كلمة الرئيس جمال عبد الناصر فى بورسعيد بمناسبة عيد النصر ٢٣/١٢/١٩٥٧

أيها المواطنون:

لقد كان اللقاء الأخير معكم هنا فى بورسعيد يوم ١٨ يونيو سنة ٥٦، وكنا فى هذا اليوم نحتفل بجلاء أخر عسكرى إنجليزى عن مصر بعد احتلال ٧٤ سنة.

النهارده نلتقى مرة أخرى هنا فى بورسعيد لنحتفل بعيد النصر على سياسة القوة، وعلى سياسة العدوان، وعلى سياسة الغدر. نلتقى فى بورسعيد اليوم بعد عام من جلاء أخر عسكرى إنجليزى – فرنسى عن هذه الأرض الطاهرة.

يوم ٢٣ ديسمبر من العام الماضى.. يوم ما خرجوا الإنجليز من بورسعيد كنتم بتحتفلوا بهذه الأعياد؛ اللى كانت نتيجة كفاحكم، وثمرة قتالكم، وكان بودى – أيها الإخوة – أن أحتفل معكم بهذا اليوم فى الوقت اللى كنت باشعر فيه بمشاعركم، وباسمع فى الإذاعة الاحتفالات والهتافات وأغانى النصر، والروح العالية بعد خروج الإنجليز من مصر، كنت أشعر انى بينكم، ولكنى فى هذا الوقت لم أكن أستطع أن أحتفل معكم؛ لأن كان فيه جزء من أرض الوطن لازال يقاسى من الاحتلال فى سيناء.. كان اليهود بيحتلوا جزء من سيناء، وغزة كانت تقاسى من الاحتلال اليهودى، وماكانش النصر بالنسبة لمصر يعتبر نصر كامل، والنهارده بعد أن أصبح هذا النصر نصراً كاملاً أتواجد بينكم لأحتفل معكم بعيد النصر.

أيها المواطنون:

لم تنته معاركنا فى سبيل استقلالنا وفى سبيل تثبيت هذا الاستقلال بانتهاء العدوان والكفاح والقتال والانسحاب من بورسعيد ومن سيناء ومن غزة، ولكن هذه المعارك استمرت بطريقة قد تكون أشد عنفاً وأشد قوة. بدأت معركة العزل، وبدأت معركة التجويع، وبدأت معارك الأعصاب، وكان لهذه المعارك جميعاً هدف واحد؛ هو القضاء على الفكرة اللى انبعثت من مصر تنادى بالحرية، وتنادى بالاستقلال، وتنادى بالقومية العربية.. الفكرة اللى انبعثت من مصر تنادى بألا مكان لمناطق النفوذ، واننا لن نخضع لمنطقة نفوذ أحد.. ولن نخضع لسلطان أحد.. الفكرة اللى انبعثت من مصر تنادى بأننا أحرار فى بلادنا، نقرر سياستنا فى بلادنا، ونقرر سياستنا من ضميرنا، ونعمل اللى احنا نعتقد انه الخير، ولا نعمل الشر لأنه يعجب بلداً من البلاد الكبرى، أو لأنه رغبة إحدى البلاد الكبرى.

بعد هذا الانسحاب بدأت معارك متصلة؛ معارك متواصلة من أجل القضاء على هذه الفكرة، ومن أجل القضاء على هذه الروح.. وبعد الانسحاب من بورسعيد يوم ٢٣ ديسمبر دخلنا معارك متعددة؛ معارك طويلة، ومعارك مريرة من أجل تثبيت استقلالنا، ومن أجل تثبيت انتصارنا، وإذا كنا النهارده بنحتفل بالنصر عن الانسحاب اللى حدث يوم ٢٣ ديسمبر فى العام الماضى، والانسحاب اللى حصل من غزة، والانسحاب اللى حصل من سيناء؛ فنحن أيضاً نحتفل بالنصر فى معركة الأعصاب، وفى معركة الضغط الاقتصادى، وفى معركة التجويع، وفى المعركة التى كانوا يهدفون بها إخضاعنا وإذلالنا.. نحتفل بالنصر ونحن نشعر أننا أعزاء كرماء فى بلادنا، وأن سياستنا تقرر من ضميرنا.

أيها الإخوة:

فيه فرق كبير بين المعركتين.. معركة العدوان ومعركة العزل والإخضاع؛ معركة العدوان كانت بتستخدم القنابل، الطيارات، أساطيل الدول العظمى بريطانيا وفرنسا، رجال المظلات. انتم كنتم عارفينهم طبعاً هنا فى بورسعيد، والشياطين الحمر واللا العفاريت الحمر، برضه انتم شفتوهم هنا فى بورسعيد تستخدم الدبابات، وكنا نستطيع أن نواجهها وجهاً لوجه، وكان كل واحد فيكم بياخد سلاحه ويطلع؛ علشان يقابل المعتدين، ويدافع عن بلده، ويدافع عن وطنه، ويقتل المعتدى ويقضى عليه.. كان كل واحد فيكم بيستطيع أن يقابل المعتدين وجهاً لوجه.

أيها الإخوة:

أما معركة العزل فكان سلاحها سلاحاً مختلفاً؛ كان سلاحها أعوان الاستعمار فى المنطقة اللى بنعيش فيها.. أعداء القومية العربية.. كانت هذه المعركة معركة مختلفة، كانت معركة قاسية، وكانت معركة مريرة.

