كلمة الرئيس جمال عبد الناصر من حلب بمناسبة احتفالات الوحدة (الكلمة الثانية) ١٦/٣/١٩٥٨

أيها المواطنون:

فى هذا الوقت، واحنا بنحتفل بميلاد الجمهورية العربية المتحدة، وبنحتفل بتحقيق هدف كبير كان آباؤكم وكان الأجداد بيعملوا من أجل تحقيقه.. لابد أن نحقق هذه الأهداف، ولابد أيضاً أن نعرف الوسائل اللى نستطيع أن نتمكن بها من تحقيق هذه الأهداف. كان الاستعمار فى الماضى يحاول أن يسيطر علينا بالتفرقة، وبث الأحقاد والضغائن، وكان الاستعمار فى الماضى بيحاول أن يتحكم فى أرضنا ويتحكم فى بلادنا ببث الطائفية، فى نفس الوقت اللى كان بيثير فيه الكراهية بين أبناء الوطن الواحد؛ كان يعمل على أن يستولى على ثروات البلاد، ويستولى على أراضى البلاد.

كان للاستعمار سلاح أساسى وسلاح رئيسى؛ وهو التفرقة والطائفية.. وحينما قام الاستعمار بالحرب الصليبية ضد بلادكم وبلاد العرب جميعاً؛ قام العرب من مسلمين ومسيحيين ليحاربوا دفاعاً عن أرضهم، ودفاعاً عن عروبتهم، لم تغرهم الأسماء الاستعمارية، فلم تكن الصليبية إلا الاسم المقنع للاستعمار. حارب العرب جميعاً، وفطنوا للطائفية، وفطنوا للتفرقة، وحينما فشل الاستعمار؛ أراد أن يبث الفرقة باستغلال الحزبية والانقسام، وأراد عن طريق التدخل بين أبناء الوطن الواحد، أن يثير بينهم الأحقاد والكراهية.

واليوم – أيها الإخوة المواطنون – تبدأ الجمهورية العربية المتحدة ولا حزبية بيننا ولا ضغينة ولا كراهية.. مافيش شيع بينا، ولا أحزاب.. كل واحد منا بيعمل من أجل الجمهورية العربية كلها، كل واحد منا بيحس بإحساس الجمهورية العربية كلها، كل واحد فى الحكومة بيعمل من أجل الجمهورية العربية المتحدة؛ جنوبها وشمالها.. لا إقليمية ولا طائفية ولا حزبية، بل وطن واحد نعمل فيه من أجل الجميع، لا تفرقة بل عدالة ومساواة؛ فبهذه الوحدة – أيها الإخوة المواطنون – ستكونون القوة العربية الحقيقية، وبهذه الوحدة – أيها المواطنون – سنستطيع أن نعيد مجد العرب الحقيقى.. هذه الوحدة هى سلاحنا الأساسى وهى سلاحنا الرئيسى.

حاول الاستعمار دائماً على مر الزمن أن يقسم بين العرب ويفرقهم إلى دول ودويلات، ويفرقهم إلى شيع وأحزاب؛ ليتمكن فيهم ويتمكن من أرضهم. ولكنا اليوم، وقد فطنا إلى حيل الاستعمار، وأخذنا من الماضى العظة؛ نعلن للعالم أجمع أن الجمهورية العربية المتحدة قد كونت كلها اتحاد قومى يعمل من أجل كل فرد من أبنائها. ونعلن أيضاً للعالم أجمع ألا طائفية، ولكنا عرب نعمل من أجل الأهداف العربية، ونعمل من أجل الحرية العربية، ونعمل من أجل تثبيت دعائم القومية العربية. ونعلن أيضاً – أيها الإخوة المواطنون – للعالم أجمع؛ أننا أعلنا سياستنا التى تبنى على الحرية والاستقلال، إننا سنعمل من أجل السلام، ومن أجل تثبيت دعائم السلام.

إننا – أيها الإخوة – من هذا المكان على الحدود الشمالية؛ نعلن للعالم أجمع إننا سنعمل من أجل السلام، ومن أجل تخليص حقوق العرب المغتصبة، وسنعادى من يعادينا، ونسالم من يسالمنا.

إننا – أيها الإخوة – نشعر بالثقة وبتطهير النفوس؛ فإن البلد الذى ينجب من بين أبنائه الأفراد الذين يدوسون المال بأحذيتهم، ويرفضون الملايين، هذا البلد لابد أن يكون قد تطهرت نفسه، ووهب نفسه لله، ووهب نفسه للوطن.

البلد الذى يجد جيشه وقد باع نفسه من أجل حريته، ومن أجل تحقيق أهدافه؛ لابد أن يشعر أن نفوسه قد تطهرت، وأنه أصبح قريباً من الله.

هذه الروح – أيها الإخوة المواطنون – التى رأيتها بينكم.. هذه الروح العالية.. هذه المثل العالية التى تدوس المال بالأقدام، والتى تقدس المبادئ.. هذه المثل التى رأيتها وأنا أعيش بينكم؛ إنما تبشر بدولة عربية كبرى تحقق المثل العليا وتحقق الأهداف.

أيها الإخوة:

إننا سنتسلح بالوحدة، وسنتسلح بالمثل العليا، سنتسلح بالمبادئ، وسنسير فى طريقنا لتحقيق هذه المبادئ، ولرفع رايتها، والله فى عوننا.

والسلام عليكم ورحمة الله.

http://nasser.bibalex.org/Speeches/browser.aspx?SID=618&lang=ar