يداً بيد لا تكون دولة ألعوبة فى يد الدول الكبرى، ولا تكون دولة مجالاً للتنافس السياسى.

من أجل هذا – يا إخوانى – سافرت لأعلن باسمكم أن مصر اليوم وقد حملت مشعل الحرية فى الداخل فإنها تحمل مشعل الاستقلال فى الخارج، وإنها تضرب المثل للشعوب التى استضعفت زمناً طويلاً. إن الحرية هى ألذ ما يمكن أن يراه شعب، وإن الاستقلال هو أمتع كلمة تتمتع بها أمة، من أجل هذا رفعت باسمكم علم الحرية، وعلم الاستقلال، وأعلنت باسمكم سياستنا الداخلية التى تتلخص فى القضاء على الإقطاع والقضاء على الاستعمار وأعوان الاستعمار، وأعلنت باسمكم سياستنا الخارجية سياسة مستقلة كامل الاستقلال من أجل تقرير المصير، ومن أجل ضمان حقوق الإنسان، ومن أجل السلام، ومن أجل الحرية. وعلى هذا الطريق – يا إخوانى – سنسير وسنكافح وسنعمل دائما؛ لتكون مصر دائماً حرة مستقلة عزيزة؛ إذا تكلمت فإنما تتكلم بحرية، وإذا تكلمت فإنما تتكلم بعزة، فإلى الأمام أيها الإخوة، وفقكم الله.

السلام عليكم ورحمة الله.

http://nasser.bibalex.org/Speeches/browser.aspx?SID=344&lang=ar