فى المعركة الأولى اللى كنا بنواجه فيها الطيارات والبوارج والدبابات كنا نستطيع أن نواجه الضربة بضربة أخرى، وكنا نستطيع أن نقابل العدوان بالعدوان، ونستطيع أن نقابل القتل بالقتل. ولكن المعركة الثانية كانت معركة أصعب، ماكانش من السهل علينا ان احنا نواجه الضربة بضربة أخرى، ولكنا كنا ننظر من حولنا لنرى هذه الضربات التى توجه إلينا لتعزلنا، ولتحقق أهداف المستعمرين اللى ما قدروش يحققوها بالقنابل والدبابات والطيارات، وكنا ننظر إلى هذه المعركة ونحارب فيها، ولكن ماكناش بنقدر نضرب الضربة بالضربة؛ كان سلاحها الأساسى أعوان الاستعمار العرب وأعداء القومية العربية العرب.

ولكن ظهرت مشاريع وخطط للقضاء على القومية العربية ولعزل مصر، والقضاء على فكرة الحرية، وعمل أعوان الاستعمار بكل طاقتهم متعاونين فى هذا مع الاستعمار، ولكنهم فشلوا، وانتصرنا أيضاً فى هذه المعركة.

النهارده وأنا بالتقى بكم فى بورسعيد، ونحن نشعر بالنصر، ونحمد الله على هذا النصر، ونحتفل بهذا النصر.. النصر فى الحرب المسلحة ضد الدول الكبرى، النصر على العدوان، النصر على القوة الغاشمة، النصر على سياسة القوة، نبص لنفسنا ونشوف ليه انتصرنا فى هذه الفترة؟ وليه ماكناش بننتصر فى الماضى؟

انتصرنا النهارده لأن مصر ملك لأبنائها مش ملك لفئة من الناس.. مصر بتاعتكم كلكم.. بتاعة كل واحد فيكم.. بتاعة أبنائكم.. مصر اللى انتم دافعتم عنها، وأبناؤكم وإخوانكم وإخوانى استشهدوا فيها.. بتاعتكم، مش بتاعة ناس معدودين، مش بتاعة الخديوى، ولا بتاعة العيلة المالكة، ولا بتاعة فئة قليلة من الملاك.. مصر بتاعة كل واحد من أبنائها. كل واحد كان بيقاتل وهو يشعر بهذا الشعور، كان بيدافع على اللى كسبناه بعد ثورة ٢٣ يوليو.. عادت مصر إلى أبنائها.

كل واحد كان بيقاتل لمصر بتاعته.. للأرض بتاعته.. لوطنه؛ ولهذا كل واحد كان بيشيل السلاح.. الشبان، والشيوخ، والنساء، انتم هنا فى بورسعيد كنتم فى عز المعركة بتقاتلوا على الاستقلال اللى حققتوه.. بتقاتلوا فى سبيل الجلاء اللى حققتوه بعد ٧٥ سنة من الاستعمار. مصر أما أصبحت ملك لأبنائها.. مصر أما أصبحت ملك لكل واحد من أبنائها؛ استطعنا أن نحقق هذا النصر، واستطعنا ان احنا نهزم الدول الكبرى، والأساطيل اللى جت هاجمتكم هنا، بعد ما رجعت، أعلنوا انهم بيبيعوها لأن مالهاش فايدة!

انتصرنا – يا إخوانى – لأنكم كلكم قمتم تحت السلاح، وأنا عارف ازاى كنتم بتقاتلوا، وازاى المدنيين هنا فى بورسعيد كانوا بيحملوا السلاح، وازاى الشعب كله قام تحت السلاح يقاتل فى سبيل مصر.. فى سبيل بلده.

كنتم أنتم – يا أهل بورسعيد – طليعة المعركة.. طليعة المعركة فى هذا القتال المرير، قاتلتم بشرف، وقاتلتم بإيمان، قاتلتم من أجل مصر لا من أجل مصلحة خاصة، أو من أجل مكسب مادى، أو من أجل مصلحة ذاتية. قاتلتم من أجل المثل العليا، قاتلتم من أجل الحرية اللى حققتوها، وقاتلتم من أجل الاستقلال اللى ثبتوه.. كل واحد فيكم قام يقاتل، وكانت بورسعيد تمثل طليعة المعركة، وكانت مصر كلها تحت السلاح.

أنا فى هذا الوقت – أيها الإخوة – كنت معكم دقيقة بدقيقة، وكنت أراكم فى ١٨ يونيو سنة ٥٦ أما زرت بورسعيد، كنت شايف كل واحد فيكم فى البلكونات وفى الشوارع فى المعركة، كنت شايف كل واحد فيكم زى ما كنت شايفه يوم ١٨ يونيو فى البلكونات وفى الشوارع، وكنت أؤمن بالنصر؛ لأن الوجوه اللى كنت باشوفها هى الوجوه اللى كانت بتهتف بالجلاء يوم ١٨ يونيو.. يوم ما رفعنا العلم المصرى مكان العلم البريطانى على مبنى البحرية.

أيها الإخوة:

كنت مؤمن زيكم بالله وبعون الله، كنت مؤمن أيضاً زيكم ببلدى مصر، وكنت مؤمن أيضاً زيكم بأبناء بلدى.. بكم.. بكل فرد فى مصر، وكنت واثق ان احنا حننتصر على الدول الكبرى والدول العظمى، وكنت فى نفس الوقت أشعر بما قاسيتم، وأعلم انكم تشعروا ان دى ضريبة الوطن، وقلت: إن بورسعيد فدت مصر كلها.. قلت: فى شهر نوفمبر.. وقلت: إن بورسعيد فدت العرب أجمعين، وزى ما قلت: لكم كنتم الطليعة، وما اقدرش اقول: بورسعيد الباسلة.. بورسعيد الشجاعة.. بورسعيد المجاهدة؛ لأن أى وصف أقوله يقل عن الواقع، وأى كلام اقوله لا يعبر عن الحقيقة.

أنا باقول: إنكم كنتم الطليعة اللى تعرضت للعدوان لتحقق النصر، واستطاعت هذه الطليعة أن تحقق النصر. استطاع المعتدون.. الدول الاستعمارية انها تحتل بورسعيد، هل احتلال بورسعيد كان نصر لإنجلترا وفرنسا، الدول العظمى؟ كلنا نعلم ان أى جيش مهاجم لازم يأخذ رأس جسر علشان يكمل عملياته، وكلنا يعلم انه بيختار رأس الجسر من أى مكان، وكلنا نعلم أيضاً ان دائماً هذه العمليات – عمليات الإنزال – كانت تصل إلى نتيجتها لأنها بتتركز فيها جميع القوى.

بورسعيد كانت ضحية للعدوان البريطانى – الفرنسى بأساطيل بريطانيا وفرنسا، وطيارات بريطانيا وفرنسا، وفى يوم قال بلاغ رسمى: إن خرج من البحرية الإنجليزية ٣٧٠ طلعة طيران.. المفروض ان طلعة الطيران تبقى ٣ طيارات، يعنى حوالى ١٠٠٠ غارة على بورسعيد. استطاع الإنجليز بتركيز هذه القوة على بورسعيد انهم يؤمنوا لنفسهم رأس كوبرى، وقالوا إنهم نزلوا فى بورسعيد، ولكن من الناحية العسكرية كل دولة أرادت انها تهاجم دولة أخرى وتعمل رأس كوبرى؛ استطاعت إنها تعمل رأس كوبرى، ولكن العبرة بنتيجة المعركة.

احنا كنا بننتظر العدوان من بورسعيد، كنا بننتظر العدوان من إسكندرية، كنا بننتظر العدوان من ليبيا، وكانت خطتنا العسكرية ان احنا نستطيع أن نتجه إلى العدوان فى المكان اللى يقع فيه. ولكن حصل الغدر والخيانة، هجمت إسرائيل؛ وكان تقديرنا ان المعركة الرئيسية معركة مع إسرائيل، وما فكرناش ان الدول الكبرى تغش الرأى العام العالمى وتقول: إنها حتعمل بوليس بين مصر وإسرائيل علشان تهاجم مصر. “الجنرال كتلى” – اللى هو كان قائد العدوان – قال: إنه كان عايز يهاجم مصر من ليبيا، وقال أيضاً: إن الملك إدريس السنوسى – ملك ليبيا – هدد إذا استخدمت إنجلترا ليبيا للعدوان على مصر؛ وبهذا لم يتمكنوا. ودا طبعاً نتيجة من نتائج القومية العربية والتضامن العربى والقوة العربية، التضامن العربى والقومية العربية منعت إنجلترا – رغم معاهدتها مع ليبيا، ورغم قواعدها فى ليبيا – من انها تستخدم ليبيا للعدوان على دولة عربية أخرى؛ دا موقف مشرف للملك إدريس السنوسى ملك ليبيا.

وهجمت إنجلترا على بورسعيد، واستطاعت إنجلترا أن تؤمن رأس كوبرى فى بورسعيد.

قبل الهجوم بيومين؛ لما إسرائيل دخلت من الحدود وتقدمت فى سيناء، كنا برضه بننتظر عدوان فى مكان من الأمكنة اللى قلتها؛ يا إما على منطقة القنال، يا إما فى إسكندرية، يا إما من ليبيا، وكنا بنوجه قواتنا إلى جبهة القتال فى صحراء سيناء.

جزء من القوات اللى كانت موجودة عندكم هنا فى بورسعيد تحركت علشان تعزز قوات العريش. الجزء اللى فضل علشان يتولى الدفاع، طبعاً لم يكن بالقوة اللى تمكنه أن يواجه بريطانيا العظمى وفرنسا – البلدين اللى بيعتبروا من البلاد العظمى – ولكن الجيش قاتل، والشعب قاتل أيضاً مع الجيش.. الشعب كله أصبح تحت السلاح.

وأنا قريت فى أحد الكتب اللى كاتبينه الفرنساويين.. واحد صحفى فرنساوى كتب كتاب؛ وقال: إنه شاف فى بورسعيد – بعد ما نزل مع القوات المعتدية فى بورسعيد – ان الشباب المصرى كان يقاتل بعناد، وان الشباب فى سن ١١ سنة و١٢ سنة كان شايل السلاح وكان بيقاتل، واستطاع انه يوقف الدبابات الإنجليزية، واستطاع انه يوقف القوات المقتحمة الإنجليزية.

الشعب كله قام تحت السلاح؛ علشان يقاتل، وعلشان يدافع عن حريته وعن استقلاله، والشعب كله أصبح جيش، القوات المسلحة مع الشعب، قوات البوليس اللى هى مسئولة الحماية عن الأمن أصبحت جيش تدافع عن وطنها، وتدافع عن شرفها، وتدافع عن عزتها، وتدافع عن كرامتها، وتدافع عن استقلالها.

دى المعركة اللى احنا دخلناها، دخلنا معركة كبيرة تشترك فيها ٣ دول، بنحارب فى جبهات متعددة؛ بنحارب فى سيناء ونحارب فى بورسعيد. الشعب أصبح تحت السلاح بيحارب، وزعنا حوالى نص مليون قطعة سلاح.. لأول مرة فى تاريخ مصر وزع على الشعب سلاح – نص مليون قطعة سلاح – لأن احنا نعتبر ان الشعب بيشعر بحريته الحقيقية، ونعتبر ان الشعب إذا أخذ هذا السلاح فإنه سيدافع به عن حرية مصر، وعن وطنه وعن أرضه.

لأول مرة فى تاريخ مصر وزع هذا العدد من السلاح على الشعب المصرى من إسكندرية إلى أسوان، وكانت مصر كلها تمثل جيش متحد متضامن؛ يهب للقتال دفاعاً عن حريته، ودفاعاً عن كرامته.

الجيش قاتل والشعب قاتل فى بورفؤاد زى ما تعرفوا كلكم، جميع الضباط اللى كانوا موجودين فى الوحدة فى بورفؤاد قاتلوا وماتوا فى أماكن القتال فى بورسعيد، الشعب قاتل والجيش قاتل، الطيران أيضاً قاتل.. قاتل فى الأيام الأولى للمعركة قبل ما تدخل إنجلترا وفرنسا.. قاتل قتال الأبطال.

وأنا اتكلمت قبل كده عن دور الطيران، فيه حاجة ما اتكلمتش عنها وماحدش يعرفها لغاية دلوقت: إيه دور الطيران يوم ٥ ويوم ٦؟

بعد ما بدأ الإنجليز والفرنساويين يضربوا مطاراتنا، احنا نقلنا.. أو سلاح الطيران نقل عدد من طيرانه إلى مطار سرى فى قليوب؛ اللى هو طريق مصر – إسكندرية الجديد. من طريق مصر – إسكندرية اشتغل الطيران المصرى يوم ٥، واشتغل الطيران المصرى يوم ٦، ويوم ٦ نوفمبر؛ اللى هو أخر يوم قبل إيقاف القتال، خرجت الطائرات المصرية الساعة ٥ بعد الظهر وهاجمت القوات البريطانية فى مطار الجميل ورجعت، وفيه ضابط منهم تتبعته طيارات معادية، وكان يعتبر ان هذا التتبع قد يكشف هذا المطار السرى، وكان – فى نفس الوقت – البنزين بتاعه أو البترول بتاعه قرب يخلص؛ ففضل انه ينزل فى الغيطان – فى قليوب – عن انه يوصل وينزل فى المطار، ويكشف المطار للطيارين الإنجليز والفرنساويين.

ونزل هذا الطيار فى الغيطان فى قليوب.. طبعاً الأهالى هناك افتكروه طيار إنجليزى، وهجموا عليه بالفؤوس وراحوا أسروه من الطيارة، ولكن عرفوا انه طيار مصرى.

سلاح الطيران، رغم الغدر ورغم هجوم بريطانيا وفرنسا؛ استطاع انه يشترك فى المعركة يوم ٥ و٦، واستطاع انه يضرب أمثلة فى البطولة؛ لأن الطيارات ماكانتش بتقوم من المطار، الطيارات كانت بتقوم من طريق مصر – إسكندرية.. الطريق الجديد اللى عند قليوب.

دا مثل من أمثلة البطولة.. المعركة اللى فاتت ورتنا أمثلة من البطولة فى كل ميدان، وفى كل مكان، خلتنا اللى ماكانش بيثق فى نفسه أصبح بيثق فى نفسه، واللى ماكانش بيثق فى أخوه أصبح بيثق فى أخوه، واللى كانوا زمان بيقولوا مافيش فايدة بيعرفوا ان فيه فايدة، وان احنا أما بندافع عن بلدنا.. أما تكون بلدنا نستطيع أن ندافع ونقاتل قتالاً مريراً، وان احنا إذا كنا هزمنا قبل كده فى السنين الماضية، ماهزمناش لأن احنا قصرنا فى القتال، وماهزمناش لأن احنا جبنا، وماهزمناش لأن احنا هربنا؛ ولكن كان السبب الأول وكان السبب الأوحد فى الهزيمة الخيانة.

سنة ١٨٨٢ هاجم الإنجليز إسكندرية، ضربوها بالمدفعية، وحرقوا إسكندرية، ونزلوا فى إسكندرية وتقدموا إلى كفر الدوار. وقام الشعب المصرى يقاتل الإنجليز، يقاتل فى الشوارع، وقام الجيش المصرى يقاتل الإنجليز، وقاتلهم فى كفر الدوار، ووقف الإنجليز وتعطلوا قدام كفر الدوار ٣ أسابيع؛ ما استطاعوش انهم يكسروا الخط المصرى، وبالعكس تقهقروا وانسحبوا قدام الجيش المصرى؛ جيش عرابى فى هذا الوقت، وخرجوا، راحوا رجعوا للإسكندرية وركبوا مراكبهم. ولكن تدخلت الخيانة.. تدخل “ديلسبس” وتدخل الخديوى، وجم بالخديعة والغدر من قنال السويس، ودخلوا سراً لغاية ما نزلوا فى الإسماعيلية، وتقدموا من الإسماعيلية والسويس إلى القاهرة، واستولوا على القاهرة، واحتلونا ٧٥ سنة.

احنا احتلنا الإنجليز ٧٥ سنة مش علشان قصرنا فى قتالهم، مش علشان مادافعناش عن بلادنا، مش علشان مادافعناش عن كرامتنا؛ ولكن لأن الخيانة كانت موجودة فى هذا البلد.

فى سنة ٥٦ ماكانش فيه خونة فى مصر؛ استطعنا ان احنا ننتصر، كانت مصر مطهرة من الخونة، قام الشعب المصرى وقاتل زى ما قاتل سنة ١٨٨٢، واستطاع أن ينتصر؛ لأن الشعب المصرى فطن انه لابد أن يقضى على الخيانة، وأن يقضى على أعوان الاستعمار؛ حتى يقضى على الاستعمار، وحتى يقضى على العدوان.

سنة ٥٦ كانت بورسعيد تقاوم، وكانت بورسعيد تقاتل، وكان خلف بورسعيد شعب بأكمله يقاوم ويقاتل، شعب بأكمله مصمم على الحرب الشاملة، شعب بأكمله تحت السلاح.

بهذه الروح – وبعون الله – استطعنا أن ننتصر، وكان لهذا الانتصار – أيها الإخوة – نتائج.. نتائج كبيرة، نتائج ستبقى على مر الزمن، وستبقى على مر الأيام.

استطعنا ان احنا نثبت الاستقلال اللى احنا حصلنا عليه، استطعنا ان احنا نبين للعالم ان سياسة الحياد الإيجابى سياسة سليمة.. انتصرت، ساعدتنا هذه السياسة فى هزيمة الدول الكبرى، ساعدتنا فى تجميع الرأى العالم العالمى معانا، ساعدتنا فى مساعدة الضمير العالمى ضد العدوان.

انتصرت القومية العربية، كانت بورسعيد أول تجربة لمعركة تدخلها القومية العربية، اشترك العرب كلهم فى معركة بورسعيد.. فى كل مكان.. كل مكان كان العرب بينادوا للقتال، وفى كل مكان كان العرب بيهددوا مصالح المعتدين ومصالح المستعمرين. اتسع ميدان القتال، أصبح ميدان القتال مش بورسعيد بس، ولكن أصبح ميدان القتال البلاد العربية كلها. مااصبحتش العساكر الإنجليز اللى فى بورسعيد هى اللى مهددة بالفدائيين وبحرب العصابات فى داخل بورسعيد، ولكن أصبحت مصالح الاستعمار كلها مهددة فى كل مكان فى الوطن العربى؛ فانتصرت القومية العربية، وكانت معركة بورسعيد أول انتصار حقيقى للقومية العربية.

طبعاً نتيجة معركة بورسعيد كان تأكيد ملكية القنال، الاستقلال الاقتصادى، وتمصير المؤسسات الخاصة بالدول المعتدية. كانت معركة بورسعيد تأميناً لكل الدول الصغرى، وكانت معركة بورسعيد تثبيتاً لحريات الدول اللى حصلت على استقلالها حديثاً فى آسيا وإفريقيا.

ولو كانت الحرية والاستقلال انكسروا أو انهزموا فى بورسعيد، لكانت الحرية انكسرت وانهزمت فى باقى العالم؛ وبالأخص فى آسيا وإفريقيا، وطبعاً زى ما قلت لكم: كان نتيجة معركة بورسعيد بيع أساطيل إحدى الدول المعتدية.

أيها المواطنون:

كانت هذه معركة الاستعمار الرئيسية.. انتصرنا فيها لأن مافيش مكان لأعوان الاستعمار بيننا فى أرضنا.. عرفنا الداء اللى قاسينا منه فى الماضى؛ أعوان الاستعمار تخلصنا منهم؛ وبهذا لم تصبح للخيانة أى فرصة فى هذا الوطن.

ولكن بعد الانسحاب من بورسعيد هل يئس الاستعمار أو تخلى عن أغراضه أو تخلى عن أهدافه؟ قطعاً الاستعمار لم ييأس، وحينما انهزم فى المعركة السافرة – زى ما قلت لكم – بدأ معارك مستترة، وبدأ معارك مريرة استخدم فيها أعوان الاستعمار فى باقى البلاد العربية؛ علشان يعزل مصر ويخضع مصر، ويقضى على شعلة الحرية اللى انبثقت فى مصر بثورة ٢٣ يوليو.

الاستعمار لم ييأس ولم يسلم بالهزيمة؛ ولكنه بدأ يبحث عن الخديعة، وبدأ يبحث عن الخيانة، الاستعمار أو الدول الاستعمارية اللى كانت موجودة.. إنجلترا اللى كانت موجودة هنا ٧٤ سنة، وكان عندها فكرة إنها ممكن تجد بين أبناء مصر دائماً ناس يعملوا لحسابها؛ زى الحكام السابقين، وإنتم كلكم عارفين كانوا بيعملوا لحساب مين، بدأت تبحث.. طبعاً ماكانش من السهل انها تجد مناها، وكانت بورسعيد بالنسبة لهم مفاجأة، ورغم هذا لم يتعظوا ولم يسلموا ان شعب مصر أصبح يؤمن بنفسه.. كانت مفاجأة لهم ان العمال فى بورسعيد رفضوا انهم يعملوا معاهم؛ رغم الأجور السخية اللى ادوها لهم، وكانت مفاجأة لهم ان المحلات فى بورسعيد رفضت انها تفتح أو تتعاون معاهم، كانت مفاجأة لهم ان المواطنين فى بورسعيد أعلنوا المقاومة السلبية والمقاومة المسلحة، وأعلنوا انهم مابيتعاونوش مع العدو.

ماكانوش منتظرين هذا، كانوا فاهمين ان أما حينزلوا بورسعيد حيجدوا من المصريين من يتعاونون معهم ضد وطنهم، وضد بلدهم، وضد إخوانهم.

وكلكم عارفين ازاى العمال رفضوا يشتغلوا، ازاى المحلات رفضت تفتح، وازاى اعتقلوا أصحاب هذه المحلات؛ ورغم هذا رفضوا انهم يفتحوا، وازاى أهالى بورسعيد رفضوا انهم يتعاونوا مع المعتدين من الناحية السلبية، وبعد هذا ازاى كنتم بتتحدوهم علناً بالمنشورات والكتابات اللى على الحيطة، و”إيدن” اللى متعلق فى السلك و”موليه” و”بن جوريون”!

دا كان الإنجليز بيعتبروه حاجة غريبة.. مفاجأة قطعاً؛ لأنهم كانوا زمان بيقابلوا الحكام وبيقابلوا الخضوع، وكان المستشار يغير أى قرار، وماكانش رئيس الوزارة يقدر ياخد أى قرار إلا إذا وافق عليه المندوب السامى أو السفير البريطانى، وكانت القوانين لازم ياخدوا تصديق عليها، والقانون اللى ما يعجبش… هم فاهمين ان الشعب المصرى كله بهذا الشكل، مافهموش ان الشعب المصرى كان دائماً يقاتل فى سبيل هذه الحرية.. قاتل سنة ٣٠ وسنة ٣٦، قاتل سنة ١٩ وقبل سنة ١٩، ولكن كانت هناك فئة قليلة من أعوان الاستعمار؛ كانت هناك فئة قليلة من الخونة هى اللى بتتحكم فى هذا الشعب، وبتعمل على هزيمته.

أما نزلوا فى بورسعيد وقابلوا الشعب وجهاً لوجه بدون خونة وبدون أعوان استعمار، شافوا شعب مصر على حقيقته، ولكن هل اقتنعوا بهذا؟ لم يقتنعوا أبداً. وبعد هذا برضه بحثوا عن أعوان الاستعمار فى مصر علشان يتآمروا، وعلشان – زى ما قلت لكم – يقضوا على شعلة الحرية اللى طلعت من مصر، يقضوا على المبادئ اللى بتعتنقها مصر وبتنشرها النهارده فى جميع المنطقة، لا نخضع لمناطق النفوذ.. سياستنا تطلع من بلدنا.. احنا أصحاب الحق فى بلدنا.. مش ممكن ندى بلدنا للمحتكرين.. مش ممكن نخضع للمستعمرين. بعد أن فشلت القوات المسلحة وبعد أن فشل العدوان المسلح بدأ الاستعمار يبحث عن الخيانة، وبدأ الاستعمار يبحث عن أعوان الاستعمار، لم يستطع الاستعمار- يا إخوانى – انه يجد فى مصر أعوان الاستعمار يتعاون معاهم.

كان الاستعمار يبحث فى المنطقة.. الدول المتحررة فى المنطقة.. مصر وسوريا والأردن فى هذا الوقت، وبدأت المؤامرات ضد مصر وسوريا والأردن. نجح أعوان الاستعمار – بكل أسف – فى الأردن، ولكن أنا أعتبر ان هذا النجاح نجاح مؤقت. هزم أعوان الاستعمار والخيانة فى سوريا، وبدأت مؤامرات طويلة ضد مصر على نفس النمط.. بدءوا يبحثوا عن مصريين يتعاونوا معاهم، ويتعاملوا معاهم لإقامة حكم فى مصر يخضع للاستعمار؛ ولكن حينما لم يجدوا فى مصر، بدءوا يبحثوا عن المصريين اللى موجودين بره مصر. وطبعاً أما يبحثوا عن المصريين اللى موجودين بره مصر، هيدوروا على زباينهم القدام اللى كانوا بيتعاملوا معاهم قبل الثورة.

لقوا بعض الناس، وبدأ هؤلاء الناس يعملوا كوسطاء بين الدول الاستعمارية؛ علشان يحققوا هدفها فى مصر، وبدأت المؤامرات أساساً من بيروت؛ لأن هؤلاء الناس كانوا – فى هذا الوقت – موجودين فى بيروت.

بحث الاستعمار ما وجدش فى بيروت إلا شخصين ممكن انه يتعامل معاهم..

الشخص الأول كان وزير داخلية أيام فاروق؛ اللى هو مرتضى المراغى، والشخص الثانى واحد من عيلة فاروق؛ اللى هو حسين خيرى، وبدءوا دول يعملوا على بث روح التآمر فى داخل مصر، وكانت خطتهم انهم يتصلوا بأحد الضباط المصريين ليتصلوا بالضباط المصريين جوه فى مصر؛ ثم يعملوا لحسابهم ولحساب الدول الاستعمارية.

وبدأت المحاولات، واستطاع الخونة انهم يتصلوا بأحد الضباط المصريين، وادوله ألف جنيه فى أول مرة، وبعد كده وعدوه بآلاف أخرى، واستمرت هذه الآلاف اللى كان بيقبضها الضابط المصرى لغاية ما وصلت ١٦٢ ألف جنيه ونص؛ علشان العمل للتخلص من هذه الحكومة، وإقامة حكومة أخرى تخضع للاستعمار وتكون من أعوان الاستعمار.

الكلام دا بقى له أكتر من سنة.. الألف جنيه الأولى أخدها الضابط المصرى من سنة، الضابط المصرى دا كان من المخابرات، طبعاً هم لم يفطنوا، واستمرينا مدة سنة نتصل بهم، وكان هدفنا فى هذا ان احنا نؤمم المؤامرات أيضاً، بدل ما يتصلوا بناس تانيين.

هذا الضابط المصرى اللى كان متصل بهؤلاء الخونة… الخونة دول كانوا يمثلوا عيلة الملك فاروق، وكان فيهم واحد أيضاً اسمه ناموق يمثل عيلة آل عثمان، وكانوا بيتكلموا على أساس أن يستعيدوا المجد الماضى، ويستعيدوا العزبة اللى فقدوها يوم ٢٣ يوليو، بمعاونة طبعاً الدول الاستعمارية. الضابط اللى اتصل بالناس دول، واللى سلموه ١٦٢ ألف جنيه ونصف، وسلمهم لنا؛ سلمهم للحكومة، أثبت أيضاً ان فيه روح جديدة فى مصر؛ مافيش واحد مستعد يبيع بلده بأى ثمن. كان ممكن الضابط دا يأخذ الفلوس ولا يعملش حاجة، ولكن يستفيد.. يستفيد بألف جنيه، بـ ٥٠ ألف جنيه، بـ ١٠٠ ألف جنيه، بـ ١٦٢ ألف جنيه ونصف؛ يعنى يبقى من أغنى أغنياء مصر.

ولكن هذا الشخص رفض؛ لأنه يؤمن بكم، يؤمن بوطنه، يؤمن بالمبادئ اللى احنا بننادى بها.. هذا الشخص من أول يوم مشى فى هذه المؤامرة وكان غرضه خداع هؤلاء المتآمرين، وفى نفس الوقت أيضاً ابتزاز أموالهم لغاية ما جاب الـ ١٦٢ ألف جنيه، النهارده الـ ١٦٢ ألف جنيه ونص اللى دفعوهم المتآمرين علينا أنا أهديهم لبورسعيد ولأهل بورسعيد. (تصفيق حاد).

الأموال اللى أرادوا بها الشر نستخدمها فى الخير، والأموال اللى أرادوا بها الغدر – الدول الاستعمارية، وأعوان الاستعمار العرب معاهم – نستخدمها فى الخير.

الضابط المصرى أقول لكم على اسمه؛ هو ضابط من سلاح الطيران، اسمه عصام الدين محمود خليل، وأنا باسم الشعب المصرى اللى الضابط دا عمل من أجله، ولم يغره المال، باسمكم أهديه وسام الاستحقاق فى هذه المناسبة.

الـ ١٦٢ ألف جنيه ونص الحكومة تكملها لنص مليون جنيه لإنشاء مصانع تعاونية فى بورسعيد، أرباحها السنوية توجه للصناعة تكسب سنوياً حوالى ٥٠ أو ٦٠ ألف جنيه، الربح دا ما يتوزعش على حد، ولكن يوجه للصناعة؛ من أجل تحقيق نصيب بورسعيد فى مشروع الخمس سنوات.

وأكثر من ذلك – أيها الإخوة – احنا النهارده يحق لكل واحد فينا انه يفخر.. يفخر لأن احنا انتصرنا فى معركة السلاح، وانتصرنا فى معركة الطيارات.. وانتم عارفين ما خوفتكوش الطيارات، وكنتم بتحاربوا والطيارات بتضرب فيكم والأساطيل بتضرب، ما خوفتناش الطيارات ولا القنابل ولا الرصاص؛ وبعون الله.. بعون الله  انتصرنا فى معركة السلاح.

كل واحد فيكم يفخر أيضاً.. يفخر بنفسه، ويفخر بإخوانه؛ لأن احنا انتصرنا فى معركة الخيانة.. ما لاقوش فى داخل مصر خائن يعتمدوا عليه، أما مرتضى المراغى دا طبعاً من العهد البائد، وأبوه عالم؛ ولكن فيه مثل بيقول “يخلق من العالم فاسد”، ممكن طبعاً ان احنا نقبل هذا الكلام. حسين خيرى ما اعتبروش أبداً انه منا، ناموق دا طبعاً من آل عثمان، طردوهم زمان من تركيا، بيدوروا لهم النهارده على حتت يكسبوا منها.

المبلغ اللى احنا خدناه أنا قلت عليه إنه ١٦٢ ألف جنيه ونص؛ علشان اللى ادوهم الفلوس يحاسبوهم؛ لأن قطعاً ادوهم أكثر من ١٦٢ ألف جنيه ونص؛ وانهم سرقوا تقريباً نص الفلوس، وكانوا بيتاجروا على أساس انهم يعملوا بهذه الفلوس شىء.

انتصرنا على معركة السلاح، وانتصرنا على الغدر والخيانة، وأصبح كل واحد فينا بيثق بنفسه ويثق ببلده، يثق بأخيه، نشعر بالفخر والعزة.

بورسعيد النهارده فى كل مكان بيذكروها انها رمز للوطنية، رمز للبسالة، رمز للتضحية، رمز لكفاح الشعوب، رمز لهزيمة الدول الكبرى، رمز لهزيمة المستعمرين، بورسعيد حتبقى نقطة تحول فى تاريخ العالم؛ لانها أثبتت ان العدوان كسلاح انتهى، وان الشعوب تعلمت انها تحارب حرب شاملة؛ كل واحد فيها يحمل السلاح.

النهارده بورسعيد.. هذه المدينة اللى قاتلت واستبسلت.. من بورسعيد.. هذه المدينة التى تعرضت لغدر الدول الكبرى والدول العظمى.. من بورسعيد اللى تعرضت لآخر معارك حربية اشتركت فيها الدول العظمى.. بورسعيد اللى كانت أخر هدف للعدوان، ننظر للعالم.. ننظر للعالم من حولنا ونشوف الدنيا فيها إيه، ونكلم العالم من بورسعيد اللى قاست.. بورسعيد اللى هدوا بيوتها وبنتها تانى.. بورسعيد اللى ضربوها بالقنابل ولم تسلم.

نبص للعالم نجد أن العدوان لازال سبيلاً من سبل الدول الكبرى. نبص نلاقى الجزائر بتقاتل قتال مرير وقتال شامل ضد فرنسا، وأسلحة حلف الأطلنطى، وانتم عارفين هنا الطيارات اللى كانت بتهاجمنا أيضاً كانت طيارات حلف الأطلنطى. نبص نلاقى فلسطين وشعب فلسطين حرم من حقوقه؛ لأن الدول الكبرى أرادت انه يحرم من حقوقه. نبص نلاقى قبرص بتقاتل فى سبيل تقرير المصير، وفى سبيل حقها فى الحياة. نبص فى جنوب شرق آسيا نجد أن جزءاً من إندونيسيا محتل، وان إندونيسيا من سنة ٥٠ بتطالب بالمفاوضات مع هولندا من أجل إريان الغربية، ولكن ماحدش بيسأل عنها. نبص ورانا فى إفريقيا نجد ان شعب إفريقيا بيقاتل قتال مرير، أخباره ممنوعة من انها تظهر.. شعب إفريقيا بيطالب بحقه فى الحياة، بيطالب بالمساواة، بيطالب بالحرية، بيطالب بالاستقلال.

النهارده من بورسعيد نتجه إلى العالم كله ونطالب بتثبيت قواعد العدالة وحق تقرير المصير، نبص من بورسعيد للعالم كله ونطالب بأن تعطى كل دولة مستعمرة استقلالها لتحكم نفسها بنفسها، نطالب بالقضاء على التمييز العنصرى فى إفريقيا، وأن يكون لأهل إفريقيا حق مساو لجميع السكان اللى موجودين فى بلدهم.

النهارده من بورسعيد نبص للعالم كله ونقول له: ان احنا رغم ان احنا ابتلينا بالعدوان، ورغم ان فيه دول كبرى اعتدت علينا؛ ولكن كان هدفنا السلام، وهدفنا اليوم السلام، وحينما أرادوا أن يفرضوا علينا الاستسلام قاتلنا من أجل السلام، والنهارده أيضاً – أيها الإخوة – نعمل من أجل السلام، ونبنى من أجل السلام.

النهارده مصر.. وأنا باسم مصر أوجه من بورسعيد دعوة إلى العالم كله من أجل السلام، ومن أجل العمل للسلام، ومن أجل نبذ الحروب، ومن أجل إزالة التوتر، ومن أجل القضاء على الحرب الباردة. النهارده مصر تطلب من العالم كله انه يعمل بكل طاقاته من أجل دفع شبح الحرب. احنا شفنا الحرب فى بورسعيد، وقاسينا من الحرب فى بورسعيد، أما الحرب اللى حتقوم، إذا كانت حرب عالمية، حتكون حرب شاملة؛ فيها الأسلحة الذرية والأسلحة الهيدروجينية، حتموت بالملايين، هتقضى على الإنسانية، هتقضى على الحضارة.

النهارده احنا باعتبارنا جزء من الإنسانية وجزء من البشرية ابتلى بالعدوان من الدول الاستعمارية؛ نطالب بمنع التجارب الذرية، ونطالب بتحريم الأسلحة الذرية، ونطالب بالعمل من أجل السلام، ونطالب بنزع السلاح. النهارده من بورسعيد نبص للعالم ونجد ان المحاولات اللى عملت لإعطاء أسلحة ذرية لدول أكبر ولتخزين الأسلحة الذرية فى أوروبا وفى تركيا؛ اللى هى دولة مجاورة لنا فى الشرق الأوسط، ونقول: إن دا يعتبر تهديد لنا، ان احنا بنخاف على مصير العالم، وبنخاف على مصيرنا من هذه الأسلحة الذرية، وان احنا بنطالب العالم كله انه يعمل من أجل السلام، وان العالم يتطلع إلى سلام مستديم، والشرق الأوسط أيضاً يتطلع إلى سلام مستديم.

إن مصر – أيها الإخوة – رغم ما قاسيناه.. ان احنا بنتبع سياسة عدم الانحياز، سياسة الحياد الإيجابى، علشان نكبر معسكر السلام؛ لأن العالم إذا انقسم إلى معسكرين، وأصبحت دول العالم منقسمة؛ جزء منها مع هذا المعسكر، وجزء مع المعسكر الآخر؛ لابد أن تقوم حرب، ولابد أن تقاسى البشرية الأهوال.

النهارده احنا حينما ننادى بالحياد الإيجابى، وحينما ننادى بعدم الانحياز؛ إنما نعمل على كسر حدة التوتر، وإنما نعمل على إبعاد شبح الحرب، وإنما نعمل على تثبيت السلام، وعلى تدعيم السلام.

النهارده – يا إخوانى – نبص للماضى بانتصاراته، نبص للماضى بمعاركه، ونبص للماضى بتاعنا بشهدائه، ونبص للأعلام بتاعتنا اللى رفعناها بالنصر، ونفتكر الأعلام بتاعتنا اللى ضرجت بالدماء، ونتجه إلى المستقبل لنعمل ونبنى من أجل السلام، نعمل ونبنى من أجل خلق وطن متحرر قوى، نعمل ونبنى من أجل رفع راية الحرية، وراية المساواة وراية الاستقلال.

النهارده من بورسعيد خرجنا أقوى مما كنا، وأشد عزماً وأقوى إيماناً، النهارده من بورسعيد نقود هنا فى مصر راية السلام، وراية الحرية، ونعمل بكل طاقاتنا من أجل تثبيت السلام، ومن أجل تثبيت الحرية. وفقكم الله.

والسلام عليكم ورحمة الله.

http://nasser.bibalex.org/Speeches/browser.aspx?SID=569&lang=ar